الثلاثاء، 21 أكتوبر 2025

معيار الشك في الإدانة في جرائم تقنية المعلومات: قراءة في حكم محكمة القاهرة الاقتصادية (706/2021 مستأنف)

 معيار الشك في الإدانة في جرائم تقنية المعلومات

 قراءة في حكم محكمة القاهرة الاقتصادية (706/2021 مستأنف)

    يمثل هذا الحكم الصادر عن الدائرة الأولى جنح مستأنف بالمحكمة الاقتصادية بالقاهرة بتاريخ 8 ديسمبر 2021 نموذجًا كاشفًا لموقع مبدأ الشك يُفسّر لمصلحة المتهم داخل قضايا الجرائم الإلكترونية. فرغم وجود تقارير فنية صادرة من الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات تربط الحساب المبلغ عنه بوسيلة اتصال محدّدة، انتهت المحكمة إلى تأييد الحكم الابتدائي بالبراءة لعدم بلوغ الدليل حد اليقين القضائي.

أولًا: وقائع الدعوى بإيجاز

    أُسند إلى المتهم قيامه باصطناع حساب بموقع "فيسبوك" منتحلاً صفة شركة خاصة، ونشر عبارات مسيئة أضرت بسمعة الشركة ومركزها المالي. وقدمت النيابة العامة الدعوى استنادًا إلى قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، وقانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003. غير أن محكمة أول درجة قضت بالبراءة، فطعنت النيابة بالاستئناف.

ثانيًا: الأساس القانوني الذي استندت إليه المحكمة

    أكدت المحكمة الاستئنافية على القواعد الآتية: يقين القاضي الجنائي أساس الإدانة ولا تقوم الأحكام الجنائية إلا على الجزم واليقين المستخلص من أدلة معتبرة، لا على الظن أو الاحتمال. الشك يفسر لصالح المتهم يكفي أن يتولد لدى المحكمة أدنى شك في صحة الإسناد لتقضي بالبراءة. حرية قاضي الموضوع في تكوين العقيدة المحكمة غير ملزمة بذكر كل الوقائع، وإنما فقط ما بنت عليه عقيدتها.

    مشروعية الإحالة لأسباب حكم أول درجة عند التأييد ، يجوز للمحكمة الاستئنافية تبني أسباب حكم أول درجة دون إعادة تفصيلها. وأضافت المحكمة أنها تشككت في ثبوت النسبة، وأن أوراق الدعوى خلت مما يغير هذا الاقتناع، فكان لزامًا رفض الاستئناف وتأييد البراءة.

دروس مستفادة من الحكم

    الدليل الفني ليس كافيًا بذاته للإدانة، ربط الحساب بجهاز أو خط اتصال لا يثبت بالضرورة نسبته الفعلية للمتهم من حيث الاستخدام والنية. عبء الإثبات الجنائي أعلى بكثير في قضايا التقنية، حيث تتداخل احتمالات الاستخدام، والانتحال، والوكلاء التقنيين، والمستخدمين الثانويين.

    مبدأ الشك في الجرائم الإلكترونية لا يقلّ صرامة عنه في باقي الجرائم، رغم طبيعة الجريمة الحديثة، ظل المعيار الإجرائي التقليدي هو الحاكم.

    أهمية إحكام سلاسل الأدلة الرقمية، البراءات في الجرائم الإلكترونية غالبًا بسبب الفجوة في تتبع “المستخدم الفعلي” لا “الأداة المستخدمة”.

خاتمة

    يكتسب هذا الحكم أهميته من كونه يُعيد ضبط بوصلة التعامل مع الجرائم الرقمية؛ مؤكّدًا أن التطور التقني لا يلغي أصول المحاكمة الجنائية العادلة، وأن قرينة البراءة واليقين في الإدانة لا تتنازل عنهما المحكمة حتى في قضايا الفضاء الإلكتروني. إنه حكم يرسّخ توازناً دقيقًا بين مكافحة الجريمة المعلوماتية وضمانات العدالة الجنائية.

-------------------

الدعوى رقم 706 لسنة 2021 جنح مستأنف اقتصادية القاهرة

باسم الشعب

محكمة القاهرة الاقتصادية

الدائرة الأولى جنح مستأنف

بالجلسة المنعقدة علنا بسراي المحكمة يوم الأربعاء الموافق 8/ 12/ 2021

برئاسة السيد المستشار/ أدهم فهيم يحيى فهيم رئيس المحكمة

وعضوية السيد المستشار/ وليد زكي أبو الحسن الرئيس بالمحكمة،وعضوية السيدة المستشارة/ حنان جمال دحروج الرئيس بالمحكمة،وبحضور السيد/ محمد نور الدين وكيل النيابةوبحضور السيد/ محمد علي علام أمين السر

أصدرت الحكم الآتي

– في الجنحة رقم 706 لسنة 2021 جنح مستأنف ورقم 1032 لسنة 2021 جنح اقتصادي –

الوقائع

حيث أن وقائع الدعوى سبق وأن أحاط بها الحكم المستأنف الصادر بجلسة 14/ 7/ 2021 ومن ثم تحيل إليه المحكمة في ذلك الشأن منعا للتكرار وتوجز منه بالقدر الكافي لربط السياق في أن النيابة العامة قدمت المتهم/ ………….. للمحاكمة الجنائية.لأنه في 5/ 3/ 2020 وبتاريخ سابق عليه بدائرة قسم شرطة ثاني الشيخ زايد محافظة الجيزة. – اصطنع حسابا خاصا …………….. على برنامج التواصل الاجتماعي فيس بوك ونسبه زورا إلى شركة ………… لمديرها ……………….. على النحو المبين بالأوراق. – استخدم وسائل غير مشروعة لإجراء الاتصالات بأن ارتكب الجريمة محل الاتهام الأول على النحو الثابت بالأوراق. وطلبت معاقبته بالمواد 1، 24/ 1 من القانون 175 لسنة 2018 في شأن جرائم تقنية المعلومات والمواد 1، 70، 76/ 2 من القانون 10 لسنة 2003 بشأن تنظيم الاتصالات.

    وحيث تخلص الواقعة حسبما استقر في عقيدة المحكمة واطمأن إليه وجدانها من مطالعة أوراقها وما دار بشأنها بجلسات المحاكمة فيما قرره الشاكي …………. المدير التنفيذي لشركة …………… بمحضر جمع الاستدلالات المؤرخ في 5/ 3/ 2020 والثابت به تضرره من قيام شخص مجهول بانتحال صفة الشركة الخاصة به على الحساب المسمى (……………) واستخدام عبارات تسيء للشركة ومجلس إدارتها مما ألحق بها خسائر مادية وحيث قدم صورة من سجل تجاري يحمل رقم …………. أفراد صادر لشركة ………. لصاحبها ……….. يعمل بنشاط أعمال التوصيف والتحليل والتصميم للبرمجيات منشأ بتاريخ 5/ 1/ 2015.

وبفحص الواقعة بمعرفة الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات ثبت أن الحساب المبلغ عنه صادر من جهاز مرتبط بخط التليفون الأرضي رقم …………. وأن المستخدم الفعلي له هو المدعو ………..

وبجلسة 14/ 7/ 2021 قضت محكمة أول درجة حضوريا ببراءة المتهم/ …………. – مما أسند إليه من اتهام.

وحيث لم ترتض النيابة العامة ذلك القضاء فطعنت عليه بالاستئناف الماثل بموجب تقرير استئناف مؤرخ 25/ 7/ 2021 للثبوت.

    وبالجلسة المحددة لنظر الاستئناف حضر المستأنف ضده بشخصه ومعه محام ودفع بانتفاء أركان الجريمة وقدم خمس حوافظ مستندات طويت علي صورة ضوئيه من صحيفة الاستثمار الخاصة بشركه ………….. ومن السجل التجاري للشركة وصورة من شاشة فيس بوك تبين تاريخ إنشاء الصفحة في شهر ديسمبر 2013 طالعتها المحكمة وألمت بها ومذكرة بدفاعه وطلب تأييد الحكم المستأنف فقررت المحكمة حجز الاستئناف للحكم بجلسة اليوم.

حيثيات الحكم

    بعد تلاوة تقرير التلخيص وسماع طلبات النيابة العامة والمرافعة الشفوية ومطالعة الأوراق والمداولة قانونا:-وحيث أنه عن شكل الاستئناف ولما كان قد أقيم مستوفيا أوضاعه وشرائطه الشكلية المقررة قانونا ومن ثم فهو مقبول شكلا.

    وحيث أنه عن الموضوع وكان من المقرر أن القاضي الجنائي يحكم في الدعوى حسب العقيدة التي تكونت لديه بكامل حريته وأنه يكفي أن يتشكك القاضي في صحة إسناد التهمة كي يقضي له بالبراءة إذ المرجح في ذلك إلى ما يطمئن إليه في تقدير الدليل مادام الظاهر من الحكم أنه أحاط بالدعوى عن بصر وبصيرة وأقام قضاءه على أسباب تحمله.

    كما أنه من المقرر قانونا أن الأحكام الجنائية يجب أن تبنى على الجزم واليقين من الوقائع الذي يثبته الدليل المعتبر ولا تؤسس على الظن والاحتمال من الفروض والاعتبارات المجردة. كما أن المحكمة غير ملزمة بالتحدث في حكمها إلا عن الأدلة ذات الأثر في تكوين عقيدتها وأن إغفال بعض الوقائع يفيد ضمنا إطراحها لها اطمئنانا إلى ما أثبته من الوقائع والأدلة التي اعتمدت عليها في حكمها.

    وكان من المقرر قضاء أن المحكمة الاستئنافية إذا ما رأت تأييد الحكم المستأنف للأسباب التي بني عليها فليس في القانون ما يلزمها أن تذكر تلك الأسباب في حكمها بل يكفي أن تحيل عليها إذ الإحالة على الأسباب تقوم مقام إيرادها وتدل على أن المحكمة اعتبرتها صادرة منها.

    ولما كانت المحكمة تتشكك في ثبوت الاتهام قبل المستأنف ضده، وكانت محكمة أول درجة قد قضت ببراءة المستأنف ضده وساقت للتدليل على التشكيك في ثبوت التهمة في حقه أسبابا سائغة لها أصلها بالأوراق تكفي لحمل قضائها ومن ثم فإن هذه المحكمة تعتنق أسباب ذلك الحكم وتأخذ بهما مكملة لأسباب حكمها، وكانت الأوراق جاءت خلوا مما يمكن أن يغير من اقتناع المحكمة الأمر الذي يتعين معه رفض الاستئناف موضوعا وتأييد الحكم المستأنف.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة/ حضوريا:- بقبول الاستئناف شكلا وفي الموضوع برفضه وتأييد الحكم المستأنف

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

خُلُقُ الأَنَاةِ: فَضِيلَةُ الصَّبْرِ وَحِكْمَةُ التَّأَنِّي فِي زَمَنِ العَجَلَةِ

خُلُقُ الأَنَاةِ: رِحْلَةُ العَقْلِ فِي نَيْلِ الحِكْمَةِ وَسَكِينَةِ الرُّوحِ مقدمة: حقيقة الأناة وغايتها الإنسانية    يعيش الإنسان المعاصر...