صور الانحراف الكمي أو الكيفي في غريزة حب التملك و علاج القران الكريم و السنة النبوية لها
المال هو كل شيء ذو قيمة، و يكتسب هذه القيمة من طلب الناس له، فكل ما يزهد الناس في الشيء تقل قيمته و كلّما يتدافع الناس عليه يزداد قيمته، و يدخل في تقييم الشيء عامل الندرة، فالعلاقة بين ندرة الشيء و قيمته عِلاقة عكسية، فكلما ندر الشيء زادت قيمته و كلما زاد الشيء قلت قيمته. و الأمثلة على ذلك كثيرة فالذهب و الفضة و الجواهر مثل الماس و اللؤلؤ و المرجان و غيرها من الجواهر هذه الأشياء يغلب عليها ازدياد طلب الناس عليها لندرتها في حين الحال في التراب غير ذلك فكثرته و عدم أزدياد طلب الناس عليه فقيمته زهيدة.
هذا المعيار معيار نسبي و متغير، فلماذا هو نسبي و متغير؟ نسبي لان الناس و الأشياء تختلف من مكان إلى اخر و لذلك كان هذا السبب في قيام العلاقات التجارية بين البشر، أما أنه متغير لان الأشياء و الناس تتطور حاجاتها عبر الزمن و المكان إلى قيام الساعة. فقد قامت العلاقات بين البشر لإشباع حاجاتها ، فهذا الفلاح يزرع و يحصد و هذا الصانع يصنع و هذا التاجر ينقل الأشياء من مكان إلى اخر و يعرضه للبيع في مكان أخر ، سبحانه و تعالى في سورة قريش حين قال (لِإِيلَٰفِ قُرَيۡشٍ (1) إِۦلَٰفِهِمۡ رِحۡلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيۡفِ (2) فَلۡيَعۡبُدُواْ رَبَّ هَٰذَا ٱلۡبَيۡتِ (3) ٱلَّذِيٓ أَطۡعَمَهُم مِّن جُوعٖ وَءَامَنَهُم مِّنۡ خَوۡفِۭ (4))، هذه الرحلات كانت للتجارة و هي رحلتي اليمن و الشام و ذكر في هذه السورة أهم نعمتين من نعم الله سبحانه و تعالى على أهل مكة و هو الأمن الغذائي و الأمن النفسي و يندرج تحتهما نعم كثيرة متولدة عنها . و سبحانه تعالى حين جعل نقصانهما من أيات البلاء و صدق حين قال (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155))سورة البقرة.
و قد جعل الله سبحانه و تعالي تحكم تملك المال و تداوله بين الناس و الأيات في ذلك كثيرة نذكر منها قوله و تعالى(وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)سورة البقرة آية (275)و قالت تعالى في اثبات تداول الاموال (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ)سورة البقرة الأية (282)، و استثنى من الكتابة لسرعة تداول الأموال و العلاقات التجارية التي تتطلب طبيعتها عنصر السرعة في التبادل حين قال (إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةٗ تُدِيرُونَهَا بَيۡنَكُمۡ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَلَّا تَكۡتُبُوهَاۗ)سورة البقرة الأية (282).
لماذا أتناول هنا غريزة حب التملك؟ لأنها الغريزة الأكثر قربًا و اتصالًا بالأموال، ما هى هذه الغريزة ؟ إنها غريزة حب التملك هي دافع طبيعي في الإنسان للسعي إلى الحصول على الممتلكات المادية والمعنوية، وتحقيق السيطرة عليها. و تحكم هذه الغريزة قوانين أخلاقية و نظامية حتى لا تتحول الحياة الى فوضى .
و الخلل الكمي في غريزة حب التملك ، هو عدد الجرائم الناتجة عن غريزة حب التملك و هي تشكل جرائم تُعد من أكثر الجرائم شيوعًا في المجتمعات، وتشمل سرقات الأموال والممتلكات، وجرائم الاحتيال، والتزوير و الرشوة و ما شاكلها من جرائم الاعتداء على المال العام. و هى تشكل نسبة كبيرة من الجرائم الاقتصادية على مستوى العالم. هذا عن الخلل الكمي و أما عن الخلل الكيفي فهو أنواع الجرائم الناتجة عن حب التملك فهي جرائم الاعتداء على المال كالسرقة بأنواعها و النصب و خيانة الأمانة و جرائم الابتزاز و جرائم التزوير ، و غيرها كثير من الجرائم التى تتشكل فيها انحرافات تعبر عن تجسد هذه الغريزة في عالم الشهادة و المادة .
هل ترك الله الإنسان دون أن يضع له ضوابط في إشباع هذه الغريزة؟ لم يجعل الله في هذه الحياة شيئًا وا لا جعل له نظام، فالنظام هو سنة من سنن الله و لن تجد لسنة الله تبديل و لا تحويل .
في مقام الحصول على المال ، جعل السعي بالحصول عليه من مصادره المشروعة و حث على السعي و العمل ، قال تعالى (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15)) سورة الملك ، و قال تعالى (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ )﴿٣٩ النجم﴾، و قال تعالى (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ) (البقرة: 188). و قال تعالى(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ) (المائدة: 38).
و قال في مقام تشرّيع الزكاة لتنظيم توزيع الثروات، وللحد من الجرائم الناتجة عن الفقر والطمع(خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا)(التوبة: 103).
و نظم القران الكريم كيفية تداول الأموال بالعقود قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ )سورة المائدة آية (1)، و قال تعالى (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ)(هود: 85). هذا المجال مجال لرسائل دكتوراة لان مقام المقال مساحته وجيز.
و نظم أنتقال المال من السلف الى الخلف بتنظيم المواريث و الوصية ، قال تعالى (لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (7)) سورة النساء.
نخلص من ذلك ما هى غريزة حب التملك، و ما هو الخلل الكمي و الكيفي و الجرائم المتولدة عنها ، و بعض من ضوابط القران الكريم في وضع نظام محكم في أشباع هذه الغريزة لجعلها على الصراط المستقيم تحقيقًا لمصلحة العباد لان الله غنى عنا.
و الله الموفق
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق