آفة الغِلّ و الجرائم الناجمة عنها
مقدمة :-
سطرت في منشور سابق في هذه المدونة القانونية الحديث عن آفة الحسد و الجرائم الناجمة عنها و استكمالًا للحديث عن آفات النفس البشرية و الجرائم التي تقف ورائها كل آفة من هذه الآفات كلًا على حدة، و أعترف أني وجدت تداخل بين العديد من تلك الآفات و تلك الجرائم و لكن تعاملت مع الموضوع من خلال منظور الصبغة الغالبة لتلك الآفة و أرتباطها بنوعية معينة من تلك الجرائم مع الإشارة و التنوية إلى الآفة المتداخل معها و تلعب دور نسبي في ارتكاب تلك الجرائم.
و عاهدت نفسي أن أبدء حديثي من خلال عرض الموضوع على كتاب الله عز وجل لاستظهر هل ورد ذكر لهذه الآفة في القران الحكيم، فهداني الله سبحانه إلى آفة الغِلّ، فوجدت من خلال بحثي أن آفة الغِلّ ذكرت كثيرًا و أرتبط معها ذكر رابطة الأخوة في سياق الحديث عنها، فهديتُ إلى أن رابطة الأخوة تتنافى مع هذه آفة، واليكم أستعرض بعض آيات القران الكريم، قال الله تعالى في محكم آياته(وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ)(1)، وقال تعالى (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ)(2)، و هذه الآيات تدعو إلى التآخي و التسامح و تتحدث عن آفة عظيمة الجلل من آفات النفس البشرية ،و هنا نبدأ الكلام عن هذه الآفة من خلال تعريفها لغويًا، ثم معرفة الجرائم المرتبطة بها ، لأنه عند معرفة السبب يبطل العجب. و كعهدنا فيما سبق نبدأ بالتعريف لان الحكم على الشئ فرع من تصوره
تعريف آفة الغِلّ لغويًا :الغلّ في اللغة العربية يعني الحقد الشديد، ويُستخدم لوصف المشاعر السلبية الكامنة في النفس تجاه الآخرين، مثل الكراهية والحسد والرغبة في الانتقام. تُشير كلمة "الغلّ" إلى تكتل هذه المشاعر في القلب، وتدل على عدم الرغبة في الصفح أو التسامح مع من يحمل تجاههم هذا الحقد.
أصل الكلمة: تأتي كلمة "الغلّ" من الفعل "غَلَّ"، الذي يعني في بعض استعمالاته "قَيَّدَ" أو "كَبَّلَ". لذا، يمكن أن يُفهم الغلّ على أنه شعور يقيد صاحبه ويكبله بمشاعر الحقد والكراهية، ويمنعه من التصرف بإيجابية تجاه من يحمل تجاههم الغلّ. هذا ملخص لما توصلت إليه من تعريف للغِلّ و مفهوم هذا التعريف .(3)
آفة الغِلّ و الجرائم الناجمة عنها :
البلاغات الكاذبة: قد يستخدم الشخص الغلّ كدافع للإبلاغ عن شكاوى كيدية أو تقديم بلاغات كاذبة ضد شخص آخر بهدف إلحاق الضرر به. يُعتبر تقديم بلاغ كاذب جريمة يعاقب عليها القانون، وتختلف العقوبة حسب الضرر الناتج عن البلاغ الكاذب.
التحريض للآخرين على الأذى: قد يلجأ الشخص المملوء بالغلّ إلى تحريض الآخرين على إلحاق الأذى بشخص ما، سواء كان ذلك بالإيذاء الجسدي أو التخريب. والتحريض على الجرائم يعد في حد ذاته جريمة قانونية يعاقب عليها القانون، خاصة إذا أدى التحريض إلى جريمة فعلية.
جرائم الإنترنت أو الجرائم الإلكترونية:التنمر الإلكتروني قد يستخدم الشخص المملوء بالغلّ منصات التواصل الاجتماعي للإساءة إلى شخص آخر من خلال التنمر أو التحرش الإلكتروني، وهذه أفعال تُعدّ جرائم قانونية ،اختراق الحسابات في بعض الحالات، قد يلجأ الشخص بدافع الغلّ إلى اختراق حسابات إلكترونية تابعة لأشخاص يرغب في الانتقام منهم، ويُعاقب القانون على ذلك بالحبس أو الغرامة.
جرائم التخريب والانتقام المادي :التخريب العمدي يمكن للغلّ أن يدفع شخصًا إلى إلحاق الأضرار بالممتلكات الخاصة أو العامة انتقامًا ممن يحقد عليهم. التخريب العمدي يعتبر جريمة يعاقب عليها القانون، والعقوبة تعتمد على حجم الضرر الناتج، السرقة بدافع الانتقام قد يتجه الشخص إلى سرقة ممتلكات شخص آخر أو التخريب فيها بدافع الغلّ، وهي جريمة يعاقب عليها القانون بالسجن أو الغرامة، و جديرا بالذكر أن جريمة وضع النار (إشغال الحريق في الممتلكات عند العامة)تعد هذه الآفة عامل رئيس فيها.
هذا بعض من كل عن آفة الغِلّ و الجرائم المرتبطة بها، لم أتوسع في ذكر حصري لكافة هذه الجرائم لان هدفي تسليط الضوء على هذه الآفة النفسية الإنسانية و ما يتولد عنها من جرائم، و لا أدعى أن الإنسان لا يخلو في وقت من الأوقات من هذه الآفة النفسية فقد خلق الله سبحانه و تعالي الإنسان ضعيفاً ، ولكن في تهذيب هذه الآفة أساليب كثيرة لا مجال للحديث عنها، و إن كان المقام لا يتسع لها هنا، فمن الجائر بتوفيق من الله يتسع لها المقام.
و الله الموفق
(1)- القران الكريم - سورة الحجر - الآية (47).
(2)- القران الكريم - سورة الحشر - الآية (10).
(3)- لسان العرب المؤلف: ابن منظور (ت 1311م)،القاموس المحيطالمؤلف: الفيروزآبادي (ت 1414م).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق