إزالة اللبس بين الدلائل والأدلة في القانون الجنائي
مقدمة
قيل أن الحكم على الشيء فرع من تصوره، و هي قاعدة عقلية و منطقية، تعنى أن الأحكام و القرارات التي تصدر من الإنسان في المسائل التي تعرض له في الحياة يتعين أن تبنى على فهم دقيق و كامل لتلك المسألة، فإذا كان هذا الفهم غير دقيق أو غير كامل، جاء الحكم أو القرار مَعِيب و ناقص، هذه القاعدة تشمل كافة مناحي الحياة، و كثيرا ما نستعملها كرجال قانون في مجال نقض الأحكام أمام محكمة النقض المصرية، تحت مسمى أسباب الفساد في الاستدلال، أي إن المقدمات لا تؤدي إلى النتيجة التي خلص إليها الحكم القضائي. و لذلك من الهام جدً سرد وقائع الدعوى أمام القضاء سردا دقيقاً و كاملاً مع أدلة الإثبات عليها و كذلك سرد لملابسات تلك الوقائع لأنه بناء عليها نعرف مآل الحكم الصادر في الدعوى بنسبة كبيرة.
من هنا نبدأ الحديث إلى بيان تصور لمصطلحيين قانونيين يخلط بينهما مع وجود بون شاسع بينهما، و يختلف النظام القانوني و الأثر المترتب عليهما في مجال الإثبات الجنائي، هذين المصطلحين هما الدلائل و الأدلة في القانون الجنائي
سوف نستعرض كلاهما من حيث المعنى اللغوي ثم نتبع معناهما الاصطلاحي أذا ما أختلف بين المعنى اللغوي عن المعنى الاصطلاحي، و نتبع ذلك النظام القانوني و اثرهما في مجال الإثبات الجنائي.
الدلائل لغويًا: تشير إلى العلامات والإشارات و الإمارات التي تساعد في فهم أو إثبات أمر معين، لكنها قد لا تكون قاطعة، و تحتمل أكثر من تفسير، آي أنها علامات غير مباشرة على أثبات أمر ما. بمعنى أخر فهي الإشارات أو العلامات التي يُستدل بها على شيء ما، لكنها غالبًا غير قاطعة وتحتاج إلى تفسير أو تعزيز بأدلة أقوى. مثالها وجود شخص قريب من مسرح الجريمة دلالة على احتمال ضلوعه في الجريمة و لكن ليس قاطع في أمر ارتكابه للجريمة.
الأدلة لغويًا : تشير إلى البراهين الواضحة أو القاطعة التي تثبت صحة أمر بشكل واضح و بصفة مباشرة. فالأدلة هي وسائل إثبات قاطعة، تُستخدم لإثبات أو نفي أمر ما بشكل رسمي أو جازم. مثالها الواضح بصمة إصبع على أداة الجريمة دليل مباشر على وجود المتهم في مسرح الجريمة، و كذلك تصوير كاميرا لجريمة ارتكبت فهذه أدلة و ليس دلائل. الفارق بينهما أتصالها بأثبات الجريمة بصفة مباشرة وواضحة أم لا ، فأن كانت الأولي غير مباشرة و احتمالية فالثانية مباشرة و قطعية.
الدلائل أصطلاحًا :تُشير إلى القرائن أو الإشارات التي تستنتج منها الجهات القضائية أو التحقيقية وقوع جريمة أو نسبة الجريمة إلى شخص معين.تتميز بأنها ليست قاطعة بذاتها، بل تُعد مؤشرًا أو دليلًا غير مباشر يتطلب دعمه بأدلة أخرى.تستخدم غالبًا في المراحل الأولية من التحقيق لتوجيه مسار التحقيق. كالعثور على أداة جريمة قرب منزل المتهم.
الأدلة أصطلاحًا:تُعرف بأنها الوسائل القانونية المعتمدة التي تُستخدم لإثبات ارتكاب الجريمة أو نفيها أمام القضاء و جهات التحقيق، تكون قاطعة ومباشرة، وتُستخدم لإثبات الوقائع في إطار القوانين الجنائية.
أذن فالمعنى اللغوي يكاد لا يختلف كثيرًا عن المعنى الاصطلاحي لتلك اللفظتين، و جديرًا بالذكر أن القران الكريم قد وردت فيه الدلائل وردت فيه الأدلة، أما عن الدلائل فقد وردت في قصة نبي الله يُوسُف عليه السلام في واقعة أتهامه بالاغتصاب لامرأة العزيز قال نعالى (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ ۚ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (25) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ۚ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأَىٰ قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28))سورة يُوسُف.
فهنا في هذا المقام أستدل في الفصل في ترجيح كلام امرأة العزيز أو ترجيح كلام نبي الله يُوسُف بأمارة غير مباشرة و بِنَى الحكم عليه و هي أمارة هل القميص قطع من الأمام أم من الخلف .
أما عن الأدلة فقد اعترفت امرأة العزيز بفعلتها في قوله تعالي عندما سأل الملك عن واقعة قطع النسوة لا يديهن قال تعالى (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ ۚ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ ۚ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51))سورة يوسف، هنا في هذا المقام دليلين شهادة الشهود و شهادة امرأة العزيز على نفسها و وهو ما يعرف في فقه القانون الجنائي بالاعتراف و هو كما قيل سيد الأدلة.
نخلص من ذلك بيان الفارق بين الدلائل و الأدلة، الدلائل هي قرائن ظرفية تُوجه التحقيقات لكنها ليست كافية للإدانة.الأدلة هي وسائل إثبات قانونية يُعتمد عليها بشكل قاطع أمام القضاء لإثبات التهمة أو نفيها.
و الله ولى التوفيق
________________________________
(1)- القران الكريم.
(2) - الأثبات في المواد الجنائية محاولة فقهية و عملية لإرساء نظرية عامة - أستاذنا الدكتور محمد زكي أبو عامر (عليه رحمة الله)- الفنية للطباعة و النشر - الإسكندرية - دون تاريخ نشر.
(2)-
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق