الجمعة، 15 نوفمبر 2024

آفة الغرور و الكِبر كسبب من أسباب نوع خاص من الجرائم

 آفتي الغرور و الكبرياء كسبب من أسباب نوع خاص من الجرائم

مقدمة :

    تناولنا آفة الحسد و آفة الغِلّ في منشورات سابقة في هذه المدونة، و الآن تناول آفتين متشابهتين و ليس متطابقتين و الفارق بينهما دقيق آفة الغرور وآفة الكبرياء و يجمعهما أن الجرائم الناتجة عنهما يكاد أن تكون متطابقتين، هب ورد ذكرهما بالقران الكريم؟ نعم ورد ذكرهما إما بطريقة مباشرة و إما بطريقة غير مباشرة ،قال تعالى في محكم آياته (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا)(1)، و قال تعالى في مقام التحذير من الغرور (فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ)(2)، و قال تعالى في مقام التحذير من الكبر (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ)(3)، و قال تعالى (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ)(4)، آفة الغرور بنت آفة الكِبر، أي   أن النفس البشرية لم تغتر إلا  لأنها تكبرت، فحيث توجد الأم توجد بنتها، سنوالى تعريف الكبر و تعريف الغرور و تلمس الفارق الدقيق بينهما، تم نتابع الرحلة بذكر الجرائم التي تتولد عنهما، أن الغوص في النفس البشرية لسبر أغوارها لهو بحث شيق و عجيب، كيف لهذا المخلوق الذي خلق ضعيفًا يحمل بين جنباته كل هذه الآفات التي تهوى به إلى هلاكه  إذا لم يتنبه لها و يعالجها.

  تعريف الكِبر لغويًا: يجمع هذا التعريف معنى الكبر في عبارة موجزة في القواميس العربية(5)، يُعرف الكِبْر على أنه شعور بالتعالي أو الاستعلاء أو العظمة بالنفس، ويرتبط بتضخيم قيمة الذات مع النظر إلى الآخرين بتقليل وازدراء.

تعريف الغرور لغويًا:الغرور في القواميس العربية هو الشعور الزائد بالثقة بالنفس بشكل مبالغ فيه، الذي قد يكون مدفوعًا بالخداع أو الوهم، بحيث يرى الشخص نفسه أفضل من الآخرين ويشعر بتفوقه عليهم دون مبرر حقيقي..

   نلاحظ التقارب و التشابه الشديد بين الكبر و بين الغرور، و لكن هناك فارق بينهما هذا الفارق يتجسد في أن النفس المتكبرة ،يتملكها  شعور بالاعتزاز بالنفس والمحافظة على الكرامة والاحترام الذاتي،  يترافق مع الشعور بالتعالي على الآخرين والاستخفاف بهم، يتسم الكبرياء بحماية صورة الذات، حيث يعتبر الشخص المتكبر نفسه أرفع مكانة وأعلى منزلة من الآخرين. 

       بينما الحال في النفس المغرورة يتملكها شعور مبالغ بالثقة بالنفس مع ميل للانخداع بها، بحيث يعتقد الشخص أنه مميز عن الآخرين، ويرى في نفسه صفات أو إنجازات قد لا تكون حقيقية أو قد يبالغ فيها. ويتسم الغرور عادة بالتفاخر الزائد والتركيز على الذات، وقد يتسبب في دفع الشخص للتهور أو اتخاذ قرارات غير واقعية.

     هذه هي الشعرة الدقيقة بين آفة الكِبر و آفة الغرور، حاولت ما استطعت سبيلًا إلى بيان هذا الفارق ربما أكون قد أوصلت الفكرة للقارئ .، أجهدتنا هذه الآفتين.

   السؤال الذي يطرح نفسه ما  هي الجرائم المتولدة عنهما؟

     يتولد  عن هاتين الآفتين جرائم كثيرة منها ما هو مؤثم  قانوناً ، و منها ما هو  مؤثم أجتماعيًا و لكن شأنهما عظيم و اليك موجز لهذه الجرائم ، و المقام هنا مقام بيان و ليس مقام تفصيل: 

1.جرائم التعدي على حقوق الآخرين: التعدي على الممتلكات الخاصة أو العامة، الاعتداء الجسدي أو اللفظي، والتحايل على الحقوق، و يفسر ذلك أن الشخص المغرور أو المتكبر قد يشعر بأن له الحق في التصرف كما يشاء، وقد يتجاهل حقوق الآخرين ويأخذها أو يتصرف بطريقة تتعدى على ممتلكاتهم.

2. الإساءة اللفظية: القذف، التشهير، السب، والإهانة، الغرور والكِبْر قد يدفعان الشخص إلى التقليل من شأن الآخرين والإساءة إليهم لفظيًا، مما يؤدي إلى تشويه السمعة والتسبب في أضرار نفسية.

3. التنمر:التنمر اللفظي أو الجسدي ،لشخص المغرور أو المتكبر قد يعتقد أنه أفضل من الآخرين، ويستخدم هذه الصورة العليا للتنمر عليهم أو الإيذاء بهم معنويًا أو جسديًا، التنمر يمكن أن يؤدي إلى عواقب قانونية في حالة التعرض للأذى البدني أو النفسي.

4. استغلال السلطة أو النفوذ: الفساد الإداري، المحسوبية، واستغلال النفوذ. لآن الشخص الذي يعاني من الكبرياء قد يستخدم سلطته أو مكانته في المجتمع لتحقيق مصالح شخصية على حساب الآخرين. هذا قد يؤدي إلى انتهاك القوانين بشكل متعمد أو إلى تفضيل مصالحه الخاصة على المصلحة العامة.

5. التزوير: التزوير في الوثائق أو السجلات الرسمية، المغرور أو المتكبر قد يضطر إلى التلاعب بالحقائق أو تزوير الوثائق لإظهار نفسه بمظهر أقوى أو أكثر تأثيرًا. هذا قد يشمل التلاعب بالشهادات الأكاديمية، الأوراق القانونية، أو السجلات التجارية.

6. الاحتيال والخداع: الاحتيال المالي، والخداع. الشخص المغرور قد يتورط في أعمال احتيالية للظهور بمستوى أعلى أو للحصول على مكاسب غير مشروعة، سواء في مجال المال أو التجارة. قد يشمل ذلك الغش في المعاملات المالية أو الكذب لتحقيق أهداف شخصية.

7. رفض الامتثال للقانون: مخالفة القانون بشكل متعمد،المتكبر أو المغرور قد يعتقد أن مكانته تتيح له تجاوز القوانين أو رفض الامتثال لها، مما قد يؤدي إلى مخالفة القوانين المدنية، الجنائية، أو الأخلاقية، مثل عدم دفع الضرائب أو تجاوز حدود السرية.

8. التعالي على النقد: عدم الاستماع للنقد، والتمسك بالرأي الشخصي بشكل غير عقلاني،الشخص المتكبر قد يرفض الاستماع إلى آراء الآخرين أو نصائحهم ويصر على اتخاذ قرارات غير عقلانية بناءً على اعتقاده بأنه الأعلم والأكثر حكمة، مما قد يؤدي إلى أفعال قانونية خاطئة أو الإضرار بالآخرين.

9. التمييز العنصري أو الاجتماعي: التمييز العنصري أو الاجتماعي،الشخص الذي يعاني من الكبرياء قد يتعالى على الآخرين بناءً على جنسهم، عرقهم، أو مكانتهم الاجتماعية. هذا قد يؤدي إلى التمييز والممارسات الظالمة تجاه الفئات المختلفة، وهو ما يعد جريمة في كثير من الأنظمة القانونية.

10. إفساد العلاقات الاجتماعية: التفكك الأسري أو الاجتماعي، الشخص المتكبر أو المغرور قد يتسبب في فساد العلاقات بين أفراد الأسرة أو بين الأصدقاء والزملاء بسبب تصرفاته المتعالية أو أنانيته، مما يؤدي إلى نشوء نزاعات قد تترتب عليها تبعات قانونية.

   توسعت في الكتابة - بقدر ما - عن هاتين الآفتين القاتلتين لما لهما من أثر بالغ على النفس البشرية و لا تخلو النفس البشرية منهما في لحظة أو فترة من فترات حياة الإنسان، و لا أدعى أن نفسي لم تصيبها هاتين الآفتين و لكن على   الإنسان معالجتها  فور ظهورها و ذلك بشئ واحد ذكر هادم اللذات و مفرق الجماعة و هو الموت و الاتعاظ بمن مات قبلنا، أين الجبابرة؟ و التاريخ شاهد  عيان، نستعيذ بالله منهما.

  الله الموفق


______ _____________________

(1)- القران الكريم - سورة الإسراء - آية (37).

(2) - القران الكريم - سورة لقمان - آية (33).

(3)- القران الكريم - سورة الزمر -آية (60).

(4)- القران الكريم - سورة النحل - آية (23).

(5)- في لسان العرب لابن منظور، معجم المعاني الجامع، مختار الصحاح، تاج العروس.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

خُلُقُ الأَنَاةِ: فَضِيلَةُ الصَّبْرِ وَحِكْمَةُ التَّأَنِّي فِي زَمَنِ العَجَلَةِ

خُلُقُ الأَنَاةِ: رِحْلَةُ العَقْلِ فِي نَيْلِ الحِكْمَةِ وَسَكِينَةِ الرُّوحِ مقدمة: حقيقة الأناة وغايتها الإنسانية    يعيش الإنسان المعاصر...