صناعة الضمير و أثرها الإيجابي على انخفاض كمى في أرتكاب الجريمة
مقالنا اليوم، يعرض للعلاقة بين صناعة الضمير الإنساني و دوره الفاعل و أثره في التقليل من كم أرتكاب الجريمة، لآن الجرائم مهما اختلفت صورها إلا أن بذرتها تنمو في نفس بشرية غير سوية، فالجريمة ثمرة هذه البَذْرَة، و الجريمة أيضاً تعبر عن أختلال في الضمير الإنساني القويم ، أذن فأن صناعة ضمير أنساني قويم ينشأ عنه أنخفاض في كم الجرائم المرتكبة ، و خاصة أن الرقابة الخارجية على الإنسان تعجز عن المراقبة أربعه و عشرون ساعة، فالحل في الرِّقابة الداخلية و هو الضمير، ما هو هذا الضمير ؟ و كيف نصنعه ؟ و ما هو أثره الإيجابي في خفض كمى في ارتكاب الجريمة؟
تعريف لفظة ضمير في قواميس اللغة العربية ،استعدادٌ نفسي لإِدراك الخبيث والطيب من الأعمال والأَقوال والأَفكار، والتفرقة بينها، واستحسان الحسن واستقباح القبيح منها.
الضمير هو الوعي النابع من داخل النفس البشرية الذي يساعد الأفراد في تمييز الصواب من الخطأ.و خير من جسد هذا المفهوم سيدنا محمد صلي الله عليه و سلم حين قال في حديث شريف (البِرُّ: حُسن الخلق، والإثم: ما حاك في نفسك، وكرهتَ أن يطَّلع عليه الناسُ) أخرجه أحمد والدارمي وأبو يعلى والطبراني. و قال عمر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (إنما الأعمال بالنيات, وإنما لكل امرئ ما نوى, فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله, فهجرته إلى الله ورسوله, ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها, فهجرته إلى ما هاجر إليه) صحيح البخاري و مسلم، المستفاد من ذلك أن الضمير هو الوعى الداخلي بالخير و الشر ، قال تعالى في محكم أياته (بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ (15))سورةالقيامة.
أما عن لفظة صناعة في قواميس اللغة العربية فهي مشتقة من فعل صنع اي أنشاء الشي و تعهده للوصول الى شكل معين و من هنا جاء قول الحق سبحانه و تعالي في حديثه عن نبي الله موسى ( وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) )سورةطه ، و قال تعالى (وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي (39)) سورة طه.
أذن فصناعة الضمير هى أنشاء و تهذيب و خلق الوعى الداخلي بالخير و الشر و الخطأ و الصواب، أي خلق ميزان في النفس البشرية للتميز به و يكون هو منبع السلوك الإنساني في الحياة .
لخص الرسول صلى الله عليه و سلم هذا المعيار الداخلي في قوله :عن أنس بن مالك رضي الله عنه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه )، رواه البخاري ومسلم. فأنصاف النفس السوية هو الوجه الأخر من أنصاف الآخرين، أي عامل الآخرين بنفس معيار معاملة نفسك ، و ما ترضاه لنفسك أرضاه لغيرك.
و هنا نذكر المبادئ اللازمة لتشكيل هذا الضمير و قرره الله سبحانه و تعالى في محكم أياته ، لدى الأفراد. إليك بعض الطرق التي ساهم بها القرآن في تشكيل الضمير:
1. تحديد القيم الأخلاقية: العدل يؤكد القرآن على أهمية العدل في جميع جوانب الحياة. يقول الله تعالى: "إن الله يأمر بالعدل والإحسان" (سورة النحل: 90). هذا يعزز من شعور الأفراد بالمسؤولية تجاه الآخرين.الصدق والأمانة يشدد القرآن على أهمية الصدق والأمانة، حيث يقول: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين" (سورة التوبة: 119). هذه القيم تعزز من الضمير الحي.
2. التوجيه الروحي:التقوى يدعو القرآن إلى تقوى الله، وهي حالة من الوعي الدائم بوجود الله ومراقبته. يقول الله تعالى: "إن أكرمكم عند الله أتقاكم" (سورة الحجرات: 13). هذا الوعي يعزز من الضمير ويجعل الأفراد أكثر حرصًا على تصرفاتهم.التوبة والاستغفار: يشجع القرآن على التوبة والاستغفار، مما يساعد الأفراد على تصحيح أخطائهم وتعزيز ضميرهم. يقول الله تعالى: "وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ" (سورة النور: 31).
3. القصص والعبر:قصص الأنبياء حيث يحتوي القرآن على قصص الأنبياء والأمم السابقة، التي تحمل دروسًا وعبرًا أخلاقية. هذه القصص تساعد الأفراد على فهم عواقب الأفعال وتطوير ضميرهم.التحذير من الظلم يذكر القرآن عواقب الظلم والفساد، مما يعزز من الوعي الأخلاقي لدى الأفراد.
4. الترغيب والترهيب: الترغيب في الخير حيث يشجع القرآن على فعل الخير ومساعدة الآخرين، مما يعزز من الضمير الحي. يقول الله تعالى: "وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ" (سورة البقرة: 195).الترهيب من المعاصي حيث يحذر القرآن من المعاصي والآثام، مما يساعد الأفراد على تجنب السلوكيات الضارة. يقول الله تعالى: "وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا" (سورة الإسراء: 32).
5. التأكيد على المسؤولية الفردية: المسؤولية عن الأفعال حين يذكر القرآن أن كل فرد مسؤول عن أفعاله، مما يعزز من الضمير. يقول الله تعالى: "وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا" (سورة مريم: 95).النية الصادقة حينما يشدد القرآن على أهمية النية في الأفعال، مما يعزز من الوعي الذاتي والضمير و قد صنع القرآن الكريم للضمير من خلال تقديم قيم أخلاقية واضحة، توجيه روحي، قصص وعبر، الترغيب والترهيب، والتأكيد على المسؤولية الفردية. هذه العناصر تعمل معًا لتعزيز الوعي الأخلاقي والضمير الحي لدى الأفراد، مما يسهم في بناء مجتمع أكثر عدلاً وأخلاقية.
أما عن الأثر الإيجابي لصناعة الضمير ـ ستناوله في الجزء الثاني لهذا المقال.
الله الموفق