خلق التغافل
طالعتنا مواقع التواصل الاجتماعي لفيديو مصور لاحد الناس يعتدى على أخر إثر تصادم سيارتين أحدهما لسائق يعمل على سيارة نقل ركاب و الأخر لسيارة خاصة ، و قيام مالك السيارة الخاصة بالقيام بتهشيم كل ما هو زجاج في سيارة نقل الركاب، لا أدعى علمي لما حدث، و لكن هالني مشهد التهشيم، و ما يشف عنه من سلوك و أخلاق ، مما أثار حفيظتي في الكلام عن سلوك و أخلاق ما كان ينبغي لها أن تكون في الأيام العادية فما بالكم من حدوثها في هذا الشهر الفضيل شهر رمضان المبارك .
حرياً بنا أن نحى خلق التغافل و هو أحد الأخلاق الراقية التي تدل على كمال العقل وسمو النفس، وهو أن يتجاهل الإنسان بعض الزلات والهفوات التي تصدر عن الآخرين، ليس عن ضعف أو غفلة، وإنما عن حكمة وحسن تدبير ، التغافل لا يعني الجهل الحقيقي، بل هو إظهار عدم المعرفة بالخطأ رغم العلم به، وهو عكس التدقيق في كل صغيرة وكبيرة، مما قد يؤدي إلى توتر العلاقات وكثرة النزاعات. وأهمية التغافل حفظ الود في العلاقات ، فهو يساعد في استمرار العلاقات الطيبة بين الناس، سواء في الأسرة أو العمل أو المجتمع. تهذيب النفس عن الانتقام والتصيد فالإنسان الذي يتغافل يتجنب كثرة العتاب والمشاحنات. و الابتعاد عن التدقيق المرهق فالحياة مليئة بالأخطاء الصغيرة، والانشغال بها قد يسبب القلق والتوتر. إظهار الحكمة والنضج فهو يدل على قوة الشخصية وعدم الانشغال بصغائر الأمور.
ماذا قال الله :لم يرد لفظ "التغافل" بصريح العبارة في القرآن، لكنه ورد بمعانٍ تدل عليه، مثل العفو، الصفح، الإعراض عن الجاهلين، وعدم التدقيق في الزلات. ومن هذه الآيات:قوله تعالى:﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ (الأعراف: 199). هذه الآية توجّه النبي ﷺ إلى التعامل بالحلم والتسامح، وهو جزء من التغافل عن أخطاء الآخرين. قوله تعالى:﴿ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ﴾ (الحجرات: 12). أي أن التدقيق في كل تصرفات الآخرين وسوء الظن بهم قد يؤدي إلى الإثم، مما يدل على أهمية التغافل. قوله تعالى:﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ (آل عمران: 134).التغافل يتجلى في كظم الغيظ والعفو عن الناس، وهو من صفات أهل الإحسان.
الرسول ﷺ كان من أكثر الناس تغافلًا عن زلات أصحابه،وردت عدة أحاديث تدل على خلق التغافل بمعانيه المختلفة، ومنها:حديث النبي ﷺ: «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله» (رواه البخاري ومسلم).الرفق والتسامح مع أخطاء الناس من مظاهر التغافل الحكيم. عن عائشة رضي الله عنها قالت:«ما خُيِّر رسولُ اللهِ ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرَهما، ما لم يكن إثمًا» (رواه البخاري ومسلم).أي أنه كان يتغافل عن التشدد، ويختار الطريق الأيسر في التعامل مع الناس.حديث النبي ﷺ: «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقًا رضي منها آخر» (رواه مسلم).أي أن الزوج لا ينبغي أن يدقق في كل صغيرة وكبيرة من تصرفات زوجته، بل يتغافل عن بعض العيوب ويرى الجوانب الإيجابية.عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «ألا أخبركم بمن يحرم على النار؟ كل هين لين قريب سهل» (رواه الترمذي). التغافل جزء من اللين وسهولة التعامل مع الناس، وهي صفات محمودة. وكان يعالج الأخطاء بأسلوب لين دون إحراج.فالإمام أحمد بن حنبل قال: تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل. والإمام الشافعي قال: الكيس العاقل هو الفطن المتغافل.
متى يكون التغافل مطلوبًا؟عند التعامل مع الزوج أو الزوجة للحفاظ على الاستقرار الأسري. في العمل لتجنب النزاعات غير الضرورية.مع الأصدقاء والجيران للحفاظ على العلاقات الطيبة.عند تربية الأبناء، لأن كثرة اللوم قد تؤدي إلى التمرد.
متى لا يكون التغافل محمودًا؟ إذا كان الخطأ فيه ضرر مباشر أو ظلم للآخرين. إذا كان الشخص المقابل يتمادى بسبب التغافل. إذا كان الخطأ يتعلق بالحقوق الشرعية أو القانونية.
نخلص من ذلك أن التغافل فن وحكمة، وهو من الأخلاق التي تدل على نضج الإنسان واتزانه، لكن لا بد من توظيفه بحكمة بحيث لا يتحول إلى ضعف أو تساهل يؤدي إلى ضياع الحقوق.التغافل من الأخلاق العظيمة التي جاءت الشريعة الإسلامية لتعليمها للناس، فهو طريق للعفو والصفح، ويؤدي إلى نشر المحبة والرحمة بين البشر. وقد دلت عليه آيات قرآنية عديدة وأحاديث نبوية كثيرة، مما يجعله خلقًا نبيلًا يستحق أن يتحلى به المسلم في حياته اليومية.