آفة الطمع و الجشع و الجرائم الناتجة عنها
مقدمة:
نستهل الحديث في هذا اليوم عن آفة من آفات النفس البشرية، هذه الآفة هي الطمع أو الجشع، من خلال التطرق إلى ما ورد ذكره عنها في القران الكريم و هدى سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة و السلام، ثم بعد ذلك نعرض للتعريف اللغوي لهذه الآفة معن معاجم القواميس العربية و نتبع الحديث عن أهم الجرائم التي تولدها هذه الآفة، و نوالى هذه الآفة بشئ من الاهتمام لأنها سبب رئيس في النزاعات بين الشركاء و بين الورثة و تنم عن اختلال في ميزان تقيم النفس البشرية اختلالًا كمي أو كيفي و لهذه الآفة جزور تنبت شجرة من النازعات بين أفراد الأسرة الواحد تثمر هذه الشجرة ثمار الفُرقة و الشِقاق جيل بعد جيل.
الطمع أو الجشع لا يقف عند المال فقط بل يمتد الى كل ما هو ثمين من غير الأموال كالمناصب الإدارية أو السياسية أو حتى العلاقات الاجتماعية،كطمع أحد الأبناء في الاستحواذ بمفرده على حب و أهتمام والديه له وحده دون باقي الأبناء.
نبدأ من حيث منبع الحكمة كتاب الله الحكيم القران الكريم ، و السؤال الأول الذي يتبادر إلى الذهن هل ورد ذكرها بلفظها و معنها أم بمعناها دون لفظها ؟ من خلال تصفح القران الكريم نجد أن وردت الإشارة إلى آفة الطمع والجشع في القرآن الكريم بشكل غير مباشر، حيث ذم الله تعالى الصفات المرتبطة بالطمع والجشع، ودعا إلى القناعة والرضا بما قسمه الله للإنسان. على سبيل المثال:ذم حب الدنيا والطمع فيها قال الله تعالى(كلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ . وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ)(1) هنا يوبخ الله الإنسان على حب الدنيا الزائد والطمع في ملذاتها على حساب الآخرة. و في مقام ذم اكتناز المال والطمع في زيادته دون حق،قال الله تعالى(وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ . الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ . يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ)(2)هذه الآية تشير إلى الطمع والجشع في جمع المال بشكل مفرط، وكأن المال هو مصدر الأمان الدائم.و في مقام الحث على العطاء ونبذ الطمع في حقوق الآخرين قال الله تعالى(وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(3)، الشح هنا هو صفة قريبة من الجشع والطمع، وذُكر أن النجاح الحقيقي هو لمن يتخلص من هذه الصفة ،كما ذم الطمع في أموال الآخرين،قال الله تعالى(وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ)(4)هذه الآية توضح النهي عن الطمع فيما يملكه الآخرون، والحث على الرضا بما قسمه الله. فجماع الأمر في هذه الآيات الحث على أجتناب آفة الطمع و الجشع و استئصال جذورها من النفس البشرية.
و من هدي رسولنا الكريم صلى الله عليه و سلم ، رسالة تحذير في حديث رسول الله من الطمع و الجشع ،قال رسول الله ﷺ:(لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديًا ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب"(رواه البخاري ومسلم). و قال رسول الله ﷺ:(إياكم والشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم"(رواه مسلم). هذا بضع من كل و لمن يريد المزيد فعليه بالبخاري و مسلم.
نأتي هنا إلى تعريف أو بيان المقصود بالطمع و الجشع بمعناه اللغوي، لفظة الطمع هو الرغبة الزائدة في الحصول على شيء، خصوصًا إذا كان مملوكًا للآخرين أو يفوق الحاجة، و لفظة الجشع هو الطمع المفرط أو الشديد، حيث يعبر عن رغبة مفرطة وغير مبررة في الحصول على المزيد، سواء من المال، أو الطعام، أو الممتلكات، دون مراعاة للعدل أو الأخلاق(5). الفارق بين اللفظين فارق كمي و ليس فارق كيفي، فكلا اللفظين من طبيعة واحدة، و لكن هناك طمعًا حميداً و هو الطمع في المزيد من العلم و مزيد من الخير، فهذا الطمع لا غبار عليه، أما الجشع فهو مذموم إذ يعبر عن عدم القناعة.
و أخيرًا هل هذه الآفة تقف خلف نوع خاص من الجرائم، لان هذه الآفة تقبع في النفس البشرية و تكشف عنها نوعية خاصة من الجرائم المرتكبة ، فما هى هذه الجرائم؟ أنها :جرائم الرشوة، الاختلاس، الاستيلاء على المال العام السرقة، خيانة الأمانة، و النصب و هي جرائم العدوان على المال العام و المال الخاص ، و منها جريمة عدم تسليم الحصة الميراثية ، و منها أيضاً جريمة شهادة الزور ، و قد يصل الأمر الى جرائم الاعتداء على الجسد و القتل و غيرها
لم يكن مقصدنا في الحديث شرحاً فقهياً قانونياُ لأثر هذه الآفة و الجرائم التي ترتبط بها تفصيلاً ،و لكن مقصدنا من هذا الحديث هو ايجاد العلاقة بين آفات النفس البشرية و بين تأثيرها و ارتباطها بنوع خاص من الأجرام، فما من جريمة وا لا لها آفة في النفس البشرية تحركها أذا ما فقد الإنسان ميزان السواء، فالجريمة تعبر عن خلال كمي أو كيفي في هذا الميزان ، لعلنا نكون قد أوصلنا الفكرة الى من يبحث عن الحقيقة ، هذه محاولة في بيان الأمر فإن وفقت فمن الله و إن أخطأت فمن نفسي ، وعزائي في ضعف النفس البشرية.
و الله الموفق
_________________
(1)- القران الكريم - سورة القيامة - الآية (20-21).
(2) - القران الكريم - سورة الهمزة - الآية (1-3).
(3)- القران الكريم - سورة الحشر - آية (9).
(4) - القران الكريم - سورة طه - الآية (131).
(5)-لسان العرب،القاموس المحيط.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق