عندما يسود التافهون… صناعة التفاهة وتآكل الوعي العام
بقلم: حسام الدين عبد السلام
زمن مقلوب المعايير
في كل عصر من عصور التاريخ، كانت الأمم تُقاس برجالها، والمجتمعات تُوزن بأفكارها، والإعلام يُحترم بمقدار ما يقدمه من وعي. أما اليوم، فنحن نعيش في عصر تتصدر فيه التفاهة واجهة التأثير، وتتحول فيه المعايير من الجودة إلى الجاذبية، ومن القيمة إلى الضجة. لم نعد نسأل: ما الفكرة؟ بل كم مشاهدة؟،لم نعد نناقش: ما مضمون الرسالة؟ بل من قالها؟، تلك هي ملامح أزمة عميقة، تتجاوز مجرد ظاهرة اجتماعية، لتصل إلى قلب منظومة الوعي الجمعي.
أزمة المحتوى التافه… من الترفيه إلى التسلط
إن أخطر ما في المحتوى التافه أنه لا يكتفي بأن يكون موجودًا، بل يسعى لأن يفرض نفسه كبديل وحيد. هو ليس نكتة عابرة، بل مشروع إلهاء ممنهج، يُعيد تشكيل العقل العربي في صمت، حتى يستهلك دون تفكير، ويضحك دون فهم، وينفعل دون وعي. منصات التواصل، بمنطقها التجاري البحت، تُضخم من المحتوى الذي يجذب الانتباه لا الذي يُنمي العقل. وهنا تبدأ الكارثة: التافه يُكافأ، والمفيد يُهمّش. وتتحول عملية صناعة الوعي من تربية ثقافية إلى مهنة علاقات عامة.
كيف صعد التافهون؟ ومن مكّنهم؟
لم يصعد التافهون وحدهم. لقد صعدوا لأن هناك من هيأ لهم الطريق: إعلام يبحث عن “الشو” لا المعنى. خوارزميات تُضخم التفاهة لأنها تُبقي المستخدم أطول. مؤسسات تعليمية عاجزة عن خلق عقل نقدي. جمهور يُغريه السهل، ويُتعبه العميق. لقد تسلّل التافهون من فراغ الفكر، واستقروا في وجدانٍ لا يجد من يقوده نحو المعنى، فاستسلم للمضحك، واكتفى بالمثير، وتخلى عن الحِكمة.
التأثير على بنية المجتمع الثقافية
حين يتحول المحتوى العام إلى تافه، فإن الآثار ليست لحظية، بل تراكمية: ضمور في مهارات التفكير، الأطفال والمراهقون يتربون على “مقاطع مضحكة”، لا تقوي تفكيرًا ولا تبني منطقًا. تشويه معنى النجاح، لم يعد النجاح مقرونًا بالاجتهاد أو الإنجاز، بل بالانتشار و"الترند".إضعاف الحس النقديـ، في ظل تفاهة متكررة، يتبلّد المتلقي، وتضعف مناعته ضد التضليل. تفريغ القضايا الجادة من مضمونها، حتى حين تُطرح قضية وطنية أو فكرية، تُقدَّم بأسلوب ترفيهي مبتذل، فيضيع المعنى وسط المؤثرات الصوتية.
التفاهة كأداة
ولعل ما هو أخطر من التسلية، أن التفاهة أداة ناعمة، تُستخدم لصرف الناس عن قضاياهم الحقيقية، وإشغال الرأي العام بمعارك وهمية. فبدلاً من أن يشغل الناس بالقضايا الهامة ية، يُمنحون تحديات "البيض النيء"، وبدلاً من أن يناقشوا قانونًا خطيرًا، يُشغلون بخبر زواج أحد المشاهير. إنها إعادة صياغة للعقل الجماهيري، من شعبٍ يُطالب، إلى جمهورٍ يُصفّق.
هل من مقاومة؟ وهل من أمل؟
رغم قتامة المشهد، إلا أن الأمل لم ينطفئ. ما زال هناك: كتّاب يقاومون بالصبر، ويزرعون الكلمة في صخر السطحية. منصات بديلة ترفع شعار "الفكر أولًا". قراء يبحثون عن العمق، وسط ضجيج السرعة. لكن مقاومة التفاهة لا تكون بالبكاء على الماضي، بل ببناء بديل حيّ، ذكي، وجذّاب. محتوى ممتع لا يخلو من فكر، عميق لا يتعالى، بسيط لا يُسطّح، معاصر لا يُميّع.
إعادة تشكيل الوعي مسؤولية من؟
إن معركة إعادة الوعي ليست مسؤولية المفكرين وحدهم، بل هي مشروع جماعي تتكامل فيه الأدوار: المفكر يقدّم المادة الخام للفهم. الإعلامي يصوغها في قوالب جاذبة. المُعلّم يغرس في النشء القدرة على الفرز بين الغث والسمين. القارئ يُدرب نفسه على التمييز، ويُكافئ الجيد بدلاً من الانجراف خلف الشائع.
التفاهة سريعة الاشتعال… لكنها لا تبني أمة
إن من يظن أن التفاهة ستنتصر، مخدوعٌ ببريقها المؤقت. فكما أن النار تشتعل سريعًا وتخبو، كذلك المحتوى الفارغ. بينما يظل الفكر العميق، ولو في الظل، يُمهّد للنهضة القادمة. وعندما تصحو الأمة، ستبحث عن من أنار لها الطريق لا من ألهى خطواتها…،وعندها، لن يُسأل: من كان الأشهر؟ بل: من ترك أثرًا لا يُنسى؟
عندما يسود التافهون، تصبح الأمة أسيرة الضجيج، ويتحوّل العقل الجمعي إلى شاشة بلا وعي. التفاهة لا تنتج حضارة، ولا تبني جيلًا، بل تُنبت مجتمعات هشة يسهل التلاعب بها. لكن التاريخ لا يرحم الهراء، ولا يخلّد المهرجين، بل ينحاز دومًا لمن زرع الوعي وسط الركام. إننا بحاجة إلى يقظة، لا تلعن الظلام فحسب، بل تُشعل شمعة الفكر من جديد.اللهم فاشهد.