مفتاح البَذّل و دوره في منع أنتشار الجريمة
من سلسلة مفاتيح منع انتشار الجريمة مفتاح الَبذّل، من أسماء الله الحسنى التي تتصل أتصالًا مباشرًا بهذا المفتاح، أسم الله (الرحمن)و يدل معناه على رحمة الله الواسعة وعطائه الذي يشمل جميع خلقه. أسم الله (الرحيم) و دلالته هي رحمة الله الخاصة بالمؤمنين وعطائه لهم في الدنيا والآخرة، و يدل أسمه سبحانه و تعالى (الودود)المحب و يعكس عطاء الله وحبه لعباده، و كذلك أسمائه (الكريم) و (المعطى)و (الغنى) و(البر) و (الجواد)، كلها يجمعها الَبذّل الذي يعكس صفات الكرم والعطاء والرحمة، مما يشجع المؤمنين على الاقتداء بهذه الصفات في حياتهم اليومية من خلال البذل والعطاء للآخرين، لم تذكر هذه الأسماء في القران الحكيم هباءً وا نما ذكرت لنقتبس من نورها و نجريه في حياتنا اليومية.
ما مفهوم البَذّل؟ هو العطاء أو التقديم بسخاء، و للعطاء أو الَبذّل صور كثيرة منها، البذل المالي بتقديم المال لمساعدة الآخرين، مثل التبرعات للفقراء والمحتاجين، أو دعم المشاريع الخيرية. و منها البذل في الوقت والجهد بتقديم الوقت والجهد لخدمة الآخرين أو للمشاركة في الأنشطة الاجتماعية أو التطوعية و يمكن أن يتضمن ذلك العمل في الجمعيات الخيرية أو مساعدة الأصدقاء والعائلة. و منها البذل في المعرفة بمشاركة المعرفة والخبرة مع الآخرين، مثل التعليم أو الإرشاد، مما يساعد في تطوير المجتمع. و منها البذل في العلاقات بتقديم الدعم العاطفي أو النفسي للأصدقاء والعائلة، مما يعزز الروابط الاجتماعية. لان البذل أهميته عظيمة حيث يعمل على تعزيز القيم الإنسانية لما يعكسه من قيم الكرم والعطاء، ويعزز من الروابط الاجتماعية. و لما يحققه من السعادة فالعطاء يمكن أن يؤدي إلى شعور بالرضا والسعادة، حيث يشعر الفرد بأنه يساهم في تحسين حياة الآخرين. مما يؤدى الى بناء مجتمع متماسك فمن خلاله يتم تعزيز التعاون والتضامن بين الأفراد، مما يسهم في بناء مجتمع قوي ومتماسك.
و لقد ورد في القران الحكيم، آيات كثيرة في البذل و الحث عليه إما صراحة و إما أشارة، قال تعالى (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة، والله يضاعف لمن يشاء، والله واسع عليم)سورة البقرة (آية 261) و جاءت هذه الآية في التعبير عن البذل المادي، و قال تعالى (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون، وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم)سورة آل عمران (آية 92)، و هنا مقام التوجيه الإلهي لنوعية المال الذي يبذل أن يكون مما نحبه لأنفسنا لا البخس من المال .
و في مقام بذل القوة و السلطة ضرب الله مثلاً بذي القرنين حين قال سبحانه و تعالى في كتابه الحكيم (وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَن ذِي ٱلۡقَرۡنَيۡنِۖ قُلۡ سَأَتۡلُواْ عَلَيۡكُم مِّنۡهُ ذِكۡرًا (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَءَاتَيۡنَٰهُ مِن كُلِّ شَيۡءٖ سَبَبٗا (84) فَأَتۡبَعَ سَبَبًا (85)) سورة الكهف ، ثم قال سبحانه و تعالى (حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ بَيۡنَ ٱلسَّدَّيۡنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوۡمٗا لَّا يَكَادُونَ يَفۡقَهُونَ قَوۡلٗا (93) قَالُواْ يَٰذَا ٱلۡقَرۡنَيۡنِ إِنَّ يَأۡجُوجَ وَمَأۡجُوجَ مُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَهَلۡ نَجۡعَلُ لَكَ خَرۡجًا عَلَىٰٓ أَن تَجۡعَلَ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَهُمۡ سَدّٗا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيۡرٞ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجۡعَلۡ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُمۡ رَدۡمًا (95) ءَاتُونِي زُبَرَ ٱلۡحَدِيدِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا سَاوَىٰ بَيۡنَ ٱلصَّدَفَيۡنِ قَالَ ٱنفُخُواْۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَعَلَهُۥ نَارٗا قَالَ ءَاتُونِيٓ أُفۡرِغۡ عَلَيۡهِ قِطۡرٗا (96) فَمَا ٱسۡطَٰعُوٓاْ أَن يَظۡهَرُوهُ وَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ لَهُۥ نَقۡبٗا (97)) سورة الكهف.
و في مقام بذل العلم قصة الخضر عليه السلام مع سيدنا موسى علية الصلاة و السلام و ذلك حين قال سبحانه و تعالى في سورة الكهف (فَوَجَدَا عَبۡدٗا مِّنۡ عِبَادِنَآ ءَاتَيۡنَٰهُ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَعَلَّمۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلۡمٗا (65) قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰ هَلۡ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمۡتَ رُشۡدٗا (66) ).
كل هذه الآيات تنم عن حقيقة واحدة أن البذل بصوره هام للمجتمعات و الأفراد على السواء و من شأنه خلق مجتمع سليم و قِوَى، كنت أتمنى التوسع في التفصيل و لكن يحدني مقام المقال .
أتينا هنا إلى المحطة الأخيرة في هذا المقال و هي أثر مفتاح البذل على منع أنتشار الجريمة،إن مفتاح البذل والعطاء له تأثيرات إيجابية متعددة على منع انتشار الجريمة. من خلال تقليل الفقر، وتعزيز الروابط الاجتماعية، وتوفير الفرص، وتعليم القيم الأخلاقية، وتقديم الدعم النفسي، يمكن للبذل أن يسهم في بناء مجتمع أكثر أمانًا واستقرارًا.
و تفصيل ذلك ، أن لكل مقدمات نتيجة معينة ، و لما كانت مقدمات البذل تتمثل في بذل المال والموارد لمساعدة الفقراء والمحتاجين، يتم تقليل الفجوة الاقتصادية، مما يقلل من الدوافع التي قد تدفع الأفراد إلى ارتكاب الجرائم مثل السرقة أو الاحتيال و جرائم البغاء و ممارسة الدعارة . و ذلك من خلال تحقق أمرين هما تقليل الفقر والحرمان عن طريق البذل في توفير الاحتياجات الأساسية، و تحسين مستوى المعيشة و علاقاتهما العكسية مع نسبة انتشار الجريمة.
كما انه يؤدى الى تعزيز القيم الاخلاقية من خلال دعامتين هما تعليم قيم العطاء و القدوة الحسنة، قال تعالى في محكم أياته (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا)سورة الأحزاب (الآية 21).
كما أن بذل الدعم النفسي و العاطفي يؤدي إلى تنفيس الضغوطات النفسية و الاجتماعية مما ينعكس بأثره على المشاعر السلبية و إحباطات التي تؤدى إلى الانخراط في سلوكيات اجرامية.
أهيب بكل من أتاه الله فضلا من عنده، أن يعود به على الدائرة الأولى لعلاقته من الأسرة الصغيرة ثم العائلة ثم الجيران و هكذا و أن يبذل قصارى جهده في أي صورة من صور البذل المتقدم ذكرها ، و أن يكون راعيه في ذلك قول الله سبحانه و تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى ..) سورة البقرة الآية (264).
و الله الموفق
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق