الوسطية في الإسلام و دورها في القضاء على الملل و السآمة لخلق توازن في النفس البشرية
مقدمة
الوسطية و الاعتدال في كل مناحي الحياة منهج رباني شامل و جوهر الإسلام، وقد وردت في القرآن والسنة كمبدأ أساسي يُوجّه المسلم ليكون متوازنًا في دينه ودنياه، في عبادته وعلاقاته، وفي سلوكه وتعامله مع الآخرين، و الابتعاد عن الغلو أو التفريط هو السبيل للحياة الكريمة وتحقيق رضا الله عز وجل. قال تعالى (وكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) سورة البقرة آية(143)، قال تعالى في كتابه الحكيم (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى)سورة طه آية (2)، و قال تعالى (مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ۚ...)سورة النساء آية (147)، و قال تعالى (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ...)سورة البقرة آية(286). هذا المبدأ يشع على الحياة بقواعد متفرعة عنه نذكر منها طلب الوسطية و الاعتدال في إنفاق المال قال تعالى (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا)سورة الفرقان آية(67)،و قال تعالى (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا)سورة القصص آلاية (77) و هنا في هذه الآية يضع قاعدة متفرعة عن مبدأ الاعتدال و الوسطية و هو التوازن في العبادة والعمل ، و غيرها أمثلة كثيرة.
و جاء في هدي سيد المرسلين محمد صلى الله عليه و سلم، قال النبي ﷺ:"إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين" (رواه النسائي وابن ماجة)، و قال أيضا "يا عبد الله، ألم أُخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟" قلت: بلى يا رسول الله. قال: "فلا تفعل، صُم وأفطِر، وقُم ونَمْ، فإن لجسدك عليك حقًّا، وإن لعينك عليك حقًّا، وإن لزوجك عليك حقًّا" (صحيح البخاري).هذا هو النهج الإسلامي يقيم توازن و أعتدال بين أحتياجات النفس و الجسد فلا يذهب إلى أقصى اليمن ولا إلى أقصى الشمال، فلا إفراط و لا تفريط.
و على هدى ما تقدم، و بالبحث في العِلاقة بين الوسطية و آفة الملل و السآمة التي تدفع النفس البشرية إلى فقد توازنها، كان من المتعين علينا تعريف آفة الملل أو السآمة في اللغة العربية من خلال قواميسها الكثيرة المتوافرة، خلاصة القول في الملل و السآمة هما صنوان لشئ واحد و لكن السآمة أعلى درجات الملل ،فأما الملل هو الشعور بالضيق أو النفور من شيء بسبب استمراره لفترة طويلة أو تكراره، و أما السآمة هي حالة نفسية أعمق من الملل تُعبّر عن الضجر الشديد أو الكره المفرط، هنا نجد خالق الكون قد نوع لنا فيما نأكله و نشربه في الألوان و الطعم و الشكل من الفاكهة و الخضار و فيما نشربه من ماء و لبن و عسل ، و نوع لنا في أحجام الجبال و ألوانها و أشكالها و الأرض من أودية و هضاب و رمال، أدعى أن هذا التنوع للقضاء على الملل أو السآمة التي تؤثر بالسلب على النفس البشرية - تبارك الله أحسن الخالقين - و جعل الاعتدال و الوسطية منهجًا في أمور الدنيا و الدين قضاءًا على ضيق النفس البشرية لخلق حالة من التوازن لها ، و هنا حقيقاً علينا أن نقول الحمد لله من صميم قلوبنا و بكل جارحة من جوارحنا .
ثمرة الوسطية في بناء شخصية الإنسان والمجتمع
الوسطية ليست مبدأً نظريًا يُطرح في المجالس، بل هي أسلوب حياة شامل ينعكس على شخصية المسلم ويُثمر توازنًا في فكره ومشاعره وأعماله. فحين يتربى الإنسان على الاعتدال، يكون:أكثر استقرارًا نفسيًا لأنه لا يحمل نفسه فوق طاقتها.أكثر نضجًا فكريًا لأنه يزن الأمور بميزان العدل لا بميزان الهوى.أكثر نجاحًا اجتماعيًا لأنه لا يفرط في علاقاته ولا يُفرّط في حقوقه.وإذا انتقلت هذه القيمة من الفرد إلى المجتمع، وجدنا أمة متماسكة، متراحمة، تنبذ الغلو والتطرف، وتحتضن المختلف، وتعرف كيف تسير بأمان في دروب الحياة.
نماذج معاصرة لحصاد الغلو والتفريط
في المقابل، حين تغيب الوسطية، فإن الغلو في الدين يؤدي إلى التشدد والتكفير، والغلو في الدنيا يؤدي إلى اللهث خلف الشهوات والانتحار الروحي.وحين يُفرّط الناس في القيم، تظهر اللامبالاة، والأنانية، والانفلات الأخلاقي. وحين يُفرِطون في التزمت، تظهر القسوة، والانغلاق، وانعدام الرحمة.إن التوازن لا يعني ضعفًا، بل يعني قوة منضبطة بالحكمة، لأن "من زاد عن الحد انقلب إلى الضد".
وسطية الإسلام في مواجهة أزمات العصر
في زمن الماديات الطاغية، والانشغال المُفرط، والتقلبات النفسية المتسارعة، يظهر منهج الإسلام الوسطي كحل رباني لكل تلك الأزمات:فهو يربط القلب بالله دون عزلة عن الحياة.ويحضّ على طلب الرزق دون عبودية للدنيا.ويأمر بالعفاف دون قمع للفطرة.ويحث على العلم دون غرور.ويحث على الإنفاق دون تبذير.إنه دين الوسط، ودين الحياة، ودين القلب والعقل معًا.
توازن يضيء الدرب، الاعتدال ليس ضعفًا، بل هو قوة العاقل حين يملك نفسه عند الغضب، وعند الرغبة، وعند الحكم. والوسطية ليست ميوعة في المواقف، بل هي صلابة متزنة تعرف متى تعفو، ومتى تقسو، ومتى تصمت، ومتى تنطق.في ظل هذا المنهج الرباني، تصبح الحياة أكثر اتساقًا مع فطرة الإنسان، وأقرب إلى رضا الرحمن. وفي زمنٍ تتأرجح فيه القلوب بين الإفراط والتفريط، فلنرفع شعار: "ربنا اجعلنا أمةً وسطًا.. في الفكر، والخلق، والعمل، والقول، والنية، والسلوك."
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق