آفة الكذب من آفات النفس البشرية و الجرائم الناجمة عنها
مقدمة :
آفات النفس البشرية كنقاط ضعف، تعبر عن خلال كمي أو كيفي في ميزان النفس السوية، نتناول كل يوم معالجة العِلاقة بين كل آفة من هذه الآفات و بين صور الجريمة التي تنشأ عنها، و هدفنا من ذلك وقوف كل إنسان على معرفة العرض حتى يعرف المرض و يشخصه ثم يتبع ذلك بجهاد معالجة نفسه مما تتوفر عليه نفسه من آفة أو أكثر من هذه الآفات، سبق أن عرفنا المقصود بآفات النفس البشرية، و قلنا أنها تعني - بمعنى عام - الصفات السلبية التي تُضعف شخصية الإنسان وتُفسد أخلاقه وسلوكه.
و قد أشار الله سبحانه و تعالى إلى النفس البشرية - تصريًحا أو تلميحًا - و نذكر هنا قوله عز و جل في كتابه الحكيم القران الكريم (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)(1)، و قال تعالى (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ)(2)،و قال تعالى (وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ )(3)، و قال تعالى (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ)(4)، و قال تعالى في مقام تغير الحال بتغير النفس قوله تعالي (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ)(5)،و هنا لنا وقفة عند هذه الآية الأخيرة ،إن ملاك الأمر لتغير حاله بتغير نفسه بيده لا بيدى عمرو. كثرة ذكر النفس أو الأنفس في القران الكريم يدل على الأهمية الشديدة للنفس البشرية و تقويمها. من هنا نبدأ باستعراض آفة الكذب و يا لها من آفة .
الكذب مفسدة النفس البشرية ، هو التحدث أو التصرف بما يخالف الحقيقة عن عمد، بهدف تضليل الآخرين، تحقيقاً لمصلحة شخصية، أو تجنبَا للمسؤولية. قال تعالى في كتابه الحكيم (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ)(6)، و قال تعالى (وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ)(7)، و هديًا بحديث النبي ﷺ (إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا)(رواه البخاري ومسلم).
الكذب و أن تنوعت صوره إلا أن جوهره تغير الحقيقة عن عمد، و من صوره، الكذب الصريح وهو قول شيء مخالف للحقيقة تمامًا، كإنكار حادثة وقعت أو اختلاق واقعة لم تحدث، و من صوره أيضًا الكذب بالإخفاء وهو عدم الإفصاح عن الحقيقة كاملةً، مما يؤدي إلى تضليل الآخرين، ككتمان معلومة تؤثر على قرار شخص آخر، كما له صور أخري ليس المقام هنا لسردها.
يمكننا القول في الحديث عن آفة الكذب، أن الكذب يضم بين زراعيه كافة أنواع الجرائم، و لكن هناك جرائم تظهر فيها آفة الكذب فجة و هي جرائم البلاغ الكاذب و جرائم التزوير في المحررات بكافة أشكالها و أنواعها، و جرائم تقليد و تزييف العملة، و جرائم الغش و التدليس، و جرائم السب و القذف، و جريمة شهادة الزور، يجمع بين هذه الجرائم آفة الكذب.
هل هناك كذب محمود و كذب خبيث، نعم بناءً على دوافعه وآثاره الكذب المحمود والكذب الخبيث. هذا التصنيف يعكس اختلاف النية والأثر المترتب على الكذب. الكذب المحمود كالإصلاح بين الناس، الكذب في الحروب ، الكذب لعدم فساد العلاقة الزوجية ، أما ما عدا ذلك فهو كذب خبيث أقوى من مرض السرطان ،
و أقوى تأثيراً و أثراً من الأمراض العضوية .
زبدة القول أن آفة الكذب كآفة من آفات النفس البشرية ، آفة مدمرة للخلية الأولي للمجتمع و هى الآسرة و من بعدها العائلة ، و للمجتمع بآسره .
و الله الموفق
__________________
(1) - القران الكريم - سورة الشمس - الآيات (7-10).
(2) - القران الكريم - سورة يوسف - الآية (53).
(3) - القران الكريم - سورة القيامة - الآية (2).
(4) - القران الكريم - سورة الفجر - الآية (27).
(5) - القران الكريم - سورة الرعد - الآية (5).
(6) - القران الكريم - سورة غافر - الآية (28).
(7)- القران الكريم - سورة الحج - الآية (30).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق