‏إظهار الرسائل ذات التسميات بحث العلاقة بين النفس البشرية و بين الجريمة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات بحث العلاقة بين النفس البشرية و بين الجريمة. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 27 نوفمبر 2024

بحث العلاقة بين النفس البشرية و بين الجريمة

بحث العِلاقة  بين النفس البشرية و بين  الجريمة 

    أهتم القرآن الحكيم بالنفس البشرية أهتمامًا جمًا، فقد جبلت النفس البشرية و فيها الخير و الشر، مصداقًا لقول الله - سبحانه و تعالى - (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)) سورة الشمس، و منح الله الآنسان العقل الذي  هو معياره في الاختيار بين سلوك هذا الطريق أو ذاك، و راعى في تكليفه للإنسان الدرجة التي وصل  إليها نمو العقل و ربطها بالسن، و لكن ليس من اللزوم العقلي عند الوصول إلى سن معين  أن يتحقق كمال نُضْج العقل، فالأمر الذي تشهده الحياة أن هناك تفاوت متعدد الدرجات بين الأفراد، فمنهم من يكتمل نُضْج عقله في سن صغيرة و منهم ما يكتمل نُضْج عقله في سن كبيرة، و هنا تلعب تجارِب الحياة  دورًا هامًا في صقل هذا النُّضْج العقلي.

    و من العجيب أن القرآن الحكيم ذكر ثلاث حالات وصف فيها النفس البشرية، لكل حالة من هذه الحالات الثلاث سمات تتميز بها النفس البشرية، و الفرد قد تمر عليه خلال اليوم الحالات الثلاث أو حالتين أو حالة، ما  هي هذه الحالات الثلاث و السمات التي تميز كل حالة .

   الحالة الأولى - حالة النفس الأمارة بالسوء، قال تعالى (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ) سورة يُوسُف الآية 53، سمات هذه الحالة في مجملها النفس تميل إلى الشهوات والرغبات الدنيوية وتغلب عليها الدوافع السلبية والهوى، تُغري الإنسان باتباع الشهوات وإشباع الرغبات المحرّمة، تميل إلى  العصيان وتقديم المنفعة الآنية على القيم والأخلاق، تُسيطر عليها الأهواء والوساوس وتُعد  هذه الحالة مصدرًا رئيسيًا للسلوكيات الخاطئة والمعاصي و الجريمة.

   الحالة الثانية - حالة النفس اللوامة، قال تعالى (وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) سورة القيامة  الآية 2، و سماتها تلوم صاحبها عند ارتكاب الأخطاء أو التقصير في حق الله أو النفس أو الآخرين، تُراجع أفعالها باستمرار وتبحث عن التوبة والإصلاح، تجمع بين الخير والشر، لكنها تميل إلى الخير، فهي تعكس حالة من الوعي الذاتي والرغبة في تحسين السلوك. تُعتبر مرحلة انتقالية بين النفس الأمارة بالسوء والنفس المطمئنة.

   الحالة الثالثة - حالة النفس المطمئنة، قال تعالى (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ) سورة الفجر الآية 27، وهى الحالة التي يرضى الله عنها و يرضيها، هى حالة من النفس التي وصلت إلى حالة من السلام الداخلي والطمأنينة بفضل الإيمان الكامل بالله واليقين بوعده والالتزام بأوامره. تجدها مطمئنة بذكر الله وثقتها فيه، تتقبل أقدار الله برضى، سواء كانت خيرًا أو شرًا، لا تضطرب أمام التحديات والشدائد، تتمتع بالسكينة في القلب، الإقبال على الطاعات بحب، الإحساس بالأمان والرضا. للوعى لهذه الحالات فيتأمل الواحد منا في أخر يومه، و مراجعة أفعاله خلال اليوم ليستشف منها متى كانت نفسه في هذه الحالة أو تلك، و أن جاز لنا استعارة لغة أهل التجارة و الأعمال فإنه يقوم  بعمل كشف حساب نفسي و سلوكي، كما يراجع حساباته البنكية  في خانات الدائن و المدين، فمراجعة الحساب النفسي و السلوكي لهى أولى  من مراجعة حساباته البنكية.

    أما البحث في العِلاقة بين النفس البشرية و الجريمة، النفس البشرية لها تأثير عميق ومباشر على السلوك الإجرامي، إذ تعتبر النفس من أهم العوامل الداخلية التي تحدد تصرفات الفرد وتوجهاته، سواء كانت إيجابية أو سلبية. هذا التأثير يمكن تحليله من خلال الجوانب التالية:

    دور النفس الأمّارة بالسوء، تمثل مصدر الدوافع الإجرامية نتيجة ميولها للشهوات والهوى حيث  تدفع الفرد للبحث عن إشباع رغباته بأي وسيلة، حتى لو كانت غير مشروعة، و من أنماط الإجرام المرتبطة بالنفس الأمّارة، الجرائم المتعلقة بالشهوات (مثل الزنا والتحرش)، الجرائم الناتجة عن الطمع (كالسرقة والاحتيال)، جرائم العنف بدافع الانتقام أو الغضب.

    أما عن دور النفس اللوامة، تقلل من احتمالية الإجرام بسبب دورها في محاسبة الذات والندم على الأخطاء، تشكل آلية رِقابة ذاتية تمنع الإنسان من التمادي في الخطأ. عند ارتكاب الفرد فعلًا خاطئًا، فإن النفس اللوامة تجعله يشعر بالذنب وتدفعه للتوبة وتصحيح المسار بدلًا من تكرار الفعل الإجرامي. المجرمون الذين  لديهم نفس لوامة قد يعترفون بجرائمهم أو يعيدون الحقوق لأصحابها. فهي تقلل من الجرائم المتكررة وتحث على الإصلاح.نجد أن الحالة الأولي و الثانية من حالات النفس البشرية تستأثر بهذه المساحة منطقة الجريمة، لآن الجريمة هي هوى النفس الذي يدفعها إلى ارتكاب فعل مجرم بعد الموازنة بين ارتكاب الفعل و بين سعر العقوبة

   أما عن دور النفس المطمئنة فهي نادرًا أن ترتكب الجرائم، و قلنا نادرً، لآن الكمال المطلق لله وحده. 

  نعرض الآن لصنف من المجرمين يوازنون بين الجريمة وسعر العقوبة قبل ارتكاب أفعالهم، خاصة إذا كانوا يتمتعون بقدر من الوعي والتخطيط. يُطلق على هذا التوجه في علم الإجرام "حساب التكلفة والمنفعة"، حيث يقارن المجرم بين المكاسب المحتملة من الجريمة والمخاطر أو التكاليف المترتبة عليها. ومع ذلك، فإن هذه العملية ليست ثابتة وتعتمد على عدة عوامل، هي: 

   كيف يوازن المجرم بين الجريمة والعقوبة؟ ، تحليل المكاسب بالتفكير في الأرباح أو الفوائد الناتجة عن الجريمة (مثل المال، الانتقام، المكانة الاجتماعية، أو إشباع رغبة)، ثم تقييم المخاطر:تحليل احتمال القبض عليه، نوع العقوبة وشدتها، وقدرته على تجنب العقوبة(الهروب، التلاعب القانوني)، ثم اتخاذ القرار إذا رأى المجرم أن المكاسب تفوق العقوبة، قد يقرر المضي في ارتكاب الجريمة.

   هناك عوامل أخرى مؤثرة لا مجال للتطرق إليها هنا حيث يقصر الكلام هنا على بحث العِلاقة بين النفس البشرية و الجريمة، و حالات النفس البشرية و تأثيرها في الجريمة، و تحديد كل حالة من حالات النفس البشرية و دورها في الجريمة، و خلصنا إلى أن الحالة الأولي و الثانية للنفس البشرية لها دور فاعل في ارتكاب الجريمة، مع ندرت الجرائم المرتكبة في الحالة الثالثة للنفس البشرية، و تتطرق حديثنا إلى ألية تفكير المجرم عند الموازنة بين الإقدام على ارتكاب الجريمة و بين الإحجام عن أرتكابها. قد أفلح من زكاها و قد خاب من دسها.

  الله الموفق


خُلُقُ الأَنَاةِ: فَضِيلَةُ الصَّبْرِ وَحِكْمَةُ التَّأَنِّي فِي زَمَنِ العَجَلَةِ

خُلُقُ الأَنَاةِ: رِحْلَةُ العَقْلِ فِي نَيْلِ الحِكْمَةِ وَسَكِينَةِ الرُّوحِ مقدمة: حقيقة الأناة وغايتها الإنسانية    يعيش الإنسان المعاصر...