الأحد، 29 مارس 2026

التعليق على المادة الثالثة من قانون الاجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025

     تعد المادة الثالثة من مواد إصدار القانون 174 لسنة 2025 حلقة الوصل الفاصلة في تطبيق نظام "استئناف الجنايات"، وهي مادة تفسيرية وإجرائية بالدرجة الأولى، تهدف إلى فض الاشتباك الزمني حول متى يحق للمتهم الطعن بالاستئناف على حكم الجنايات.إليك السرد المنطقي القانوني الرصين لمقصود هذا النص:

أولاً: السياق التاريخي والتشريعي

   لأول مرة في تاريخ القانون المصري، أقر القانون رقم 1 لسنة 2024 نظام التقاضي على درجتين في الجنايات (استئناف الجنايات)، والذي بدأ العمل به في 17 يناير 2024. وعند صدور القانون الشامل الجديد 174 لسنة 2025، أراد المشرع التأكيد على استمرارية هذا المبدأ وتحديد النطاق الزمني لسريانه بدقة.

ثانياً: المقصود بعبارة "الدعاوى التي لم يفصل فيها"

    هذا النص يحدد "اللحظة الحاسمة" لاستحقاق درجة التقاضي الثانية: العبرة بتاريخ صدور الحكم: إذا كانت الدعوى الجنائية منظورة أمام محكمة الجنايات (أول درجة) وصدر فيها الحكم بعد 17 يناير 2024، فإن هذا الحكم يخضع لنظام الاستئناف الجديد.خروج الأحكام السابقة: أي حكم جنايات صدر قبل 17 يناير 2024 (تاريخ العمل بالقانون 1 لسنة 2024)، لا يجوز استئنافه، بل يظل خاضعاً للنظام القديم وهو "الطعن بالنقض" مباشرة.

ثالثاً: الأثر العملي (لماذا هذا النص شديد الأهمية؟)

    من الناحية العملية، يترتب على هذا النص نتائج جوهرية للمحامي والمتقاضي: تحديد طريق الطعن: بمجرد صدور حكم جنايات، يجب على المحامي النظر في تاريخ الحكم؛ فإذا كان معاصراً أو لاحقاً للتاريخ المذكور، يتعين عليه التقرير بالاستئناف أولاً قبل النقض. تحصين المراكز القانونية: يمنع هذا النص المتهمين الصادرة ضدهم أحكام قديمة (قبل يناير 2024) من محاولة إعادة فتح قضاياهم عبر بوابة الاستئناف المستحدثة، مما يحافظ على استقرار الأحكام النهائية. الارتباط بالقانون 174 لسنة 2025: يؤكد النص أن القانون الجديد (174) يتبنى ذات المنهج الذي بدأه القانون رقم 1 لسنة 2024، لضمان عدم وجود "فجوة زمنية" يُحرم فيها المتهم من حقه في الاستئناف بين تاريخ صدور القانونين.

رابعاً: الدفع القانوني المستخلص (للممارسة العملية)

    يمكن صياغة الدفع كالتالي: "وحيث إن المادة الثالثة من مواد إصدار القانون 174 لسنة 2025 قد قررت سريان أحكام استئناف الجنايات على كافة الدعاوى التي لم يفصل فيها اعتباراً من 17 يناير 2024، وحيث إن الحكم المطعون فيه قد صدر بتاريخ لاحق لهذا التاريخ، فإن حق المتهم في التقاضي على درجتين هو حق أصيل استقر بموجب القانون ولا يجوز مصادرته."

الخلاصة:

    المقصود هو أن نظام "استئناف الجنايات" ليس وليد القانون الجديد 174 فحسب، بل هو امتداد للتعديل الذي بدأ في يناير 2024، وأن أي قضية كانت "متداولة" ولم يصدر فيها حكم قبل ذلك التاريخ، أصبحت تتمتع بميزة الاستئناف.

كيفية تعامل القانون الجديد مع "سقوط العقوبة" أو "انقضاء الدعوى بمضي المدة" في ضوء هذه المادة الانتقالية؟

    بناءً على هذا التسلسل المنطقي، ننتقل إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل القانوني عند الانتقال بين قانونين، وهي التقادم (سواء انقضاء الدعوى الجنائية بمضي المدة أو سقوط العقوبة)، وكيفية معالجة القانون 174 لسنة 2025 لهذه المسألة في ضوء مواد الإصدار:

أولاً: القاعدة الأصولية (القانون الأصلح للمتهم)

    بموجب المادة (5) من قانون العقوبات، والمبادئ المستقرة في أحكام محكمة النقض، فإن القوانين المتعلقة بالتقادم تعد من القوانين "الموضوعية" وليست "إجرائية" بحتة في أثرها، لأنها تمس حق الدولة في العقاب.إذا كان القانون الجديد (174 لسنة 2025) قد أطال مدد التقادم، فلا يسري على الجرائم السابقة إلا إذا كان أصلح للمتهم.إذا كان قد قصر المدد، فإنه يسري بأثر فوري كقانون أصلح.

ثانياً: انقضاء الدعوى الجنائية في الجنح (الرؤية العملية)

    في ظل القانون القديم، كانت المدة العامة لانقضاء الدعوى في الجنح هي 3 سنوات. إذا جاء القانون الجديد بأي تعديل يخص "انقطاع المدة" أو "وقف سريانها" (مثل حالات الهروب للخارج أو التواجد في أماكن يصعب الوصول إليها):الجرائم التي اكتملت مدة تقادمها قبل سريان القانون الجديد: تظل منقضية ولا يجوز إحياؤها بالاستناد لنص جديد، لأن الحق في الدفع بالانقضاء قد استقر كمركز قانوني. الجرائم التي لا تزال مدتها سارية: هنا نطبق نص المادة الثانية من مواد الإصدار التي تحيلنا للقواعد السابقة إذا تعلق الأمر "بأوضاع وإجراءات" بدأت في ظل القانون القديم.

ثالثاً: سقوط العقوبة في الأحكام الغيابية

    هنا تكمن "الدقة القانونية". المادة الثانية من مواد إصدار القانون 174 التي ناقشناها (بشأن استمرار نظر الطعون في الأحكام الغيابية بالجنح بذات الأوضاع السابقة) تؤدي بالتبعية إلى:أن حساب مدة سقوط العقوبة (وهي 5 سنوات في الجنح) يظل مرتبطاً بصيرورة الحكم نهائياً.بما أن إجراءات المعارضة (الطعن) ظلت خاضعة للقانون القديم، فإن لحظة "نهائية الحكم" التي يبدأ منها تقادم العقوبة ستظل محكومة بذات النظام القديم.

رابعاً: أثر "التوقف" و"الانقطاع" المستحدث

    إذا استحدث القانون الجديد أسباباً جديدة لقطع التقادم (مثل اتخاذ إجراءات معينة عبر الوسائل الإلكترونية)، فإن هذه الأسباب:لا تسري على المدد التي بدأت وانتهت قبل القانون. تسري فقط على الإجراءات التي تتخذ "بعد" نفاذ القانون الجديد، ولو كانت الجريمة قد وقعت قبله، طالما لم تكن مدة التقادم قد اكتملت بعد.

الخلاصة للمذكرات القانونية:

    عند الدفع بـ انقضاء الدعوى الجنائية أو سقوط العقوبة في ظل القانون 174 لسنة 2025، يجب على المحامي صياغة دفعه كالتالي:"وحيث إن الواقعة قد حدثت في تاريخ (...)، وحيث إن المادة الثانية من مواد إصدار القانون 174 لسنة 2025 قد استبقت الأوضاع الإجرائية السابقة للأحكام الغيابية، وحيث إن قواعد التقادم هي قواعد متعلقة بالنظام العام وتعد من قبيل القوانين الأصلح للمتهم في حال قصر مدتها، فإننا نتمسك بالمدة الأقصر (أو القاعدة الأيسر) استناداً للمادة 5 عقوبات ومواد إصدار قانون الإجراءات الجديد."

التعليق على نص المادة الثانية من مواد اصدار قانون الاجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025

   تعد المادة الثانية من مواد إصدار القانون 174 لسنة 2025 واحدة من أدق المواد التي تعالج "التنازع الزمني للقوانين"، وهي تضع استثناءً جوهرياً للقاعدة العامة التي تقول بأن قوانين الإجراءات تسري بأثر فوري.

   إليك التحليل المنطقي القانوني الرصين لمقصود هذا النص وأثره العملي:

أولاً: السياق التشريعي (لماذا هذا النص؟)

    جاء القانون الجديد بتغييرات جذرية في نظام "الأحكام الغيابية" وطرق الطعن عليها، خاصة في مواد الجنح. وبما أن هناك الآلاف من الأحكام الغيابية التي صدرت قبل سريان القانون الجديد (سواء كانت في مرحلة المعارضة أو الاستئناف)، أراد المشرع تجنب "الارتباك الإجرائي".

ثانياً: المقصود بعبارة "بذات الأوضاع والإجراءات المقررة قبل العمل به"

   المقصود هو "الاستبقاء الإجرائي للمراكز القانونية القديمة". أي أن أي حكم غيابي صدر في ظل القانون القديم (150 لسنة 1950)، تظل القواعد الحاكمة للطعن عليه (من حيث المواعيد، وإجراءات التقرير بالمعارضة، وآثارها) هي قواعد القانون القديم، وذلك في حالتين: الحالة الاولى أن يكون الحكم قد صدر بالفعل غيابياً قبل تاريخ العمل بالقانون الجديد. الحالة الثانية أن يكون الطعن (المعارضة مثلاً) قد بدأ فعلياً أو استحق ميعاده قبل سريان القانون الجديد.

ثالثاً: الأثر العملي (النتائج المترتبة)

   من الناحية العملية، هذا النص يغلق الباب أمام محاولات الاستفادة من التعديلات الجديدة في "شكل" الطعن للأحكام القديمة، ويترتب عليه الآتي: المواعيد: إذا كان ميعاد المعارضة في القانون القديم يختلف عنه في الجديد (في حالات معينة)، فإن الحكم القديم يتبع ميعاده القديم. إجراءات التقرير: تظل طرق التقرير بالمعارضة أو الاستئناف التي كانت متبعة سارية على تلك الأحكام، دون إلزام الخصوم باتباع الوسائل التقنية أو الإجرائية المستحدثة في القانون 174 إذا كان الحكم سابقاً عليه. اعتبار المعارضة كأن لم تكن: إذا كانت هناك ضوابط في القانون القديم تعتبر المعارضة كأن لم تكن في حالات معينة، تظل هي الواجبة التطبيق على تلك الطعون.

رابعاً: الحكمة من هذا الاستثناء

    استقرار المراكز القانونية: لا يجوز مباغتة الخصوم (سواء المتهم أو النيابة) بإجراءات جديدة على أحكام صدرت في ظل واقع قانوني مغاير. عدم تعطيل القضايا: منع تكدس المحاكم بطلبات بطلان الإجراءات الناتجة عن خلط المتقاضين بين القواعد القديمة والجديدة.

خامساً: تطبيق من واقع الممارسة (ملاحظة للمحامي)

    عندما تعرض عليك قضية "جنحة" صادر فيها حكم غيابي قبل سريان القانون الجديد، عليك أن تفتح "كتاب القانون القديم" لتحدد ميعاد معارضتك وإجراءاتها، ولا تلتفت للتعديلات الواردة في القانون 174 بشأن هذه الجزئية تحديداً، لأن المادة الثانية من مواد الإصدار جعلت من القانون القديم "قانوناً سارياً بصفة استثنائية" على هذه الحالات.

التعليق على نص المادة الاولى من مواد إصدار قانون الاجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025

     قانون الاجراءات الجنائية هو العمود الفقري في القانون الجنائي ، و بمناسبة صدور قانون الاجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025 بتاريخ 12 نوفمبر لسنة 2025 ، و نشره بالعدد 45 مكرر (د) من الجريدة الرسمية في 12 نوفمبر سنة 2025 و الذي سيبدأ تطبيقه اعتباراً من 1 اكتوبر لسنة 2026 ،و نظرا للاهمية القصوى لفهم و شرح أحكامه للعاملين في القطاع القانوني  ، سنحاول جاهدين بقدر ما يتسع الوقت الى التعليق على نصوص احكام هذا القانون ، و سنفرد مقال لكل مادة من مواد هذا القانون في المدونة ، و ذلك على النحو التالي :-

    نص المادة  الاولى من مواد الاصدار ( مع عدم الإخلال بالأحكام الإجرائية المنصوص عليها في القوانين الأخرى ، يُعمل بأحكام هذا القانون و القانون المرافق له في شأن الإجراءات الجنائية )، ماذا يقصد المشرع الجنائي من هذا النص ،القراءة التحليلية للمادة الأولى من مواد إصدار القانون 174 لسنة 2025

أولاً: الدلالة التشريعية

     يقرر هذا النص قاعدة "الاستبقاء الإجرائي" للنصوص الخاصة، معلناً صراحةً أن القانون الجديد -رغم كونه الشريعة العامة للمحاكمات- لا يجُبُّ ما قبله من نصوص إجرائية وردت في قوانين مكملة أو خاصة، مالم يوجد نص صريح بالإلغاء.

ثانياً: التأصيل الفلسفي (قاعدة التخصيص والعموم)

    من الناحية المنطقية، يعكس هذا النص رغبة المشرع في الحفاظ على "التوازن الإجرائي". فالقانون 174 لسنة 2025 صُمم ليكون المظلة العامة، لكن هناك جرائم نوعية (كالجرائم الاقتصادية، أو جرائم الإرهاب، أو تقنية المعلومات) تقتضي طبيعتها الفنية أو خطورتها الاجتماعية تدابير لا تستوعبها القواعد العامة. هنا، تعمل المادة الأولى كـ "حائط صد" يمنع الدفع بالإلغاء الضمني، ويؤكد على استمرارية العمل بالقواعد الاستثنائية التي تقررها القوانين الخاصة، إعمالاً للمبدأ الأصولي: "الخاص يقيد العام، واللاحق العام لا يلغي السابق الخاص مالم ينص على ذلك صراحة".

ثالثاً: الأثر الإجرائي والتطبيق العملي

    يتجلى الأثر العملي لهذه المادة في مرحلتين حيويتين:

مرحلة التحقيق الابتدائي (سلطة الضبط):

    تظل سلطات مأمور الضبط القضائي في التفتيش أو التحفظ الواردة في قوانين مثل "قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات" سارية، حتى لو وضعت القواعد العامة في القانون الجديد قيوداً أشد، طالما أن تلك الإجراءات تمت في نطاق الجرائم المنصوص عليها في القانون الخاص.

مرحلة المحاكمة (تحديد القواعد الحاكمة):

    على القاضي الجنائي، قبل الفصل في بطلان أي إجراء، أن يحدد "النطاق القانوني" للجريمة. فإذا كانت الجريمة تخضع لقانون (المحاكم الاقتصادية) مثلاً، فإن المواعيد وإجراءات التحضير المنصوص عليها فيه تظل هي الواجبة التطبيق بالاستناد إلى المادة الأولى من مواد إصدار القانون 174.

رابعاً: الدفع القانوني المستخلص (للممارسة العملية)

    من الناحية العملية، تمنح هذه المادة "المدافع" سلاحاً ذا حدين: الدفع بالبطلان: إذا تم اتخاذ إجراء استناداً للقانون الجديد في جريمة يحكمها قانون خاص يقرر ضمانة "أقوى" للمتهم.الدفع بسريان النص الخاص: في حال محاولة سلطة التحقيق التحلل من قيد خاص ورد في قانون نوعي، استناداً إلى عمومية نص القانون الجديد.

خامساً: ملاحظات نقدية واستشرافية

    إن الإبقاء على "الأحكام الإجرائية في القوانين الأخرى" قد يخلق نوعاً من "الازدواجية الإجرائية". فبينما جاء القانون 174 لسنة 2025 بضمانات غير مسبوقة (مثل تقليص مدد الحبس الاحتياطي والتعويض عنه)، قد يجد المتهم نفسه محروماً من هذه المزايا إذا كيفت الواقعة تحت مظلة "قانون خاص" يمنح سلطات التحقيق مدى أوسع. لذا، فإن الممارسة القانونية الرصينة تتطلب من المحامي التدقيق في "مدى اتساق" هذه النصوص الخاصة مع الفلسفة الجديدة التي أقرها المشرع في القانون 174، ومدى دستوريتها في ظل المبادئ التي كرسها الدستور المصري الحالي.

الجمعة، 6 مارس 2026

مقام الاعراض في القران الكريم و فن ادارة المسافات

 مقام الاعراض في القران الكريم و فن ادارة المسافات 

مقدمة

    كثيرًا ما يواجه الإنسان في مسيرة حياته مواقف متشابكة وتعقيدات إنسانية لا تكاد تنتهي؛ نزاع مع قريب، أو خلاف مع صديق، أو سوء فهم مع غريب، أو احتكاكات يومية تفرضها طبيعة الحياة الاجتماعية. وفي خضمّ هذه المواقف يقف الإنسان باحثًا عن طريقٍ يجنّبه الوقوع في دوامة الصراع المستمر، ويحفظ له توازنه النفسي، وكرامته الإنسانية، وسلامه الداخلي.

    ومن خلال التأمل والبحث في مصادر الهداية الكبرى، يتبين أن القرآن الكريم لم يترك الإنسان حائرًا أمام هذه المواقف، بل قدّم منهجًا رفيعًا لإدارة العلاقات والصراعات الإنسانية. ومن أبرز هذه المناهج ما يمكن أن نطلق عليه مقام الإعراض؛ وهو مقامٌ قرآنيّ دقيق، يقوم على مبدأٍ عميق يمكن تسميته في لغة العصر بعلم أو فن إدارة المسافات في العلاقات الإنسانية.

    فالإعراض في حقيقته ليس ضعفًا، ولا هروبًا من المواجهة، ولا عجزًا عن الرد، بل هو اختيارٌ واعٍ يضبط به الإنسان مسافة العلاقة حين تتحول المواجهة إلى عبث، أو حين يصبح الاستمرار في الجدل استنزافًا للعقل والروح والوقت. وهو أسلوب قرآني رفيع يحقق التوازن بين الكرامة والحكمة، وبين الحضور والانسحاب، وبين البيان والصمت.

    ومن هنا تنبع أهمية الوقوف عند هذا المقام القرآني وقفة تدبرٍ وتأمل؛ لنستكشف جذوره في كتاب الله سبحانه وتعالى، ونتساءل:

    ما المقصود بمقام الإعراض في المنهج القرآني؟

    وما ماهيته وحدوده؟

    وكيف يكون تطبيقه العملي في الواقع اليومي؟

    ومتى يكون الإعراض حكمة، ومتى يكون تقصيرًا؟

    وكيف يمكن توظيف هذا المقام في إدارة الخلافات الإنسانية؟

    وما الآثار النفسية والاجتماعية المترتبة على إتقانه؟

    إن هذا البحث محاولة لتتبع الجذور القرآنية لمقام الإعراض، وبيان ملامحه كمنهجٍ راقٍ في إدارة العلاقات الإنسانية، وكفنٍّ من فنون الحكمة في التعامل مع الناس، بما يفتح للإنسان بابًا من أبواب الطمأنينة والاتزان، ويمنحه القدرة على العيش بوعيٍ أعمق، وسكينةٍ أوسع، في عالمٍ يزداد ازدحامًا بالصراعات والضجيج. وهو في جوهره دعوةٌ إلى إعادة اكتشاف أحد المفاتيح القرآنية الدقيقة في إدارة الحياة والناس والمواقف.

أولًا: ما المقصود بمقام الإعراض؟

    الإعراض في اللغة هو: الميل عن الشيء وترك الالتفات إليه.أما في المنهج القرآني فهو: ترك مجادلة أو مواجهة شخص أو موقف عندما يكون الاستمرار فيه عبثًا أو ضررًا، مع حفظ الأدب والكرامة.وقد ورد هذا المعنى في مواضع كثيرة من القرآن، منها قوله تعالى:﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾(الأعراف: 199)،فهذه الآية وضعت قاعدة متكاملة في التعامل مع الناس:خذ العفو (التسامح)،أمر بالمعروف (الإصلاح)،أعرض عن الجاهلين (إدارة المسافة مع من لا ينفع معه الجدل)،فالإعراض هنا ليس ترك الحق، بل ترك الجدل العقيم.

ثانيًا: ماهية مقام الإعراض

    مقام الإعراض في القرآن يقوم على عدة معانٍ أساسية:1- ترك الجدل مع السفهاء،قال تعالى:،﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾(الفرقان: 63)،أي أنهم لا يدخلون في صراع مع الجاهلين، بل ينهون الموقف بكلمة سلام أو سكوت كريم.2- تجنب مجالس الباطل،قال تعالى:﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾(الأنعام: 68)،أي أن الإعراض هنا وسيلة لحفظ النفس والعقل من الانجرار إلى بيئة فاسدة.3- تجاوز الإساءة،قال تعالى﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾(الزخرف: 89)،فالصفح والإعراض هنا أعلى درجات القوة النفسية.

ثالثًا: كيفية تطبيق مقام الإعراض

    الإعراض في القرآن ليس انسحابًا سلبيًا، بل سلوك منضبط له خطوات:

1- البيان أولًا

    المنهج القرآني يبدأ بالبيان والنصح.قال تعالى:﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾(النحل: 125).

2- ثم المجادلة بالحسنى

    قال تعالى:﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.

3- ثم الإعراض عند العناد

    قال تعالى:﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾(الشورى: 48)،أي أن الإعراض يأتي بعد استنفاد وسائل البيان.

رابعًا: الإعراض كفن لإدارة المسافات

    الحياة الإنسانية تقوم على المسافات بين الناس: مسافة القرب، ممسافة الحوار،مسافة التجاهل،والقرآن يعلّم الإنسان متى يقترب ومتى يبتعد. فليس كل خلاف يحتاج مواجهة، وليس كل إساءة تستحق ردًا.وقد عبّر القرآن عن ذلك بقاعدة عظيمة:﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾(القصص: 55)،وهذه الآية نموذج واضح لفن إدارة المسافة مع الآخرين.

خامسًا: كيف نوظف مقام الإعراض في حياتنا اليومية؟

    يمكن تطبيق هذا المبدأ في عدة مواقف:

    1- الخلافات العائلية،عندما يتحول النقاش إلى جدل مؤذٍ، يكون الإعراض أحيانًا هو الحل.

    2- النزاعات في العمل،ليس كل إساءة تحتاج ردًا، أحيانًا الصمت الحكيم يحفظ المكانة.

    3- التعامل مع أصحاب الطباع الصعبة،قال تعالى:﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾(المزمل: 10)،والهجر الجميل هو الإعراض دون خصومة.

سادسًا: آثار استخدام مقام الإعراض

    تطبيق هذا المنهج القرآني يحقق آثارًا عظيمة:1- السلام النفسي: لأن الإنسان يتوقف عن استنزاف طاقته في صراعات عبثية.2- حفظ الكرامة:الإعراض يمنع الإنسان من النزول إلى مستوى الجدل السفلي.3- تقليل العداوات: كثير من النزاعات تتلاشى إذا لم تجد من يغذيها.4- قوة الشخصية:القادر على الإعراض ليس ضعيفًا، بل هو مالك لنفسه.قال تعالى:﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾(آل عمران: 134)

سابعًا: نتائج إتقان هذا الفن

    عندما يتقن الإنسان فن إدارة المسافات يتحقق له: صفاء العقل،هدوء النفس،قوة الشخصية،حسن العلاقات، ويصبح قادرًا على التعامل مع الناس بميزان الحكمة.

خاتمة

    إن مقام الإعراض في القرآن الكريم ليس مجرد توجيه أخلاقي عابر، بل هو منهج عميق لإدارة العلاقات الإنسانية. إنه يعلّم الإنسان متى يتكلم ومتى يصمت، ومتى يواجه ومتى يتجاوز، ومتى يقترب ومتى يبتعد. ومن يتأمل آيات القرآن يدرك أن هذا المقام يمثل أحد مفاتيح الحكمة في الحياة؛ لأنه يحفظ للإنسان وقته وطاقته وكرامته، ويجنّبه كثيرًا من الصراعات التي لا طائل من ورائها. ولذلك يمكن القول إن الإعراض في المنهج القرآني هو فن إدارة المسافات بين الإنسان والناس، وهو فن لو أتقنه الإنسان لوجد فيه بابًا واسعًا من أبواب السكينة والاتزان في حياته.

و الله المستعان

خُلُقُ الأَنَاةِ: فَضِيلَةُ الصَّبْرِ وَحِكْمَةُ التَّأَنِّي فِي زَمَنِ العَجَلَةِ

خُلُقُ الأَنَاةِ: رِحْلَةُ العَقْلِ فِي نَيْلِ الحِكْمَةِ وَسَكِينَةِ الرُّوحِ مقدمة: حقيقة الأناة وغايتها الإنسانية    يعيش الإنسان المعاصر...