غريزة العدالة و اهم الجرائم الناشئة عنها
لكل غريزة من غرائز النفس البشرية منطقة وَسْط تعبر عن التوازن في الغريزة، دون إفراط أو تفريط، في هذه المساحة توزن الاختلالات الكَمَيَّة و الكيفية في غريزة من الغرائز، إذا كانت السلوكيات تعبر عن الخروج من منطقة التوازن سواء الخروج إلى اقصى اليمين أو أقصى الشمال، يمكننا القول أن النفس البشرية السوية هي التي تقف في سلوكياتها على الطريق المستقيم، لان السلوك المادي للإنسان هو المظهر الخارجي في عالم الماديات التي يكشف به الغريزة التي تقبع في النفس البشرية، و مدى استقامتها أو خلالها.
قد يتبادر إلى ذهن القارئ من عنوان المقال أن هناك خطأ في هذا العنوان، و لكن لا يوجد خطأ ما لأنه أي خلل كمى أو كيفي من شأنها أن يؤدى إلى ارتكاب الجرائم حتى و لو كان هذا الخلل في غريزة العدالة، كيف يكون ذلك؟ .
هذا ما سوف نوليه عنايتنا في هذا المقام.
ماذا نقصد بتعريف و مفهوم غريزة العدالة؟
غريزة العدالة يمكن تعريفها لغويًا - و ذلك بالجمع بين لفظ الغريزة و لفظ العدالة في قواميس اللغة العربية - بأنها، الدافع الفطري لدى الإنسان للسعي نحو تحقيق الإنصاف والمساواة في المعاملة، والرغبة في رؤية الأمور تسير بشكل عادل ومنصف. تتعلق هذه الغريزة بالشعور بالحق والباطل، وتؤثر على كيفية تقييم الأفعال والتصرفات في المجتمع. تعتبر غريزة العدالة جزءًا من الفطرة الإنسانية، حيث يسعى الأفراد إلى تحقيق التوازن والعدالة في علاقاتهم بالآخرين.
( مثال لها حينما نجد مشاجرة في الشارع بين الأطفال أو الكبار يتولد في داخل النفس البشرية ميل طبيعي يحركنا نحو التدخل لرد الاعتداء من أحد الأطراف على الأخر و التفريق بينهما ثم معرفة الموضوع وا نصاف المظلوم من الظالم، إما صلحًا و إما برد الاعتداء و هنا يحضرني قول الله تعالى في كتابه الحكيم ﴿ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾[الحجرات: 9]، و هى نفس الغريزة التي دعت سيدنا سليمان عليه السلام إلى أصدار حكم مخالف لابيه نبي الله داود - في واقعة أعتداء الغنم على مزروعات جار لصاحب الغنم - قال تعالى(وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ 78)) سورة الأنبياء، ثم قال في الآية التي بعدها من ذات السورة(فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ)، فالذي دفع سليمان إلى الكلام في حضرت أبيه نبي الله داود هي غريزة العدالة.
لا يغيب عن الذهن و المستفاد من هذه الأيات أن تقرير طرق للطعن في أحكام القضاء يجد أصله في هذه الأيات الكريمة ، و أن تسبيب الاحكام كضمانة للمتقاضين يجد أصله في نفس هذه الأيات فالموضوع حكم و ليس تحكم. لأذن حساسية غريزة العدالة يختلف فيها البشر، و يستفاد أيضًا من هذه الآيات أن مقام الحكم بين الأخصام مقام عظيم لقوله تعالى (وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ)، فالله تعالى شاهدا للأحكام التي تصدر و يوفق هذا إلى الحق و العدل و يمنع هذا.
النفس السوية تكون غريزة العدالة فيها سوية، و تكون غريزة العدالة سوية أذا اتسمت بالسمات الأتية (التوازن والاعتدال، التعاطف والرحمة، الالتزام بالقيم الأخلاقية، القدرة على الحُوَار، الوعي الاجتماعي، عدم الانحياز و الحيادية)و هذا ما يتعين ان يتسم به كل من كان في مقام القضاء في المنازعات.
و متى تختل غريزة العدالة ؟ أنها تختل في الحالات الآتية (التحيز: قد يؤدي الانحياز إلى عدم رؤية الأمور بشكل موضوعي، مما يسبب ظلمًا لأفراد أو مجموعات معينة. يمكن أن يكون هذا التحيز قائمًا على العرق، الدين، الجنس، أو أي عامل آخر.
التطرف:في بعض الأحيان، قد تؤدي الرغبة في تحقيق العدالة إلى تطرف في المواقف، حيث يسعى الأفراد إلى تحقيق العدالة بأي وسيلة، حتى لو كانت غير قانونية أو غير أخلاقية.
الانتقام:قد تتحول غريزة العدالة إلى رغبة في الانتقام، حيث يسعى الأفراد إلى معاقبة الآخرين بدلاً من السعي لتحقيق العدالة الحقيقية. هذا يمكن أن يؤدي إلى دوامة من العنف والصراع.
المبالغة في المطالب:قد يؤدي الشعور بالظلم إلى مطالبات مبالغ فيها، حيث يسعى الأفراد إلى الحصول على حقوق أو تعويضات تفوق ما هو عادل أو منطقي.
العدالة الانتقائية:قد يحدث انحراف عندما يتم تطبيق العدالة بشكل انتقائي، حيث يتم معاملة بعض الأفراد أو الجماعات بشكل أفضل من الآخرين بناءً على اعتبارات غير موضوعية.
الاستغلال:في بعض الحالات، قد يتم استغلال مفهوم العدالة لتحقيق مصالح شخصية أو جماعية، مما يؤدي إلى تفشي الفساد أو الظلم.
و اهم أختلال لغريزة العدالة هي جرائم الإرهاب فهذه لجرائم الناشئة عن انحرافات غريزة العدالة كيف يمكن أن تؤدي المشاعر السلبية مثل الظلم والانتقام إلى سلوكيات غير قانونية. من المهم تعزيز الوعي حول هذه الانحرافات والعمل على تحقيق العدالة بطرق سلمية وقانونية، مما يسهم في بناء مجتمعات أكثر أمانًا وتوازنًا. لان معظم مرتكبي جرائم الإرهاب و هي من أهم الجرائم ذات التأثير الواسع الانتشار على امن و أمان الدول في كافة أنحاء العالم، يتسمون بخلل كمى أو كيفي في غريزة العدالة ،
أرجو أن أكون أعطيت الموضوع حقه من التأصيل و التفصيل .
و الله الموفق
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق