الأحد، 24 نوفمبر 2024

الوسطية في الإسلام و دورها في القضاء على الملل و السأمة لخلق توازن في النفس البشرية

الوسطية في الإسلام و دورها في القضاء على الملل و السآمة لخلق توازن في النفس البشرية 

مقدمة    

     الوسطية و الاعتدال في كل مناحي الحياة منهج  رباني شامل و جوهر الإسلام، وقد وردت في القرآن  والسنة كمبدأ أساسي يُوجّه المسلم ليكون متوازنًا في دينه ودنياه، في عبادته وعلاقاته، وفي سلوكه وتعامله مع الآخرين، و الابتعاد عن الغلو أو التفريط هو السبيل للحياة الكريمة وتحقيق رضا الله عز وجل.  قال تعالى (وكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) سورة البقرة آية(143)، قال تعالى في كتابه الحكيم (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى)سورة طه آية (2)، و قال تعالى (مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ۚ...)سورة النساء آية (147)، و قال تعالى (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ...)سورة البقرة آية(286). هذا المبدأ يشع على الحياة بقواعد متفرعة عنه نذكر منها طلب الوسطية و الاعتدال في  إنفاق المال قال تعالى (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا)سورة الفرقان آية(67)،و قال تعالى (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا)سورة القصص آلاية (77) و هنا في هذه الآية يضع قاعدة متفرعة عن مبدأ الاعتدال و الوسطية و هو التوازن في العبادة والعمل ، و غيرها أمثلة كثيرة.

    و جاء في هدي سيد المرسلين محمد صلى الله عليه و سلم، قال النبي ﷺ:"إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين" (رواه النسائي وابن ماجة)، و قال أيضا "يا عبد الله، ألم أُخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟" قلت: بلى يا رسول الله. قال: "فلا تفعل، صُم وأفطِر، وقُم ونَمْ، فإن لجسدك عليك حقًّا، وإن لعينك عليك حقًّا، وإن لزوجك عليك حقًّا" (صحيح البخاري).هذا هو النهج الإسلامي يقيم توازن و أعتدال بين أحتياجات النفس و الجسد فلا يذهب  إلى أقصى اليمن ولا إلى أقصى الشمال، فلا إفراط و لا تفريط.

   و على هدى ما تقدم، و بالبحث في العِلاقة بين الوسطية و آفة الملل و السآمة التي تدفع النفس البشرية إلى فقد توازنها، كان من المتعين علينا تعريف آفة الملل أو السآمة في اللغة العربية من خلال قواميسها الكثيرة المتوافرة، خلاصة القول في الملل و السآمة هما صنوان لشئ واحد و لكن السآمة أعلى درجات الملل ،فأما الملل هو الشعور بالضيق أو النفور من شيء بسبب استمراره لفترة طويلة أو تكراره، و أما السآمة هي حالة نفسية أعمق من الملل تُعبّر عن الضجر الشديد أو الكره المفرط، هنا نجد خالق الكون قد نوع لنا فيما نأكله و نشربه في الألوان و الطعم و الشكل من الفاكهة و الخضار و فيما نشربه من ماء و لبن و عسل  ، و نوع لنا في  أحجام الجبال و ألوانها  و أشكالها و الأرض من  أودية و هضاب و رمال، أدعى أن هذا التنوع للقضاء على الملل أو السآمة التي تؤثر بالسلب على النفس البشرية - تبارك الله أحسن الخالقين - و جعل الاعتدال و الوسطية منهجًا في أمور الدنيا و الدين قضاءًا على ضيق النفس البشرية لخلق حالة من التوازن لها ، و هنا حقيقاً علينا أن نقول الحمد لله من صميم قلوبنا و بكل جارحة من جوارحنا .

 ثمرة الوسطية في بناء شخصية الإنسان والمجتمع

   الوسطية ليست مبدأً نظريًا يُطرح في المجالس، بل هي أسلوب حياة شامل ينعكس على شخصية المسلم ويُثمر توازنًا في فكره ومشاعره وأعماله. فحين يتربى الإنسان على الاعتدال، يكون:أكثر استقرارًا نفسيًا لأنه لا يحمل نفسه فوق طاقتها.أكثر نضجًا فكريًا لأنه يزن الأمور بميزان العدل لا بميزان الهوى.أكثر نجاحًا اجتماعيًا لأنه لا يفرط في علاقاته ولا يُفرّط في حقوقه.وإذا انتقلت هذه القيمة من الفرد إلى المجتمع، وجدنا أمة متماسكة، متراحمة، تنبذ الغلو والتطرف، وتحتضن المختلف، وتعرف كيف تسير بأمان في دروب الحياة.

نماذج معاصرة لحصاد الغلو والتفريط

   في المقابل، حين تغيب الوسطية، فإن الغلو في الدين يؤدي إلى التشدد والتكفير، والغلو في الدنيا يؤدي إلى اللهث خلف الشهوات والانتحار الروحي.وحين يُفرّط الناس في القيم، تظهر اللامبالاة، والأنانية، والانفلات الأخلاقي. وحين يُفرِطون في التزمت، تظهر القسوة، والانغلاق، وانعدام الرحمة.إن التوازن لا يعني ضعفًا، بل يعني قوة منضبطة بالحكمة، لأن "من زاد عن الحد انقلب إلى الضد".

وسطية الإسلام في مواجهة أزمات العصر

   في زمن الماديات الطاغية، والانشغال المُفرط، والتقلبات النفسية المتسارعة، يظهر منهج الإسلام الوسطي كحل رباني لكل تلك الأزمات:فهو يربط القلب بالله دون عزلة عن الحياة.ويحضّ على طلب الرزق دون عبودية للدنيا.ويأمر بالعفاف دون قمع للفطرة.ويحث على العلم دون غرور.ويحث على الإنفاق دون تبذير.إنه دين الوسط، ودين الحياة، ودين القلب والعقل معًا.

 توازن يضيء الدرب، الاعتدال ليس ضعفًا، بل هو قوة العاقل حين يملك نفسه عند الغضب، وعند الرغبة، وعند الحكم. والوسطية ليست ميوعة في المواقف، بل هي صلابة متزنة تعرف متى تعفو، ومتى تقسو، ومتى تصمت، ومتى تنطق.في ظل هذا المنهج الرباني، تصبح الحياة أكثر اتساقًا مع فطرة الإنسان، وأقرب إلى رضا الرحمن. وفي زمنٍ تتأرجح فيه القلوب بين الإفراط والتفريط، فلنرفع شعار: "ربنا اجعلنا أمةً وسطًا.. في الفكر، والخلق، والعمل، والقول، والنية، والسلوك."

   والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.







 

   

 

الجمعة، 22 نوفمبر 2024

إزالة اللبس بين الدلائل و الدليل في القانون الجنائي

 إزالة اللبس بين الدلائل والأدلة  في القانون الجنائي

مقدمة 

   قيل أن الحكم على الشيء فرع من تصوره، و هي قاعدة عقلية و منطقية، تعنى أن الأحكام و القرارات التي تصدر من الإنسان في المسائل التي تعرض له في الحياة  يتعين أن تبنى على فهم دقيق و كامل لتلك المسألة، فإذا كان هذا الفهم غير دقيق أو غير كامل، جاء الحكم  أو القرار مَعِيب و ناقص، هذه القاعدة تشمل كافة مناحي الحياة، و كثيرا ما نستعملها كرجال قانون في مجال نقض الأحكام أمام محكمة النقض المصرية، تحت مسمى أسباب الفساد في الاستدلال، أي إن المقدمات لا تؤدي إلى النتيجة التي خلص  إليها الحكم القضائي. و لذلك من الهام جدً سرد وقائع الدعوى أمام القضاء سردا دقيقاً و كاملاً مع أدلة الإثبات عليها و كذلك سرد لملابسات تلك الوقائع لأنه بناء عليها نعرف مآل الحكم الصادر في الدعوى بنسبة كبيرة.

   من هنا نبدأ الحديث إلى بيان تصور لمصطلحيين قانونيين يخلط بينهما مع وجود بون شاسع بينهما، و يختلف النظام القانوني و الأثر المترتب عليهما في مجال الإثبات الجنائي، هذين المصطلحين هما الدلائل و الأدلة في  القانون الجنائي 

   سوف نستعرض كلاهما من حيث المعنى اللغوي ثم نتبع معناهما الاصطلاحي أذا ما أختلف بين المعنى اللغوي عن المعنى الاصطلاحي، و نتبع ذلك النظام القانوني و اثرهما في مجال الإثبات الجنائي.

   الدلائل لغويًا: تشير إلى العلامات والإشارات و الإمارات التي تساعد في فهم أو إثبات أمر معين، لكنها قد لا تكون قاطعة، و تحتمل أكثر من تفسير، آي  أنها علامات غير مباشرة على أثبات  أمر ما.  بمعنى أخر فهي الإشارات أو العلامات التي يُستدل بها على شيء ما، لكنها غالبًا غير قاطعة وتحتاج إلى تفسير أو تعزيز بأدلة أقوى. مثالها وجود شخص قريب من مسرح الجريمة دلالة على احتمال ضلوعه في الجريمة و لكن ليس قاطع في  أمر ارتكابه للجريمة.

  الأدلة لغويًا : تشير إلى البراهين الواضحة أو القاطعة التي تثبت صحة أمر بشكل واضح و بصفة مباشرة. فالأدلة هي وسائل إثبات قاطعة، تُستخدم لإثبات أو نفي أمر ما بشكل رسمي أو جازم. مثالها الواضح  بصمة إصبع على أداة الجريمة دليل مباشر على وجود المتهم في مسرح الجريمة، و كذلك تصوير كاميرا لجريمة ارتكبت فهذه أدلة و ليس دلائل. الفارق بينهما أتصالها بأثبات الجريمة بصفة مباشرة وواضحة أم لا ، فأن كانت الأولي غير مباشرة و احتمالية فالثانية مباشرة و قطعية.

الدلائل أصطلاحًا :تُشير إلى القرائن أو الإشارات التي تستنتج منها الجهات القضائية أو التحقيقية وقوع جريمة أو نسبة الجريمة إلى شخص معين.تتميز بأنها ليست قاطعة بذاتها، بل تُعد مؤشرًا أو دليلًا غير مباشر يتطلب دعمه بأدلة أخرى.تستخدم غالبًا في المراحل الأولية من التحقيق لتوجيه مسار التحقيق. كالعثور على أداة جريمة قرب منزل المتهم.

الأدلة أصطلاحًا:تُعرف بأنها الوسائل القانونية المعتمدة التي تُستخدم لإثبات ارتكاب الجريمة أو نفيها أمام القضاء و جهات التحقيق، تكون قاطعة ومباشرة، وتُستخدم لإثبات الوقائع في إطار القوانين الجنائية.

   أذن فالمعنى اللغوي يكاد لا يختلف كثيرًا عن المعنى الاصطلاحي لتلك اللفظتين، و جديرًا بالذكر أن  القران الكريم قد وردت فيه الدلائل  وردت فيه الأدلة، أما عن الدلائل فقد وردت في قصة نبي الله يُوسُف عليه السلام في واقعة أتهامه بالاغتصاب لامرأة العزيز قال نعالى (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ ۚ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (25) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ۚ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأَىٰ قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28))سورة يُوسُف.

 فهنا في هذا المقام أستدل في الفصل في ترجيح  كلام امرأة العزيز أو  ترجيح كلام نبي الله يُوسُف بأمارة غير مباشرة و بِنَى الحكم عليه و  هي أمارة هل القميص قطع من الأمام أم من الخلف .

   أما عن الأدلة فقد اعترفت امرأة العزيز بفعلتها في قوله تعالي عندما سأل الملك عن واقعة قطع النسوة لا يديهن قال تعالى (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ ۚ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ ۚ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51))سورة يوسف، هنا في هذا المقام دليلين شهادة الشهود و شهادة امرأة العزيز على نفسها و وهو ما يعرف في فقه القانون الجنائي بالاعتراف  و هو كما قيل سيد الأدلة.

  نخلص من ذلك بيان الفارق بين الدلائل و الأدلة، الدلائل هي قرائن ظرفية تُوجه التحقيقات لكنها ليست كافية للإدانة.الأدلة هي وسائل إثبات قانونية يُعتمد عليها بشكل قاطع أمام القضاء لإثبات التهمة أو نفيها. 

 و الله ولى التوفيق

________________________________

(1)- القران الكريم.

(2) - الأثبات في المواد الجنائية محاولة فقهية و عملية لإرساء نظرية عامة - أستاذنا الدكتور محمد زكي أبو عامر (عليه رحمة الله)- الفنية للطباعة و النشر - الإسكندرية - دون تاريخ نشر. 

(2)- 








الخميس، 21 نوفمبر 2024

آفتى الفظاظة و غلظة القلب و الجرائم الناتجة عنها

آفتي الفظاظة و غلظة القلب و الجرائم الناتجة عنها  

مقدمة 

   عرف الله سبحانه و تعالى عن نفسه بأنه الرحمن الرحيم ، حين قال سبحانه  و تعالى (ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ)(1)، وقال تعالى (إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ )(2)، و قال تعالى (ٱلرَّحۡمَٰنُ)(3)، تعدد ذكر أسماء الله الحسنى في آيات القران الحكيم كثيرًا و من أكثر هذه الأسماء الرحمن و الرحيم، و هذا يؤكد على أهمية صفة الرحمة و اللين و الرفق ، و جاء الهدى النبوي مؤكدا على صفة الرحمة و اللين و الرفق في كل شئ ،وعن عائشة رضي الله عنها: أَن النبيَّ ﷺ قَالَ( إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفقَ، وَيُعْطِي على الرِّفق ما لا يُعطي عَلى العُنفِ، وَما لا يُعْطِي عَلى مَا سِوَاهُ )رواه مسلم. و قال في حديث آخر،عن جرير بن عبداللَّه  قالَ سمعتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يقُولُ(مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرمِ الخيْرَ كُلَّهُ) رواه مسلم. جلّ هذه الآيات القرانية و الأحاديث النبوية تحث على الرحمة و اللين و الرفق، أذًا الفظاظة و غلظة القلب و العنف و القسوة آفات نفسية يحاربها الإسلام و يستنكرها، و قد خاب من كانت نفسه تحوى بين جنباتها هذه الآفات المذمومة الممقوتة.

   قال تعالى سبحانه و تعالى مخاطبًا نبيه صلى الله عليه و سلم قائلًا (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ…)(4)، أذن من فضل الله سبحانه و تعالى و نعمه على نبيه صلى الله عليه و سلم و من رحمته به أن جعل النبي رحيم رفيق سمح القلب، و لذلك قال الله عز و جل في كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه أو من خلفه (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ)(5)، فرسالة النبي صلى الله عليه و سلم رسالة الأخلاق السامية الراقية الحميدة، تقف في أعلى درجات السمو النفسي و الترفع عن النقائص و الرذائل.

   نبدأ حديثنا اليوم عن آفتي الفظاظة و غلظة القلب من حلال تعريفهما لغويًا ثم نتبع ذلك بالربط بين هذه الآفات النفسية و الجرائم الناشئة عنها.

  ما التعريف اللغوي للفظاظة و ما التعريف اللغوي لغلظة القلب في القواميس العربية؟

   الفظاظة:  أصل الكلمة "فَظَظَ" مأخوذ من الجذر (ف ظ ظ)، الذي يدل على الشدة والجفاء.الفَظُّ هو الغليظ القول والطبع. أو بمعنى آخر الفظاظة تعني التعامل بطريقة خالية من الرفق واللطف، وغالبًا ما تكون مصحوبة بالشدة والجفاء. زبدة القول فيها  هي الغلظة في القول أو الفعل، والجفاء في التعامل مع الآخرين. تعكس سوء الخلق وغياب اللين والرفق، مما يؤدي إلى النفور الاجتماعي وانعدام المودة بين الأفراد. هذا عن الفظاظة، ماذا ن تعريف غلظة القلب.

  غلظة القلب: أصل الكلمة "غ ل ظ" يشير إلى الخشونة والشدّة، أي صلابة في الطبع وانعدام الليونة في المشاعر والتصرفات. بمعنى أخر  هي  عكس اللين و الرحمة، فعندما يقال أن شخص عنده غلظة في القلب فأننا نعنى أنه قاسٍ وجافّ في مشاعره وسلوكه، يفتقد للرحمة والرفق. و نخلص من ذلك  أن غلظة القلب في اللغة العربية تعني القسوة والجفاء في المشاعر والسلوك، وهي صفة تشير إلى انعدام الرحمة واللين، مما يؤدي إلى تعامل خالٍ من العاطفة والإنسانية. تكاد تكون كلا الآفتين من جنس واحد على الرغْم من اختلاف الحروف فهما مترادفتان و الفارق بينهما يكاد لا يذكر. و هنا السؤال الذي يطرح نفسه، ما  هي الجرائم الناشئة عن هاتين أللآفتين؟

 الجرائم الناشئة عن آفتي الفظاظة و غلظة القلب: 

    من أشهر الجرائم الناشئة عن هاتين الآفتين جريمة أستعمال القسوة من قبل القائمين على تنفيذ القانون، و كثيرا  هي محاضر الشرطة التي سطرت هذه الجريمة، و جرائم الاحتجاز و جرائم العنف و جرائم الخطف، جرائم إجهاض أو إسقاط الحوامل، معظم هذه الجرائم يتسم فاعلها بالفظاظة و غلظة القلب، فهذه القلوب قلوبًا غابت عنها الرحمة و اللين و الرفق.

  خلاصة القول أن العلاج لمرتكبي هذه الجرائم إما التعامل معهم بذات الطريقة و هذا هو القصاص و إما باستئصال هذه الآفتين من قلوبهم، بالعلاجات النفسية مع العلم أنه يجب تفريد المعاملة فمَا يصلح شخص قد لا يصلح أخر و لكم في أبنائكم عبرة، فيجب أن يتنوع الدواء بتنوع الشخص الخاضع له. عافانا الله وأياكم من الفظاظة و غلظة القلب

   و الله الموفق 




___________________

(1) - القران الكريم - سورة الفاتحة - الآية (3).

(2)- القران الكريم - سورة النمل - الآية (30).

(3) - القران الكريم- سورة الرحمن - الآية (1).

(4) - القران الكريم - سورة آل عمران - الآية (159).

(5)- القران الكريم - سورة القلم - الآية (4).

الثلاثاء، 19 نوفمبر 2024

آفة زيغ القلب( فقد الإحساس بين الحلال و الحرام) و الجرائم الناتجة عنها

  آفة فقد الإحساس بين الحلال و الحرام (الصواب و الخطأ)و الجرائم الناتجة عنها

مقدمة :

   قيل من آمِنَ العقاب أساء الأدب، الشرائع السماوية و القوانين الوضعية، تعمل من  خلال دور وقائي و دور علاجي من  خلال القواعد التي تضعها لبلورة السلوك الإنساني  الذي هو المظهر الخارجي لما يدور في النفس البشرية لتعمل من خلال معايير تضعها على ضبط السلوك الإنساني بما يتوافق و ينسجم مع تلك المعايير بما يحقق الخير للمجتمع و الفرد. 

  و لكن أذا بحثنا عن المعايير التي تناسب و تتسق مع النفس البشرية و تحقق الخير للجماعة و الفرد حقًا فهي قواعد من خلق الإنسان، و هو الله سبحانه و تعالى حيث قال في كتابه الحكيم (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)(1)،

     لي وقفة عند هذه الآية، إذا نسب الله سبحانه و تعالى حقيقة خلق الإنسان إليه و لم يأت أحد منذ خلق أدم عليه السلام إلى يومنا هذا من يدعى لنفسه خلق الإنسان و ينازعه في ذلك، فأن الحقيقة التي يستخلصه العقل أنه لا آله إلا الله، لأنه أذا نازعه أحد سنطلب منه خلق أنسان آخر و هذا من الاستحالة المطلقة أن يحدث، فلماذا أذن المنازعة في وحدانيته سبحانه و تعالى؟ !.

   نعود إلى موضوعنا، و هو آفة فقد الإحساس بين الحلال و الحرام (الصواب و الخطأ) أو ما  يعرف بضعف البصيرة الأخلاقية والدينية أو غفلة القلب أو فساد الفطرة، ماذا نقصد بهذه الآفة؟

   نقصد بها تلك الحالة النفسية التي تجعل الإنسان يفقد القدرة أو الإحساس على التمييز بين الصواب والخطأ، الحلال والحرام. أي يفقد بوصلة النفس في التمييز بين الخير و الشر. لان ما كان صوابًا فهو حلالًا فهو خير، و ما كان غير ذلك كان حرام مع الوضع في الاعتبار مساحة المباح فتركه أو إتيانه لا يدخله في مساحة الحرام.

   هل هناك في  القران الحكيم ذكر لهذه الآفة؟ نعم ورد زيغ القلب، قال عز وجل (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ)(2)، نتوسع قليل في ذكر  أسباب و سمات هذه الآفة النفسية، أما عن سماتها المميزة لها غياب الوازع الديني، ضعف الإيمان بالله وفقدان الخوف من عواقب الأفعال.اتباع الهوى وسيطرة الشهوات والرغبات الشخصية على القرارات.الطمع المادي بتغليب المصلحة المادية على القيم الأخلاقية والدينية.التطبيع مع الخطأ بقبول المعصية أو الحرام كجزء طبيعي من الحياة دون الشعور بالذنب.الغفلة واللامبالاة وانعدام التأثر بالنصائح أو التذكير بالحق. فهي حالة من التبلد.

   أما عن أسبابها، نجملها في  الأتي :ضعف الإيمان الناتج عن ترك الصلاة والذكر والبعد عن القرآن.التأثير البيئي السلبي مثل الأصدقاء السيئين أو المجتمع الفاسد.الغفلة عن الله بالانشغال بالدنيا ونسيان الغاية من الخلق والشهوات والفتن والتعلق بالماديات والانجرار وراء المحرمات.

  نختم الحديث بالكلام عن أهم الجرائم التي تنتجها هذه الآفة، أن الجرائم الناتجة عن هذه الآفة متنوعة الصور و الأشكال، منها جريمة إذدراء الأديان، جريمة الزنا، جريمة التنمر، جرائم التحرش الجنسي، جرائم تعاطى المخدرات 

جرائم الاعتداء على النفس و المال، هذه الآفة ينتظر منها جرائم كثيرة لا يحصرها العدد، بعض هذه الجرائم قابعة دون الملاحقة القانونية لان مساحة التجريم القانوني أصغر من مساحة التجريم الأخلاقي و الديني، و داهية الدواهي تؤدي إلى الإلحاد - عافنا الله و إياكم منها - سلامًا قولًا من رب رحيم.

  و الله الموفق 

   

___________________

(1)- القران الكريم - سورة التين - الآية (4).

(2) - القران الكريم - سورة الصف - الآية (5).

   

آفة الكذب من آفات النفس البشرية و الجرائم الناجمة عنها

 آفة الكذب من آفات النفس البشرية و الجرائم الناجمة عنها 

مقدمة :

    آفات النفس البشرية كنقاط ضعف، تعبر عن خلال كمي أو كيفي في  ميزان النفس السوية، نتناول كل يوم معالجة العِلاقة بين كل آفة من هذه الآفات و بين صور الجريمة التي تنشأ عنها، و هدفنا من ذلك وقوف كل إنسان على معرفة العرض حتى يعرف المرض و يشخصه ثم يتبع ذلك بجهاد  معالجة نفسه مما تتوفر عليه نفسه من آفة أو أكثر من هذه الآفات، سبق أن عرفنا المقصود بآفات النفس البشرية، و قلنا أنها تعني - بمعنى عام - الصفات السلبية التي تُضعف شخصية الإنسان وتُفسد أخلاقه وسلوكه.

   و قد أشار الله سبحانه و تعالى إلى النفس البشرية - تصريًحا أو تلميحًا - و نذكر هنا قوله عز و جل في كتابه الحكيم القران الكريم (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)(1)، و قال تعالى (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ)(2)،و قال تعالى (وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ )(3)، و قال تعالى (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ)(4)، و قال تعالى في مقام تغير الحال بتغير النفس قوله تعالي (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ)(5)،و هنا لنا وقفة عند هذه الآية الأخيرة ،إن ملاك الأمر لتغير حاله بتغير نفسه بيده لا بيدى عمرو. كثرة ذكر النفس أو الأنفس في  القران الكريم يدل على الأهمية الشديدة للنفس البشرية و تقويمها. من هنا نبدأ باستعراض آفة الكذب و يا لها من آفة .

  الكذب مفسدة النفس البشرية ، هو التحدث أو التصرف بما يخالف الحقيقة عن عمد، بهدف تضليل الآخرين، تحقيقاً لمصلحة شخصية، أو تجنبَا للمسؤولية. قال تعالى في كتابه الحكيم (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ)(6)، و قال تعالى (وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ)(7)، و هديًا بحديث النبي ﷺ (إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا)(رواه البخاري ومسلم).

   الكذب و أن تنوعت صوره إلا أن جوهره تغير الحقيقة عن عمد، و من صوره، الكذب الصريح وهو قول شيء مخالف للحقيقة تمامًا، كإنكار حادثة وقعت أو اختلاق واقعة لم تحدث، و من صوره أيضًا الكذب بالإخفاء وهو عدم الإفصاح عن الحقيقة كاملةً، مما يؤدي إلى تضليل الآخرين، ككتمان معلومة تؤثر على قرار شخص آخر، كما له صور أخري ليس المقام هنا لسردها.

  يمكننا القول في الحديث عن آفة الكذب، أن الكذب يضم بين زراعيه كافة أنواع الجرائم، و لكن هناك جرائم تظهر فيها آفة الكذب فجة و  هي جرائم البلاغ الكاذب و جرائم التزوير في المحررات بكافة أشكالها و أنواعها، و جرائم تقليد و تزييف العملة، و جرائم الغش و التدليس،  و جرائم السب و القذف، و جريمة شهادة الزور، يجمع بين هذه الجرائم آفة الكذب.

  هل هناك كذب محمود و كذب خبيث، نعم  بناءً على دوافعه وآثاره الكذب المحمود والكذب الخبيث. هذا التصنيف يعكس اختلاف النية والأثر المترتب على الكذب. الكذب المحمود كالإصلاح بين الناس، الكذب في الحروب ، الكذب لعدم فساد العلاقة الزوجية ، أما ما عدا ذلك فهو كذب خبيث أقوى من مرض السرطان ،

و أقوى تأثيراً و أثراً من الأمراض العضوية .

   زبدة القول أن آفة الكذب كآفة من آفات النفس البشرية ، آفة مدمرة للخلية الأولي للمجتمع و هى الآسرة و من بعدها العائلة ، و للمجتمع بآسره .

  و الله الموفق 

__________________

(1) - القران الكريم - سورة الشمس - الآيات (7-10).

(2) - القران الكريم - سورة يوسف - الآية (53).

(3) - القران الكريم - سورة القيامة - الآية (2).

(4) - القران الكريم - سورة الفجر - الآية (27).

(5) - القران الكريم - سورة الرعد - الآية (5).

(6) - القران الكريم - سورة غافر - الآية (28).

(7)- القران الكريم - سورة الحج - الآية (30).

الاثنين، 18 نوفمبر 2024

آفة التعري أو العري و الجرائم الناتجة عنها

 آفة التعري و الجرائم الناتجة عنها

مقدمة :

  قال تعالى في كتابه العزيز (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا)(1)و آفات النفس البشرية تندرج تحت لفظة فجورها في النص القراني، تناولنا بعض هذه الآفات و أثرها في أرتكاب الجرائم فيما سبق من منشورات في هذا الموقع الإلكتروني، و أوضحنا مدى العِلاقة بين الآفة و الجريمة و أشكال الجريمة التي تتصور فيها هذه الآفة، كل آفة و صور الجرائم الناشئة عنها .

  اليوم نعرض للحديث عن آفة التعري أو العري و  هي من الرذائل و نقيضها الحياء و الاحتشام، أودع الله سبحانه و تعالى في الفطرة السليمة للإنسان - دون دخول التلوث الفكري على هذه الفطرة -  الحياء و الاحتشام، و كان أول عقاب لابونا أدم و أمنا حواء هو كشف سوءاتهما جزاء مخالفة أمر الله و أكلهما من الشجرة المحرمة، قال تعالى (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا)(2)، و قال الله سبحانه و تعالي في وصف نعم الجنة التى أسبغها على  أبونا آدم و أمنا حواء (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ)(3)، من هنا يبدأ حديثنا عن آفة العري أو التعري.

   ما  هي آفة العري أو التعري في التعريف اللغوي لها؟

     بمطالعة القوميس العربية اللغوية و أستظهار ما سطر عن العري أو التعري ، نجد أنها أجمعت على أن تعرّى: من الفعل الثلاثي عَرِيَ، وهو بمعنى انكشفَ أو ظهرَ ما كان مستورًا،تخلى عن ملابسه أو غطائه ،  يُقال: "تعرّى الرجل" أي خلع ثيابه وأصبح جسده مكشوفًا.، أذن التعري كشف ما هو مستور  سواء للملابس أو غيرها.(4)

   يحضرني هنا مفارقة غريبة وردت على خاطري بينما الإنسان يستر و يغطى كل ثمين لديه من مال أو جواهر و يضعها بعيد عن أعين الناس ، نجد أنه تحت تأثير آفة التعري يعري أثمن  شئ وهبه الله له و هو جسده ، و من المفارقات أيضاً أن أهم لحظتين في حياة الإنسان عند ميلاده و عند وفاته يستر جسد الطفل و جسد الميت عند وفاته ،بينما أثناء حياته يفعل الأفاعيل من فنون العري و التعري ، ما أشده من تناقض يستعصي على العقل قبوله ، أنها ثقافة دخيلة ممنهجه  تتأبى  الفطرة السليمة عن قبولها و استساغتها ، السؤال هنا من يقف خلف هذه الثقافة ؟ 

  عود  على بدء ، ما هى الجرائم التى تتصور و تتشكل فيها هذه الآفة من آفات النفس البشرية ؟

    هذه الجرائم هى جرائم أخلاقية و لكن شملها القانون الجنائي بالحماية الجنائية لها لما لها من أثار مدمرة على الفرد و المجتمع ، كجريمة الفعل الفاضح في الطريق العام ، و جرائم التحرش، الاغتصاب و الاعتداء الجنسي ، جرائم نشر الفاحشة ، و مع التطور التقنى و التكنولوجي الرقمي من حواسيب اتخذت الجرائم الناتجة عن هذه الآفة صور مستحدثه لم تكن موجودة من قبل ، كجرائم الابتزاز الإلكتروني ، و جرائم نشر المواد الإباحية ، و قد يؤدي الحال الى جرائم القتل و الاعتداء على سلامة الجسد ، و غيرها من الجرائم .

   أن هذه الآفة من آفات النفس البشرية ، تعبر عن حالة سعار في النفس البشرية تدمر نفسها و تدمر غيرها و شرها مستطير ، علينا أن نفيق من غفلتنا و التصدي لهذه الآفة بكل وسائل العلاج حتى لا نحترق بنارها ، أن آفات النفس البشرية أشد خطرا وا وسع انتشارًا من آفات الجسد لان آفات الجسد بعضها يقبل العلاج و لكن نطاقها محصورا ، أنه ليحزنني للأسف الشديد، تأثر المجتمعات العربية بالمجتمعات الغربية في كل ما يضر لا فيما ينفع ، و أدى الحال الى ما نشاهده في أحب بقاع الأرض إلينا من أنتشار هذه الآفة اللعينة عافنا و عافاكم الله سلاما قول من رب رحيم .

  و الله الموفق 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)- القران الكريم - سورة الشمس - الآيات (7-10).

(2) - القران الكريم - سورة الأعراف - الآية (20).

(3)- القران الكريم - سورة طه - الآية (118).

(4) - أنظر في معنى العري قواميس اللغة لسان العرب ،القاموس المحيط ، الصحاح .

الأحد، 17 نوفمبر 2024

آفة الطمع والجشع و الجرائم الناتجة عنها

 آفة الطمع و الجشع و الجرائم الناتجة عنها

مقدمة:

   نستهل الحديث في هذا اليوم عن آفة من آفات النفس البشرية، هذه الآفة هي الطمع أو الجشع، من  خلال التطرق إلى ما ورد ذكره  عنها في القران الكريم و هدى سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة و السلام، ثم بعد ذلك نعرض للتعريف  اللغوي لهذه الآفة معن معاجم القواميس العربية و نتبع الحديث عن أهم الجرائم التي تولدها هذه الآفة، و نوالى هذه الآفة بشئ من الاهتمام لأنها سبب رئيس في النزاعات بين الشركاء و بين الورثة و تنم عن اختلال في ميزان تقيم النفس البشرية اختلالًا كمي أو كيفي و لهذه الآفة جزور تنبت شجرة من النازعات بين أفراد الأسرة الواحد تثمر هذه الشجرة ثمار الفُرقة و الشِقاق جيل بعد جيل.

    الطمع أو الجشع لا يقف عند المال فقط بل يمتد الى كل ما هو ثمين من غير الأموال كالمناصب الإدارية أو السياسية أو حتى العلاقات الاجتماعية،كطمع أحد الأبناء في الاستحواذ بمفرده على حب و أهتمام والديه له وحده دون باقي الأبناء.

    نبدأ من حيث منبع الحكمة كتاب الله الحكيم القران الكريم ، و السؤال الأول الذي يتبادر إلى الذهن  هل ورد ذكرها بلفظها و معنها أم بمعناها دون لفظها ؟ من خلال تصفح القران الكريم نجد أن وردت الإشارة إلى آفة الطمع والجشع في القرآن الكريم بشكل غير مباشر، حيث ذم الله تعالى الصفات المرتبطة بالطمع والجشع، ودعا إلى القناعة والرضا بما قسمه الله للإنسان. على سبيل المثال:ذم حب الدنيا والطمع فيها قال الله تعالى(كلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ . وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ)(1) هنا يوبخ الله الإنسان على حب الدنيا الزائد والطمع في ملذاتها على حساب الآخرة. و في مقام ذم اكتناز المال والطمع في زيادته دون حق،قال الله تعالى(وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ . الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ . يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ)(2)هذه الآية تشير إلى الطمع والجشع في جمع المال بشكل مفرط، وكأن المال هو مصدر الأمان الدائم.و في مقام الحث على العطاء ونبذ الطمع في حقوق الآخرين قال الله تعالى(وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(3)، الشح هنا هو صفة قريبة من الجشع والطمع، وذُكر أن النجاح الحقيقي هو لمن يتخلص من هذه الصفة ،كما ذم الطمع في أموال الآخرين،قال الله تعالى(وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ)(4)هذه الآية توضح النهي عن الطمع فيما يملكه الآخرون، والحث على الرضا بما قسمه الله. فجماع الأمر في هذه الآيات الحث على أجتناب آفة الطمع و الجشع و استئصال جذورها من النفس البشرية.

    و من هدي رسولنا الكريم صلى الله عليه و سلم ، رسالة تحذير في حديث رسول الله من الطمع و الجشع ،قال رسول الله ﷺ:(لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديًا ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب"(رواه البخاري ومسلم). و  قال رسول الله ﷺ:(إياكم والشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم"(رواه مسلم). هذا بضع من كل و لمن يريد المزيد فعليه بالبخاري و مسلم.

   نأتي هنا إلى تعريف أو بيان المقصود بالطمع و الجشع بمعناه اللغوي، لفظة الطمع هو الرغبة الزائدة في الحصول على شيء، خصوصًا إذا كان مملوكًا للآخرين أو يفوق الحاجة، و لفظة الجشع هو الطمع المفرط أو الشديد، حيث يعبر عن رغبة مفرطة وغير مبررة في الحصول على المزيد، سواء من المال، أو الطعام، أو الممتلكات، دون مراعاة للعدل أو الأخلاق(5). الفارق بين اللفظين فارق كمي و ليس فارق كيفي، فكلا اللفظين من طبيعة واحدة، و لكن هناك طمعًا حميداً و هو الطمع في المزيد من العلم و مزيد من الخير، فهذا الطمع لا غبار عليه، أما الجشع فهو مذموم إذ يعبر عن عدم القناعة.

   و أخيرًا هل هذه الآفة تقف خلف نوع خاص من الجرائم، لان هذه الآفة تقبع في النفس البشرية و تكشف عنها نوعية خاصة من الجرائم المرتكبة ، فما  هى هذه الجرائم؟ أنها :جرائم الرشوة، الاختلاس، الاستيلاء على المال العام  السرقة، خيانة الأمانة، و النصب و  هي جرائم العدوان على المال العام و المال الخاص ، و منها جريمة عدم تسليم الحصة الميراثية ، و منها أيضاً جريمة شهادة الزور ، و قد يصل الأمر الى جرائم الاعتداء على الجسد و القتل و غيرها

    لم يكن مقصدنا في الحديث شرحاً فقهياً قانونياُ لأثر هذه الآفة و الجرائم التي ترتبط بها تفصيلاً ،و لكن مقصدنا من هذا الحديث هو  ايجاد العلاقة بين آفات النفس البشرية و بين تأثيرها و ارتباطها بنوع خاص من الأجرام، فما من جريمة وا لا لها آفة في النفس البشرية تحركها أذا ما فقد الإنسان ميزان السواء، فالجريمة تعبر عن خلال كمي أو كيفي في هذا الميزان ، لعلنا نكون قد أوصلنا الفكرة الى من يبحث عن الحقيقة ،  هذه محاولة في بيان الأمر فإن وفقت فمن الله و إن أخطأت فمن نفسي ، وعزائي في ضعف النفس البشرية.

   و الله الموفق 

_________________

(1)- القران الكريم - سورة القيامة - الآية (20-21).

(2) - القران الكريم - سورة الهمزة - الآية (1-3).

(3)- القران الكريم - سورة الحشر - آية (9).

(4) - القران الكريم - سورة طه - الآية (131).

(5)-لسان العرب،القاموس المحيط.

خُلُقُ الأَنَاةِ: فَضِيلَةُ الصَّبْرِ وَحِكْمَةُ التَّأَنِّي فِي زَمَنِ العَجَلَةِ

خُلُقُ الأَنَاةِ: رِحْلَةُ العَقْلِ فِي نَيْلِ الحِكْمَةِ وَسَكِينَةِ الرُّوحِ مقدمة: حقيقة الأناة وغايتها الإنسانية    يعيش الإنسان المعاصر...