الجمعة، 31 أكتوبر 2025

الرسائل الخفية في سورة نوح

 الرسائل الخفية في سورة نوح

    الحمد لله الذي أنزل كتابه ليكون هدى ونورًا، وأودع فيه من المعاني ما لا تنفد عجائبه ولا يخلق على كثرة الردّ، وصلى الله على من أوتي جوامع الكلم فكان بيانه مفتاح الفهم عن الله.

    منذ زمنٍ ليس بالقصير تراودني فكرةٌ ملحّة مفادها أن في كلّ سورة من سور القرآن الكريم رسائل خفيّة تتوارى خلف المعاني الظاهرة، وتتجلى لمن يتدبّرها بعينٍ مركّبةٍ ترى الطبقات العميقة للنص، لا سطحه فحسب. هذه الفكرة ظلت تتحرّك في داخلي كوميضٍ يطلب المنهج الذي يمكن أن يحتويها، حتى هداني الله إلى رؤيةٍ فكرية توافقت معها في جوهرها، هي منهج التفكير التليسكوبي.

   منذ زمنٍ وأنا أجد في سورة نوح بريقًا خاصًا يجذب النظر إلى ما وراء ظاهر الألفاظ، إلى طبقاتٍ عميقةٍ من المعاني والرسائل المضمرة التي تُخفيها تراكيبها المحكمة وسياقاتها الدقيقة. هذه السورة القصيرة في مبناها، العظيمة في معناها، ليست مجرد سردٍ لقصة نبيٍ مع قومه، بل هي مرآة تليسكوبيّة تُظهر نموذجًا كونيًا متكررًا في علاقة الإنسان بالهداية، وفي سنن الرفض والإصرار، وفي جدلية الرحمة والعقاب.

الرسائل الخفية في سورة نوح

     الرسالة الأولى: أن الفشل الظاهري ليس فشلًا عند الله:- نوح عليه السلام دعا قومه تسعمائة وخمسين عامًا، ولم يؤمن معه إلا القليل، ومع ذلك سمّى الله هذه الرحلة "رسالة"، وأثنى عليه ثناءً عظيمًا.  الرسالة الخفية: أن المعيار الإلهي للنجاح ليس النتيجة الكمية (عدد الأتباع)، بل الثبات على المبدأ والصدق في البلاغ. فالداعية في ميزان الله ناجح حتى لو لم يُصدّقه أحد.

     إشارة لغوية: لم يقل الله: "فدعاهم فلم يؤمنوا"، بل قال نوح: «إني دعوت قومي ليلًا ونهارًا» أي أن التركيز على الجهد لا على الاستجابة.

     الرسالة الثانية: أن الشرك يبدأ من “الحب المفرط” لا من الكراهية :-  «وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودًّا ولا سواعًا...» كل هذه الأسماء كانت في الأصل أسماء رجال صالحين. فأول انحراف في البشرية لم يكن تمردًا على الله، بل كان تقديسًا للمحبوبين. الرسالة الخفية: أن الانحراف العقدي يولد من انحراف عاطفي، حين يتحوّل الحب إلى تقديس، والقدوة إلى صنم. وهذا ينبهنا إلى خطورة تحويل الرموز الدينية أو الوطنية أو الفكرية إلى موضوعات للتأليه العاطفي.

     الرسالة الثالثة: أن الانحراف يبدأ في الإدراك لا في الفعل :- «جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم...»،ترتيب الأفعال يرسم خريطة عقلية: أولًا: إغلاق السمع = رفض المعلومة. ثانيًا: تغطية الثياب = رفض الرؤية. ثالثًا: الإصرار = تكوين موقف نفسي. رابعًا: الاستكبار = تأصيل الانحراف فكريًا.  الرسالة الخفية: أن الخطيئة الفكرية تسبق الخطيئة الفعلية، وأن كل فساد عملي هو نتيجة “عمى إدراكي متعمّد”.

    الرسالة الرابعة: أن الدعوة ليست خطابًا دينيًا بل مشروع حضاري:- في منتصف السورة، نوح لا يتحدث عن الصلاة أو الصوم، بل عن:السماء، الشمس، القمر، المطر، النبات...، هذا يعني أن الإيمان في مفهوم نوح شامل للكون والإنسان والمجتمع، فمنهج الأنبياء لا يفصل بين الدين والعمران. الرسالة الخفية: أن من لا يرى في الكون تجليات الخالق لن يفهم معنى التوحيد أصلًا.فالسورة تؤسس لما يمكن تسميته: "الإيمان الكوني" أو التوحيد العلمي".

     الرسالة الخامسة: أن طول الأمد لا يعني غياب العدل:- «فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا... ثم أغرقوا فأدخلوا نارًا»،  تأخير العذاب ألف سنة هو درس صامت في “الإمهال الإلهي”. والعقوبة جاءت بعد استنفاد كل فرصة ممكنة. الرسالة الخفية: أن الله لا يعجّل بالعقوبة مهما استفحل الظلم، وأن تأخر العدل ليس دليلاً على غيابه، بل على حكمته. “ففي صبر الله على الأمم، سنّة أرحم من عقوبته.”

     الرسالة السادسة: أن الغرق والنار رمزان لا مادتان فقط:- «مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارًا»  الجمع بين الماء والنار معجزة رمزية: الماء في الدنيا = إهلاك جسدي. النار في الآخرة = إهلاك معنوي وروحي.الرسالة الخفية:أن العذاب ليس مجرد حدث، بل حالة مستمرة، فكل من يُغرق في شهواته، أو يشتعل بكبره، يعيش ناره وغرقه قبل الآخرة.إنها صورة مجازية لاحتراق الداخل وغرق الوعي.

     الرسالة السابعة: أن السفينة هي الفكرة لا الخشب:- رغم أن قصة نوح تُعرف بـ"سفينة نوح"، إلا أن السورة لم تذكر السفينة أصلاً!،الرسالة الخفية: أن النجاة ليست في الوسيلة المادية، بل في المنهج الإيماني:«ومن دخل بيتي مؤمنًا» ، فالسفينة هي “البيت القيمي” الذي يحمله المؤمن في أي عصر. من دخل هذا البيت – بيت التوحيد – نجا، ولو لم ير سفينة نوح بعينه.

     الرسالة الثامنة: أن الاستغفار مشروع بناء لا مجرد توبة:- «فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارًا * يرسل السماء عليكم مدرارًا * ويمددكم بأموال وبنين...»،  هنا الاستغفار ليس نهاية الخطيئة، بل بداية العمران. يرتبط بالمطر والخصب والنماء. الرسالة الخفية: أن الاستغفار قانون عمراني: يزيد من طاقة البركة في الفرد والمجتمع. وأن التوبة ليست انسحابًا من الحياة، بل إعادة تشغيل لمعادلة الوجود.

    الرسالة التاسعة: أن البيوت المؤمنة هي نواة النجاة الجماعية:- «رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنًا...»، لم يقل “ومن آمن بي”، بل قال “من دخل بيتي”. فالبيت هنا ليس مكانًا بل نظام حياة. الرسالة الخفية:أن بقاء الأمة مرهون ببقاء البيوت المؤمنة، وأن الإصلاح يبدأ من دائرة البيت لا من رأس الدولة. فكل بيت مؤمن هو لبنة في سفينة النجاة الكبرى.

     الرسالة العاشرة: أن السورة تحذّر من “الوراثة العكسية” للضلال:- «ولا تزد الظالمين إلا ضلالًا»،«إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرًا كفارًا»،  الضلال هنا متوارث، لأن البيئة الفاسدة تنتج أجيالًا على شاكلتها. الرسالة الخفية:أن الفساد إذا لم يُقطع، يتكاثر بيولوجيًا وثقافيًا، حتى يُصبح استئصاله حتميًا. وهذا يفسر لماذا انتهت القصة بالطوفان: لأن المجتمع فقد إمكانية الإصلاح الذاتي.

    الرسالة الحادية عشرة: أن السورة ليست تاريخًا بل نموذج متكرر:-كل جيل هو "قوم نوح" في صورة جديدة: حين يُقدّس رموزه.أو يرفض الإصلاح.أو يستهين بالسنن الكونية.الرسالة الخفية: أن السورة ليست عن الماضي، بل عنك أنت، حين تختار بين أن تكون راكبًا للسفينة أو غارقًا في العناد.

 الرسالة الجامعة الكبرى: "الحق لا يُغرق، بل الذي يغرق هو الوهم حين يظن أنه أغلب من الماء." سورة نوح تهمس في وجدان المؤمن: ابنِ سفينتك من الإيمان قبل أن تأتي موجة التاريخ التالية، فالنجاة ليست أن تعرف الحق، بل أن تحمله معك أينما جرتك الرياح.

الخاتمة: بين عدسة نوح ومرآة الإنسان

    وهكذا، تتكشّف لنا سورة نوح – تحت عدسة التفكير التليسكوبي – لا كسردٍ لرحلة نبيٍّ غابرٍ في التاريخ، بل كنموذجٍ كونيٍّ دائمٍ لتفاعل الإنسان مع الوحي، وللصراع الأبدي بين الإدراك والهداية من جهة، والعمى والعناد من جهةٍ أخرى.

    لقد أظهرت السورة — في تتابع آياتها وتناسق مشاهدها — أن الرسائل الخفيّة ليست ظلالًا غامضة، بل طبقات من النور تتدرّج أمام عين من ينظر بتأمّلٍ وتواضعٍ وتفكّرٍ تليسكوبيّ، يرى الجزء في ضوء الكل، واللفظ في ضوء المقصد، والزمن في ضوء السنّة.

    إن الرسالة الجامعة في هذه السورة أن النجاة ليست حدثًا بل موقفًا، وليست سفينة من خشبٍ بل عقيدة من نور، وأن الغرق لا يبدأ بالماء بل بالاستكبار، وأن الإيمان الحق ليس في كثرة الأتباع، بل في صدق الاتجاه إلى الله.كل رسالة من رسائل السورة تُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والحق: منطقًا وشعورًا وسلوكًا، وتذكّرنا بأن من لم يبنِ سفينته من الآن، فلن يُسعفه الخشب حين يرتفع الموج.

    وسورة نوح، في بعدها التليسكوبي، تُعلّمنا أن النظر إلى النصّ كـ«نظامٍ متداخل الطبقات» هو الطريق الأصدق لفهم إعجازه المستمر، وأن كل طبقةٍ من المعنى تحمل في جوفها نداءً جديدًا للوعي، يُعيد ترتيب علاقتنا بالزمن، وبالناس، وبأنفسنا، وبالله.

    إذا كان نوح قد بنى سفينته من خشب لينجو من طوفان الماء، فمن أيّ مادةٍ تبني أنت سفينتك لتنجو من طوفان الفكر والغفلة في هذا العصر؟،هل سفينتك من يقينٍ راسخ؟ أم من ظنٍّ متزعزع؟، وهل حملت فيها قلبك أم تركته على الشاطئ ينتظر موجة الرحمة أن تمر؟

 الله المستعان


الأحد، 26 أكتوبر 2025

درس قضائي قابل للتكرار: ما الذي يجب أن يفهمه القانونيون من هذا الحكم؟

 درس قضائي قابل للتكرار

  ما الذي يجب أن يفهمه القانونيون من هذا الحكم؟

    يُعد هذا الحكم الصادر عن محكمة النقض في الطعن رقم 18106 لسنة 92 قضائية الجنائي محطة فاصلة في ترسيم حدود المساءلة الجنائية عن الأنشطة المرتبطة بالعملات المشفّرة، ومَعلمًا قضائيًا مهمًا في ضبط الفوضى التقنية والمالية العابرة للحدود. فقد عُرض على المحكمة طعنٌ مُثقَل بدفوع شكلية وموضوعية تتعلق بإباحة التعامل مع أجهزة التعدين، وغياب اللائحة التنفيذية، وبطلان القبض والتفتيش، وجدوى الدليل الفني، والقصور في التسبيب، والإخلال بحق الدفاع، وعدم اختصاص النيابة قبل الطلب، وتولّد عقيدة مسبقة لدى المحكمة.

   ورغم كثافة هذه النِّزاعات، فقد أرست محكمة النقض — بمنطوقها وأسبابها — قاعدة حاسمة: أن الأنشطة المتعلقة بالعملات المشفرة تُعد مُجرّمة بذاتها متى مورست دون ترخيص من مجلس إدارة البنك المركزي، وأن عدم صدور اللائحة التنفيذية لا يجمِّد النص العقابي ولا يعطّل سريانه. كما رسّخت المحكمة أصول الرقابة القانونية على تقدير محكمة الموضوع لأدلة الدعوى، وفَصلت بالدقة بين ما يصلح سببًا للنقض وما لا يعدو أن يكون جدلاً موضوعياً محجوبًا عن رقابة النقض.

    هذا الحكم — بما تضمّنه من ردود كاشفة على دفوع متشعبة — يمثّل مرجعًا قضائيًا متقدّمًا في قضايا التقنية المالية الرقمية وجرائم الاتصالات، ويصلح لبسط قواعده على طيف واسع من المنازعات المعاصرة ذات الطبيعة التقنية/الاقتصادية.فيما يلي استخلاصٌ مركز للمبادئ القانونية التي قررتها محكمة النقض في هذا الحكم (طعن 18106 لسنة 92 ق – جلسة 18/1/2024) مرتبة بحسب الموضوعات التي عالجها الحكم:

أولاً — في شأن جرائم العملات المشفّرة والتراخيص

    حظر الأنشطة المتعلقة بالعملات المشفرة دون ترخيص، المادة 206 من قانون البنك المركزي 194 لسنة 2020 تحظر إصدار/الاتجار/الترويج/تشغيل منصات/تنفيذ الأنشطة المتعلقة بالعملات المشفرة دون ترخيص من مجلس إدارة البنك المركزي.

    عدم اشتراط طريقة إثبات خاصة،  جرائم العملات المشفرة تثبت بطرق الاستدلال العامة كبقية الجرائم ولا يُشترط دليل فني خاص.

    قيام القصد الجنائي يُستدل عليه من الوقائع، لا يلزم التحدث استقلالاً عن القصد الجنائي متى كانت الوقائع تكشفه.

    لا تأثير لعدم صدور اللائحة التنفيذية، النصوص واجبة النفاذ بمجرد صدور القانون ولا تتوقف على اللائحة ما لم يجعل القانون وجودها شرطاً.الجهل بالقانون لا ينفي القصد الجنائي،  العلم بالقانون مفترض ولا يُقبل الدفع بالجهل أو الغلط فيه لنفي القصد.الدفع بأن الفعل مباح / مجرد حيازة أجهزة التعدين، مردود، فالمؤثَّم ليس الحيازة المجردة بل ممارسة نشاط متعلق بالعملات دون ترخيص.

ثانياً — في الأدلة وتقديرها

    الأدلة في المواد الجنائية متساندة، لا يشترط أن ينهض كل دليل على الواقعة بكاملها، بل يُكتفى بالمجموع المتساند. وزن الشهادة وتقديرها من إطلاقات الموضوع، متى أخذت المحكمة بشهادة الضابط دل ذلك على إطراح دفوع عدم المصداقية. عدم ذكر أسماء القوة المرافقة لا يبطل الشهادة، إغفال الأسماء لا ينال من قيمة أقوال الضابط. مشروعية اعتماد الحكم على التحريات كمعزز، التحريات تصلح معززة لباقي الأدلة إذا طُرحت في الجلسة. الأخذ بالاعتراف متى اطمأنت المحكمة لصحته، ولو عدل المتهم عنه لاحقًا، ما دام لم يثبت الإكراه.التقرير الفني يخضع لتقدير الموضوع، اطمئنان المحكمة لتقرير الفحص يغنيها عن الرد على مطاعن الخصوم عليه.

ثالثاً — في الدفوع الموضوعية والشكليات

    الدفع ببطلان التحقيق لعدم إجرائه من رئيس نيابة — غير وجيه، سلطات “رئيس نيابة” قاصرة على جرائم معينة محددة بالمادة 206 مكرر، ولا تشمل موضوع الدعوى، فيجوز لأي وكيل نيابة التحقيق.الدفع بانتفاء أركان الجريمة دفاع موضوعي، يكفي رده ضمناً بأدلة الثبوت. الدفع بوجود عبث بالأحراز جدل موضوعي، تقدير الدليل من إطلاقات الموضوع ولا رقابة للنقض. عدم جدية التحريات — غير مقبول إن لم يثر أمام أول درجة— المحكمة غير ملزمة بالرد على ما لم يبد أمامها.

رابعاً — في مسألة التلبس والإجراءات

    تلبس الجريمة مسألة موضوعية — ما دامت المحكمة أقامت قضاءها على أسباب سائغة فلا رقابة للنقض.التظاهر بالرغبة في الشراء لا يعد تحريضاً — متى كانت الجريمة قائمة والضابط كشفها ولم ينشئ فكرتها. صحة الضبط دون إذن عند التلبس— لا يشترط الإذن ما دامت الجريمة متلبساً بها.

خامساً — في رفع الدعوى والتقييد بالطلب

    سلطة النيابة في تحريك الدعوى أصل وليست استثناء— لا يتقيد رفع الدعوى بطلب محافظ البنك المركزي إلا بالنسبة لجرائم قانون البنك المركزي فقط. تعدد الجرائم والارتباط (م 32 عقوبات)— إذا وجدت جريمة أشد جاز رفع الدعوى عن الجرائم الأخف المرتبطة دون انتظار الطلب، وتُطبق عقوبة الأشد.

سادساً — في شكل الحكم وعيوبه

    عدم لزوم نمط معيّن لصياغة الحكم— يكفي أن يكون مجموع ما أورده الحكم محققًا لفهم الواقعة بأركانها وظروفها. تقرير التلخيص ثابت بديباجة الحكم— لا يُجحد إلا بالطعن بالتزوير. الطعن بالفساد في الاستدلال سيكون جدلاً موضوعياً متى كان الاستدلال سائغاً — وبذلك ترفض محكمة النقض منازعات تقدير الأدلة.

   هذا الحكم لا يُقرأ بوصفه مجرد فصلٍ في طعنٍ جنائي يتصل بالعملات المشفّرة، بل بوصفه تحويلة فكرية في طريقة التعاطي القضائي مع الجرائم التقنية:

    إن كل نشاط يخلق أثراً اقتصادياً أو مالياً أو تداولياً داخل الدولة — ولو عبر فضاء افتراضي — يقع تحت ولاية التجريم والضبط، متى تدخل المُشرّع بالنص، ولا ينتظر القضاء اكتمال البنية التنظيمية التفصيلية (كالمعايير أو اللوائح) ليُعمل النص الجزائي.

   ثلاث رسائل جوهرية يفرضها هذا الحكم على المشتغلين بالقانون:

    التقنية لا تمنح حصانة،التحرّك في مجالات “البلوكتشين” و”الكريبتو” لا يعطّل ولاية الدولة، ولا يجعل الفعل لغزاً خارج القبضة التشريعية أو الإثباتية. ثانيهما النص الجزائي يطبق من لحظة ميلاده، القول بتجميد العقاب لغياب اللائحة ليس دفعاً قانونياً بل وهم فكري، لأن اللائحة تنظّم ولا تُنشئ، وتشرح ولا تُنشّط. ثالثهما رقابة النقض على المنطق لا على القناعة كل جدل يعيد مناقشة الوقائع والأدلة يبقى محجوباً، ما لم يمس سلامة الاستدلال أو سلامة تطبيق القانون. 

    وبذلك يرسّخ الحكم مبدأً عملياً بالغ الأهمية: أن منطق الجرائم الاقتصادية/الرقمية انتقل من “التسامح المبدئي” إلى “المساءلة الافتراضية المنضبطة”،وأن من يدخل هذا المجال — محامياً أو باحثاً أو مستثمراً — عليه أن يفكر بميزان العقاب قبل ميزان الربح. هذه الدعوى لم تُنتج فقط سابقة قضائية، بل أنتجت منهجاً في فهم الجرائم الوليدة: لا يُشترط سبقٌ تشغيلي للواقع كي يسبق القضاء إلى ضبطه، ما دام النص قد سبقه.

-----------

طعن رقم 18106 لسنة 92 ق نقض جنائي

باسم الشعب

محكمــة النقــــــــض

الدائــــــرة الجنائيــــــــــة

الخميس (ب)

برئاسة السيد القاضي / مصطفى أحمد الصادق نــائب رئيس المحكمــــة

وعضوية السادة القضاة / محمــــــــــد السنباطــــــي و د. أحــمــــــــــد عاصــــــــم

أحــمـــــــــــــد جـــــــــــــــــلال نــواب رئيس المحكمــــة و مصطفى عبد الرؤوف الإبياري

وحضور رئيس النيابة العامة لدى محكمة النقض السيد / مصطفى عمر القماري .

وأمين السر السيد / طارق عبد العزيز .

في الجلسة العلنية المنعقدة بمقر المحكمة بدار القضاء العالي بمدينة القاهرة .

في يوم الخميس 6 من رجب سنة 1445 هـ الموافق 18 من يناير سنة 2024 م .

أصـدرت الحكم الآتي :

في الطعن المقيد بجدول المحكمة برقم 18106 لسنة 92 القضائية

اتهمت النيابة العامة – 1 – ……. ( طاعن ) 2- …….( طاعن ) 3- …….

( طاعن ) 4- …… ( قُضي بمعاقبته غيابياً ) في الجنحة رقم …. لسنة ….. اقتصادية ….. .

بأنهم في يوم 13 من أكتوبر سنة 2022 وبتاريخ سابق – بدائرة قسم شرطة …..- محافظة ……. .

1- قاموا بأنشطة متعلقة بالعملات المشفرة – دون ترخيص من مجلس إدارة البنك المركزي المصري – والمتمثلة في بيع وصيانة أجهزة التعدين عن العملات الافتراضية للراغبين في ذلك من عموم الجمهور ، وكذا تحميل – لعملائهم – البرامج الإلكترونية اللازمة لإجراء عملية التعدين عن العملات الافتراضية ، فضلاً عن إنشاء المحافظ الإلكترونية وربطها بتلك الأجهزة المباعة ، حتى يتسنى لمالكي تلك الأجهزة – من عملائهم – التحصل على العملات الافتراضية الناتجة من عمليات التعدين الناجحة ، وتحقيق أرباح غير مشروعة من وراء ذلك ، علي النحو المبين بالتحقيقات .

2- أنشأوا واستخدموا وأداروا حسابات الكترونية ( محافظ الكترونية ) على الشبكة المعلوماتية بهدف ارتكاب الجريمة محل الاتهام السابق على النحو المبين تفصيلاً بتقرير الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات وعلى النحو المبين بالتحقيقات .

3- حازوا وصنعوا معدات اتصالات غير مصرح بدخولها أو حيازتها داخل البلاد بغرض تسويقها في الداخل واستخدامها في ارتكاب الجرائم محل الاتهامات السابقة بدون الحصول على تصريح بذلك من الجهات المختصة وعلى النحو المبين بالتحقيقات .

وطلبت عقابهم بالمواد 206 ، 225/1 ، 236 من القانون رقم 194 لسنة 2020 بشأن إصدار قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي والمواد 44 ، 48 ، 77/1 ( بند أ 1 ، 3 ) من القانون رقم 10 لسنة 2003 بشأن تنظيم الاتصالات والمادتين 27 ، 38/1 من القانون رقم 175 لسنة 2018 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات .

وأحالتهم إلى محكمة جنح …… الاقتصادية لمعاقبتهم طبقاً للقيد والوصف الواردين بأمر الإحالة .

والمحكمة المذكورة قضت بجلسة 29 من يناير سنة 2022 ، حضورياً للمتهمين الأول والثاني والثالث وغيابياً للرابع : أولاً : براءة المتهمين من الاتهام الثاني المسند إليهم . ثانياً : بحبس المتهمين الأول والثاني والثالث ثلاث سنوات مع الشغل والنفاذ وحبس المتهم الرابع ثلاث سنوات مع الشغل وكفالة عشرة آلاف جنيه لإيقاف التنفيذ مؤقتاً والمصادرة ونشر ملخص الحكم بجريدة الأهرام على نفقة المتهمين والمصاريف الجنائية .

فاستأنف كل من المحكوم عليهم حضورياً والنيابة العامة هذا الحكم وقيد استئنافهما برقم …………………. لسنة …………………. جنح مستأنف القاهرة الاقتصادية .

والمحكمة الاقتصادية …… – بهيئة استئنافية – قضت بجلسة 6 من أبريل سنة 2022 ، حضورياً للأول والثاني والثالث وغيابياً للرابع : أولاً : بقبول استئناف النيابة العامة شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المستأنف فيما قضى به من براءة المستأنف ضدهم الأول والثاني والثالث من التهمة الثانية والقضاء مجدداً وبإجماع الآراء بجعل العقوبة المقضى بها للمتهمين عن الاتهامات جميعها الحبس لمدة ثلاث سنوات وبتغريم كل منهم مبلغ مائة ألف جنيه وألزمت المستأنف ضدهم بالمصروفات الجنائية . ثانياً : بقبول استئناف المتهمين الأول والثاني والثالث شكلاً وفي الموضوع برفضه وتأييد الحكم المستأنف وألزمتهم بالمصروفات الجنائية . ثالثاً : في استئناف النيابة العامة قبل المستأنف ضده الرابع وقبل الفصل في شكل الاستئناف وموضوعه بوقف الاستئناف تعليقاً لحين استنفاذ محكمة أول درجة ولايتها قبله وأبقت الفصل في المصروفات .

فقرر المحكوم عليهم /1 – ……. 2- …….3- ……. – بشخصهم – بالطعن في هذا الحكم بطريق النقض بتاريخ 1 من يونيو سنة 2022 .

وبذات التاريخ أودعت مذكرتان بأسباب طعنهم بالنقض موقعاً عليهما من الأستاذ / ……… المحامي .

وبجلسة اليوم لم يحضر أحد على ما هو مبين بمحضر الجلسة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد القاضي المقرر وبعد المداولة قانوناً .

حيث إن الطعن استوفى الشكل المقرر في القانون .

حيث إن الطاعنين ينعون على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانهم بجرائم تنفيذ أنشطة متعلقة بالعملات المشفرة والنقود الإلكترونية دون الحصول علي ترخيص من مجلس إدارة البنك المركزي المصري وإنشاء حساب خاص على شبكة معلوماتية بهدف ارتكاب جريمة معاقب عليها قانوناً وحيازة أجهزة اتصالات دون الحصول على تصريح من الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات ، قد شابه القصور في التسبيب والفساد في الاستدلال والإخلال بحق الدفاع وران عليه البطلان ، ذلك بأنه حرر في عبارات عامة معماة خلت من بيان واقعة الدعوى بياناً تتوافر به الأركان القانونية للجرائم التي دانهم بها ، كما لم يبين الأفعال المادية التي أتاها الطاعنون والتي تفصح عن الدور الذي قام به كل منهم ، ولم يستظهر أركان جريمة تنفيذ أنشطة متعلقة بالعملات المشفرة والنقود الإلكترونية دون الحصول علي ترخيص من مجلس إدارة البنك المركزي بركنيها المادي والمعنوي ، لاسيما وأن الفعل المسند للطاعنين مباح وبمنأى عن التأثيم وفقاً لنص المادتين 4 ، 5 من القانون رقم 194 لسنة 2020 بشأن البنك المركزي والجهاز المصرفي ، ولعدم إصدار اللائحة التنفيذية لذلك القانون ، وعدم علمهم بقواعد ونصوص قانون البنك المركزي ، ولم يفطن الحكم إلى أن حيازة أجهزة التعدين عن العملات الافتراضية غير مجرم ومباح استخدامها بدلالة خلو أمر الإحالة من مواد تجرم حيازتها ، وأن الحكم عول على أدلة غير صالحة للإدانة ، إذ تساند إلى أقوال ضابط الواقعة رغم عدم معقوليتها وانفراده بالشهادة واختلاقه لحالة التلبس، معتمدا في قضائه بالإدانة على شهادته رغم أنها نتيجة لإجراء باطل ، كما عول على إقرار الطاعنين بمحضر الضبط بالرغم من بطلانه لكونه وليد استجواب محظور ، مما ينبئ عن أن المحكمة لم تعن بتمحيص الدعوى ولم تلم بعناصرها عن بصر وبصيرة، وأطرح الحكم بما لا يسوغ دفوعهم ببطلان القبض والتفتيش لعدم صدور إذن من النيابة العامة ولانتفاء حالة التلبس في حقهم لتلقي نبأ الجريمة من مصدر سري وقعت الجريمة بتحريض منه وضابط الواقعة، وبعدم قبول الدعوى لرفعها بغير الطريق الذي رسمه القانون لعدم الحصول على طلب من محافظ البنك المركزي وفقاً للقانون ، وببطلان تحقيقات النيابة العامة وإجراءات فحص الهواتف المحمولة وأجهزة الحاسب لعدم إجرائها من رئيس نيابة بالمخالفة لنص المادة 206 مكرراً من قانون الإجراءات الجنائية ، وبطلان إقرار الطاعنين الأول والثالث بالتحقيقات وإجراءات فحص هواتفهم كونه وليد إكراه وقع عليهم بالتحقيقات وببطلان تقرير الفحص الفني ، ووجود عبث بالأحراز ، وأغفلت المحكمة الرد على دفعهم بانتفاء أركان الجريمة في حقهم ، وبعدم جدية التحريات ، بما ينبئ عن أنه قد تولدت لدى المحكمة عقيدة مسبقة في الإدانة ، وأخيراً خلت أوراق الدعوى من وضع تقرير تلخيص لوقائعها ، مما يعيب الحكم ويستوجب نقضه.

وحيث إن الحكم المطعون فيه قد بين واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجرائم التي دان الطاعنين بها وأورد على ثبوتها في حقهم أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها ، وجاء استعراض المحكمة لها على نحو يدل على أنها محصتها التمحيص الكافي وألمت بها إلماماً شاملاً يفيد أنها قامت بما ينبغي عليها من تدقيق البحث لتعرف الحقيقة ، وكان من المقرر أن القانون لم يرسم شكلاً أو نمطا يصوغ فيه الحكم بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة والظروف التي وقعت فيها ، فمتى كان مجموع ما أورده الحكم – كما هو الحال في الدعوى المطروحة – كافياً في تفهم الواقعة بأركانها وظروفها حسبما استخلصتها المحكمة كان ذلك محققاً لحكم القانون ، وكان تحصيل المحكمة للواقعة في حدود الدعوى المطروحة قد جاء وافياً في شأن بيان الأفعال المادية التي أتاها كل من الطاعنين بما يفصح عن الدور الذي قام به كل منهم في الجرائم التي دائهم الحكم بها، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعنون في هذا الخصوص يكون على غير أساس. لما كان ذلك ، وكانت المادة 206 من القانون رقم 194 – لسنة 2020 في شأن البنك المركزي والجهاز المصرفي قد حظرت إصدار العملات المشفرة أو النقود الإلكترونية أو الاتجار فيها أو الترويج لها أو إنشاء أو تشغيل منصات لتداولها أو تنفيذ الأنشطة المتعلقة بها بدون الحصول على ترخيص من مجلس إدارة البنك المركزي طبقا للقواعد والإجراءات التي يحددها ونصت المادة 225 /1 من هذا القانون على أن ” يعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن مليون جنيه ولا تجاوز عشرة ملايين جنيه ، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من خالف أياً من أحكام المواد ( 63 ، 184 ، 205 ، 206 ) من هذا القانون …… “. لما كان ذلك ، وكان لا يشترط لإثبات جريمة تنفيذ أنشطة متعلقة بالعملات المشفرة والنقود الإلكترونية دون الحصول على ترخيص من مجلس إدارة البنك المركزي المنصوص عليها في المادة 206 من القانون سالف الذكر طريقة خاصة غير طرق الاستدلال العامة ، بل يكفى كما هو الحال في سائر الجرائم بحسب الأصل أن تقتنع المحكمة – كما هو الحال في الدعوى المطروحة – بوقوع الفعل المكون لها من أي دليل أو قرينة تقدم إليها . وكان ما أورده الحكم كافياً وسائغاً في التدليل على توافر جريمة تنفيذ أنشطة متعلقة بالعملات المشفرة والنقود الإلكترونية دون الحصول علي ترخيص من مجلس إدارة البنك المركزي بأركانها المادية والمعنوية ، إذ لا يلزم أن يتحدث الحكم استقلالاً عن توافر القصد الجنائي في هذه الجريمة ، بل يكفى أن يكون ما أورده من وقائع وظروف دالاً على قيامه ومن ثم فإن ما ينعاه الطاعنون على الحكم في هذا الصدد غير سديد ، هذا فضلاً عن إن الثابت من مدونات الحكم المطعون فيه أنه اعتبر الجرائم المسندة إلى الطاعنين جريمة واحدة وعاقبهم بالعقوبة المقررة لأشدهم ، ومن ثم فلا مصلحة فيما يثيره الطاعنون بشأن جريمة تنفيذ أنشطة متعلقة بالعملات المشفرة والنقود الإلكترونية دون الحصول علي ترخيص من مجلس إدارة البنك المركزي المصري ، ما دامت المحكمة قد دانتهم بجريمة إدارة واستخدام حساب خاص على شبكة معلوماتية بهدف ارتكاب جريمة معاقب عليها قانوناً وأوقعت عليهم عقوبتها عملاً بالمادة 32 من قانون العقوبات بوصفها الجريمة الأشد . لما كان ذلك ، وكان النعي بأن ما وقع من الطاعنين لا يعدو أن يكون فعلاً مباحاً وينأى عن التأثيم لا يعدو أن يكون منازعة في الصورة التي اعتنقتها المحكمة للواقعة وجدلاً موضوعياً في سلطة محكمة الموضوع في استخلاص صورة الواقعة كما ارتسمت في وجدانها مما تستقل بالفصل فيه بغير معقب ، ما دام قضاؤها في ذلك سليماً ، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعنون في هذا الصدد يكون غير مقبول . لما كان ذلك ، وكان القانون رقم 194 لسنة 2020 بشأن إصدار قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي قد صدر ونشر في الجريدة الرسمية في 15/ 9 / 2020 – أي في تاريخ سابق على الدعوى الماثلة – فأصبح بذلك نافذاً ونصوصه ممكن إعمالها بغض النظر عن عدم صدور لائحته التنفيذية ولا يصح تعطيل أي نص مادام أن إعماله لا يتوقف على شرط ، فإن ما يثيره الطاعنون بشأن إعمال نصوص ذلك القانون لا يكون له محل. لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن الجهل بالقانون أو الغلط في فهم نصوصه لا يعدم القصد الجنائي باعتبار أن العلم بالقانون وفهمه على وجهه الصحيح أمر مفترض في الناس كافة ، وإن كان هذا الافتراض يخالف الواقع في بعض الأحيان بيد أنه افتراض تمليه الدواعي العملية لحماية مصلحة المجموع ، ولذا قد جرى قضاء محكمة النقض على أن العلم بالقانون الجنائي والقوانين العقابية المكملة له مفترض في حق الكافة ، ومن ثم فلا يقبل الدفع بالجهل أو الغلط فيه كذريعة لنفي القصد الجنائي ، ويضحى منعي الطاعنين في هذا الصدد غير مقبول . لما كان ذلك ، وكان ما يثيره الطاعنون من أن حيازة أجهزة تعدين العملات الافتراضية غير مجرم مما يعد استخدامها مباحاً ، مردوداً بأنه دفاع قانوني ظاهر البطلان، ذلك بأن الواقعة كما أثبتها الحكم لا تعتبر حيازة أجهزة تعدين العملات الافتراضية ، وإنما هي تنفيذ أنشطة متعلقة بالعملات المشفرة والنقود الإلكترونية دون الحصول علي ترخيص من مجلس إدارة البنك المركزي بمقتضي نص المادتين 206 ، 225/1 من القانون رقم 194 لسنة 2020 بشأن إصدار قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي التي طبقها – بحق – الحكم المطعون فيه ، ومن ثم فإن منعى الطاعنين في هذا الخصوص يكون في غير محله . لما كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه قد أستند الى أدلة الثبوت التي أوردها المستمدة من أقوال شهود الإثبات وما ثبت من تقرير الفحص الفني للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات ومن إقرار الطاعنين الأول والثالث وهي تؤدي في مجموعها الى ما رتبه عليها من ثبوت مقارفة الطاعنين للجرائم التي دانهم بها ، وكان من المقرر أنه لا يلزم في الأدلة التي يعتمد عليها الحكم أن ينبئ كل دليل منها ويقطع في كل جزئية من جزيئات الدعوى؛ لأن الأدلة في المواد الجنائية متساندة يكمل بعضها بعضاً ، ومنها مجتمعة تتكون عقيدة القاضي ومن ثم فلا ينظر إلى دليل بعينه لمناقشته على حدة دون باقي الأدلة بل يكفي أن تكون الأدلة في مجموعها كوحدة مؤدية إلى ما قصده منها الحكم ومنتجة في اكتمال اقتناع المحكمة واطمئنانها إلى ما انتهت إليه ، فإن ما يثيره الطاعنون في شأن استناد الحكم إلى أدلة لا تصلح للإدانة لا يكون مقبولاً . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن لمحكمة الموضوع أن تستخلص من أقوال الشهود وسائر العناصر المطروحة على بساط البحث الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى حسبما يؤدي إليه اقتناعها وأن تطرح ما يخالفها من صور أخرى ما دام استخلاصها سائغاً مستنداً إلى أدلة مقبولة في العقل والمنطق ولها أصلها في الأوراق ، وكان وزن أقوال الشهود وتقدير الظروف التي يؤدون فيها الشهادة متروكاً لتقدير محكمة الموضوع ، ومتى أخذت بشهادة شاهد فإن ذلك يفيد أنها أطرحت جميع الاعتبارات التي ساقها الدفاع لحملها على عدم الأخذ بها ، وأن إمساك الضابط عن ذكر أسماء القوة المرافقة له عند الضبط لا ينال من سلامة أقواله وكفايتها كدليل في الدعوى. ولما كانت المحكمة قد اطمأنت إلى أقوال ضابط الواقعة وصحة تصويره للواقعة فإن كافة ما يثيره الطاعنون من منازعة في صورة الواقعة بمقولة أن الضابط اختلق حالة التلبس ليصحح الإجراء الباطل لا يكون له محل . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن الأصل أن من يقوم بإجراء باطل لا تقبل منه الشهادة عليها ولا يكون ذلك إلا عند قيام البطلان وثبوته. ومتى كان لا بطلان فيما قام به الضابط من قبض على الطاعنين وتفتيشهم فإنه لا تثريب على المحكمة إن هي عولت على أقواله في إدانة الطاعنين، ويكون النعي على الحكم في هذا الخصوص غير قويم . لما كان ذلك ، وكان لا جدوى من النعي على الحكم بالقصور في الرد على الدفع ببطلان إقرار الطاعنين لمحرر محضر الضبط لصدوره وليد استجواب محظور من مأمور الضبط القضائي مادام البين من الواقعة كما صار إثباتها في الحكم ومن استدلاله أن الحكم لم يستند في الإدانة إلى دليل مستمد من الاستجواب المدعى ببطلانه وإنما أقام قضاءه على أدلة استمدها من أقوال شهود الإثبات وما ثبت من تقرير الفحص الفني للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات ومن إقرار الطاعنين الأول والثالث بتحقيقات النيابة، فإن ما يثيره الطاعنون في هذا الصدد يكون في غير محله ، ولا يجوز التحدي في ذلك بما ورد بأقوال الضابط القائم بالضبط حسبما حصلها الحكم – من أن الطاعنين أقروا له بارتكابهم الواقعة، إذ هو لا يعد إقراراً من الطاعنين بما أسند إليهم وإنما مجرد قول للضابط يخضع لتقدير المحكمة التي أفصحت عن اطمئنانها إليه في هذا الشأن . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن تقدير الدليل موكول لمحكمة الموضوع ، وأنه متى اقتنعت به واطمأنت إليه فلا معقب عليها في ذلك . ولما كانت الأدلة التي أوردها الحكم المطعون فيه من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه عليها من ثبوت مقارفة الطاعنين للجرائم التي دانهم بها، فإن ما يثيره الطاعنون من أن المحكمة لم تعن بتمحيص الدعوى ولم تلم بعناصرها عن بصر وبصيرة ، لا يعدو أن يكون جدلاً موضوعياً في واقعة الدعوى وتقدير أدلتها مما تستقل به محكمة الموضوع ولا يجوز إثارته أمام محكمة النقض . لما كان ذلك ، وكان القول بتوافر حالة التلبس أو عدم توافرها هو من المسائل الموضوعية التي تستقل بها محكمة الموضوع بغير معقب عليها مادامت قد أقامت قضاءها على أسباب سائغة، كما أن التلبس صفة تلازم الجريمة ذاتها لا شخص مرتكبها . و كان ما أورده الحكم المطعون فيه بمدوناته تدليلاً على توافر حالة التلبس ورداً على ما دفع به الطاعنون من عدم توافر هذه الحالة ومن بطلان القبض والتفتيش كاف وسائغ في الرد على الدفع ويتفق وصحيح القانون، ولا ينال من ذلك تظاهر ضابط الواقعة للطاعنين برغبته في شراء أجهزة التعدين للعملة الافتراضية ( البتكوين) إذ لم يكن ذلك من الضابط إلا بعد أن علم أن الطاعن الثالث يتعامل في تلك الأجهزة بما مفاده أن الجريمة كانت واقعة وأن الضابط لم يخلق فكرتها في وجدان ذلك الطاعن ولم يحرضه عليها و غايته لم تتعد الكشف عن الجريمة والتوصل إلى معاقبة مرتكبيها، كما أن الطاعنين وقد أوجدوا أنفسهم طواعية في أظهر حالة من حالات التلبس فإن قيام الضابط بضبطهم يكون صحيحاً منتجاً لأثره ولا عليه إن هو لم يسع للحصول على إذن من النيابة العامة بذلك إذ لم يكن في حاجة إليه ، ويكون النعي على الحكم في هذا الصدد غير سديد. لما كان ذلك ، وكانت النيابة العامة طبقاً لما تنص عليه المادة الأولى من قانون الإجراءات الجنائية تختص دون غيرها برفع الدعوى الجنائية ومباشرتها طبقاً للقانون وأن اختصاصها في هذا الشأن مطلق لا يرد عليه القيد إلا باستثناء من نص الشارع، وإذ أقامت النيابة العامة الدعوى ضد الطاعنين وباشرت التحقيق معهم لارتكابهم جرائم تنفيذ أنشطة متعلقة بالعملات المشفرة والنقود الإلكترونية دون الحصول على ترخيص من مجلس إدارة البنك المركزي المصري وإنشاء حساب خاص على شبكة معلوماتية بهدف ارتكاب جريمة معاقب عليها قانوناً وحيازة أجهزة اتصالات لاسلكية دون الحصول على تصريح من الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات ، وكان القانون قد خلا من أي قيد على حرية النيابة العامة في رفع الدعوى الجنائية عن الجريمتين الأخيرتين وهما جريمتان مستقلتان متميزتان بعناصرهما القانونية عن الجريمة الأولى المنصوص عليها في القانون رقم 194 لسنة 2020 بشأن البنك المركزي والجهاز المصرفي، فإن قيام النيابة العامة بتحقيق الوقائع موضوع الاتهامين الأخيرين ومباشرة الدعوى بشأنها لا يتوقف على صدور طلب من محافظ البنك المركزي ولو ارتبطت بهاتين الجريمتين جريمة من جرائم قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي ذلك أن قواعد التفسير الصحيح للقانون تستلزم بحسب اللزوم العقلي أن تتبع الجريمة ذات العقوبة الأخف باقي الجرائم ذات العقوبة الأشد المرتبطة بها في التحقيق والإحالة والمحاكمة وتدور في فلكها بموجب الأثر القانوني للارتباط بحسبان أن العقوبة المقررة للجريمة ذات العقوبة الأشد هي الواجبة التطبيق وفقاً لنص المادة 32 من قانون العقوبات، ومن ثم فإن منعى الطاعنين في هذا الصدد يكون غير سديد، فضلاً عن أن الحكم قد عرض للدفاع المثار في هذا الصدد وأطرحه برد سائغ كاف وتدليل مقبول . لما كان ذلك ، وكان من المقرر وفقاً – لنص المادة 206 مكرر من قانون الإجراءات الجنائية المضافة بالقانون رقم 145* لسنة 2006 أن لأعضاء النيابة من درجة رئيس نيابة على الأقل بالإضافة لاختصاصات النيابة العامة سلطات قاضي التحقيق ، فيما عدا مدد الحبس الاحتياطي المنصوص عليها في المادة 142 من هذا القانون ، وذلك في تحقيق الجنايات المنصوص عليها في الأبواب الأول والثاني و الثاني مكرراً والرابع من الكتاب الثاني من قانون العقوبات ، ومفاد ذلك أن القانون خول أعضاء النيابة العامة – من درجة رئيس نيابة على الأقل – سلطات قاضي التحقيق في أمور معينة في الجنايات المنصوص عليها في الأبواب المار ذكرها من قانون العقوبات، وليس من بينها الجرائم التي اقترفها الطاعنون ، والتي خول قانون الإجراءات في المادة 199 منه لأي عضو من أعضاء النيابة العامة – أيا كانت درجته تحقيقها، وإذ التزم الحكم المطعون فيه هذا النظر في اطراحه لدفع الطاعنين ببطلان تحقيقات النيابة العامة لعدم إجرائها من رئيس نيابة ، يكون قد وافق صحيح القانون ولم يخطئ في تطبيقه، فإن دعوى بطلان التحقيقات لهذا السبب لا يكون له وجه، ويضحى النعي على الحكم في هذا المنحى غير مقترن بالصواب . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن لمحكمة الموضوع سلطة مطلقة في الأخذ باعتراف المتهم في أي دور من أدوار التحقيق وإن عدل عنه بعد ذلك متى اطمأنت إلى صحته ومطابقته للحقيقة والواقع، وأن لمحكمة الموضوع دون غيرها البت في صحة ما يدعيه المتهم من ان الاعتراف المعزو إليه قد انتزع منه بطريق الإكراه ، ومتى تحققت من أن الاعتراف سليم مما يشوبه واطمأنت إليه كان لها أن تأخذ به بلا معقب عليها. لما كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه قد خلص في منطق سائغ وتدليل مقبول إلى اطراح الدفع ببطلان اعتراف الطاعنين الأول والثالث لصدوره تحت تأثير الإكراه وأفصح عن اطمئنانه إلى صحة هذا الاعتراف ومطابقته للحقيقة والواقع فإنه يكون قد اقترن بالصواب، ومن ثم فإن النعي على الحكم في هذا الخصوص يكون في غير محله . لما كان ذلك ، وكان تقدير أراء الخبراء والفصل فيما يوجه إلى تقاريرهم من مطاعن مرجعه إلى محكمة الموضوع التي لها كامل الحرية في تقدير القوة التدليلية لتقرير الخبير المقدم إليها شأنه في ذلك شأن سائر الأدلة، وكانت المحكمة قد اقتنعت بتقرير الفحص الفني واطمأنت إليه فإنه لا يجوز مجادلتها في ذلك أمام محكمة النقض، ويكون ما يثيره الطاعنون في هذا الشأن غير مقبول . لما كان ذلك ، وكان ما يثيره الطاعنون من وجود عبث بالأحراز إن هو إلا جدل في تقدير الدليل المستمد من أقوال شاهد الواقعة ومن عملية الفحص التي اطمأنت إليها محكمة الموضوع فلا يجوز مجادلتها أو مصادرتها في عقيدتها في تقدير الدليل وهو من اطلاقاتها ، ويكون ما يثيره الطاعنون في هذا الخصوص لا محل له . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن الدفع بانتقاء أركان الجريمة من الدفوع الموضوعية التي لا تستلزم من المحكمة رداً خاصاً اكتفاءً بما تورده من أدلة الثبوت التي تطمئن إليها بما يفيد اطراحها، فإن ما يثيره الطاعنون في هذا الخصوص لا يكون مقبولا . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن لمحكمة الموضوع أن تعول في تكوين عقيدتها على ما جاء بتحريات الشرطة باعتبارها معززة لما ساقته من أدلة مادامت تلك التحريات قد عرضت على بساط البحث – كما هو الحال في الدعوى المطروحة – فإن ما يثيره الطاعنون في هذا الخصوص لا يكون مقبولاً . فضلاً عن أنه يبين من الاطلاع على محاضر جلسات المحاكمة أن الطاعنين لم يدفعوا بعدم جدية التحريات ، وكان من المقرر أنه لا يُقبل من المتهم أن يطالب المحكمة بالرد على دفاع لم يبد أمامها فإن ما يثيره الطاعنون في هذا الشأن يكون غير مقبول . لما كان ذلك ، وكان ما يثيره الطاعنون من تولد عقيدة مسبقة لدى قضاة المحكمة والرغبة في إدانتهم كلها مسائل داخلية تقوم في نفس القاضي وتتعلق بشخصه وضميره وترك المشرع أمر تقدير الإدانة لتقدير القاضي وما تطمئن إليه نفسه ويرتاح إليه وجدانه ، ومن ثم فإن ما يثار في هذا المنحى لا يصح أن ينبني عليه وجه الطعن . لما كان ذلك ، وكان الثابت من ديباجة الحكم المطعون فيه تلاوة تقرير التلخيص مما مفاده وجود ذلك التقرير ضمن أوراق الدعوى ، ومن ثم فلا يجوز للطاعنين أن يجحدوا ما أثبته الحكم إلا بالطعن بالتزوير وهو ما لم يفعلوه ، فإن ما ينعاه الطاعنون في هذا الشأن يكون غير سديد . لما كان ما تقدم ، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة :ـــ بقبول الطعن شكلاً وفى الموضوع برفضه

الثلاثاء، 21 أكتوبر 2025

معيار الشك في الإدانة في جرائم تقنية المعلومات: قراءة في حكم محكمة القاهرة الاقتصادية (706/2021 مستأنف)

 معيار الشك في الإدانة في جرائم تقنية المعلومات

 قراءة في حكم محكمة القاهرة الاقتصادية (706/2021 مستأنف)

    يمثل هذا الحكم الصادر عن الدائرة الأولى جنح مستأنف بالمحكمة الاقتصادية بالقاهرة بتاريخ 8 ديسمبر 2021 نموذجًا كاشفًا لموقع مبدأ الشك يُفسّر لمصلحة المتهم داخل قضايا الجرائم الإلكترونية. فرغم وجود تقارير فنية صادرة من الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات تربط الحساب المبلغ عنه بوسيلة اتصال محدّدة، انتهت المحكمة إلى تأييد الحكم الابتدائي بالبراءة لعدم بلوغ الدليل حد اليقين القضائي.

أولًا: وقائع الدعوى بإيجاز

    أُسند إلى المتهم قيامه باصطناع حساب بموقع "فيسبوك" منتحلاً صفة شركة خاصة، ونشر عبارات مسيئة أضرت بسمعة الشركة ومركزها المالي. وقدمت النيابة العامة الدعوى استنادًا إلى قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، وقانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003. غير أن محكمة أول درجة قضت بالبراءة، فطعنت النيابة بالاستئناف.

ثانيًا: الأساس القانوني الذي استندت إليه المحكمة

    أكدت المحكمة الاستئنافية على القواعد الآتية: يقين القاضي الجنائي أساس الإدانة ولا تقوم الأحكام الجنائية إلا على الجزم واليقين المستخلص من أدلة معتبرة، لا على الظن أو الاحتمال. الشك يفسر لصالح المتهم يكفي أن يتولد لدى المحكمة أدنى شك في صحة الإسناد لتقضي بالبراءة. حرية قاضي الموضوع في تكوين العقيدة المحكمة غير ملزمة بذكر كل الوقائع، وإنما فقط ما بنت عليه عقيدتها.

    مشروعية الإحالة لأسباب حكم أول درجة عند التأييد ، يجوز للمحكمة الاستئنافية تبني أسباب حكم أول درجة دون إعادة تفصيلها. وأضافت المحكمة أنها تشككت في ثبوت النسبة، وأن أوراق الدعوى خلت مما يغير هذا الاقتناع، فكان لزامًا رفض الاستئناف وتأييد البراءة.

دروس مستفادة من الحكم

    الدليل الفني ليس كافيًا بذاته للإدانة، ربط الحساب بجهاز أو خط اتصال لا يثبت بالضرورة نسبته الفعلية للمتهم من حيث الاستخدام والنية. عبء الإثبات الجنائي أعلى بكثير في قضايا التقنية، حيث تتداخل احتمالات الاستخدام، والانتحال، والوكلاء التقنيين، والمستخدمين الثانويين.

    مبدأ الشك في الجرائم الإلكترونية لا يقلّ صرامة عنه في باقي الجرائم، رغم طبيعة الجريمة الحديثة، ظل المعيار الإجرائي التقليدي هو الحاكم.

    أهمية إحكام سلاسل الأدلة الرقمية، البراءات في الجرائم الإلكترونية غالبًا بسبب الفجوة في تتبع “المستخدم الفعلي” لا “الأداة المستخدمة”.

خاتمة

    يكتسب هذا الحكم أهميته من كونه يُعيد ضبط بوصلة التعامل مع الجرائم الرقمية؛ مؤكّدًا أن التطور التقني لا يلغي أصول المحاكمة الجنائية العادلة، وأن قرينة البراءة واليقين في الإدانة لا تتنازل عنهما المحكمة حتى في قضايا الفضاء الإلكتروني. إنه حكم يرسّخ توازناً دقيقًا بين مكافحة الجريمة المعلوماتية وضمانات العدالة الجنائية.

-------------------

الدعوى رقم 706 لسنة 2021 جنح مستأنف اقتصادية القاهرة

باسم الشعب

محكمة القاهرة الاقتصادية

الدائرة الأولى جنح مستأنف

بالجلسة المنعقدة علنا بسراي المحكمة يوم الأربعاء الموافق 8/ 12/ 2021

برئاسة السيد المستشار/ أدهم فهيم يحيى فهيم رئيس المحكمة

وعضوية السيد المستشار/ وليد زكي أبو الحسن الرئيس بالمحكمة،وعضوية السيدة المستشارة/ حنان جمال دحروج الرئيس بالمحكمة،وبحضور السيد/ محمد نور الدين وكيل النيابةوبحضور السيد/ محمد علي علام أمين السر

أصدرت الحكم الآتي

– في الجنحة رقم 706 لسنة 2021 جنح مستأنف ورقم 1032 لسنة 2021 جنح اقتصادي –

الوقائع

حيث أن وقائع الدعوى سبق وأن أحاط بها الحكم المستأنف الصادر بجلسة 14/ 7/ 2021 ومن ثم تحيل إليه المحكمة في ذلك الشأن منعا للتكرار وتوجز منه بالقدر الكافي لربط السياق في أن النيابة العامة قدمت المتهم/ ………….. للمحاكمة الجنائية.لأنه في 5/ 3/ 2020 وبتاريخ سابق عليه بدائرة قسم شرطة ثاني الشيخ زايد محافظة الجيزة. – اصطنع حسابا خاصا …………….. على برنامج التواصل الاجتماعي فيس بوك ونسبه زورا إلى شركة ………… لمديرها ……………….. على النحو المبين بالأوراق. – استخدم وسائل غير مشروعة لإجراء الاتصالات بأن ارتكب الجريمة محل الاتهام الأول على النحو الثابت بالأوراق. وطلبت معاقبته بالمواد 1، 24/ 1 من القانون 175 لسنة 2018 في شأن جرائم تقنية المعلومات والمواد 1، 70، 76/ 2 من القانون 10 لسنة 2003 بشأن تنظيم الاتصالات.

    وحيث تخلص الواقعة حسبما استقر في عقيدة المحكمة واطمأن إليه وجدانها من مطالعة أوراقها وما دار بشأنها بجلسات المحاكمة فيما قرره الشاكي …………. المدير التنفيذي لشركة …………… بمحضر جمع الاستدلالات المؤرخ في 5/ 3/ 2020 والثابت به تضرره من قيام شخص مجهول بانتحال صفة الشركة الخاصة به على الحساب المسمى (……………) واستخدام عبارات تسيء للشركة ومجلس إدارتها مما ألحق بها خسائر مادية وحيث قدم صورة من سجل تجاري يحمل رقم …………. أفراد صادر لشركة ………. لصاحبها ……….. يعمل بنشاط أعمال التوصيف والتحليل والتصميم للبرمجيات منشأ بتاريخ 5/ 1/ 2015.

وبفحص الواقعة بمعرفة الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات ثبت أن الحساب المبلغ عنه صادر من جهاز مرتبط بخط التليفون الأرضي رقم …………. وأن المستخدم الفعلي له هو المدعو ………..

وبجلسة 14/ 7/ 2021 قضت محكمة أول درجة حضوريا ببراءة المتهم/ …………. – مما أسند إليه من اتهام.

وحيث لم ترتض النيابة العامة ذلك القضاء فطعنت عليه بالاستئناف الماثل بموجب تقرير استئناف مؤرخ 25/ 7/ 2021 للثبوت.

    وبالجلسة المحددة لنظر الاستئناف حضر المستأنف ضده بشخصه ومعه محام ودفع بانتفاء أركان الجريمة وقدم خمس حوافظ مستندات طويت علي صورة ضوئيه من صحيفة الاستثمار الخاصة بشركه ………….. ومن السجل التجاري للشركة وصورة من شاشة فيس بوك تبين تاريخ إنشاء الصفحة في شهر ديسمبر 2013 طالعتها المحكمة وألمت بها ومذكرة بدفاعه وطلب تأييد الحكم المستأنف فقررت المحكمة حجز الاستئناف للحكم بجلسة اليوم.

حيثيات الحكم

    بعد تلاوة تقرير التلخيص وسماع طلبات النيابة العامة والمرافعة الشفوية ومطالعة الأوراق والمداولة قانونا:-وحيث أنه عن شكل الاستئناف ولما كان قد أقيم مستوفيا أوضاعه وشرائطه الشكلية المقررة قانونا ومن ثم فهو مقبول شكلا.

    وحيث أنه عن الموضوع وكان من المقرر أن القاضي الجنائي يحكم في الدعوى حسب العقيدة التي تكونت لديه بكامل حريته وأنه يكفي أن يتشكك القاضي في صحة إسناد التهمة كي يقضي له بالبراءة إذ المرجح في ذلك إلى ما يطمئن إليه في تقدير الدليل مادام الظاهر من الحكم أنه أحاط بالدعوى عن بصر وبصيرة وأقام قضاءه على أسباب تحمله.

    كما أنه من المقرر قانونا أن الأحكام الجنائية يجب أن تبنى على الجزم واليقين من الوقائع الذي يثبته الدليل المعتبر ولا تؤسس على الظن والاحتمال من الفروض والاعتبارات المجردة. كما أن المحكمة غير ملزمة بالتحدث في حكمها إلا عن الأدلة ذات الأثر في تكوين عقيدتها وأن إغفال بعض الوقائع يفيد ضمنا إطراحها لها اطمئنانا إلى ما أثبته من الوقائع والأدلة التي اعتمدت عليها في حكمها.

    وكان من المقرر قضاء أن المحكمة الاستئنافية إذا ما رأت تأييد الحكم المستأنف للأسباب التي بني عليها فليس في القانون ما يلزمها أن تذكر تلك الأسباب في حكمها بل يكفي أن تحيل عليها إذ الإحالة على الأسباب تقوم مقام إيرادها وتدل على أن المحكمة اعتبرتها صادرة منها.

    ولما كانت المحكمة تتشكك في ثبوت الاتهام قبل المستأنف ضده، وكانت محكمة أول درجة قد قضت ببراءة المستأنف ضده وساقت للتدليل على التشكيك في ثبوت التهمة في حقه أسبابا سائغة لها أصلها بالأوراق تكفي لحمل قضائها ومن ثم فإن هذه المحكمة تعتنق أسباب ذلك الحكم وتأخذ بهما مكملة لأسباب حكمها، وكانت الأوراق جاءت خلوا مما يمكن أن يغير من اقتناع المحكمة الأمر الذي يتعين معه رفض الاستئناف موضوعا وتأييد الحكم المستأنف.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة/ حضوريا:- بقبول الاستئناف شكلا وفي الموضوع برفضه وتأييد الحكم المستأنف

الثلاثاء، 14 أكتوبر 2025

أُكتب

 الكتابة ومنهج التفكير التليسكوبي: رحلة الوعي بين الحرف والبصيرة

بقلم: حسام الدين عبد السلام 

   اليوم نعاني من سرعة الاحداث و جريان الزمن بطريقة لم نعهداه من قبل ، و تأكد لى قول الله تعالي في محكم آياته(قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين.)، يقبل هنا موضوع مقال اليوم  ،في زمنٍ تتسارع فيه الكلمات وتبهت فيه المعاني، تبدو الكتابة — أكثر من أي وقت مضى — وسيلةً لاستعادة التوازن بين الفكر والنفس.لكن هل يمكن أن تتحول الكتابة من مجرد وسيلة تعبير، إلى منهجٍ لفهم الذات ورصد حركة الوعي؟ هنا تتقاطع الكتابة مع ما أسميه بـ "منطق التفكير التليسكوبي"، ذلك المنهج الذي لا يكتفي بالنظر إلى ظاهر الفكرة، بل يمدّ بصر العقل نحو أعماقها الخفية،كما يفعل الفلكي حين يوجّه عدسته نحو مجرّة بعيدة،فيرى ما لا يُرى بالعين المجرّدة.

   في هذا المقال، ننتقل من الحرف إلى البصيرة، ومن الانفعال إلى الإدراك،لنفهم كيف تصبح الكتابة أداةً لتأمل النفس، ومعالجة الوجدان، وتوسيع أفق الوعي. إنها رحلة داخلية، يُمسك فيها الكاتب قلمه كما يُمسك العالِم تليسكوبه —لا ليصف العالم من حوله، بل ليكتشف الكون الذي يسكنه في داخله.

حين تكتب... ماذا يحدث في داخلك؟

   هل فكّرت يومًا ماذا يحدث في داخلك لحظة الكتابة؟ ذلك الشعور الغامض الذي يجعلك تمسك بالقلم، لا لتدوّن ما تعرف، بل لتكتشف ما لم تعرفه بعد؟ الكتابة، في حقيقتها، ليست مجرّد نقلٍ للأفكار، بل كشفٌ داخليّ، رحلة عبر طبقات النفس،تمامًا كما يفعل الفلكي حين يوجّه تلسكوبه نحو الفضاء، باحثًا عن ضوءٍ بعيدٍ وسط العتمة.الفرق فقط أن الكاتب يُدير تلسكوبه نحو أعماقه.

الكتابة كفعلٍ نفسي عميق

   الكتابة ليست ترفًا لغويًا، بل حركةٌ نفسيةٌ معقّدة. فعندما نكتب، نبدأ بما نراه أو نحسّه، لكن الكلمات تقودنا شيئًا فشيئًا إلى ما هو أبعد من الإدراك السطحي. جملة بسيطة مثل: “أنا متعب اليوم”،قد تتحوّل على الورق إلى اعترافٍ أعمق: “أنا أهرب من ذاتي منذ زمن.” وهكذا تتحوّل الكتابة إلى مرآةٍ تكشف لا الوجه الظاهر فقط،بل ما وراءه من مشاعرٍ دفينة، ورغباتٍ مكبوتة، وأسئلةٍ لم نجرؤ على طرحها.

التليسكوب... في داخل النفس

   منطق التفكير التليسكوبي ليس مجرد أداة علمية لرصد السماء، بل يمكن أن يكون منهجًا لرؤية الذات.كما يقرّب الفلكي البعيد ليكتشفه، يقرّب الكاتب دواخله ليبصرها على حقيقتها. إنها رحلة تبدأ من الشعور الخام ثم إلى التأمل ثم إلى التحليل ثم إلى البصيرة.الكاتب لا يصف فقط، بل يتوغّل في عمق التجربة،ينظر إليها بعدساتٍ متعددة،حتى يرى في النهاية ما كان مختبئًا خلف ضباب الانفعال الأول.

الورقة كعيادةٍ للنفس

   يقول علماء النفس إنّ الكتابة الصادقة تملك أثر العلاج. على الورق، نستطيع أن نقول ما لا نجرؤ على قوله لأحد. نفرّغ مشاعرنا دون خوفٍ من حكمٍ أو نقد، فنحوّل الفوضى إلى ترتيبٍ، والغضب إلى فهمٍ، والألم إلى معنى. ليس غريبًا إذًا أن تستخدم بعض المدارس النفسية الحديثة ما يُعرف بـ “العلاج بالكتابة”، إذ تعمل الكلمات كصمّامٍ لتصريف المشاعر المكبوتة، وتعيد تنظيم دوائر الوعي والانفعال داخل الدماغ.

 الكتابة التليسكوبية... من الانفعال إلى البصيرة

   الكتابة التليسكوبية هي التي لا تكتفي بوصف الشعور، بل تتتبّع جذوره حتى تصل إلى المعنى العميق خلفه. تأمل هذه التجربة البسيطة: “اليوم شعرت بثقلٍ في صدري دون سبب. كأن غيمة رمادية علقت بداخلي منذ زمن. تذكّرت أنني أركض حتى وأنا متعب. أدركت أن الغيمة ليست تعبًا، بل أحلامٌ مؤجّلة تحتاج أن تمطر.” هنا تتحول الكتابة من تعبيرٍ عن حالةٍ نفسية، إلى اكتشافٍ روحيٍّ بأن الثقل ليس جسديًا، بل رمزٌ لمعنى أعمق في داخل الإنسان.

من الحرف إلى البصيرة

   كل نصّ صادق هو مرآة للذات وخريطةٌ للوعي. الكاتب يبدأ من الحرف لينتهي إلى الإدراك. ومع كل سطر، تتقشّر طبقات الغموض، فينكشف وجه النفس الحقيقي كما لم يُرَ من قبل. ولذلك، فالمبدع لا يكتب ليُدهش الآخرين،بل ليُضيء مناطق العتمة في داخله، ثم يشارك العالم هذا الضوء.

 الكتابة... تليسكوب الروح

   في النهاية، الكتابة ليست حرفةً لغوية، بل منهج رؤية. هي التليسكوب الذي نرصد به مجرّات نفوسنا، فنرى في أعماقنا نجومًا من الحكمة كانت غافية خلف غبار الحياة. الكتابة تعلمنا أن نرى بعين البصيرة لا بعين البصر، أن نفهم قبل أن نحكم، وأن نقترب من أنفسنا كلما ابتعدنا عن الضجيج.

  حين تكتب، لا تسأل: “ماذا أريد أن أقول؟” بل اسأل: “ماذا تريد نفسي أن تُفصح عنه من خلالي؟” فالكتابة، في جوهرها، ليست سردًا للحياة، بل طريقة لفهمها. ومن يتقن الكتابة بمنطق التفكير التليسكوبي، يكتشف أنه لم يكن يبحث عن الكلمات، بل كان يبحث عن نفسه.أهداء لمن يبحث عن علاج نفسه .

   

السبت، 4 أكتوبر 2025

براءة بالتكنولوجيا.. حينما فشلت الأدلة الرقمية في إدانة المتهم

 

مكتب حسام الدين عبد السلام 
المحامي 
لدي محكمة النقض و المحكمة الادارية العليا 
و المحكمة الدستورية العليا 
الحكم الصادر من محكمة القاهرة الاقتصادية – الدائرة الثالثة جنح مستأنف – بجلسة 12/9/2022 يُعتبر نموذجًا غنيًا للتحليل القضائي، سواء من زاوية التكييف القانوني للاتهامات، أو من زاوية التدليل القضائي على مدى توافر أركان الجرائم، أو من زاوية ترجيح الأصل العام (البراءة) على أساس يقيني لا ظني.سأحلله وأؤصله كما يلي:

أولاً: التكييف القانوني للتهم
  المتهم أُسندت إليه مجموعة من الاتهامات: التحرش الجنسي بالمجني عليهن، وذلك عبر تطبيقات التواصل (واتساب/مكالمات هاتفية). سند الاتهام: المادتان 306 مكرر (أ) و 306 مكرر (ب) عقوبات. تعمد المضايقة بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات. سند الاتهام: المادة 76/2 من قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003.

التأصيل:
   المادتان (306 مكرر أ، ب) أضيفتا لمواجهة جرائم التحرش، وتوسع المشرع في صورها لتشمل القول أو الفعل أو الإشارة، بالوسائل التقليدية أو الإلكترونية. المادة 76 من قانون الاتصالات لم تحصر "الإزعاج"، بل اعتبرت كل قول أو فعل متعمد يضيق به صدر المجني عليه جريمة إذا وقعت باستخدام وسيلة اتصال.

ثانياً: الإشكاليات المطروحة أمام المحكمة
   إشكالية الدليل الفني: النيابة قدمت محادثات وصور منسوبة للمتهم. المحكمة رأت أن المحادثات لا تحمل طابعًا جنسيًا قاطعًا.الصور محل الاتهام لم تُقدم من المصدر الأصلي (هاتف المجني عليها) بل منقولة عبر صديقة، ففقدت حجيتها.
   إشكالية التراخي في الإبلاغ: المحكمة لاحظت أن المجني عليها الأولى تراخت سنوات قبل تقديم البلاغ (2017–2018 حتى 2020)، فاهتزت ثقة المحكمة في جدية البلاغ.
   إشكالية التناقض والغموض: أقوال المجني عليها متعارضة مع مضمون الرسائل.اعتراف المتهم أمام النيابة ("قد أكون أرسلت صورًا") غير محدد وظني، لا يرقى لدليل إدانة.
   أصل البراءة: المحكمة استندت إلى قاعدة أن الأصل في الإنسان البراءة، وأن الإدانة لا تقوم إلا على دليل جازم قاطع لا يدع مجالًا للشك.

ثالثاً: ما انتهت إليه المحكمة
   براءة المتهم من تهمة التحرش الجنسي الأولى (المادة 306 مكرر ب). لعدم توافر أركان الجريمة (غياب العبارات ذات الطابع الجنسي الصريح، وعدم ثبوت الصور). استبعاد أقوال المجني عليها لعدم الاطمئنان إليها بسبب: عدم تقديم الهاتف للفحص.طول الفترة بين الواقعة والبلاغ. كونها اعتمدت على نسخ منقولة لا أصل لها. استبعاد أقوال المتهم الملتبسة ("ممكن أكون أرسلت صور") لأنها غير جازمة. وبالتالي، رأت المحكمة أن الحكم الابتدائي (3 سنوات حبس) أخطأ في تطبيق القانون، فقضت بـ إلغائه وبراءة المتهم استنادًا للمادة 304/1 إجراءات جنائية.

رابعاً: المبادئ القانونية المستفادة
   الأصل في المحاكمات الجنائية هو البراءة، ولا يُدان المتهم إلا بدليل يقيني لا يشوبه ظن أو احتمال. الأدلة الرقمية (محادثات – صور – مقاطع) لا يُعتد بها إلا إذا جاءت من مصدرها الأصلي وخضعت للفحص الفني المباشر.تراخي المجني عليه في الإبلاغ يُضعف الثقة في روايته، خاصة في الجرائم ذات الطبيعة الوقتية (كالتحرش). الأقوال المرسلة أو الاعترافات الغامضة لا تُعتبر دليلًا كافيًا. القاضي الجنائي حر في تكوين عقيدته، لكن يجب أن يبني حكمه على أدلة واضحة ومتماسكة.

خامساً: الدروس المستفادة
   على المشرّع أن يضع قواعد أوضح لضبط الأدلة الإلكترونية، حتى لا تضيع حقوق الضحايا في قضايا التحرش والابتزاز. على الضحايا المبادرة بالإبلاغ فور وقوع الفعل، حتى لا يؤثر التراخي على جدية الشكوى. الحكم يوازن بين حماية الحريات الفردية (عدم الإدانة بغير دليل يقيني) وبين الحرص على مواجهة جرائم التحرش، وهو ما يعكس توازن القضاء بين العدالة الجنائية والشرعية الإجرائية. 

   إن الحكم الصادر من محكمة القاهرة الاقتصادية – الدائرة الثالثة جنح مستأنف – بجلسة 12/9/2022 يجسد بوضوح فلسفة العدالة الجنائية في أسمى صورها، حيث أعاد التأكيد على أن الأصل في الإنسان البراءة، وأن الإدانة لا تقوم إلا على دليل جازم يقيني لا يشوبه شك أو ظن.
   
   فمن خلال استبعاد الأدلة الرقمية غير المستمدة من مصدرها الأصلي، وعدم الاطمئنان إلى الأقوال المتناقضة أو المرسلة، وترجيح قاعدة اليقين على مجرد الافتراض، رسخ القضاء مبدأ أن الحرية الفردية لا تُمس إلا ببينة قاطعة، وأن العدالة الجنائية لا تنحاز إلى طرف على حساب آخر، بل تنحاز إلى ميزان الحق واليقين.

   ويبرز هذا الحكم كنموذج مهم يوازن بين حماية المجتمع من جرائم التحرش الإلكتروني، وبين ضمانات المحاكمة العادلة، مما يجعله محطة قضائية بارزة، ودعوة للمشرع لتشديد الضوابط الإجرائية والفنية للأدلة الرقمية، بما يحفظ للضحايا حقوقهم دون المساس بقاعدة البراءة.
----------------

باسم الشعب
محكمة القاهرة الاقتصادية
الدائرة الثالثة جنح مستأنف
بالجلسة المنعقدة علناً بسراى المحكمة يوم الأثنين الموافق 12/9/2022

برئاسة السيد المستشار / عمرو عبد القادر صبرى رئيس المحكمة
وعضوية السيد المستشارين / أحمد رفعت مهنى الرئيس بالمحكمة
/ محمد محمد حسن غيته الرئيس بالمحكمة
وبحضور السيد/ طارق سلام وكيل النيابة
وبحضور السيد / محمد على علام امين الســــر
اصدرت الحكم الآتى
فى الجنحة رقم 570 لسنة 2020 جنح مستأنف ورقم 887 لسنة 2020 جنح اقتصادى
ضــد
– ********

(((المحكمة)))

 

بعد تلاوة تقرير التلخيص وسماع المرافعة الشفوية ومطالعة الأوراق والمداولة قانوناً:

حيث ان وقائع الدعوى قد سبق وأن أحاط بها الحكم المستأنف الصادر فى القضية رقم 887 لسنة 2020 جنح اقتصادية القاهرة بجلسة 29/12/2020 ومن ثم تحيل إليه المحكمة فى ذلك الشأن منعاً للتكرار الا انها توجز منه بالقدر الكافى فى أن النيابة العامة قد اسندت للمتهم / ********.

لانه فى غضون الفترة مابين عامى 2016 و 2020 بدائرة قسم شرطة المقطم – محافظة القاهرة.

1- تحرش جنسيا بالمجنى عليها الأولى / ******** بان تعرض لها باتيان أمور وايحاءات وتلميحات جنسية واباحية ، بأن ارسل اليها عبر احدى وسائل الاتصالات اللاسلكية – هاتف نقال مستخدما تطبيق التواصل الاجتماعى – واتس اب – عبارات وصور ذات طبيعة جنسية ، تضمنت تصريحا وتلميحا بالامور المشار اليها ، وقد اتى الافعال بقصد الحصول على منفعة جنسية ، على النحو المبين تفصيلا بالتحقيقات.

2- تعمد مضايقة المجنى عليها المار ذكرها بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات ، بأن اتى الافعال المبينة بالوصف عاليه على النحو المبين تفصيلا بالتحقيقات .

3- تعرض للمجنى عليها الثانية/ ******** ، بإتيان ايحاءات وتلميحات جنسية واباحية وذلك اثناء مكالمة هاتفية بينهما اتى خلالها ايحاءات وتلميحات ذات طبيعة جنسية ، على النحو المبين تفصيلا بالتحقيقات .

4- تعمد مضايقة المجنى عليها المار ذكرها بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات ، بأن اتى الأفعال محل الاتهام السابق وأضاف عليها بتكرار اتصاله تليفونيا وتواصله الكترونيا مع المجنى عليها المذكورة دون رضائها ودون مقتضى على النحو المبين تفصيلا بالتحقيقات .

وطلبت عقابه بالمواد 306 مكرر ( أ ) / فقرة 1 ، 2 والمادة 306 ب / 1 من قانون العقوبات ، والمادة 76 / بند 2 من قانون تنظيم الاتصالات الصادر بالقانون رقم 10 لسنة 2003.
حيث يخلص وجيز الواقعة حسبما طالعتها المحكمة بالاوراق والتى توجزها بالقدر اللازم ما يكفى للاحاطة بها وبمضمونها والتى تخلص فيما جاء بتقرير ادارة البيان والتوجيه والتواصل الاجتماعى بمكتب النائب العام والذى اثبت به تصدر المدعو << ******** >> موقعى التواصل الاجتماعى تويتر ، انستغرام خلال الأيام القليلة الماضية بداية من يوم 1/7/2020، حيث تداول عنه تعديه على عدد كبير من الفتيات بالاغتصاب ، والابتزاز والتحرش بهن جنسيا ولفظيا ، وكان أول من تداول الحديث عن المدعو/ ******** ، حساب باسم من يدعى ******** – المقيم بنيويورك – بالولايات المتحدة الامريكية – لتصل الى نحو اكثر من 50 رسالة من عدة فتيات منهم أطفال – دون أن تفصح اى منهن عن شخصيتها – تضمنت روايات عما تعرضن اليه من اعتداء وتحرش واغتصاب من قبل المشكو فى حقه، انشئت صفحة عبر تطبيق (( انستغرام))، خصيصا لتلك الشهادات والروايات التى تدلى بهن الفتيات حول ماتعرضن له من المشكو فى حقه ، واسم الصفحة (( assault police )) وغير معلوم من أنشأها، ولكن المدعو / ******** كان يدعمها ويوجه الفتيات المتضررات من المشكو فى حقه إليها .
ومما تداول حول المشكو فى حقه بمواقع التواصل انه يبلغ من العمر 22 عام ، وانه من عائلة ثرية وكان يدرس بمدارس دولية بالقاهرة منها ( المدرسة الامريكية الدولية ) ودخل الجامعة الامريكية بالقاهرة عام 2016 ولكن لم يكمل دراسته فيها ، وسافر إلى أسبانيا ليلتحق هناك بجامعة ببرشلونة – تسمى Eu Business school Barcelona – لعلوم الادارة خلال عام 2018 ، ويفترض استمرار دراسته فيها حتى يوم 3/7/2020 م ، حيث انه وفق المتداول ايضا ان الجامعة الأخيرة اعلنت فى ذلك التاريخ فصله بعد اعلان احدى الطالبات فيها تحرشه بها .
وذكر بمواقع التواصل الاجتماعى ان المشكو فى حقه كان يقيم بمدينة (*****) ثم انتقل للاقامة بمجمع (******) السكنى فى المقطم، كما تداول البعض ان له اقارب يعملون بالمخابرات العامة وبقطاع الامن الوطنى ، وان والده يعمل الرئيس التنفيذى لشركة ((********)) وان تلك الشركة تتبع المخابرات العامة.

وتداول عن المدرسة الامريكية الدولية انها كانت على علم بأفعال المشكو فى حقه وما يقوم به خلال تواجده بالمدرسة عامى 2014 ، 2015 وانها بعد تحريها عن الامر تأكدت من صحة التعديات التى ارتكبها فى حق الفتيات فاكتفت بالتنبيه عليه دون عقابه ، وطلبت من الفتيات المتضررات وقتها عدم ارسال صورهن لأى أحد عبر مواقع التواصل الاجتماعى ، مما وصفه البعض انه تستر من المدرسة على المذكور ، وان موقفها لايختلف كثيرا عن موقف الجامعة الأمريكية وادارة المجمع السكنى محل إقامته.

 

وكانت من بين الروايات التى تداولت حول الموضوع بتطبيقى (( تويتر )) و (( انستغرام )) مايلى:
** ذكرت إحدى الفتيات من الجامعة الأمريكية أن (( ******** )) تحرش بها وابتزها جنسيا ، فطرد لذلك من الجامعة عام 2018 ، وذلك على خلاف ما أعلنته الجامعة الأمريكية يوم 3/7/2020 فى بيانها والتى نفت فيه ذلك ، وأوضحت أن ما يثار بمواقع التواصل الاجتماعي حول انتماء المشكو فى حقه لها غير صحيح ، وانه تركها منذ عام 2018 ، وجدير بالذكر أن عدد من الفتيات الطالبات بالجامعة أعلن عبر مواقع التواصل أن المشكو فى حقه دعى طالبات بالجامعة للمشاركة بإحدى المشروعات بداخلها ، وذلك وسيلة منه لاستدراجهن تمهيدا لابتزازهن وتهديدهن الممارسة الرذيلة معه ، وأضافت الفتيات انه بناء على شكوى قدمت ضد المذكور لإدارة الجامعة ، اتخذت الأخيرة سبيلا لفصله منها دون الافصاح عن سبب ذلك ، حرصا على مستقبله وإمكانية التحاقه بجامعات أخرى وعلى صعيد آخر قررت نحو مائة طالبة بالجامعة الامريكية بالقاهرة بمواقع التواصل بتحرش المشكو فى حقه بهن وتهديدهن بإبلاغ أهليتهم بممارسته الرذيلة معهن ، ونشر صور فاضحة معدلة لهن ، وأذاعت بعضهن تسجيلات صوتية نسبتها للمشكو فى حقه وهو يهددهن خلالها عبر الصفحة المسماة ( assault police ) ، وبتطبيق تويتر ، كما تداول تصوير المشكو فى حقه مقاطع مصورة للفتيات أثناء مواقعته لهن ، وإطلاع اصدقائه عليها ، كما دونت فتاة فى مجموعة الكترونية تسمى ( Rate AUC professors ) عبر تطبيق (( واتس آب )) أن المشكو فى حقه تحرش بها واثنين من صديقاتها ، ثم قيل لاحقا أنه يعانى من مشاكل شخصية وهدد ذويه بالانتحار إذا وجهوا إليه أى اتهامات أخرى ، ثم ترك الجامعة ليسافر الى أسبانيا دون أن يكمل دراسته .

** بعد انتشار تفاعلا – (( هاشتاج )) – للمطالبة بمحاسبة المشكو فى حقه ، تبين أن اسمه مشهورا عند عدد كبيرمن الفتيات اللاتى روين الحوادث التى تعرضت لها بسببه ، والتى كان أغلبها يدور حول تعرضهن إما للاغتصاب ، او الابتزاز الجنسى ، او التهديد الجنسى ، أو التحرش من قبل المذكور ، حيث ذكرت فتاة عبر تطبيق تويتر أن المشكو فى حقه تحرش بها وشقيقتها لما كانا يبلغان نحو أربعة عشر عاما ، وهددهما بنشر صور فاضحة معدلة لهما إذا لم يستجيبا لمطالبة بممارسة الرذيلة معه ، وقالت أخرى عبر تطبيق (( تويتر )) أنه تحرش بها وطاردها وحاول تهديدها وامتد الأمر إلى أن حاول تهديدها بإعلامه أهلها بممارسة الرذيلة معها على خلاف الحقيقة الإجبارها على الانصياع لما يطلبه منها .

** كما تداولت قصة فتاة اغتصبها المشكو فى حقه فى النادى الرياضى (( gym )) بالمجمع السكنى محل إقامته ((******)) وسط استغاثات منها ليطلق سراحها، وعندما سمعها الأمن الخاص بالمجمع دفع المشكو فى حقه إليهم بعض من المال مقابل سكوتهم ، واكدت الفتاة أنها عانت من تلك الواقعة التى حدثت خلال عام 2018 والتى لم تفصح عنها خوفا منه ، وقررت السفر إلى بيروت بعد إصابتها بالبواسير وشرخ بالحوض من جراء تعدى المشكو فى حقه عليها ، ولكنها عادت الآن إلى القاهرة.

** كما قررت إحدى الفتيات أن المشكو فى حقه واقع صديقتها عنوة ، وآخرى قررت أنه واقعها رغما عنها وأن ذراعها لازال متكدما من آثار المقاومة ، وأضافت أنه هددها بإبلاغ أهلها أنها مارست الجنس .

** كما اشار شخص آخر أنه شهد المذكور فى مدينة الرحاب بالقاهرة الجديدة وهو يحاول الاعتداء على فتاة داخل سيارته، وقرر الشاهد أنه قام بكسر نافذة السيارة ولكم المذكور فى وجهه مما أسفر عنه نزيف الأنف وصعوبة فى التنفس، ما أعطى الشاهد والمجنى عليها بعض الوقت للمغادرة سريعا.

** وقررت فتاة أنها كانت فى حوالى الرابعة عشر من عمرها حينما تعرفت على (********) وأن الأخير حاول التقرب منها مستخدما أساليب الإبتزاز العاطفى ، كان يهددها بالإقدام على الانتحار إذا ما رفضت الارتباط به ، وانه حاول تقبيلها وممارسة بعض الافعال الجنسية معاها اثناء اول لقاء لهما ، كما حاول الاعتداء عليها جنسيا فيما بعد فى منزل أحد اصدقائهم ولكن الفتاة سارعت بالمغادرة ، وظل المذكور يهددها لمدة عامين بمقطع فيديو زعم ان الاصدقاء قاموا بتصويره لهما فى وضع حميم ، وأضافت انه شهر بها عدة مرات وسط زملائهم .

** كما قررت فتاتين فى الخامسة عشر من عمرها فى ذاك الحين انه هتك عرضهما وأفادت إحداهما انه تتبعها أثناء شراء بعض الحاجات على مقربة من أقرانها وقبلها رغما عنها وتحرش بجسدها وأنها حاولت أن تفلت من قبضته لتستنجد بأصدقائها ولكنه تتبعها وأخبرهم أنهم كانوا يتحدثون سويا .

والملفت للانتباه أن الذى دفع الفتيات للمطالبة بمعاقبته بعد مضى كل تلك الفترة من تاريخ الاعتداءات الواقعة عليهن منه ، هو اتهامه وفقا الروايتهن بالتحرش بفتيات فى أسبانيا أثناء دراسته بجامعة هناك حاليا .

وتداول أن ذوى المشكو فى حقه قرروا رفع قضية على أول فتاة شهرت به – (( لم يذكر اسمها )) – باعتبار انهم من عائلة لها أقارب بقطاع الأمن الوطنى والمخابرات المصرية .

هذا وقد تفاعلت بعض الشخصيات العامة والمؤسسسات مع الواقعة مطالبة بالتحقيق فيها عبر مواقع التواصل الاجتماعى على النحو الوارد بالتقرير ، كما عرض التقرير روابط للحسابات التى تضطلع بنشر بعض المعلومات عن المشكو فى حقه ومعلومات عن ضحاياه ومافعله بهن بتطبيق (( انستغرام )) وفقا للثابت بالتقرير .

 وبناء على ماتقدم باشرت النيابة العامة التحقيقات :
وأرفق بالاوراق المحضر المؤرخ 4/7/2020 والمحرر بمعرفة العقيد / *** ، مفتش مباحث فرقة جنوب والذى اثبت بمحضره وباقواله بجلسة تحقيق النيابة العامة 4/7/2020 قيامه بضبط المتهم ******** ومواجهته اقر بقيامه بتهديد وابتزاز العديد من الفتيات واكراههن على ممارسة الاعمال المنافية للآداب وفى حالة عدم الانصياع له سوف يقوم بالتشهير بهن بمواقع التواصل الاجتماعى والاضرار بسمعتهن وسمعة ذويهم واقر بقيامه بابتزاز ومساومة المجنى عليهما ******** ، ******** وباقى المجنى عليهن الواردة أسمائهم بالاوراق
وبجلسة التحقيق المؤرخة 26/8/2020 ادلى العقيد / **** باقوالة امام النيابة العامة مقررا قيامه باجراء تحريات المباحث الجنائية حول الواقعة والتى توصلت الى قيام المتهم ******** بارتكاب الوقائع المنسوبة اليه من اغتصاب وهتك عرض المجنى عليهن وتهديدهن بالتشهير بهن على مواقع التواصل الاجتماعى وابلاغ اهليهما وابتزازهن فى مقابل الاستمرار معه بعلاقات جنسية ، واضاف مجرى التحريات ان المتهم كان على صلة ومعرفة بالمجنى عليها / ******** لكونها زميلته بالجامعة الامريكية وكان على علاقة عاطفية بها ثم انفصلت عنه فقام بتهديدها بإبلاغ والدها بسوء سمعتها على خلاف الحقيقة اذا لم تستمر معه فضلا عن قيامه بارسال رسائل الى المجنى عليها انفة البيان عبر احد مواقع التواصل الاجتماعى لاستكمال علاقتها معه.

كما أضاف مجرى التحريات عن وجود علاقة عائلية بين والدة المتهم ووالدة المجنى عليها / ******** حيث تقوم والدة المتهم برعاية ومساعدة والدة المجنى عليها المريضة وقد استغل المتهم تلك العلاقة وقام بالتحرش جنسيا بالمجنى عليها عبر تطبيق الواتس اب بارسال صورا جنسية لها طالبا منها ممارسة الجنس معه الا ان المجنى عليها رفضت ذلك رفضا تاما بطريقة أدبية خشية من انقطاع علاقة والدتها بوالدة المتهم ، كما توصلت تحرياته الى صحة ماقدمته المجنى عليها من اسطوانة مدمجة بها محتوى مرئي ( فيديو ) ثابت به المحادثات بينهما وبين المتهم وصحة صدور تلك الرسائل من المتهم.

وبسؤال المجنى عليها / ******** بتحقيقات النيابة العامة قررت وجود علاقة بين والدتها ووالدة المتهم منذ فترة زمنية كبيرة وانها كانت تتلقى معه دروسا فى اللغة العربية بمنزله حتى نشأت علاقة صداقة بينهما الا انه قام بالحديث معها فى حدوث اتصال جسدى وتخييرها بين التقبيل والجنس الفموى وقام بارسال صورا خارجة من هاتفه رقم ******** اليها عبر تطبيق الواتس اب ، وأضافت انها خشيت من ابلاغ والدتها بالامر خشية من انقطاع علاقتها بوالدة المتهم والتى تقوم بمساعدتها.

وبسؤال المجنى عليها/ ******** بتحقيقات النيابة العامة قررت انها تعرفت على المتهم عن طريق الانترنت ( تطبيق الانستغرام) وتبادلا فيما بينهما رسائل التعارف العادية حتى علمت من احدى صديقاتها كانت زميلة المتهم بالمدرسة انه قام بالتحرش بالعديد من الفتيات بالمدرسة وانه مشهور بذلك الامر فقامت بالابتعاد عنه وعدم التواصل معه فقام بملاحقتها بالرسائل وفى الجامعة وقام بالتشهير بها امام زملائها كما هددها بالاتصال بوالدها وابلاغه بالامر كما هددها بالانتحار فى حال قطع علاقتها به وهو ماسبب لها ضررا نفسيا وحالات من ضيق التنفس وأضافت ان هاتف المتهم يحمل رقم ********

وبسؤال المدعوة / ******** بتحقيقات النيابة العامة قررت انها المعالجة النفسية للمجنى عليها / ******** وقررت ان المجنى عليها قد قررت لها بالجلسات انها تمر بتجربة صعبة ومتوترة لقيام المتهم / ******** بملاحقتها طالبا إقامة علاقة جنسية معها ويقوم بمطاردتها بحرم الجامعة وتهديدها لرفضها إقامة علاقة معه بشكل واضح وصريح وان هذا الامر سبب لها مشاكل نفسية وحالة توتر وقلق شديد تصل فى بعض الاحيان الى صعوبة التنفس.
وبسؤال المدعوة / ******** بتحقيقات النيابة العامة قررت لها وجود علاقة بينهما وبين المتهم والذى حاول استدراجها لاقامة علاقة جنسية معها الا انها رفضت ذلك فقام بملاحقتها والضغط عليها وأضافت فى معرض شهادتها رؤيتها للمتهم حال قيامه بالتعرض للمجنى عليها واستيقافها مهددا اياها بالانتحار فى حالة قطع علاقتها به الا ان الاخيرة بدأت فى الانهيار والبكاء فقامت الشاهدة واحدى صديقتها بنهر المتهم والتصدى له ، واضافت ان المتهم له وقائع عديدة انتشرت على جروب الجامعة الامريكية وان الطلبة على علم بالوقائع الخاصة به والمتورط بها .
وباستجواب المتهم / ******** بتحقيقات النيابة العامة انكر مانسب اليه من اتهامات بشأن المجنى عليهن ******** ، ******** ، الا انه قرر وجود علاقة بينهما وأضاف نسبة الرسائل الثابتة بالقرص المدمج المرفق بالاوراق اليه وأضاف انه المستخدم والحائز للهاتف رقم ********

وحيث ارفق بالاوراق الحرز رقم 158 لسنة 2020 خزانة والذى تم سلخه من الجناية رقم 7864 لسنة 2020 المقطم والمقدم من المجنى عليها / ******** واطلعت محكمة اول درجة على الحرز وتبين انه عبارة عن أسطوانة مدمجة تحوى مقطع فيديو يحتوى على محادثة على تطبيق الواتس اب من الهاتف رقم ******** باللغة الانجليزية والتى تم تفريغها وترجمتها بمعرفة مكتب التعاون الدولى – مكتب النائب العام.

وحيث اورى تقرير مكتب التعاون الدولى – مكتب النائب العام بشأن الحرز انف البيان والثابت به انه بالاطلاع على محتوى الأسطوانة المدمجة المرفقة تبين انها تحتوى على مقطع فيديو لمحادثة على تطبيق الواتس اب من الهاتف رقم ******** وتبين من خلال الرسائل وجود محادثة من هاتف المتهم انف البيان وبين المدعوة ( ******** ) استخلصت منها المحكمة الاخيرة عبارات صادرة من هاتف المتهم ( انا بدور على بنت تكون بتاعتى – بالمناسبة احنا هننسجم – انت فى الساحل – ياخرة – انا عايز اعتذر وابدا اتكلم معاكى كاصحاب ممكن نخرج النهاردة – ليه مش عايزة تعرفينى طيب احنا ممكن نبقى اصحاب لو بس تسمحيلى انا لطيف – مش زى المرة اللى فاتت ) .

وحيث قدم المتهم الى المحاكمة الجنائية امام محكمة اول درجة بمقتضى نصوص ومواد القيد والوصف انفة البيان ومثل المتهم رفقة الحراسة اللازمة وهيئة الدفاع الخاصة به ، والمحكمة الاخيرة سالته عن الاتهامات المسندة اليه فانكر ما اسند اليه ، وطلب دفاع المتهم وقف الجنحة تعليقيا لحين الفصل فى الجناية رقم 7864 لسنة 2020 وطلب التصريح بارفاق المستندات المنوه عنها بمذكرة دفاعه كما مثلت المدعية بالحق المدني/ ******** بوكيل عنها وقدم مذكرة بدفاعه والمحكمة امهلت الدفاع لجلسة 14/12/2020 للمرافعة النهائية والمذكرات الختامية ولارفاق صورة رسمية طبق الاصل من المحضر رقم 50 احوال المرفق بالجناية رقم 7864 لسنة 2020 جنايات المقطم وصورة رسمية طبق الاصل من مرفقات المحضر رقم 72 لسنة 2020 جنح اقتصادية المعادى وبجلسة المرافعة الاخيرة مثل المتهم رفقة الحراسة اللازمة كما مثلت المدعية بالحق المدني/ ******** بوكيل عنها وصمم على الطلبات الواردة بمذكرة دفاعه وطلب الحاضر مع المتهم البراءة وقدم مذكرتى دفاع صمم على ماورد بهما من دفاع ودفوع وقدم حافظة مستندات.

وبجلسة 29- 12-2020 قضت محكمة اول درجة حضوريا : بحبس المتهم / ******** لمدة ثلاث سنوات مع الشغل والنفاذ والزمته المصاريف الجنائية. وأحالة الدعوى المدنية الى المحكمة المدنية المختصة وأبقت الفصل فى مصاريفها لحين صدور حكم منه للخصومة.
وحيث لم يرتضى المحكوم عليه بالقضاء الاخير فطعن عليه بالاستئناف الماثل بموجب تقرير استئناف مؤرخ 29-12- 2020 وحدد لنظره جلسة 11-1-2021 امام هذه المحكمة وبالجلسة الاخيرة حضر المتهم من محبسه ومعه وكيله وطلب الاخير فض الحرز المرسل من محكمة الجنايات لارفاقه بالقضية الماثلة وبجلسة 8-2-2021 قضت المحكمة وقبل الفصل فى الشكل والموضوع بندب احد الخبراء بوزارة الاتصالات لتفريغ محتويات الاسطوانة المدمجة وترجمتها على النحو المبين تفصيلا بالقضاء الاخير والمحكمة تحيل اليه بشأن ذلك وبجلسة 10-5-2021 قررت المحكمة العدول عن الحكم الصادر فى 8-2-2021 وقضت المحكمة وقبل الفصل فى الشكل والموضوع بندب احد الخبراء المختصين بالادارة العامة لمباحث المعلومات والانترنت تكون مأموريته كما هو مبين تفصيلا بالقضاء الاخير والمحكمة تحيل اليه بشأن الرسائل الواردة بالاسطوانة محل الفحص وارفق به مرفقات طالعته المحكمة .

وبجلسة 12-6-2022 حضر المتهم من محبسه ومعه وكيله ودفع الاخير ببطلان الحكم المستأنف وبعدم جواز نظر الدعوى لسابقة الفصل فيها بالحكم فى الجناية رقم 7864 لسنة 2020 جنايات المقطم وبانقضاء الدعوى الجنائية بالتقادم لمرور ثلاث سنوات قبل تقديم الشكوى وبدأ التحقيق وببطلان القبض على المتهم واحتجازه واستجوابه بمعرفة محرر الضبط وبطلان شهادة من اجراها وعدم التعويل على التحريات واقوال مجريها لعدم اختصاصه فنيا وبطلان الاقرار المنسوب للمتهم بمحضر الضبط والتحقيقات الاول لكونه وليد القبض الباطل وخلو الاوراق من دليل ادانة لعدم فحص هاتفى المجنى عليهما وبطلان الاستدلال بتقرير ادارة البيان والتوجيه بمكتب النائب العام وتقرير المشاهدة وخلو قرار النائب العام بشأن انشاء الادارة المذكورة وتنظيم عملها من منحها سلطة تتعلق بتحقيق الادلة الجنائية كما طعن بالتزوير المادى على كافة الاوراق المقدمة من المجنى عليها الاولى لاصطناعها وانقطاع صلة المتهم بها وبالدليل الفنى الخاص بفحصها وانتفاء اركان التهم فى حق المتهم وبطلان تقرير ترجمة المحادثات وتناقض الدليل القولى للشاهدتين مع اقوال المجنى عليها الثانية وكيدية الاتهام وتلفيقه ولتحرير محضر من المتهم برقم 50 احوال وقدم مذكرة طلب فيها قبول الاستئناف شكلا وفى الموضوع بالغاء الحكم المستأنف والقضاء مجددا بانقضاء الدعوى الجنائية بالتقادم المسقط واحتياطيا براءة المتهم وصمم فيها على دفاعه ودفوعه كما قدم ثلاث حوافظ مستندات طالعتهم المحكمة وبتلك الجلسة قررت المحكمة حجز الاستئناف للحكم ليصدر بجلسة اليوم وحيث انه عن شكل الاستئناف فلما كان الحكم المستأنف قد صدر بتاريخ 29-12-2020 وقد قرر المستأنف بالاستئناف بموجب تقرير استئناف مؤرخ 29-12-2020 اى خلال الميعاد المقرر قانونا بنص المادة 406 من قانون الاجراءات الجنائية وقد استوفى الاستئناف اوضاعه الشكلية المقررة قانونا ومن ثم فهو مقبول شكلا .

وحيث انه عن موضوع الاستئناف فلما كان من المستقر عليه قانونا وقضاءا تعليقا على مواد الاتهام المقدم بها المتهم للمحاكمة الجنائية وبشأن المادة 306 مكرر أ التى وضعها المشرع عقب تعديلها الاخير بالقانون رقم 11 لسنة 2011 ثم بالقانون رقم 50 لسنة 2014 لمواجهة ظاهرة معاكسة الفتيات والسيدات ثم الى تجريم الفعل ايا كان جنس المجنى عليه وذلك باتيان امور او ايماءات او تليمحات جنسية او اباحية سواء بالاشارة او بالقول او بالفعل باية وسيلة بما فى ذلك وسائل الاتصالات السلكية واللاسلكية وشددت العقوبة فى حالة تكرار الفعل من الجانى من خلال ملاحقة وتتبع المجنى عليه .

اما بشأن المادة 306 مكررب فقد استخدم المشرع لفظ التحرش الجنسى فى المادة الاخيرة وهو يعنى اثارة المرأة واغراؤها للايقاع بها جنسيا وهو اى قول اوفعل يحمل دلالات جنسية سواء وقع على انثى او ذكر .

والتحرش الجنسى قد يكون شفويا كالتعليقات الجنسية المشينة كالنكات او الإلحاح فى طلب لقاء او تواصل بالحديث وقد يكون بالنظرات الموحية او الايماءات او التلميحات الجسدية كما يكون بسلوك مادى كالمس او التحسس.

وهذه الجريمة تاخذ صور متعددة منها اجهزة الاتصالات الحديثة كالاتصال بالمجنى عليه والتلفظ بعبارات والفاظ تخدش الحياء او ارسالها على هاتفه المحمول عبر رسالة صوتية او مكتوبة او من خلال اى برنامج من برامج الاتصال والدردشة مثل – واتس اب – او ماشابه او عبر البريد الصوتى الالكترونى .

او ارسال صور مخلة او رسوم او رموز تحمل دلالات جنسية تخدش الحياء .

اما بشأن المادة 76 من قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003 فان تلك الجريمة لاتقتصر على الازعاج فقط بل يتسع الى كل قول او فعل تعمدة الجانى يضيق به صدر المجنى عليه وايا كان نوع اجهزة الاتصالات المستعملة او الوسيلة المستخدمة بها .

ولما كان من المقرر قضاءا ان اصل البراءة يعتبر قاعدة اساسية فى النظام الاتهامى لاترخص فيها ترفضها حقائق الأشياء وتقتضيها الشرعية الإجرائية وحماية الفرد فى مواجهة صور التحكم والتسلط والتحامل بما يحول دون اعتبار واقعة تقوم بها الجريمة ثابتة بغير دليل جاد قاطع يبلغ مبلغ الجزم واليقين ولايدع مجالا لشبهة انتفاء التهمة او الشك فيها ودون ذلك لاينهدم أصل البراءة وكان من المقرر أنه من اللازم فى أصول الاستدلال أن يكون الدليل الذى يعول عليه الحكم مؤديا إلى مارتبه عليه من نتائج فى غير تعسف فى الاستنتاج ولاتنافر فى حكم العقل والمنطق وكان البين من مطالعة الأوراق ومستنداتها ان النيابة العامة قد اتهمت المستأنف بالاتهامات المشار اليها مسبقا باسباب هذا القضاء .

وحيث انه وبشأن التهمة الاولى المسندة للمستأنف وهى تحرشه حنسيا بالمجنى عليها الاولى / ******** بان تعرض لها باتيان امور وايحاءات وتلميحات جنسية واباحية ، بأن ارسل اليها عبر احدى وسائل الاتصالات اللاسلكية – هاتف نقال مستخدما تطبيق التواصل الاجتماعى – واتس اب – عبارات وصور ذات طبيعة جنسية ، تضمنت تصريحا وتلميحا بالامور المشار اليها ، وقد اتى تلك الافعال بقصد الحصول على منفعة جنسية .

فان المحكمة الراهنة لم يثبت لها على وجه الجزم واليقين ثبوتها فى حق الاخير لكون العبارات والالفاظ والحديث الذى استندت اليه النيابة العامة فى اسناد الاتهام للمستأنف والمبين تفصيلا بتقرير الفحص الفنى الاخير الصادر من الادارة العامة لتكنولجيا المعلومات بوزارة الداخلية والمعد بمعرفة مقدم مهندس خالد الجمل رئيس وحدة الدعم الفنى والدائر بين كلا من المستأنف والمجنى عليها ******** على تطبيق الواتس اب فانه لايحمل عبارات او تلميحات او ايحاءات جنسية وان الحديث بينهما جاء فى حدود نطاق الزمالة والعلاقة العائلية بينهما. كما قررت المجنى عليها ذاتها والمتهم بوجود علاقة زمالة وعلاقة عائلية بينهما.

ومن ثم تنتفى اركان الجريمة المؤثمة بالمادة 306 مكرر ب من قانون العقوبات فى حق المتهم ولاينال من ذلك الصور الاباحية التى قدمتها المجنى عليها بالعريضة المقدمة منها للنيابة العامة بتاريخ 6-7-2020 .

لكونها قد قررت بتحقيقات النيابة العامة بالتاريخ الاخير انها قامت بعمل نسخة من الصور الجنسية المرسلة من المتهم لها على حد قولها وارسالها لصديقتها ثم قامت بحذفها من هاتفها وعندما ابلغت عن الواقعة طلبت من الاخيرة ارسالها مرة اخرى لارفاقها ببلاغها والمحكمة لاتطمئن لاقوال المجنى عليها بشان ذلك ولا فيما قررته بالتحقيقات من طلب المتهم منها اتصال جسدى لكونها لم تقدم على ذلك دليلا سوى المحادثات المشار اليها مسبقا والتى تحصل عليها المحقق وتم فحصها وفقا لما تقدم والتى لاتثبت صحة ماقررته المجنى عليها . مضافا الى ذلك ان المجنى عليها رفضت تقديم هاتفها للفحص الفنى لاثبات ما ابلغت به وقررته بتحقيقات النيابة العامة والحاصل فى الفترة من يونية 2017 حتى 28 مارس 2018 ومن ثم يكون قد مضى فترة طويلة من وقت حدوث الوقائع حتى تاريخ الابلاغ عنها فى 6-7-2020 مما يجعل المحكمة لا تطمئن لاقوال المجنى عليها لتراخيها فى الابلاغ .

ولا يتبقى فى الاوراق سوى الحديث على موقع الواتس اب والذى لم يثبت معه للمحكمة انه يتضمن امور جنسية تكفى لادانة المتهم بشأن تلك التهمة.

وكذلك ماقرره المتهم بتحقيقات النيابة العامة عند مواجهته بارسال صور اباحية للمجنى عليها فقرر بامكانية ذلك والمحكمة لاتأخذ بذلك القول للمتهم امام النيابة العامة ولاتطمئن اليه لكون ماقرره المتهم لم يكن جازما بشأن قيامه بذلك من عدمه ( حيث قد قرر باقواله بانه من الممكن ارسال تلك الصور ) كما انه غير محدد وليس واضح لالبس فيه وشابه الغموض حيث لم يبين المتهم ماهية تلك الصور التى ارسلها للمجنى عليها تحديدا وماتحتويه وعددها ولم يتم مواجهته بالصور المرفقة باوراق الدعوى المقدمة من المجنى عليها ليقر عما اذا كانت هى ذات الصور التى ارسلها من عدمه. ومن ثم فان المحكمة تستبعد ما قرره المتهم بشأن ذلك لعدم وضوحه وصراحته وغموضه وفقا لما تقدم ولكون ما جاء بأقوال المتهم على النحو المبين سلفا هو قولا ظنيا لا يرقى لمستوى الدليل المعتبر قانونا الذى يمكن ان تطمئن اليه المحكمة نحو إدانة المتهم .

ولما كان الحكم المستأنف قد خالف هذا النظر الامر الذى تقضى معه على المحكمة والحال كذلك بالغائه والقضاء مجددا ببراءة المستأنف عن تلك التهمة عملا بنص المادة 304 / 1 من قانون الاجراءات الجنائية على نحو ماسيرد بمنطوق هذا القضاء .

وحيث انه عن التهمة الثانية المسندة للمتهم وهى تعمده مضايقة المجنى عليها ******** .

فانه لما كان ماتقدم وكان البين للمحكمة من مطالعتها الصور المطبوعة للمحادثات بين المتهم والشاكية والمرفقة بتقرير الفحص الفنى وما ورد بها من عبارات انها تشير الى وجود حوار بين الشاكية والمستأنف على موقع الواتس اب ووجود علاقة بينهما وهى ( زمالة دراسة وعلاقة عائلية ) وانهما تبادلا الحديث بشأن علاقتهما قديما وحاليا ، ويشير سياق العبارات الى انها قد تمت برضاء الطرفين ( المستأنف والمجنى عليها ) وذلك استنادا لما جاء بحديث المجنى عليها وسوالها عن حالة المتهم وكذلك عبارة – معلش كنت بتكلم فى التليفون كان فى حاجة – وهو ماينفى عن هذه المحادثات المرسلة من المستأنف على تطبيق الواتس اب الركن المادى لجريمة تعمد المضايقة او الازعاج والتى تفترض صدور افعال منه تجاه المجنى عليها باستخدام وسيلة من وسائل الاتصال على غير ارادة الاخيرة ودون موافتها ، اإجراء حديث بين الطرفين بإرادة حرة من الشاكية فلا يتحقق به الركن المادى للجريمة المشار اليها ، ولاينال مما تقدم ما اثبته العقيد وائل الشموتى مفتش مباحث بالادارة العامة لمباحث القاهرة بمحضره المؤرخ 4-7-2020 من انه تمكن من ضبط المتهم وبمواجهته اقر له بقيامه بتهديد وابتزاز العديد من الفتيات واكراههن على ممارسة الاعمال المنافية فى حالة عدم الانصياع له وانه سوف يقوم بالتشهير بهم على مواقع التواصل الاجتماعى وذلك لكون المحكمة لا تطمئن لاقواله بتحقيقات النيابة العامة وتحرياته التى اجراها والتى توصلت الى ان المتهم تحرش جنسيا بالمجنى عليها رفضت ذلك .

لكون تلك التحريات ماهى الا رأى لمجريها يحتمل الصدق او الكذب وتلزم احد سواة ولاتكفى بمفرها لحمل الاتهامين المشار اليهما مسبقا .

اما بشأن ما جاء بتقرير ادارة البيان والتوجيه والتواصل الاجتماعى بالنيابة العامة فهو مجرد رصد وتحليل لما ينشر بمواقع التواصل الاجتماعى المتعددة وذلك لعرضها واتخاذ مايلزم قانونا بشأنها وإذ خالف الحكم المستأنف هذا النظر وقضى بإدانة المستأنف مما أسند إليه عن هذه التهمة .

على نحو ما سيرد بمنطوق هذا القضاء .
وحيث انه عن موضوع التهمة المسندة للمتهم وهى تعرضه للمجنى عليها الثانية/ ******** ، باتيان ايحاءات وتلميحات جنسية واباحية، وذلك أثناء مكالمة هاتفية بينهما اتى خلالها ايحاءات وتلميحات ذات طبيعة جنسية.

فان المحكمة لم يثبت لها على وجه الجزم واليقين ارتكاب المتهم لتلك التهمة لكون ذلك الاتهام قد جاء دون سند او دليل يصح الاستناد اليه فى توجيه ذلك الاتهام للمتهم ولم تتضمن الاوراق سوى بلاغ المجنى عليها الاخيرة المقدم للنيابة العامة المؤرخ 7-7-2020 والذى ابلغت فيه بانه فى غضون عام 2016 تعرفت على المتهم ثم حاول الاقتراب منها وملاحقتها داخل الجامعة التى يدرس بها كل منهما وكان ذلك فى غضون عام 2017 وعقب ذلك وفى عام 2018 دون فى منشور على صفحة الجامعة بالفيس بوك ان المتهم تحرش بفتاة وتم ازالة المنشور ومن حوالى عشرة ايام قبل تحرير بلاغها ارسل لها رسالة من حساب غير معروف لديها ( على تطبيق الانستجرام ) يذكرها فيه بما حدث عام 2016 ويعرضها للارهاب النفسى وتبينت بعد ذلك ان الحساب الخاص بالمتهم وعليه قامت بنشر منشورات تحذير من المتهم لكونه متحرش على وسائل التواصل الاجتماعى .

وقررت بشهادتها امام النيابة العامة بتاريخ 11-7-2020 بمضمون ما جاء ببلاغها واضافت بان وسيلة التواصل بينها وبين المتهم كانت عن طريق الواتس اب والفيس بوك والانستجرام وانها لاتتذكر عما اذا كانت دارت بينهما احاديث او ارسال صور جنسية من عدمه وان المحادثات بينها وبين المتهم بعضها حذف وبعضها ستقدمه بمعرفة وكيلها وادعت مدنيا بمبلغ 100000 جنيه على سبيل التعويض المدنى المؤقت وقدمت حافظة مستندات طويت على صور ضوئية لمحادثات بينها وبين شقيقة المتهم وكذلك صورة ضوئية من محادثة بينها وبين المتهم مترجمة للاتى

( انا جيت على المكان ده فى الساحل الشمالى وودانى 4 سنين ورا )
والمحكمة لاتطمئن لبلاغ وشهادة المجنى عليها لكونها قد جاءت مرسلة لايساندها دليل بالاوراق حيث انها لم تقدم هاتفها للفحص الفنى وكذلك لتراخيها فى الابلاغ وفقا لما تقدم. وان بلاغها جاء لاحقا لبلاغ المتهم ضدها فى المحضر رقم 50 احوال بتاريخ 1-7-2020 بالادارة العامة لتكنولجيا المعلومات بالاساءة والتشهير بسمعته . كما ان الرسالة المقدمة منها والتى نسبتها للمتهم لايستفاد منها ارتكاب المتهم للتهمة المسندة اليه بالرغم من عدم فحص المستندات المقدمة منها بمعرفة المختصين قانونا. كما ان المحكمة لا تطمئن لشهادة كلا من ******** و********.

أما بشأن ما اثبته محرر محضر ضبط المتهم بمحضره المؤرخ 4-7-2020 من اقرار المتهم تحديدا فى حق كل من المجنى عليهن المثبت اسمائهن بالمحضر الاخير . وكذلك بشأن ما اثبته الاخير بمحضر تحرياته وما شهد به بتحقيقات النيابة العامة من ان المتهم ارسل للمجنى عليها رسائل لمقابلتها لاستئناف العلاقة العاطفية بينهما عبر مواقع التواصل الاجتماعى وذلك لكون تلك التحريات لاتعدو الا ان تكون رأى لمجريها يحتمل الصدق او الكذب
ولا تلزم احد سواة ولا تكفى بمفردها لحمل الاتهام مضافا الى ذلك الى ان ماورد بالتحريات لايتحقق به الركن المادى للجريمة المسندة الى المتهم .

الامر الذى تكون معه الاوراق قد خلت من دليل يقينى معتبر يصلح لادانة المتهم بشأن تلك التهمة ولما كان الحكم المستأنف قد خالف هذا النظر الامر الذى تقضى معه المحكمة والحال كذلك بالغائه والقضاء مجددا ببراءة المتهم مما اسند اليه من اتهام عملا بنص المادة 304 / 1 من قانون الاجراءات الجنائية على نحو ماسيرد به منطوق هذا القضاء.

وحيث انه عن الاتهام المسند للمتهم وهو تعمده مضايقة المجنى عليها ******** بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات، بان اتى الافعال محل التهمة السابقة وأضاف عليها بتكرار اتصاله تليفونيا وتواصله الكترونيا مع المجنى عليها المذكورة دون رضائها ودون مقتضى .

فان المحكمة لم يتبين لها ارتكاب المتهم لتلك التهمة لكون الاوراق قد خلت مما يثبت ارتكابه عمدا اقوال او افعال لمضايقة وازعاج المجنى عليها ولما كانت المحكمة قد انتهت فى قضائها السابق لبراءة المتهم من تهمة تعرضه للمجنى عليها وللاسباب المشار اليها مسبقا.

الامر الذى تنتفى معه اركان تلك التهمة فى حقه ولما كان الحكم المستأنف قد خالف هذا النظر الامر الذى تقضى معه المحكمة والحال كذلك بإلغائه والقضاء مجددا ببراءة المتهم من تلك التهمة عملا بنص المادة 304 / 1 من قانون الاجراءات الجنائية وذلك على نحو ماسيرد بمنطوق هذا القضاء.

فلهذه الاأسباب

حكمت المحكمة / حضورياً: – بقبول الإستئناف شكلاً وفى الموضوع بإلغاء الحكم المستأنف والقضاء مجددا ببراءة المستأنف مما اسند اليه من اتهامات.

أمين السر                                                                                                                                                       رئيس المحكمة



خُلُقُ الأَنَاةِ: فَضِيلَةُ الصَّبْرِ وَحِكْمَةُ التَّأَنِّي فِي زَمَنِ العَجَلَةِ

خُلُقُ الأَنَاةِ: رِحْلَةُ العَقْلِ فِي نَيْلِ الحِكْمَةِ وَسَكِينَةِ الرُّوحِ مقدمة: حقيقة الأناة وغايتها الإنسانية    يعيش الإنسان المعاصر...