الأربعاء، 4 ديسمبر 2024

مفتاح العفة و دوره في منع انتشار الجرائم

 مفتاح العِفة و دوره في منع انتشار  الجرائم

  منابع الفتن في الحياة كثيرة، و متعددة الصور، فهناك فتنة الدين و فتنة السلطة و فتنة المال و فتنة الأولاد و فتنة القوة و فتنة الجمال و غيرها من الكثير من منابعها، و قد عظم الله سبحانه و تعالى من أثر الفتن حين قال (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ)سورة البقرة (الآية 191)، و قال تعالى (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ)سورة البقرة (الآية 217).

   ماذا يقصد بلفظة الفتنة، يقصد بالفتنة في اللغة العربية تعني الاختبار أو الامتحان، وتستخدم للإشارة إلى ما يثير الفوضى والنزاع بين الناس، و قد حذر الله سبحانه و تعالى من الفتنة في أكثر من آية من أيات القران الكريم، نذكر بعض من هذه الآيات، قال تعالى - محذرًا من فتنة المال و الأبناء - حين قال (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)﴿٢٨ الأنفال﴾، و قال تعالى (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ۚ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)﴿١٥ التغابن﴾، و في فتنة السلطة - قصة إرسال طالوت ملك لبنى إسرائيل - قال تعالى (...إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ ...)سورة البقرة (الآية 247) ، و في فتنة الجمال قال تعالى في سورة يوسف الآية (31) (...فَلَمَّا رَأَيۡنَهُۥٓ أَكۡبَرۡنَهُۥ وَقَطَّعۡنَ أَيۡدِيَهُنَّ وَقُلۡنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا مَلَكٞ كَرِيمٞ)، هذا فيض من غيض عن منابع الجريمة و هى الفتنة.

  يأتى المقام هنا لمفتاح من مفاتيح منع أنتشار الجريمة ، أنه مفتاح العِفة ، ما المقصود و المفهوم من العفِة ، يعنى مفهوم يرتبط بالتحكم في الرغبات والشهوات، ويعكس الالتزام بالقيم الأخلاقية والدينية التي تدعو إلى السلوك الحسن والامتناع عن الأفعال الضارة. هذا المفتاح له دور عظيم فمن يعف عن الشيْ يزهد فيه و لا يعيره  ادنى أهتمام ، و هذا المفتاح مركب من سبيكة قوامها ،القيم الأخلاقية تعزز من السلوكيات الإيجابية وتقلل من الانحرافات من خلال التربية في الصغر ،لان التعليم في الصغر كما قيل كالنقش على الحجر،زرع القدرة على التحكم في الشهوات و الرغبات،زرع القدرة على أقامت علاقات أجتماعية قوامها الاحترام المتبادل و الثقة ، تقوية العلاقة بين الفرد و خالقه ، لآن الحال هو وجود علاقة عكسية بين العفة و الجريمة فكلما أنتشرت العفة في النفوس البشرية كلما قل انتشار الجريمة ، فالجريمة و العفة لا يجتمعان ، لانهما بمثابة العلاقة بين الداء و الدواء . 

  ماذا قال الله تعالى في كتابه العزيز عن العفة ، أنه سبحانه و تعالى قال (وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ..." سورة النور (الآية 30)، و قال تعالى (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ...)سورة النور (الآية 33)، و من مقامات العفة في سورة النور قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ)(الاية 58) ، و قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه و سلم (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ )سورة طه(131)، و قال في مقام العفة - في دخول البيوت - ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ)سورة النور(الأيات 27،28، 29)

  الدور الايجابي الذي تلعبه العِفة في منع أنتشار الجريمة هو التحكم في الشهوات و ضبط النفس و البعد على المحرمات 

و ذلك من خلال ،تعزيز القيم الأخلاقية، فالعفة تعزز من القيم الأخلاقية مثل الاحترام والكرامة، مما يساهم في بناء مجتمع قائم على المبادئ السليمة. عندما يلتزم الأفراد بالعفة، فإنهم يساهمون في خلق بيئة اجتماعية إيجابية.

تقليل الجرائم الجنسية،فالعفة تساهم في تقليل الجرائم الجنسية مثل الزنا والاغتصاب، حيث أن الالتزام بالعفة يعني الابتعاد عن العلاقات غير المشروعة، مما يقلل من فرص حدوث هذه الجرائم.

تعزيز العلاقات الأسرية، فالعفة تعزز من استقرار العلاقات الأسرية، حيث أن الالتزام بالعفة يساهم في بناء الثقة والاحترام بين الزوجين، مما يقلل من حالات الخيانة الزوجية والنزاعات الأسرية.

الحد من الانحرافات السلوكية، الأفراد الذين يتمتعون بالعفة يكونون أقل عرضة للانحرافات السلوكية مثل تعاطي المخدرات أو الانخراط في أنشطة إجرامية، حيث إن العفة تعزز من الوعي الذاتي والقدرة على التحكم في الشهوات.

تعزيز الأمن الاجتماعي ، عندما يلتزم الأفراد بالعفة، فإن ذلك يساهم في تعزيز الأمن الاجتماعي، حيث يقلل من حالات العنف والجرائم التي قد تنشأ نتيجة للشهوات غير المنضبطة.

تربية الأجيال القادمة، فالعفة تلعب دورًا في تربية الأجيال القادمة على القيم الأخلاقية والسلوكيات السليمة، مما يساهم في بناء مجتمع أكثر استقرارًا وأمانًا.

 و الله الموفق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

خُلُقُ الأَنَاةِ: فَضِيلَةُ الصَّبْرِ وَحِكْمَةُ التَّأَنِّي فِي زَمَنِ العَجَلَةِ

خُلُقُ الأَنَاةِ: رِحْلَةُ العَقْلِ فِي نَيْلِ الحِكْمَةِ وَسَكِينَةِ الرُّوحِ مقدمة: حقيقة الأناة وغايتها الإنسانية    يعيش الإنسان المعاصر...