الأحد، 29 مارس 2026

التعليق على نص المادة الاولى من مواد إصدار قانون الاجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025

     قانون الاجراءات الجنائية هو العمود الفقري في القانون الجنائي ، و بمناسبة صدور قانون الاجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025 بتاريخ 12 نوفمبر لسنة 2025 ، و نشره بالعدد 45 مكرر (د) من الجريدة الرسمية في 12 نوفمبر سنة 2025 و الذي سيبدأ تطبيقه اعتباراً من 1 اكتوبر لسنة 2026 ،و نظرا للاهمية القصوى لفهم و شرح أحكامه للعاملين في القطاع القانوني  ، سنحاول جاهدين بقدر ما يتسع الوقت الى التعليق على نصوص احكام هذا القانون ، و سنفرد مقال لكل مادة من مواد هذا القانون في المدونة ، و ذلك على النحو التالي :-

    نص المادة  الاولى من مواد الاصدار ( مع عدم الإخلال بالأحكام الإجرائية المنصوص عليها في القوانين الأخرى ، يُعمل بأحكام هذا القانون و القانون المرافق له في شأن الإجراءات الجنائية )، ماذا يقصد المشرع الجنائي من هذا النص ،القراءة التحليلية للمادة الأولى من مواد إصدار القانون 174 لسنة 2025

أولاً: الدلالة التشريعية

     يقرر هذا النص قاعدة "الاستبقاء الإجرائي" للنصوص الخاصة، معلناً صراحةً أن القانون الجديد -رغم كونه الشريعة العامة للمحاكمات- لا يجُبُّ ما قبله من نصوص إجرائية وردت في قوانين مكملة أو خاصة، مالم يوجد نص صريح بالإلغاء.

ثانياً: التأصيل الفلسفي (قاعدة التخصيص والعموم)

    من الناحية المنطقية، يعكس هذا النص رغبة المشرع في الحفاظ على "التوازن الإجرائي". فالقانون 174 لسنة 2025 صُمم ليكون المظلة العامة، لكن هناك جرائم نوعية (كالجرائم الاقتصادية، أو جرائم الإرهاب، أو تقنية المعلومات) تقتضي طبيعتها الفنية أو خطورتها الاجتماعية تدابير لا تستوعبها القواعد العامة. هنا، تعمل المادة الأولى كـ "حائط صد" يمنع الدفع بالإلغاء الضمني، ويؤكد على استمرارية العمل بالقواعد الاستثنائية التي تقررها القوانين الخاصة، إعمالاً للمبدأ الأصولي: "الخاص يقيد العام، واللاحق العام لا يلغي السابق الخاص مالم ينص على ذلك صراحة".

ثالثاً: الأثر الإجرائي والتطبيق العملي

    يتجلى الأثر العملي لهذه المادة في مرحلتين حيويتين:

مرحلة التحقيق الابتدائي (سلطة الضبط):

    تظل سلطات مأمور الضبط القضائي في التفتيش أو التحفظ الواردة في قوانين مثل "قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات" سارية، حتى لو وضعت القواعد العامة في القانون الجديد قيوداً أشد، طالما أن تلك الإجراءات تمت في نطاق الجرائم المنصوص عليها في القانون الخاص.

مرحلة المحاكمة (تحديد القواعد الحاكمة):

    على القاضي الجنائي، قبل الفصل في بطلان أي إجراء، أن يحدد "النطاق القانوني" للجريمة. فإذا كانت الجريمة تخضع لقانون (المحاكم الاقتصادية) مثلاً، فإن المواعيد وإجراءات التحضير المنصوص عليها فيه تظل هي الواجبة التطبيق بالاستناد إلى المادة الأولى من مواد إصدار القانون 174.

رابعاً: الدفع القانوني المستخلص (للممارسة العملية)

    من الناحية العملية، تمنح هذه المادة "المدافع" سلاحاً ذا حدين: الدفع بالبطلان: إذا تم اتخاذ إجراء استناداً للقانون الجديد في جريمة يحكمها قانون خاص يقرر ضمانة "أقوى" للمتهم.الدفع بسريان النص الخاص: في حال محاولة سلطة التحقيق التحلل من قيد خاص ورد في قانون نوعي، استناداً إلى عمومية نص القانون الجديد.

خامساً: ملاحظات نقدية واستشرافية

    إن الإبقاء على "الأحكام الإجرائية في القوانين الأخرى" قد يخلق نوعاً من "الازدواجية الإجرائية". فبينما جاء القانون 174 لسنة 2025 بضمانات غير مسبوقة (مثل تقليص مدد الحبس الاحتياطي والتعويض عنه)، قد يجد المتهم نفسه محروماً من هذه المزايا إذا كيفت الواقعة تحت مظلة "قانون خاص" يمنح سلطات التحقيق مدى أوسع. لذا، فإن الممارسة القانونية الرصينة تتطلب من المحامي التدقيق في "مدى اتساق" هذه النصوص الخاصة مع الفلسفة الجديدة التي أقرها المشرع في القانون 174، ومدى دستوريتها في ظل المبادئ التي كرسها الدستور المصري الحالي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

خُلُقُ الأَنَاةِ: فَضِيلَةُ الصَّبْرِ وَحِكْمَةُ التَّأَنِّي فِي زَمَنِ العَجَلَةِ

خُلُقُ الأَنَاةِ: رِحْلَةُ العَقْلِ فِي نَيْلِ الحِكْمَةِ وَسَكِينَةِ الرُّوحِ مقدمة: حقيقة الأناة وغايتها الإنسانية    يعيش الإنسان المعاصر...