السبت، 29 نوفمبر 2025

تدبر سورة الكهف بالمنهج التلسكوبي: تحليل شامل مختصر

 تدبر سورة الكهف بالمنهج التلسكوبي: تحليل شامل

مقدمة

   سورة الكهف من أعظم سور القرآن الكريم، وميزتها أنها تحتوي على قصص متباينة، من أعظم الدروس العملية إلى أعمق القوانين الكونية والاجتماعية والنفسية. تدبرها بشكل تلسكوبي يعني النظر إليها من الأوسع إلى الأدق، من البعد الكوني إلى السلوك اليومي والوجودي للإنسان، وربطها بالواقع العملي والقيمي، وهو ما يتيح استخلاص مبادئ عامة لإدارة القوة، المال، المعرفة، والعلاقات الاجتماعية.

1. البعد الكوني

    المنهج التلسكوبي يبدأ بالعدسة الكونية لتحديد القوانين العامة في الوجود التي تصوغ الأحداث البشرية: النجاح والانحراف: النعمة والقوة لا تدومان إلا إذا ارتبطت بالعدل والتقوى، كما يتضح في نموذج صاحب الجنتين (المال والجاه بدون شكر) مقابل ذو القرنين (التمكين مع العدل). السببية الإلهية: كل فعل وحدث مرتبط بمشيئة الله ﴿ما شاء الله لا قوة إلا بالله﴾. أي أن كل قوة أو ثروة هي اختبار وليست ملكًا مستقلًا للإنسان. استمرارية الأعمال: الأعمال الصالحة تتجاوز الزمن والفرد، كما في ﴿وكان أبوهما صالحًا﴾، لتبيّن أن النتائج لا تُحصَر بالمباشر وإنما تمتد عبر الأجيال.

    خلاصة كونية: لا يمكن لأي انسان أن يتحكم في النعمة أو القوة منفردًا؛ كل ما يظهر من نجاح أو هلاك مرتبط بالسلسلة الكبرى للأسباب والتوجيه الإلهي.

2. البعد الحضاري والاجتماعي

    بناء المجتمعات على القيم: القصص في السورة تبين أن المؤسسات البشرية والقوة الاقتصادية والسياسية تصمد أو تنهار بحسب ما إذا ارتبطت بالعدل أو بالغطرسة. الحماية الاجتماعية: نموذج ذو القرنين يوضح أن القوة الحقيقية تتحقق عندما تحمي المجتمع، وتضمن عدم استغلال الفقراء والمحتاجين، بينما صاحب الجنتين يعلّم أن المال والجاه المتغطرس يؤديان إلى الهلاك. العبرة من التاريخ: كل قصة تحمل درسًا في تطبيق القيم في السلطة والتمكين، وهي بمثابة قانون حضاري واضح لأي مجتمع: العدالة والتواضع أساس الاستقرار.

     خلاصة حضارية: المجتمعات تصمد عندما تُربط القوة بالعدل، وتسقط عندما يُغتَر بالمال والجاه ويُستغَل المحتاجون.

3. البعد النفسي والأخلاقي

    ضبط النفس: القصص تعلم الإنسان التحكم بالغرور، وتجنب الاعتداد بالمال أو القوة. الوعي بالسببية: إدراك أن كل نجاح أو فشل مرتبط بالله يمنع الغرور ويقوي الصبر. الصحبة الصالحة: ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم﴾ تؤكد أن اختيار الرفقة الصحيحة عنصر أساسي في استقامة النفس والثبات على الطريق الصحيح.

     خلاصة نفسية: التدبر النفسي يُعطي الإنسان أدوات لمقاومة الإغراء والغرور وتحقيق التوازن الداخلي.

4. البعد السلوكي والعملي

    تطبيق الدروس في الحياة اليومية: رفض الاستغلال الاقتصادي للمحتاجين كما فعل ذو القرنين. إدراك أن القوة أو المال بلا عدل تؤدي إلى السقوط كما في صاحب الجنتين. قدوة عملية: كل شخصية في السورة تمثل نموذجًا عمليًا للتصرف الصحيح أو الخاطئ في مواقف القوة والتمكين. قرارات يومية متوازنة: كل تصرف مالي، اجتماعي، أو سياسي يُقاس بمعايير العدالة والتأثير المستقبلي.

     خلاصة عملية: التدبر ليس معرفة فقط، بل قاعدة لتوجيه السلوك اليومي للأفراد والمؤسسات.

5. البعد العقدي والتوحيدي

    توحيد الربوبية والقدرة: الاعتراف بمشيئة الله في كل شيء، وفهم أن القوة والنجاح ليستا استقلالية. التقوى والشكر: الضروري لموازنة القوة والنعمة. الربط بين الفعل والمشيئة: كل عمل مرتبط بالجزاء الأخروي والوجودي.

  خلاصة عقدية: التوحيد العملي يحفظ الإنسان من الغرور ويؤكد أن القوة مسؤولية، وليست امتيازًا.

6. البعد القصصي والرمزي

     الشخصيات الرمزية: أصحاب الكهف: الثبات على الإيمان رغم الضغوط. صاحب الجنتين: التحذير من اغترار المال والجاه.ذو القرنين: القيادة المسؤولة وحماية المجتمع.موسى والخضر: التواضع وطلب الحكمة. الرمزية في كل حدث: كل شخصية تمثل اختبارًا أخلاقيًا وعمليًا ووجوديًا، ويمكن إسقاطها على أي حالة واقعية.

     خلاصة رمزية: القصص ترشد إلى التمييز بين القوة المسؤولة والغطرسة، والتمكين مع العدل أو بدونه.

7. البعد المستقبلي والوجودي

    المسؤولية تجاه الأجيال القادمة: الأعمال الصالحة تمتد عبر الزمن لتشكل نموذجًا مستدامًا للخير. الاستقرار الحضاري: الحفاظ على القيم والمبادئ يضمن استمرار الصلاح الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. نجاة الإنسان وهلاكه: كل تصرف مرتبط بالنتائج في الدنيا والآخرة، وفق سلسلة الأسباب المترابطة.

    خلاصة وجودية: التدبر يعلّم الإنسان التفكير في أثر أفعاله على نفسه والمجتمع والأجيال القادمة.

خاتمة

    تدبر سورة الكهف بالمنهج التلسكوبي يكشف قوانين متدرجة من الكوني إلى اليومي، ويعطي الإنسان: فهمًا للقوانين الكونية للأخلاق والنجاح. قواعد حضارية لبناء المجتمعات العادلة. أدوات نفسية لمقاومة الغرور والصبر على الصحبة الصالحة. معايير عملية للتصرف في القوة والمال والسلطة. أساسًا عقديًا لتوحيد الفعل والنية. رؤى قصصية وعبرًا رمزية يمكن إسقاطها على الواقع المعاصر. رؤية مستقبلية لاستدامة الخير وحماية الأجيال القادمة.

الدرس العملي النهائي:

    القوة والنعمة مسؤولية وليست امتيازًا، والعدل والتمكين الصالح هما السبيل لاستمرار النجاح والرفعة، بينما الغرور والاستعلاء يؤديان إلى الزوال والهلاك.والله المستعان

الخميس، 27 نوفمبر 2025

منطقة التأثير الحقيقة في العمل القضائي

 منطقة التأثير الحقيقة في العمل القضائي

    من أهم المهارات التى يتحلى بها المحامي الناجح بحث منطقة التأثير الحقيقة في عقل و وجدان القاضي ، عقل القاضي يساوي الإدراك المنطقي، ووجدان القاضي يساوي الإحساس بالعدل والإنصاف و هذا ما سوف اسلط عليه الضوء في مقال اليوم - لعل الله يحدث بعد ذلك أمر- و هو تنوع الاسلوب و الطريقة في مخاطبة المحكمة بحسب نوع الدعوى التى تنظرها . و لكن يتحتم علينا قبل الشروع في معالجة هذا الموضوع ، ضبط مفهوم كل من ما المقصود بمفهوم النفاذ الى عقل القاضي و مفهوم النفاذ الى وجدان القاضي .

   مفهوم النفاذ الى عقل القاضي ،إقناعه منطقيًا بالقانون والدليل.ولفهم كيف إقناع القاضي أو أي طرف منطقيًا بالقانون والدليل، يجب تقسيم العملية إلى خطوات منهجية تجمع بين المنطق القانوني والفكر الإقناعي، مع التركيز على الأسلوب الذي يعكس التدرج في الطرح ويستند إلى الأدلة. إليك شرحًا مفصّلًا:

1. تحديد القضية الأساسية بوضوح: قبل أي إقناع، يجب معرفة:ما هي النقطة القانونية الأساسية محل النزاع؟ما هو الهدف من المرافعة أو الطرح القانوني؟مثال: في قضية ضرائب، هل النزاع حول صحة التقدير الضريبي أم عن خصم معين؟

2. الاستناد إلى النص القانوني: عرض النصوص القانونية أو اللوائح التي تنظم الموضوع. شرح المقصود من هذه النصوص بما يتفق مع القواعد القانونية المعمول بها.استخدام أحكام محكمة النقض أو السوابق القضائية لتقوية حجتك.مثال: "وفقًا للمادة (...) من قانون الضرائب، يحق للممول الاعتراض على التقدير الضريبي خلال (..) يومًا، وقد طبق المحاسب التقدير دون مراعاة هذا الحق، وهو ما يستند إليه حكم النقض رقم … لعام …"

3. عرض الدليل الواقعي بشكل منطقي:الأدلة يجب أن تكون مرتبة و مرتبة زمنيًا أو سببيًا.ربط كل دليل بالقاعدة القانونية لتوضيح أهميته.مثال: إيصال دفع ضريبة يؤدي الى أن يثبت الوفاء بالالتزام.مراسلات البريديؤدي الى ان تثبت تقديم الاعتراض في الوقت القانوني.

4. الربط بين القانون والدليل: هذه الخطوة هي قلب الإقناع: تُظهر كيف أن الواقع (الدليل) يحقق نص القانون. استخدام الاستدلال الاستقرائي أو الاستنباطي:الاستنباطي: القانون + الدليل يطابق القانون= النتيجة. الاستقرائي: الأدلة الملموسة + القانون ينطبق = الاستنتاج.

5. التدرج في الطرح: ابدأ بالأمور الأساسية والقوية ثم انتقل إلى التفاصيل. هذا الأسلوب يمنح القاضي أو الطرف الآخر شعورًا بالمنطق والوضوح، ويقلل من الشكوك.

6. الرد على الحجج المعارضة: توقع الحجج المضادة وقدم الرد المنطقي مستندًا إلى القانون والدليل. استخدام أسلوب الإثبات والنفي المتوازن: إثبات حقك،نفي الادعاءات المخالفة.

7. استخدام لغة قانونية دقيقة ومحايدة: لا تكثر من العواطف أو الإطناب غير الضروري. ركز على الدقة في المصطلحات القانونية.اجعل أسلوبك واضحًا، منطقيًا، ومقنعًا بالبرهان.

    النفاذ إلى وجدان القاضي لا يعني استمالته عاطفيًا على حساب القانون، بل يعني تحريك قناعته الداخلية عبر بوابة القيم التي تحكم الضمير القضائي: العدل – الإنصاف – حماية الحق – رد الظلم. وأقوى نفاذ هو الذي يبدأ من العقل وينتهي في الوجدان.إليك المنهج المتكامل لذلك خطوة بخطوة:

أولًا: افهم نفسية القاضي قبل أن تفكر في إقناعه

    القاضي تحكمه أربع دوائر شعورية وعقلية:دائرة القانون فهويخشى مخالفة النص، دائرة الضمير فهو يخشى الظلم ، دائرة السمعة القضائية فهويخشى الطعن والنقض،دائرة الأمان الوظيفي فهو يريد حكمًا متماسكًا لا يُهدم، أنت حين تخاطبه يجب أن تقول له ضمنًا:«هذا الحكم قانوني… وعادل… ومحصّن… ومريح للضمير».

ثانيًا: مفاتيح الدخول إلى وجدان القاضي (الخمسة الذهبية):

1. مفتاح الإنصاف قبل الانتصار: القاضي يتأثر جدًا بالمحامي الذي يعترف بما عليه قبل أن يطالب بما له، لا ينكر الحقيقة الواضحة، لا يزوّر الواقع، عبارة نموذجية: «نحن لا ننكر أن موكلي تأخر، ولكن التأخير شيء، وسقوط الحق شيء آخر لا يقول به القانون.»، هنا القاضي يشعر أنك عادل لا مراوغ ، فيطمئن لك وجدانيًا.

2. مفتاح تصوير المظلمة لا سردها:لا تعرض الوقائع كأرقام جامدة، بل:حوّلها إلى مشهد إنساني قانوني،دون تمثيل أو تهويل، بدل أن تقول:"تم الحجز على أموال المدعي."قل: "استيقظ موكلي ليجد حسابه البنكي مُصفَّرًا، بلا إخطار، وبلا إنذار، وبلا حكم نهائي."هنا الوجدان يتحرك دون أن تخرج عن القانون.

3. مفتاح التوافق مع الضمير القضائي لا تحدّيه:لا تجعل القاضي في مواجهة مباشرة: "المحكمة أخطأت"، "لعل الصورة لم تكتمل أمام عدالة المحكمة"، صيغة ذكية: "واثقون أن المحكمة لو وُضع أمامها هذا المستند عند إصدار الحكم لما انتهت إلى هذه النتيجة."أنت هنا: أنقذت كرامة القاضي،وفي نفس الوقت سحبت الحكم إلى اتجاهك.

4. مفتاح الخوف من الظلم لا الطعن في الخصم:لا تهاجم الخصم أخلاقيًا، بل: اجعل القاضي هو من يستنتج الظلم بنفسه، لا تقل:"الخصم متلاعب"، قل: "هذه النتيجة – لو أُقرت – تفتح بابًا لاستباحة الحقوق دون رقيب"، الوجدان هنا ينحاز لك تلقائيًا.

5. مفتاح ربط حكمه بالله لا بالخصومة:(وهذا أقوى مفاتيح الوجدان في القاضي العربي)، مثل: "والمحكمة وهي تقضي، إنما تقضي بين عباد الله، وقد قال تعالى:(وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)."،هنا أنت: تستحضر رقابة الله،وتربط الحكم بالآخرة لا بالملف فقط.

ثالثًا: أخطر ما يُغلق وجدان القاضي فورًا

     المبالغة،الكذب في الوقائع، السخرية من الخصم، التهديد الضمني، استعراض العضلات القانونية،كثرة الصراخ أو الاستجداء،كل هذه تُغلق قلب القاضي حتى لو كان معك قانونًا.

رابعًا: الصيغة الذهبية للنفاذ إلى الوجدان (مختصر عملي)

    أي مرافعة مؤثرة وجدانيًا يجب أن تحتوي: نص قانوني، واقعة إنسانية عادلة،خطر ظلم واضح، صيغة احترام للمحكمة،خاتمة تربط الحكم بالإنصاف لا بالمكسب،مثال جامع: "وحيث إن النص صريح، والضرر ثابت، والسكوت على هذه النتيجة يفتح بابًا لا يريده القانون ولا يطمئن له الضمير، فإننا نلوذ بعدالة المحكمة لننقذ حقًا قبل أن يُعدم."

خامسًا: خلاصة منهجية عميقة

     النفاذ إلى عقل القاضي يكون بالنص والدليل، النفاذ إلى وجدانه يكون بالعدل والإنصاف وتصوير الظلم بلا صراخ،أقوى المحامين تأثيرًا هم من يجعلون القاضي: يقتنع قانونًا ويطمئن نفسًاويرتاح ضميرًا، إذا اعجبك المقال فنرجو منك الدعاء لنا،و إذا لم يعجبك فأترك تعليق نستفيد منه ، فالعلم نتاج تلاقح العقول .و الله المستعان 

الأربعاء، 19 نوفمبر 2025

مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ

 مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ

    حين يقف المتأمل أمام هذه الآية، يدرك أن الخطاب الإلهي لا يُوجَّه لإرهاب الإنسان ولا لإثقال روحه، وإنما لفتح باب النجاة أمامه. فالله تعالى، وهو الغني عن العالمين، لا تزيده طاعة مطيع ولا تنقصه معصية عاصٍ؛ ومن ثمّ يأتي السؤال الإلهي بصيغة الاستفهام النافي الذي يحمل في داخله رسالة واضحة: إن الله لا يريد بعذابه شيئًا، وإنما يُنزِل العذاب حين يتجرد الإنسان من الإيمان والشكر، فتتجرد عنه الحماية الإلهية. 

أولًا: تفسير الآية

    الآية تقرر حقيقة عقدية قاطعة: لا غاية لله في تعذيب الخلق، ولا منفعة تعود إليه من العقوبة. العذاب لا يقع ابتداءً، وإنما يقع حين يُصرّ الإنسان على المعصية، ويُعرض عن الإيمان، ويستهين بالشكر الذي هو عنوان العبودية وميزان الرضا.

    وقوله تعالى «إن شكرتم وآمنتم» ليس مجرد شرط لغوي، بل هو شرط وجودي: فإذا وُجد الإيمان في القلب، وتحرّك الشكر في الجوارح، زال سبب العذاب من أصله. وخُتمت الآية بقوله «وكان الله شاكِرًا عليمًا»؛ والشكر هنا من الله هو قبول العمل، ومضاعفة الثواب، وكشف الكرب، وكأنه يقول لعباده: بابي مفتوح، ورحمتي سابقة، ومن جاءني شاكرًا مؤمنًا رفعتُ عنه مقتضى العذاب.

ثانيًا: التدبّر بمنهج التفكير التليسكوبي

1. من الدائرة الصغيرة (المفردة): كلمة «ما يفعل» تعطي معنى الاستغناء التام.«بعذابكم» تحصر العذاب في من يستجلبه بسلوكه.«شكرتم وآمنتم» ترتيب يعكس البناء الطبيعي للنفس: إيمان يولِّد وعيًا، ووعي يولِّد شكرًا.

2. إلى الدائرة الوسطى (الرؤية العقدية): الآية تكشف طبيعة العلاقة بين العبد وربه: علاقة تقوم على الرحمة، لا على التهديد الدائم. فالله يضع لك طريقًا واضحًا للسلامة، ثم يقول لك: إذا سلكتَه، فلا شيء يستدعي العذاب.

3. إلى الدائرة الواسعة (الحياة والمجتمع): مجتمع يشكر ويؤمن — مجتمع تُغنيه إرادته الأخلاقية عن العقوبات الثقيلة. فالشكر يولّد مسؤولية، والإيمان يولّد انضباطًا، ومنها يتولد الأمن والاستقرار.

4. إلى الدائرة الكبرى (الفلسفة العليا للعقاب):الآية تؤسس لقاعدة محورية: العقاب ليس هدفًا عند الله، بل نتيجة يَستدعيها غياب الإيمان والشكر. وهذا يعيد تعريف نظرتنا للعقوبات في الدنيا:حين تغيب القيم، تتكاثر أساليب الردع… وإذا حضرت القيم، قلت الحاجة إلى الردع. وهي رؤية تنسجم تمامًا مع منهجنا في فهم "قانون التدرج" في السلوك الإنساني: الشكر والإيمان ارتقاء، والإعراض والنكران انحراف.

ثالثًا: خلاصة في جملة واحدة (على نسقك):

    هذه آية تُغلق أبواب اليأس، وتفتح باب الرجاء، وتقول للإنسان بوضوح: إن رُدتَّ إلى الإيمان والشكر، رُدّ عنك كل ما يستجلب العذاب.

   وهكذا يتبيّن لنا أن قوله تعالى: ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ﴾ ليس آية عابرة، بل مبدأ جامع يختصر فلسفة الرحمة الإلهية ومنهج التعامل مع الإنسان. فالخطاب هنا لا يهدف إلى التهويل، بل إلى إعادة توجيه القلب إلى نقطة الاتزان: الإيمان الذي ينوّر، والشكر الذي يطهّر، والسلوك الذي يرفع أسباب الهلاك.

    إنها آية تُعلن أن الأصل في العلاقة بين العبد وربه هو العفو والرحمة والقبول، وأن العذاب استثناء لا يقع إلا حين يَصرّ الإنسان على الهروب من النور إلى الظلمة. ومن ثمّ، يبقى على الإنسان أن يراجع مساره، فيردّ قلبه إلى الإيمان، ويجري على جوارحه الشكر، ليحيا في دائرة الأمان التي رسمها الله لعباده.

    وبهذا يظلّ المعنى خادمًا لسنّة كونية ثابتة: حيثما حضر الإيمان والشكر، ارتفعت موجبات العقاب، وانفتحت أبواب الرضا والسكينة.لذا لا نلوم الا أنفسنا ، و ما ربك بظلام للعبيد، أفلا يعقلون؟.

الثلاثاء، 18 نوفمبر 2025

"الوسوسة بين الصدر والقلب: قراءة تلسكوبية في بنية الإدراك القرآني وميدان الصراع النفسي في قوله تعالى (الذي يوسوس في صدور الناس)

 "الوسوسة بين الصدر والقلب

قراءة تلسكوبية في بنية الإدراك القرآني وميدان الصراع النفسي في قوله تعالى (الذي يوسوس في صدور الناس)

    من الحصافة عندما تستوقفك أية من أيات الله في القران الكريم أثناء القراءة ،او لفظ في اية ان تبحث عنها و تستجلي معناها و دلالته - لا ان تمر عليها مرور الكرام - لان ايات الله لا للقراءة بل للتدبر و العمل بها ، فهى منهج الحياة على البسيطة (الارض).

    يتميّز التعبير القرآني بقدرته على كشف حقائق النفس الإنسانية عبر طبقات متداخلة تشبه عدسات التلسكوب التي تقرّب كل مستوى من مستويات الإدراك في كشفه للواقع. ومن أدقّ هذه المواضع قوله تعالى في سورة الناس: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾، حيث يلفت القرآن النظر إلى موضعٍ مخصوصٍ من الإنسان تتوجّه إليه سهام الشيطان، دون أن يذكر الأذن أو العقل أو القلب، مما يثير سؤالًا تفسيريًا ونفسيًا عميقًا: لماذا اختار القرآن لفظ الصُّدُور دون غيره؟

    تجمع هذه الدراسة بين أقوال المفسرين القدامى – كالطبري والقرطبي والرازي وابن كثير – وبين منهج التفكير التليسكوبي الذي يقسّم المعرفة إلى طبقات مترابطة، تكشف كل طبقة معنى أعمق من التي قبلها، بدءًا من الرؤية الكونية للصراع بين الإنسان والوسواس الخنّاس، مرورًا بالمستوى النفسي الإدراكي الذي يعرّف موضع بدء الخاطرة وطبقات تأثيرها، وصولًا إلى البنية الروحية الدقيقة التي تفرّق بين الصدر موضع الهواجس، والقلب موضع الإيمان والقرار.

    وتحاول هذه القراءة أن تُبرز كيف أن اختيار القرآن لعبارة "في صدور الناس" لم يكن اختيارًا لغويًا مجرّدًا، بل كان بيانًا دقيقًا لميدان المعركة النفسية التي يخوضها الإنسان يوميًا؛ إذ إن الصدر هو أوسع مناطق النفس، وهو بوابة الخواطر، ومركز الانفعالات، ومنطقة ما قبل القرار، التي إن تُركت بلا تحصين سرى منها الوسواس إلى القلب، وإن أُضيئت بالذكر خنس عنها الشيطان قبل أن ينفذ إلى أشدّ طبقات الوعي خطرًا.

    ولذا جاءت سورة الناس بعقدها الثلاثي (رب الناس، ملك الناس، إله الناس) لتقدّم حصانةً متدرجةً تكافئ هذا التفكك الداخلي في طبقات الإدراك: حصانة للتكوين، وحصانة للسيادة، وحصانة للتشريع، حتى يُغلَق على الشيطان مدخل الصدر فلا يصل إلى القلب.

    وهكذا يلتقي التفسير التراثي مع التحليل التلسكوبي المعاصر في رسم صورة كاملة لسبب تخصيص القرآن للصدور دون السمع أو القلب، لتتضح أن الصدر ليس مجرد عضو، بل مرحلة، ومساحة، وحالة، هي موضع الهجوم وموضع الدفاع، ومنها يتحدد مصير ما يستقر في القلب نورًا أو ظلمة.

أولاً: الصدر هو موضع بداية الخطرات قبل أن تصل إلى القلب

    الصدر في القرآن هو مَوْلِد الهواجس والخواطر، بينما القلب هو محل اليقين والعقيدة. الوسوسة لا تبدأ من القلب؛ القلب إذا استقر فيه الإيمانُ عصمه الله. قالوا: الشيطان يَرِدُ على الصدر أولاً، فإن وجده غافلاً انتقل إلى القلب ليُفسده.قال ابن كثير:"يُلْقِي الشيطانُ الوسوسةَ في صدور الناس قبل قلوبهم؛ فإن قبِلها الصدرُ تمكّنت من القلب."ولهذا قال تعالى:﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ﴾ ولم يقل في قلبه أو سمعه.

ثانياً: الصدر أوسع من القلب، فيكون مدخل الشيطان منه

    "الصدر" أوسع مناطق النفس الإنسانية، والشيطان يبحث عن المنطقة الأوسع والأقل تحصينًا.القلب ضيّق محفوظ بنور الإيمان، بينما الصدر أوسع وأعرض لتقلبات النفس.قال الفخر الرازي: "إنما قال الصدور لأنها أوسع، والوسوسة أول ما تعترض في المتسع، ثم تسري إلى الضيق وهو القلب."

ثالثاً: الوسوسة صوتٌ خفيّ لا يفتقر إلى سمع

    الوسوسة ليست كلامًا مسموعًا حتى تُوجّه إلى الأذن أو السمع.هي إلقاءٌ خفيّ في النفس، ولذلك نُسبت إلى الصدر حيث مَبْدأ الشعور البشري.ولهذا لا يقال "يوسوس في سمعه" لأنها ليست صوتًا خارجيًا.

رابعاً: ذكر الصدر يتسق مع سياق السورة التي تذكر "الاستعاذة من الخنّاس"

    الشيطان يخنس إذا ذُكر الله، أي يتراجع عن مَوْضع حضوره، وموضع حضوره هو الصدر.قال القرطبي: "الخنوس إنما يكون عن الصدر الذي يلازمه الشيطان عند الغفلة."

خامساً: الصدر هو محلّ الهَمِّ والقلق، والوسوسة تأتي لتضخيمهما

    الشيطان يدخل على الإنسان من منافذ الهمّ والخوف والظنّ، وكلها متعلّقة بالصدر. أما القلب فهو مركز الطمأنينة:﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.

سادساً: الصدر ذُكر في القرآن باعتباره موضع الابتلاء والإيمان والكفر

    قال تعالى:﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾،﴿الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ﴾ وتُنسب النيات للصدور.فميدان الصراع بين الإنسان والشيطان هو "الصدور".خلاصة التفسيراختيار كلمة "الصُّدُور" بدل السمع أو القلب جاء لأنها:مبتدأ الوسوسة ومدخل الشيطان. أوسع وأقل تحصينًا من القلب.الوسوسة ليست كلامًا مسموعًا حتى تُنسب للسمع.الصدر هو ميدان الغفلة والإيمان والهمّ.اتساقًا مع معنى الخنوس الذي يلازم الصدور.

   فيما يلي معالجة موضوع قوله تعالى: (الذي يوسوس في صدور الناس) بمنهج التفكير التليسكوبي Telescopic Thinking:

 أولاً: العدسة الكبرى (الرؤية الكونية)

    السياق العام لسورة الناس،السورة ترسم صورة كونية لميدان صراع مستمر بين الإنسان وقوى الإغواء. الله تعالى يصف نفسه بـ رب – ملك – إله، أي القدرة على التربية والقهر والتشريع، ليحصّن الإنسان من عدوّ خفيّ.منطق التلسكوب هنا:نبدأ بالرؤية الواسعة: الإنسان يعيش في كون مليء بالمؤثرات غير المرئية. الشيطان ليس مادة، بل “تأثير”. أثره الحقيقي يقع في مجالات الوعي لا في أعضاء الحسّ. إذن طبيعي أن يكون "مسرح الهجوم الشيطاني" 

 ثانياً: العدسة المتوسطة (الرؤية النفسية)

    لماذا قال: في صدور الناس؟،بمنهج التفكير التليسكوبي ننتقل طبقة إلى الداخل:

1) الصدر هو مسرح الإدراك الأول، الصدر في القرآن يمثل منطقة ما قبل القرار: الهواجس، الانفعالات،المخاوف

تصادم الرغبات، التفكير التليسكوبي يرى أن الصدر = طبقة الوعي الأولى التي تتلقى المؤثرات قبل أن تتحول إلى قرارات قلبية راسخة. وهنا ينطبق قول ابن كثير والرازي: الوسوسة تبدأ في الصدر، فإن استقرّت سرت إلى القلب.

2) القلب هو منطقة "القرار" وليس "الاستقبال"،بمنطق تلسكوبي:القلب = مركز الحكم، الصدر = منطقة التداول الأولي،فالشيطان لا يملك اقتحام مركز الحكم مباشرة، لكنه يتسلل إلى دائرة “الاستقبال”. وهذا يفسّر سرّ التعبير القرآني دون ذكر السمع أو القلب.

3) الوسوسة ليست صوتًا يحوج إلى سمع ،الوسوسة عملية عقلية لا صوتية. لذلك لا يُقال “يوسوس في آذانهم”، لأنها ليست موجات صوتية. وهذه دقة تلسكوبية تكشف التماهي بين طبيعة الفعل (الوسوسة) و موضعه (الصدور).

ثالثاً: العدسة الدقيقة (الرؤية اللغوية)

    القرآن اختار لفظ “الصدور” لأنه: أوسع من القلب،الشيطان يدخل من المساحة الأوسع.الرازي: “الوسوسة تعترض في المتسع قبل المضيق”. يتسق مع معنى "الخنّاس" ،الخنس هو التراجع عن موضع ما، وهذا الموضع — بنص القرآن — هو الصدر. الصدر هو محل الهمّ والقلق،دل قوله تعالى:﴿وليبتلي الله ما في صدوركم﴾،أن الصدر ساحة الابتلاء والانفعال.هذه عدسة التفاصيل الدقيقة في لغة القرآن.

 رابعاً: العدسة الأعمق (الرؤية الروحية )

    بالمستوى التلسكوبي الأعمق، الغاية ليست إعلامك بالموضع التشريحي بل بـ طبيعة الصراع: الشيطان يعمل في الظلام اي في  صدر الإنسان هو النقطة التي تتكوّن فيها الظلال النفسية.القلب نور فالصدر هو منطقة ما قبل “الإنارة”.الذكر يطرد الشيطان فالشيطان يخنس عندما يتحول الصدر من الظلمة إلى النور. فهنا يصبح معنى الآية: أن أول ميدان للنور أو للظلمة هو الصدر، ومنه يتحدد مصير ما يدخل القلب.

 خامساً: العدسة التكاملية (المنظور المقارن)

    نقارن بين المواضع المحتملة لورود الوسوسة:


الموضع المحتمل                 لماذا لم يُذكر؟                           التفسير التلسكوبي

السمع                الوسوسة ليست صوتًا خارجيًا                    العدسة اللغوية

العقل              نتيجة مرحلة متأخرة من المعالجة الذهنية                عدسة الإدراك

القلب ا            محل اليقين والقرار، وليس الاستقبال                   عدسة العمق الروحي

الصدر     موضع البداية، الاضطراب، الخوف، الهواجس   العدسة الجامعة – مركز ميدان الجهاد النفسي

 سادساً: العدسة التطبيقية

    كيف نستفيد من فهم "يوسوس في صدور الناس"؟

1) أن تعرف موضع الهجوم،أول الصراع ليس في المعتقد… بل في الخاطرة. احرس الصدر… يحرس الله قلبك.

2) أن تحارب الوسوسة مبكرًا، التلسكوب يريك الطبقات قبل أن تتفاقم: خاطر، فهمّ ،فإرادة ،ففعل ،فإذا قطعت الوسوسة عند أول طبقة، انتهت السلسلة.

3) أن تحوّل الصدر من مستودع للغفلة إلى مستودع للذكر، لأن الشيطان “يخنس” عند الذكر، فيبدو أن الصدر مهيأ للتحول بين:ساحة معركة، أوساحة نور. 

    الخلاصة التلسكوبية النهائية،"الصدر" في الآية ليس مجرد مكان… بل مرحلة، طبقة، حالة.القرآن يحدد لك:موضع الهجوم هو الصدر، طبيعة المعركة  خواطر وهواجس،طريقة الوقاية  ذكر الله طبيعة العدو خنّاس يهاجم عند الغفلة ويتراجع عند الذكر،الهدف النهائي  أن يصل القلب صافياً إلى الله، فجاء التعبير:﴿الذي يوسوس في صدور الناس﴾دقيقًا، عميقًا، تلسكوبيًا… يكشف طبقات متعددة من الفهم. أعوذ بك ربي من همزات الشياطين و أعوذ بك ربي أن يحضرون.

الثلاثاء، 11 نوفمبر 2025

الوهن والضعف والاستكانة في ضوء التدبر القرآني ومنهج التفكير التليسكوبي

 الوهن والضعف والاستكانة في ضوء التدبر القرآني ومنهج التفكير التليسكوبي

    يتميّز البيان القرآني بثراء دلالي بالغ، إذ لا يختار اللفظ إلا لحكمة ، بل يضع كل كلمة في موضعها لتصوير معنى نفسي وإنساني دقيق. ومن هذه الألفاظ التي وردت متجاورة في قوله تعالى:﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾(آل عمران: 146). ثلاثة تعابير تعبّر عن مواقف الإنسان أمام البلاء والابتلاء: الوهن، الضعف، الاستكانة. وقد شكّل الجمع بينها محور تدبّر عميق، يهدف إلى فهم تدرّج الانكسار الإنساني من الداخل إلى الخارج، وفق منهج التفكير التليسكوبي الذي يتجاوز ظاهر الكلمة إلى باطنها وسياقها.

    أن الألفاظ الثلاثة — الوهن، الضعف، والاستكانة — متقاربة في المعنى العام، لكنها تختلف دلالةً وسياقًا في القرآن الكريم اختلافًا يكشف عن طبقات النفس البشرية بين الانكسار الداخلي، والعجز الخارجي، والاستسلام القلبي.سنفصّلها منهجيًا:

أولًا: الوَهْن: معناه، هو الضعف الداخلي النفسي أو العقلي أو الإرادي، أي الخور في العزيمة والقلب لا في الجسد فقط.هو تراجع المعنويات، وفقدان الصبر، وانكسار الروح أمام الشدائد. الشاهد القرآني:﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾(آل عمران: 139)،وهنا نهى الله المؤمنين عن الوَهْن بعد غزوة أُحُد، أي: لا تضعفوا نفسيًا ولا تنهار عزائمكم، رغم ما أصابكم من جراح. إذن الوهن ضعف الإرادة والعزيمة أمام الصدمة.

 ثانيًا: الضَّعْف: معناه، هو العجز الحقيقي في القدرة أو القوة أو الوسيلة، أي قلة الحيلة أو الطاقة الجسدية أو المادية.قد يكون خلقةً (كالشيخوخة)، أو عارضًا (كالهزيمة أو المرض). الشواهد القرآنية:الضعف الخِلقي:﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾(الروم: 54)، أي ضعف الطفولة ثم قوة الشباب.الضعف أمام العدو:﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾(الأنفال: 26)، أي عاجزون مادياً عن المقاومة. إذن:الضعف = عجز مادي أو جسدي أو سببي.الوهن = عجز نفسي أو روحي.

 ثالثًا: الاستِكانة: معناها،الاستكانة من مادة سكن، وهي الخضوع السلبي بعد الابتلاء، أي أن يصيب الإنسان أو الأمة البلاء فلا تتحرك، بل ترضى بالهوان وتستسلم. الشاهد القرآني:﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾(الأنعام: 43)، وفي موضع آخر أوضح:﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾(المؤمنون: 76)، أي: ما خضعوا لله خضوع التائبين بعد الشدائد، بل بقوا في عنادهم. فالاستكانة في القرآن نوعان:ممدوحة: خضوع لله وتضرع بعد الشدة.مذمومة: خضوع للواقع والظلم واليأس دون رجوع إلى الله.

 الفروق الجوهرية بين الألفاظ الثلاثة

اللفظ     موضعه في الإنسان   طبيعته          نتيجته                        المثال القرآني                                المقابل العملي

الوهن      النفس والعزيمة معنوي داخلي    انكسار الإرادة (ولا تهنوا ولا تحزنوا) آل عمران 139  فقدان الحماس

الضعف الجسد والقدرة مادي حسي عجز عن الفعل (خلقكم من ضعف) الروم 54 قلة الوسيلة أو القوة

الاستكانة السلوك والموقف روحي أخلاقي خضوع سلبي أو توبة صادقة            (فما استكانوا لربهم) المؤمنون 76      الاستسلام أو التضرع

    خلاصة تدبرية:الضعف: عجز في الوسائل. الوهن: عجز في العزيمة. الاستكانة: عجز في الموقف بعد الابتلاء. فالقرآن لا يعيب الضعف الطبيعي، لكنه يذم الوهن القلبي والاستكانة للباطل، لأنها تُميت روح الجهاد والإصلاح في الإنسان والأمة. احتسب جزاءذلك عند الله .



الاثنين، 10 نوفمبر 2025

"قل هو من عند أنفسكم": قراءة تحليلية وتدبرية في فلسفة الهزيمة والنصر من خلال الآية 165 من سورة آل عمران

 "قل هو من عند أنفسكم": قراءة تحليلية وتدبرية في فلسفة الهزيمة والنصر من خلال الآية 165 من سورة آل عمران
   
      تمثل الآية الكريمة رقم (165) من سورة آل عمران إحدى المحطات التربوية العميقة في تاريخ الدعوة الإسلامية، إذ نزلت عقب غزوة أُحد التي شكّلت صدمة نفسية وفكرية للمجتمع المسلم، بعد أن تذوّق طعم النصر في بدر ثم ذاق مرارة الانكسار في أحد. وفي خضم هذا الاضطراب، يوجّه القرآن الكريم بصائر المؤمنين نحو قانونٍ ربانيٍّ ثابتٍ يحكم حركة النصر والهزيمة في حياة الأمم والأفراد على السواء، فيقول جل شأنه: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 165]. 

    إنها ليست مجرد آية تفسيرية لأحداث وقعت في غزوة أُحد، بل قانونٌ إلهيٌّ دائم يكشف سرّ التحولات في التاريخ البشري: أن الخلل الداخلي هو منشأ الضعف الخارجي، وأن النصر والهزيمة لا يُقاسان بالعدد والعدة، بل بمقدار الطاعة والوعي والصدق في الامتثال لأمر الله.
   
   وتُعيد هذه الآية ترتيب الوعي الإيماني للأمة، لتتعلم كيف تنظر إلى أزماتها بمنظارٍ من المسؤولية لا الشكوى، ومن الفحص الذاتي لا التبرير، ومن الفهم العميق لسنن الله في الابتلاء والتمحيص. فما جرى في أحد لم يكن عجزًا من الله، بل تربيةً للأمة وصقلًا لإيمانها، ليبقى في ضميرها صدى النداء الخالد: "قل هو من عند أنفسكم" — لا يزول أثره ما بقيت الأمم تتداول سنن الله في النصر والهزيمة.

أولًا: التحليل اللغوي والبياني
    ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ﴾،الهمزة هنا للاستفهام الإنكاري، أي: أتعجبون حين أصابتكم مصيبة؟،و"المصيبة" من مادة ص و ب أي ما يُصيب الهدف، والمعنى: نازلة دقيقة محددة وقعت بكم عن قصدٍ من الله لحكمةٍ. والمقصود بالمصيبة: ما نزل بهم في غزوة أُحد من القتل والجراح والهزيمة المؤقتة.﴿قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا﴾،أي: أنتم الذين أصبتم المشركين في غزوة بدر بمثلي ما أصابوكم في أحد، لأن المسلمين قتلوا في بدر سبعين من المشركين وأسروا سبعين، بينما قتل من المسلمين في أُحد سبعون فقط. فالله يقول لهم: لا تنسوا أن النصر والهزيمة تتقلب، وقد سبق أن كنتم الغالبين.

    ﴿قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا﴾،أنّى في اللغة تأتي بمعنى: من أين، وكيف، ولماذا. أي: قلتم متعجبين: كيف يُهزم المؤمنون ونحن على الحق وهم على الباطل؟،﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾، أي: السبب في الهزيمة منكم أنتم، لا من ضعف في دين الله ولا من تخلي الله عنكم. والخطاب هنا فيه تأديب ولوم رفيق، لكنه صريح في تحميل المسؤولية: المخالفة لأمر النبي ﷺ، والحرص على الغنيمة قبل استكمال النصر — كانت منكم.

    ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾،أي: الله قادر على أن ينصركم بلا قتال، ولكنه يريد أن يُربّيكم بالتجارب، ليُظهر فيكم معدن الصبر والصدق والطاعة.

 ثانيًا: التفسير في ضوء أسباب النزول

    ذكر ابن كثير والطبري والقرطبي أن هذه الآية نزلت بعد غزوة أحد، حينما انهزم المسلمون بعد أن انتصروا أولًا.
وكان السبب أن الرماة الذين أمرهم النبي ﷺ بالبقاء في مواقعهم على الجبل نزلوا حين رأوا الغنائم، فاستغل خالد بن الوليد (وكان يومئذ مشركًا) الفرصة، فالتف بخيله على المسلمين من الخلف.فلما رأى المسلمون القتلى والجرحى، قالوا متسائلين:كيف نهزم ونحن أصحاب النبي ﷺ، ونحن على دين الله الحق؟، فجاء الجواب الإلهي: "قل هو من عند أنفسكم"، أي: من مخالفتكم وتنازعكم، كما قال في آية أخرى:﴿حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ﴾ [آل عمران: 152].

 ثالثًا: المدلول العقدي والتربوي

    إقرار مبدأ السببية في الهزيمة والنصر،هذه الآية تؤسس لمبدأ أن سنن الله لا تحابي أحدًا. الإيمان وحده لا يكفي للنصر إذا خالف المؤمن السنن. فالله لا يعطي النصر بالعاطفة، بل بالاستحقاق.كما أن الاعتراف بالخطأ شرط الإصلاح، أول خطوة بعد الهزيمة هي أن يقول الإنسان: “هو من عند أنفسنا”. أما التبرير، وإلقاء اللوم على الآخرين، فهو استمرار للهزيمة في الوعي قبل الميدان.بالاضافة الى تربية الأمة على عدم الغرور بالنصر السابق، النصر في بدر لم يكن شهادة دائمة، بل امتحان مؤقت. فالأمة التي تسترخي بعد نصرها، وتظن أن الله ملزم بنصرها دائمًا، تُبتلى لتعود إلى الطاعة.
    أن الابتلاء سنة إلهية لتطهير الصف، الهزيمة في أُحد كانت فرزًا، كما قال بعدها: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾، فالهزائم تكشف النفوس، وتميّز المؤمن من المنافق، والمخلص من الطامع.

 رابعًا: التدبر التلسكوبي – نظرة من بعيد ومن الداخل معًا

    إذا نظرنا إلى الآية من بعيد (تلسكوبيًا)، فهي ليست فقط عن "غزوة أُحد"، بل عن قانونٍ حضاريٍّ دائم: كلّ تراجعٍ في واقع الأمة سببه خلل داخلي قبل أن يكون عدوانًا خارجيًا. وإذا نظرنا من الداخل، نجد أن الآية تخاطب القلب قبل العقل:لا تقل: “كيف يحدث لي هذا وأنا مؤمن؟”، بل قل: “أين قصّرتُ في طاعتي أو فهمي أو صدقي؟”، فالمؤمن لا يُصاب عبثًا، بل يُصاب لحكمةٍ في بناء نفسه. والهزيمة ليست غضبًا دائمًا، بل صفعة إيقاظ.

 خامسًا: دروس معاصرة مستفادة
 
    في السياسة والمجتمع: لا تنهزم أمة إلا حين تفقد وعيها بأسباب النصر. كل فساد داخلي يولّد ضعفًا خارجيًا.في العمل والإدارة: الفشل ليس صدفة، بل نتيجة خلل إداري أو أخلاقي أو معرفي. الاعتراف بالخطأ بداية التقدم. في حياة الفرد: حين تفشل في مشروع أو علاقة أو هدف، لا تسأل: “لماذا يا رب؟”،بل اسأل: “ما الذي فعلته أنا خطأ؟”،لأن الله قدير، وما أصابك إلا ليعلّمك الطريق الأقوم.
    
     في الختام،الآية 165 من آل عمران تلخّص منهج القرآن في تربية الأمم: لا انتصار بلا طاعة. لا هزيمة بلا سبب. لا قدَر بلا حكمة. فهي تزرع في قلب المؤمن التوازن بين الإيمان بالقَدَر، والمسؤولية عن الفعل، وتعيد له البوصلة حين تختلط عليه الأحداث. هذه سنة الله في الكون لا تبديل و لا تحويل لها.

الخميس، 6 نوفمبر 2025

فقه التسبيب القضائي في قضايا الجرائم الإلكترونية

 فقه التسبيب القضائي في قضايا الجرائم الإلكترونية

: دراسة تطبيقية على  الحكم رقم 14308 لسنة 92 ق – نقض جنائي – جلسة 19 / 2 / 2024 

    أليت على نفسي أن أكون مصدر إشعاع علمى للمهتمين بالمجال القانوني ، و أحسب نفسي أنني أسهام بقدر يسير في محو الأمية القانونية الشائعة بين بعض المتخصصين في المجال القانوني ، و أحتسب جزاء ذلك عند من لا يضيع عنده أجر من أحسن عملاً الله جل جلاله ، موضوع اليوم هو أهم الدروس المستفادة من الحكم رقم 14308 لسنة 92 ق – نقض جنائي – جلسة 19 / 2 / 2024 

أولًا: دروس في المنهج القضائي لمحكمة النقض

    سيادة محكمة الموضوع في تقدير الأدلة: أكدت المحكمة أن تقدير الدليل، وقناعة القاضي، من سلطة محكمة الموضوع وحدها، ولا رقابة لمحكمة النقض عليها طالما أن الاستدلال سائغ وله أصل بالأوراق.  الدرس: لا مجال لإعادة مناقشة الأدلة أمام النقض، لأن وظيفتها قانونية وليست موضوعية.

    التفرقة بين الجدل الموضوعي والخطأ القانوني: الطاعن حاول الطعن في قناعة المحكمة بالأدلة، لكن النقض قررت أن هذا مجرد جدل موضوعي لا يدخل في نطاق رقابتها.  الدرس: يجب أن يقتصر الطعن على عيوب قانونية أو منطقية في الحكم، لا على مناقشة الوقائع أو وزن الأدلة.

    تحديد معيار التناقض المبطل للحكم: المحكمة أوضحت أن التناقض الذي يعيب الحكم هو ذلك الذي ينفي بعضه بعضًا بحيث لا يمكن التعرف على مقصود القاضي، أما اختلاف الصياغة فلا يعد تناقضًا. الدرس: ليس كل تفاوت في العبارات تناقضًا، بل فقط ما يهدم منطق الحكم الداخلي.

   وجوب وضوح أوجه الطعن وتحديدها: المحكمة رفضت الطعن لأن الطاعن لم يحدد ماهية الدفوع التي أغفلها الحكم. الدرس: يجب أن تكون أسباب الطعن واضحة ومحددة ومؤثرة في سلامة الحكم، وإلا كانت غير مقبولة.

 ثانيًا: دروس في القواعد الإجرائية

    حالة التلبس وتقديرها من سلطة الموضوع: النقض قررت أن توافر حالة التلبس مسألة موضوعية تستقل بتقديرها محكمة الموضوع، ما دامت بنتها على أسباب سائغة. الدرس: لا يجوز المجادلة في توافر التلبس أمام النقض متى كان الحكم مسببًا تسبيبًا كافيًا.

    اختصاص مأموري الضبط القضائي: المحكمة شرحت أن صفة الضبط القضائي لا تقيد بمكاتب معينة (مثل مباحث الإنترنت)، بل هي سلطة عامة وشاملة لكل الضباط العاملين بمصلحة الأمن العام وشعب البحث الجنائي. الدرس: لا بطلان في الإجراءات لمجرد أن الضابط من إدارة غير مختصة نوعيًا إذا كانت له الصفة العامة للضبط القضائي.

    عدم ضبط أداة الجريمة لا يبطل الإدانة: المحكمة قررت أن أدوات الجريمة ليست ركنًا جوهريًا، وعدم ضبطها لا يؤثر على قيام الجريمة إذا وجدت أدلة أخرى. الدرس: غياب أداة الجريمة لا يعني البراءة متى وُجدت أدلة يقينية أخرى.

    وجوب إثارة الدفوع أمام محكمة الموضوع: المحكمة رفضت دفوع الطاعن ببطلان التحقيقات لأنها لم تُثر أمام محكمة الاستئناف.  الدرس: لا يقبل من الطاعن أن يثير أمام النقض ما لم يتمسك به أمام محكمة الموضوع، لأن النقض لا تنظر في وقائع جديدة.

 ثالثًا: دروس في التسبيب والدفوع

    الدفع الجوهري هو الذي يجب الرد عليه صراحة: المحكمة بيّنت أن الدفوع المرسلة أو العامة (مثل "بطلان الأدلة الإلكترونية") لا تلتزم المحكمة بالرد عليها، لأنها لا تعدو أن تكون تشكيكًا في الأدلة.  الدرس: يجب على الدفاع أن يحدد بوضوح دفعه ومقصده حتى يكتسب وصف "الدفع الجوهري".

    عدم الرد على دفع غير منتج لا يبطل الحكم: المحكمة أوضحت أن السكوت عن دفوع غير مؤثرة لا يعيب الحكم طالما الرد مستفاد ضمنًا من الإدانة. الدرس: يكفي الرد الضمني متى كان الحكم قد أسس الإدانة على أدلة سائغة.

    الاعتراف وليد الإكراه لا يُبحث إذا لم يعتمد عليه الحكم: النقض أكدت أنه لا جدوى من الطعن في بطلان اعتراف لم تبنِ المحكمة عليه حكمها. الدرس: لا جدوى من الطعن في دليل لم تعتمد عليه المحكمة في الإدانة.

    عدم الإشارة إلى إصابات الطاعن لا يعيب الحكم: لأن المحكمة ليست ملزمة بالتحدث إلا عن الأدلة ذات الأثر في تكوين عقيدتها. الدرس: سكوت الحكم عن دليل فرعي (كالتقرير الطبي) يعني أنه لم يعول عليه.

رابعًا: دروس في فن المرافعة والطعن بالنقض

    ضرورة صياغة الطعن بمنهج قانوني لا عاطفي، فمحكمة النقض لا تعيد المحاكمة بل تراقب سلامة تطبيق القانون.

    أهمية إثبات الدفوع كتابة في محاضر الجلسات، فكل ما لم يثبت لا يعتد به.

    لا بد أن يُظهر الدفاع علاقة السببية بين الخطأ الإجرائي وبين الحكم بالإدانة، وإلا اعتبر الدفع غير منتج.

    يجب على الدفاع التمييز بين: الدفع القانوني (الذي تلتزم المحكمة بالرد عليه)والدفاع الموضوعي (الذي يكفي الرد عليه ضمنًا).

 خامسًا: القيم القانونية المستخلصة

    احترام مبدأ سيادة محكمة الموضوع في تقدير الوقائع والأدلة. الاستقرار الإجرائي ومنع التحايل بتكرار الدفوع أمام النقض. إعلاء قيمة المنطق القضائي في بناء الحكم دون تضخيم المسائل الشكلية. تحقيق العدالة الإجرائية دون إفراط في الشكلية أو تفريط في الضمانات.

     أليتُ على نفسي أن لا يكون عرض الأحكام مجرد سردٍ لوقائع أو إعادةٍ لتسبيبٍ، بل أن أفتش في أعماقها عن المنهج الذي تفكّر به المحكمة، وعن القيم القانونية والفكرية التي تصوغ وجدان القاضي قبل قلمه. فليست الغاية أن نقرأ الحكم، بل أن نفهم كيف صيغ، ولماذا جاء على هذا النحو دون غيره.

    ومن خلال هذه الدراسة التطبيقية، ومقارنتها بالحكم رقم 14308 لسنة 92 ق – نقض جنائي – تكشّف لي أن محكمة النقض لا تكتفي بدور المراقب الشكلي، بل تمارس دور الموجّه المنهجي الذي يضع حدودًا فاصلة بين ما يجوز من مناقشة قانونية، وما يُعد خروجًا إلى الجدل الموضوعي الذي لا ولاية لها عليه. وهنا يتجلّى درس بالغ الأهمية: أن النقض لا يُنصف من يجادل، بل من يُحسن صياغة منطقه القانوني ويُظهر موضع الخطأ في تطبيق النص.

    كما تبيّن أن العدالة القضائية ليست في كثرة الإجراءات ولا في زخرفة المرافعات، بل في دقّة التفكير ومنطق الاستدلال. فالتسبيب ليس جملًا منمّقة، بل بناءٌ عقلي متكامل يربط بين الواقعة والنص وبين النص والمقصد، وهو ما يمكن أن نعدّه فنًّا من فنون التفكير التلسكوبي الذي يجمع بين الجزئي والكلّي، بين حرف القانون وروح العدالة.


    إن هذا الحكم – وما دار حوله من تحليل – يذكّرنا بأن الطريق إلى النقض لا يُفتح بالعاطفة ولا بالضجيج، بل بالعلم والانضباط، وأن احترام المحكمة لا يكون بالمدح، بل بفهم منهجها. فالقاضي لا يبحث عن كلماتنا، بل عن منطقنا، والدفاع الراشد هو الذي يجعل القانون يتحدث لا لسان صاحبه.

    وفي نهاية هذه الدراسة، أرجو أن أكون قد أسهمت بقدرٍ يسير في إحياء الوعي المنهجي لدى المشتغلين بالقانون، ودعوتُ إلى أن يكون لكل قضية درسها المستفاد لا حكمها فحسب، ولكل طعنٍ منهجه لا حجته فقط. فالعلم القانوني الحق لا يُقاس بما نحفظ من نصوص، بل بما نُدرك من مناهج تفكير خلفها.

    “فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض”صدق الله العظيم.

----------------------

باسم الشعب

محكمة النقض

الدائرة الجنائية

دائرة الاثنين ( أ )

المؤلفة برئاسة القاضي / مصطفى محمد نائب رئيس المحكمة وعضوية القضاة/ يوسف قايد ، حسين النخلاوي عباس عبد السلام و د/ أحمد أبو العينين نواب رئيس المحكمة وحضور رئيس النيابة العامة لدى محكمة النقض/ أحمد العشري . وأمين السر/ سيد رجب

في الجلسة العلنية المنعقدة بمقر المحكمة بدار القضاء العالي بمدينة القاهرة .

في يوم الاثنين 9 من شعبان سنة 1445 هـ الموافق 19 من فبراير سنة 2024 م .

أصدرت الحكم الآتي :

في الطعن المقيد في جدول المحكمة برقم 14308 لسنة 92 القضائية

اتهمت النيابة العامة الطاعن في قضية الجنحة رقم .. لسنة .. جنح اقتصادي أول المنتزه والمقيدة برقم … لسنة .. مستأنف غرب الإسكندرية .

بوصف أنه في يوم 13 من ديسمبر سنة 2020 بدائرة قسم أول المنتزه محافظة الإسكندرية .

اعتدى على القيم الأسرية في المجتمع بما لا يصون أعراضها وينال منها ويقوضها على النحو المبين بالأوراق .

وطلبت عقابه بالمادة 25 من القانون رقم 175 لسنة 2018 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات .

ومحكمة جنح الإسكندرية الاقتصادية قضت حضوريا بجلسة 26 من يونيه سنة 2021 عملا بالمادتين 25 ، 38 من القانون 175 لسنة 2018 ، بمعاقبة المتهم/ . بالحبس لمدة سنة مع الشغل وكفالة مبلغ خمسة آلاف جنيه لإيقاف التنفيذ وبتغريمه مبلغ خمسين ألف جنيه والمصادرة وألزمته المصاريف الجنائية .

واستأنف المحكوم عليه وقيد استئنافه برقم 193 لسنة 2021 جنح مستأنف اقتصادية منتزه أول .

ومحكمة جنح الإسكندرية الاقتصادية بهيئة استئنافية قضت غيابيا بجلسة 22 من أغسطس سنة 2021 بسقوط حق المتهم في الاستئناف والمصروفات الجنائية .

وعارض المحكوم عليه في الحكم الاستئنافي الغيابي . ومحكمة جنح الإسكندرية الاقتصادية بهيئة استئنافية قضت بجلسة 29 من مايو سنة 2022 بقبول المعارضة الاستئنافية شكلا وفي الموضوع بإلغائها وقبول الاستئناف شكلا وفي الموضوع بتعديل الحكم المستأنف والاكتفاء بحبس المتهم ستة أشهر مع الشغل والتأييد فيما عدا ذلك والمصاريف .

فطعن المحكوم عليه بالطعن في هذا الحكم بطريق النقض بتاريخ 26 ، 27 من يوليه سنة 2022 .

وأودعت مذكرة بأسباب طعنه بتاريخ 27 من يوليه سنة 2022 موقع عليها من . .

وبجلسة اليوم سمعت المحكمة المرافعة على ما هو مبين بمحضر الجلسة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد القاضي المقرر والمرافعة والمداولة قانونا .

حيث إن الطعن قد استوفى الشكل المقرر في القانون .

وحيث إن الطاعن ينعى على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجريمة الاعتداء على القيم الأسرية في المجتمع المصري قد شابه القصور والتناقض في التسبيب ، والفساد في الاستدلال ، والإخلال بحق الدفاع ذلك بأنه اطرح بما لا يسوغ دفعه ببطلان القبض لانتفاء حالة التلبس ولعدم صدور إذن من النيابة العامة ، واستند في قضائه إلى تحريات الشرطة رغم أنها لا تصلح لإدانته ، وأن مجريها غير مختص بإجرائها وانعقاده لمباحث الإنترنت والتي خلت الأوراق منها ، وأنه لم يضبط الهاتف المحمول الذي يحمل الحاسب الإلكتروني محل الجريمة بحوزة الطاعن ، ودانه بها رغم خلو الأوراق من دليل فني ، أو ثمة دليل يقيني على اقترافه لها ، واعتنق الحكم صور متعارضة لواقعة الدعوى إذ حصل بمدوناته أن الطاعن أنشأ حساب إلكتروني على تطبيق هورنت لارتكاب الجريمة ثم أورد في موضع آخر أنه ضبط مع الطاعن هاتف المحمول لا يحتوي على ثمة تطبيقات مما يصمه بالتناقض ، وينبئ عن اختلال عناصر الواقعة في ذهن المحكمة ، هذا إلى قصور تحقيقات النيابة وبطلانها ، والتفت الحكم عن الدفع ببطلان الأدلة الإلكترونية ، وبطلان إقراره بمحضر الضبط لصدوره وليد إكراه ، بدلالة إصابته الواردة بالتقرير الطبي الخاص به ، وبعدم معقولية الواقعة وأنه لم يرتكب الجريمة ، وأوجه دفاعه ودفوعه الأخرى المسطورة بمذكرة دفاعه ، كل ذلك مما يعيب الحكم وبما يستوجب نقضه .

وحيث إن الحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجريمة التي دان الطاعن بها ، وأورد على ثبوتها في حقه أدلة سائغة لها معينها الصحيح من الأوراق ومن شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن القول بتوافر حالة التلبس أو عدم توافرها هو من المسائل الموضوعية التي تستقل بها محكمة الموضوع بغير معقب عليها ما دامت قد أقامت قضاءها على أسباب سائغة ، وكان ما أورده الحكم تدليلا على توافر حالة التلبس وردا على ما دفع به الطاعن من عدم توافر هذه الحالة ومن بطلان القبض عليه كافيا وسائغا ويتفق وصحيح القانون ، فإن ما يثيره الطاعن في هذا الصدد ينحل إلى جدل موضوعي لا تجوز إثارته أمام محكمة النقض . لما كان ذلك ، وكان لا تثريب على المحكمة إن هي أخذت بتحريات رجال المباحث ضمن الأدلة التي استندت إليها ، لما هو مقرر من أن للمحكمة أن تعول في تكوين عقيدتها على ما جاء بتحريات الشرطة باعتبارها معززة لما ساقته من أدلة كما هو الحال في الحكم المطعون فيه ، فإن النعي على الحكم في هذا الخصوص يكون على غير أساس . لما كان ذلك ، وكانت المادة 23 من قانون الإجراءات الجنائية المستبدلة بالقانون رقم 26 لسنة 1971 قد منحت الضباط العاملين بمصلحة الأمن العام وفي شعب البحث الجنائي بمديريات الأمن سلطة الضبط بصفة عامة وشاملة مما مؤداه أن يكون في متناول اختصاصهم ضبط جميع الجرائم في جميع أنحاء الجمهورية ما دام أن قانون الإجراءات الجنائية حينما أضفى عليهم صفة الضبط القضائي لم يرد أن يقيدها لديهم بأي قيد أو يحد من ولايتهم فيجعلها قاصرة على نوع معين من الجرائم لاعتبارات قدرها تحقيقا للمصلحة العامة ، وتلك الولاية بحسب الأصل إنما تنبسط على جميع أنواع الجرائم حتى ما كان منها قد أفردت له مكاتب خاصة ، لما هو مقرر من أن اضفاء صفة الضبط القضائي على موظف ما في صدد جرائم معينة لا يعني مطلقا سلب تلك الصفة في شأن هذه الجرائم عينها عن غيره من مأمور الضبط القضائي ذوي الاختصاص العام نوعيا ومكانيا ، ولا ينال من هذا النظر ما اشتمل عليه قرار وزير الداخلية بتنظيم مصلحة الأمن العام وتحديد اختصاص كل إدارة منها ، فهو محض قرار نظامي لا يشتمل على ما يمس أحكام قانون الإجراءات الجنائية ، وليس في هذا القانون الأخير ما يخول وزير الداخلية حق إصدار قرارات بمنح صفة الضبط القضائي أو سلب أو تقييد هذه الصفة عن ضابط معين بالنسبة إلى نوع أو أنواع معينة من الجرائم ، وكانت المادة السالفة البيان فضلا عن أنها منحت الضباط العاملين بمصلحة الأمن العام وفي شعب البحث الجنائي بمديريات الأمن سلطة عامة وشاملة في ضبط جميع الجرائم فإنها كذلك قد خولتهم هذه السلطة في كافة أنحاء الجمهورية ، وكان القائم بالتحريات الضابط بالإدارة العامة لحماية الأداب فإنه يكون غير صحيح في القانون النعي ببطلان الإجراءات في هذا الصدد . لما كان ذلك ، وكانت أدوات الجريمة ليست من أركان الجريمة الجوهرية فإن عدم ضبطها لا يؤثر في قيام الجريمة ولا ينال من أدلتها القائمة في الدعوى ، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن من عدم ضبط الهاتف المحمول الذي يحمل الحساب الإلكتروني محل الجريمة يكون غير مقبول . لما كان ذلك ، وكان البين من محضر جلسة المحاكمة أن الطاعن لم يثر أمام محكمة الموضوع ما يدعيه من خلو الأوراق من دليل فني ، فليس له من بعد أن ينعى عليها قعودها عن إجراء أو تحقيق دفاع لم يطلبه منها ، ومن ثم فلا يحل له من بعد أن يثير شيئا عن ذلك أمام محكمة النقض ، إذ هو لا يعدو أن يكون تعييبا للإجراءات السابقة على المحاكمة مما لا يصح أن يكون سببا للطعن في الحكم ، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن في هذا الصدد يكون غير مقبول . لما كان ذلك ، وكان تقدير الدليل موكول لمحكمة الموضوع ، ومتى اقتنعت به واطمأنت إليه فلا معقب عليها في ذلك ، وكانت الأدلة التي ساقها الحكم من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه عليها من ثبوت مقارفة الطاعن للجريمة المسندة إليه حسبما تقدم بيانه ، فإن ما يثيره في هذا الصدد يكون غير مقبول . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن التناقض الذي يعيب الحكم ويبطله هو الذي يقع بين أسبابه بحيث ينفي بعضها ما أثبته البعض الآخر ولا يعرف أي الأمرين قصدته المحكمة ، والذي من شأنه أن يجعل الدليل متهادما متساقطا لا شيء فيه باقيا يمكن أن يعتبر قواما لنتيجة سليمة يصح الاعتماد عليها ، وكان الحكم المطعون فيه قد اعتنق صورة واحدة لواقعة الدعوى ثم ساق أدلة الثبوت التي استمد منها عقيدة دون تناقض على النحو المبين بمدوناته ، فإن ما يثيره الطاعن من دعوى التناقض في التسبيب يكون غير سديد . لما كان ذلك ، وكانت مدونات الحكم المطعون فيه تنبئ عن أن المحكمة ألمت بواقعة الدعوى وأحاطت بالاتهام المسند إلى الطاعن ودانته بالأدلة السائغة التي أخذت بها وهي على بينة من أمرها ، فإن مجادلتها في ذلك بدعوى الفساد في الاستدلال ينطوي على منازعة موضوعية فيما تستقل به محكمة الموضوع بغير معقب . لما كان ذلك ، وكان البين من محضر جلسة المحاكمة أن الطاعن لم يثر ما يدعيه من قصور التحقيقات وبطلانها ، ولم يطلب من محكمة الموضوع تدارك ما شابها من قصور ، فإنه لا يحق له من بعد أن يثير شيئا عن ذلك لأول مرة أمام محكمة النقض ، إذ هو لا يعدو أن يكون تعييبا للإجراءات السابقة على المحاكمة مما لا يصح أن يكون سببا للطعن في الحكم . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن الدفع الذي تلتزم المحكمة بتحقيقه أو الرد عليه هو الذي يبدى صراحة أمامها دون غيره من القول المرسل الذي لم يقصد به سوي مجرد التشكيك في مدى ما اطمأنت إليه من أدلة الثبوت ، وكان الثابت من محضر جلسة المحاكمة أن المدافع عن الطاعن اقتصر على مجرد القول ببطلان الأدلة الإلكترونية دون أن يبين مقصده ومرماه من هذا القول والذي جاء في عبارات مرسلة بغير دليل يظاهرها أو واقع يساندها ولا ينصرف إلا إلى مجرد التشكيك في الدليل ، مما يعتبر من أوجه الدفاع الموضوعية التي لا تلتزم المحكمة بالرد عليها ، إذ الرد عليها يستفاد من الحكم بالإدانة استنادا إلى أدلة الثبوت التي أخذت بها ، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن في هذا الخصوص لا يستأهل ردا . لما كان ذلك ، وكان لا جدوى من النعي على الحكم بالقصور أو عدم الرد على الدفع ببطلان اعتراف الطاعن لصدوره تحت تأثير الإكراه ما دام أن البين من الواقعة كما صار إثباتها في الحكم ومن استدلاله أن الحكم لم يستند في الإدانة إلى دليل مستمد من اعتراف الطاعن المزمع ببطلانه ، وإنما قام قضاءه على أدلة أخرى ليس من بينها ذلك الاعتراف ، فإن ما يثيره الطاعن في هذا الصدد يكون في غير محله ، ولا يجوز التحدي في ذلك بما ورد بأقوال ضابط الواقعة حسبما حصلها الحكم من أنه واجه الطاعن بما أسفر عنه القبض والتفتيش فأقر له بارتكابه الجريمة المسندة إليه ، إذ هو لا يعد اعترافا من الطاعن بما أسند إليه وإنما مجرد قول للضابط يخضع لتقدير المحكمة التي أفصحت عن اطمئنانها إليه في هذا الشأن ، هذا إلى أن البين من الاطلاع على محضر جلسة المحاكمة أن الطاعن لم يدفع أمام محكمة الموضوع بأن اعترافه كان وليد إكراه ، فإنه لا يقبل منه إثاره ذلك أمام محكمة النقض لما يتطلبه ذلك من تحقيق موضوعي تنحسر عنه وظيفة هذه المحكمة . لما كان ذلك ، وكان لا يقدح في سلامة الحكم إغفاله بيان إصابات الطاعن ، لما هو مقرر من أن المحكمة غير ملزمة بالتحدث في حكمها إلا عن الأدلة ذات الأثر في تكوين عقيدتها ولا عليها إن هي التفتت عن أي دليل آخر لأن في عدم إيرادها له ما يفيد اطراحه وعدم التعويل عليه ، ومن ثم فإن نعي الطاعن على الحكم إغفاله إصاباته على فرض صحة ما يدعيه لا يكون له محل . لما كان ذلك ، وكان الدفع بعدم معقولية الواقعة وبعدم ارتكابه الجريمة ، كل ذلك إنما هو دفاع موضوعي لا يستوجب في الأصل من المحكمة ردا خاصا أو صريحا طالما أن الرد عليه يستفاد ضمنا من القضاء بالإدانة استنادا إلى أدلة الثبوت التي أوردها الحكم ، ومن ثم فلا على محكمة الموضوع إن هي لم ترد في حكمها على هذه الدفوع أو أن تكون قد اطرحتهابعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد القاضي المقرر والمرافعة والمداولة قانونا .

حيث إن الطعن قد استوفى الشكل المقرر في القانون .

وحيث إن الطاعن ينعى على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجريمة الاعتداء على القيم الأسرية في المجتمع المصري قد شابه القصور والتناقض في التسبيب ، والفساد في الاستدلال ، والإخلال بحق الدفاع ذلك بأنه اطرح بما لا يسوغ دفعه ببطلان القبض لانتفاء حالة التلبس ولعدم صدور إذن من النيابة العامة ، واستند في قضائه إلى تحريات الشرطة رغم أنها لا تصلح لإدانته ، وأن مجريها غير مختص بإجرائها وانعقاده لمباحث الإنترنت والتي خلت الأوراق منها ، وأنه لم يضبط الهاتف المحمول الذي يحمل الحاسب الإلكتروني محل الجريمة بحوزة الطاعن ، ودانه بها رغم خلو الأوراق من دليل فني ، أو ثمة دليل يقيني على اقترافه لها ، واعتنق الحكم صور متعارضة لواقعة الدعوى إذ حصل بمدوناته أن الطاعن أنشأ حساب إلكتروني على تطبيق هورنت لارتكاب الجريمة ثم أورد في موضع آخر أنه ضبط مع الطاعن هاتف المحمول لا يحتوي على ثمة تطبيقات مما يصمه بالتناقض ، وينبئ عن اختلال عناصر الواقعة في ذهن المحكمة ، هذا إلى قصور تحقيقات النيابة وبطلانها ، والتفت الحكم عن الدفع ببطلان الأدلة الإلكترونية ، وبطلان إقراره بمحضر الضبط لصدوره وليد إكراه ، بدلالة إصابته الواردة بالتقرير الطبي الخاص به ، وبعدم معقولية الواقعة وأنه لم يرتكب الجريمة ، وأوجه دفاعه ودفوعه الأخرى المسطورة بمذكرة دفاعه ، كل ذلك مما يعيب الحكم وبما يستوجب نقضه .

وحيث إن الحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجريمة التي دان الطاعن بها ، وأورد على ثبوتها في حقه أدلة سائغة لها معينها الصحيح من الأوراق ومن شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن القول بتوافر حالة التلبس أو عدم توافرها هو من المسائل الموضوعية التي تستقل بها محكمة الموضوع بغير معقب عليها ما دامت قد أقامت قضاءها على أسباب سائغة ، وكان ما أورده الحكم تدليلا على توافر حالة التلبس وردا على ما دفع به الطاعن من عدم توافر هذه الحالة ومن بطلان القبض عليه كافيا وسائغا ويتفق وصحيح القانون ، فإن ما يثيره الطاعن في هذا الصدد ينحل إلى جدل موضوعي لا تجوز إثارته أمام محكمة النقض . لما كان ذلك ، وكان لا تثريب على المحكمة إن هي أخذت بتحريات رجال المباحث ضمن الأدلة التي استندت إليها ، لما هو مقرر من أن للمحكمة أن تعول في تكوين عقيدتها على ما جاء بتحريات الشرطة باعتبارها معززة لما ساقته من أدلة كما هو الحال في الحكم المطعون فيه ، فإن النعي على الحكم في هذا الخصوص يكون على غير أساس . لما كان ذلك ، وكانت المادة 23 من قانون الإجراءات الجنائية المستبدلة بالقانون رقم 26 لسنة 1971 قد منحت الضباط العاملين بمصلحة الأمن العام وفي شعب البحث الجنائي بمديريات الأمن سلطة الضبط بصفة عامة وشاملة مما مؤداه أن يكون في متناول اختصاصهم ضبط جميع الجرائم في جميع أنحاء الجمهورية ما دام أن قانون الإجراءات الجنائية حينما أضفى عليهم صفة الضبط القضائي لم يرد أن يقيدها لديهم بأي قيد أو يحد من ولايتهم فيجعلها قاصرة على نوع معين من الجرائم لاعتبارات قدرها تحقيقا للمصلحة العامة ، وتلك الولاية بحسب الأصل إنما تنبسط على جميع أنواع الجرائم حتى ما كان منها قد أفردت له مكاتب خاصة ، لما هو مقرر من أن اضفاء صفة الضبط القضائي على موظف ما في صدد جرائم معينة لا يعني مطلقا سلب تلك الصفة في شأن هذه الجرائم عينها عن غيره من مأمور الضبط القضائي ذوي الاختصاص العام نوعيا ومكانيا ، ولا ينال من هذا النظر ما اشتمل عليه قرار وزير الداخلية بتنظيم مصلحة الأمن العام وتحديد اختصاص كل إدارة منها ، فهو محض قرار نظامي لا يشتمل على ما يمس أحكام قانون الإجراءات الجنائية ، وليس في هذا القانون الأخير ما يخول وزير الداخلية حق إصدار قرارات بمنح صفة الضبط القضائي أو سلب أو تقييد هذه الصفة عن ضابط معين بالنسبة إلى نوع أو أنواع معينة من الجرائم ، وكانت المادة السالفة البيان فضلا عن أنها منحت الضباط العاملين بمصلحة الأمن العام وفي شعب البحث الجنائي بمديريات الأمن سلطة عامة وشاملة في ضبط جميع الجرائم فإنها كذلك قد خولتهم هذه السلطة في كافة أنحاء الجمهورية ، وكان القائم بالتحريات الضابط بالإدارة العامة لحماية الأداب فإنه يكون غير صحيح في القانون النعي ببطلان الإجراءات في هذا الصدد . لما كان ذلك ، وكانت أدوات الجريمة ليست من أركان الجريمة الجوهرية فإن عدم ضبطها لا يؤثر في قيام الجريمة ولا ينال من أدلتها القائمة في الدعوى ، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن من عدم ضبط الهاتف المحمول الذي يحمل الحساب الإلكتروني محل الجريمة يكون غير مقبول . لما كان ذلك ، وكان البين من محضر جلسة المحاكمة أن الطاعن لم يثر أمام محكمة الموضوع ما يدعيه من خلو الأوراق من دليل فني ، فليس له من بعد أن ينعى عليها قعودها عن إجراء أو تحقيق دفاع لم يطلبه منها ، ومن ثم فلا يحل له من بعد أن يثير شيئا عن ذلك أمام محكمة النقض ، إذ هو لا يعدو أن يكون تعييبا للإجراءات السابقة على المحاكمة مما لا يصح أن يكون سببا للطعن في الحكم ، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن في هذا الصدد يكون غير مقبول . لما كان ذلك ، وكان تقدير الدليل موكول لمحكمة الموضوع ، ومتى اقتنعت به واطمأنت إليه فلا معقب عليها في ذلك ، وكانت الأدلة التي ساقها الحكم من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه عليها من ثبوت مقارفة الطاعن للجريمة المسندة إليه حسبما تقدم بيانه ، فإن ما يثيره في هذا الصدد يكون غير مقبول . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن التناقض الذي يعيب الحكم ويبطله هو الذي يقع بين أسبابه بحيث ينفي بعضها ما أثبته البعض الآخر ولا يعرف أي الأمرين قصدته المحكمة ، والذي من شأنه أن يجعل الدليل متهادما متساقطا لا شيء فيه باقيا يمكن أن يعتبر قواما لنتيجة سليمة يصح الاعتماد عليها ، وكان الحكم المطعون فيه قد اعتنق صورة واحدة لواقعة الدعوى ثم ساق أدلة الثبوت التي استمد منها عقيدة دون تناقض على النحو المبين بمدوناته ، فإن ما يثيره الطاعن من دعوى التناقض في التسبيب يكون غير سديد . لما كان ذلك ، وكانت مدونات الحكم المطعون فيه تنبئ عن أن المحكمة ألمت بواقعة الدعوى وأحاطت بالاتهام المسند إلى الطاعن ودانته بالأدلة السائغة التي أخذت بها وهي على بينة من أمرها ، فإن مجادلتها في ذلك بدعوى الفساد في الاستدلال ينطوي على منازعة موضوعية فيما تستقل به محكمة الموضوع بغير معقب . لما كان ذلك ، وكان البين من محضر جلسة المحاكمة أن الطاعن لم يثر ما يدعيه من قصور التحقيقات وبطلانها ، ولم يطلب من محكمة الموضوع تدارك ما شابها من قصور ، فإنه لا يحق له من بعد أن يثير شيئا عن ذلك لأول مرة أمام محكمة النقض ، إذ هو لا يعدو أن يكون تعييبا للإجراءات السابقة على المحاكمة مما لا يصح أن يكون سببا للطعن في الحكم . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن الدفع الذي تلتزم المحكمة بتحقيقه أو الرد عليه هو الذي يبدى صراحة أمامها دون غيره من القول المرسل الذي لم يقصد به سوي مجرد التشكيك في مدى ما اطمأنت إليه من أدلة الثبوت ، وكان الثابت من محضر جلسة المحاكمة أن المدافع عن الطاعن اقتصر على مجرد القول ببطلان الأدلة الإلكترونية دون أن يبين مقصده ومرماه من هذا القول والذي جاء في عبارات مرسلة بغير دليل يظاهرها أو واقع يساندها ولا ينصرف إلا إلى مجرد التشكيك في الدليل ، مما يعتبر من أوجه الدفاع الموضوعية التي لا تلتزم المحكمة بالرد عليها ، إذ الرد عليها يستفاد من الحكم بالإدانة استنادا إلى أدلة الثبوت التي أخذت بها ، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن في هذا الخصوص لا يستأهل ردا . لما كان ذلك ، وكان لا جدوى من النعي على الحكم بالقصور أو عدم الرد على الدفع ببطلان اعتراف الطاعن لصدوره تحت تأثير الإكراه ما دام أن البين من الواقعة كما صار إثباتها في الحكم ومن استدلاله أن الحكم لم يستند في الإدانة إلى دليل مستمد من اعتراف الطاعن المزمع ببطلانه ، وإنما قام قضاءه على أدلة أخرى ليس من بينها ذلك الاعتراف ، فإن ما يثيره الطاعن في هذا الصدد يكون في غير محله ، ولا يجوز التحدي في ذلك بما ورد بأقوال ضابط الواقعة حسبما حصلها الحكم من أنه واجه الطاعن بما أسفر عنه القبض والتفتيش فأقر له بارتكابه الجريمة المسندة إليه ، إذ هو لا يعد اعترافا من الطاعن بما أسند إليه وإنما مجرد قول للضابط يخضع لتقدير المحكمة التي أفصحت عن اطمئنانها إليه في هذا الشأن ، هذا إلى أن البين من الاطلاع على محضر جلسة المحاكمة أن الطاعن لم يدفع أمام محكمة الموضوع بأن اعترافه كان وليد إكراه ، فإنه لا يقبل منه إثاره ذلك أمام محكمة النقض لما يتطلبه ذلك من تحقيق موضوعي تنحسر عنه وظيفة هذه المحكمة . لما كان ذلك ، وكان لا يقدح في سلامة الحكم إغفاله بيان إصابات الطاعن ، لما هو مقرر من أن المحكمة غير ملزمة بالتحدث في حكمها إلا عن الأدلة ذات الأثر في تكوين عقيدتها ولا عليها إن هي التفتت عن أي دليل آخر لأن في عدم إيرادها له ما يفيد اطراحه وعدم التعويل عليه ، ومن ثم فإن نعي الطاعن على الحكم إغفاله إصاباته على فرض صحة ما يدعيه لا يكون له محل . لما كان ذلك ، وكان الدفع بعدم معقولية الواقعة وبعدم ارتكابه الجريمة ، كل ذلك إنما هو دفاع موضوعي لا يستوجب في الأصل من المحكمة ردا خاصا أو صريحا طالما أن الرد عليه يستفاد ضمنا من القضاء بالإدانة استنادا إلى أدلة الثبوت التي أوردها الحكم ، ومن ثم فلا على محكمة الموضوع إن هي لم ترد في حكمها على هذه الدفوع أو أن تكون قد اطرحتها بالرد عليها إجمالا ، فإن النعي على الحكم في هذا الخصوص يكون غير مقبول . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أنه يجب لقبول وجه الطعن أن يكون واضحا محددا ، وكان الطاعن لم يفصح عن ماهية أوجه الدفاع والدفوع التي يقول إنه أثارها والأخرى التي أثارها في مذكرات قدمها إلى المحكمة وأغفل الحكم التعرض لها حتى يتضح مدى أهميتها في الدعوى المطروحة ، ومن ثم فإن منعاه في هذا الخصوص لا يكون مقبولا . لما كان ما تقدم ، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعينا رفضه موضوعا .

بالرد عليها إجمالا ، فإن النعي على الحكم في هذا الخصوص يكون غير مقبول . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أنه يجب لقبول وجه الطعن أن يكون واضحا محددا ، وكان الطاعن لم يفصح عن ماهية أوجه الدفاع والدفوع التي يقول إنه أثارها والأخرى التي أثارها في مذكرات قدمها إلى المحكمة وأغفل الحكم التعرض لها حتى يتضح مدى أهميتها في الدعوى المطروحة ، ومن ثم فإن منعاه في هذا الخصوص لا يكون مقبولا . لما كان ما تقدم ، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعينا رفضه موضوعا

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة : بقبول الطعن شكلا وفي الموضوع برفضه

خُلُقُ الأَنَاةِ: فَضِيلَةُ الصَّبْرِ وَحِكْمَةُ التَّأَنِّي فِي زَمَنِ العَجَلَةِ

خُلُقُ الأَنَاةِ: رِحْلَةُ العَقْلِ فِي نَيْلِ الحِكْمَةِ وَسَكِينَةِ الرُّوحِ مقدمة: حقيقة الأناة وغايتها الإنسانية    يعيش الإنسان المعاصر...