السبت، 13 ديسمبر 2025

لا تكتب بيدك ما تخجل أن تقرأه غدًا

 لا تكتب بيدك ما تخجل أن تقرأه غدًا

نحن الذين نمضي… والكتب تبقى

بقلم: حسام الدين عبد السلام

 وهم الزمن وحقيقة الإنسان

    اعتاد الإنسان أن يعلّق خيبته على الزمن، وأن يحمّل الأيام مسؤولية ما آل إليه، فيقول: مرّ الزمن سريعًا، أو خذلني الوقت. لكن هذه اللغة، على شاعريتها، تخفي حقيقة أخطر: الزمن لا يمضي، نحن الذين نمضي فيه.الزمن إطار، مسرح ثابت، قانون كوني محايد، أما الإنسان فهو العابر الوحيد، وهو في عبوره لا يمرّ خفيفًا، بل يترك أثرًا، ويسجّل حضورًا، ويكتب قصة. لسنا شهودًا على الزمن، بل موضوعه. ولسنا ضحايا ساعاته، بل صُنّاع صفحاتنا فيه. وكل محاولة لتبرئة الذات باتهام الزمن، ليست إلا هروبًا من حقيقة الكتابة المستمرة التي لا تتوقف.

 الإنسان كتاب لا يُكتب بالحبر

    كل إنسان هو كتاب.

    ليست هذه استعارة أدبية للتزيين، بل توصيف دقيق لطبيعة الوجود الإنساني. فالكتاب لا يُعرَّف بغلافه، ولا بحجم صفحاته، بل بما كُتب فيه. وكذلك الإنسان لا يُقاس بما يقول عن نفسه، بل بما دوّنه فعليًا بسلوكه واختياراته. الخطير أن كثيرًا من الناس يظنون أن الكتابة محصورة في الأقوال، بينما الحقيقة أن الجوارح هي الأقلام الحقيقية. اليد التي تمتد، العين التي تتلصص، اللسان الذي يجرح، القدم التي تمضي إلى ما لا يرضي الله… كلها أدوات كتابة، تكتب أسرع مما نتصور، وأصدق مما نحب.﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾،وإذا كان القول محفوظًا، فكيف بالفعل؟

 قاعدة النجاة: لا تكتب بيدك إلا ما يسرّك أن تراه

    من بين كل الوصايا، وكل المواعظ، وكل النصائح، تبقى هذه القاعدة أشدها وقعًا، لأنها تختصر الحساب كله في جملة واحدة:لا تكتب بيدك إلا ما يسرّك أن تراه يوم القيامة. هذه ليست دعوة للكمال، بل دعوة للوعي. ليست مطالبة بالعصمة، بل تذكير بأن كل حركة ستُعرض، وكل سطر سيُقرأ، وكل صفحة ستُفتح. المشكلة ليست في أن نخطئ، بل في أن نكتب الخطأ وكأنه لا يُرى، ولا يُحفظ، ولا يُحاسب عليه.

 الدنيا دار كتابة… لا محكمة

    من أخطر ما يغفل عنه الإنسان أن الدنيا ليست دار حساب.لا تُفتح فيها ملفات، ولا تُعلن فيها نتائج، ولا تُصدر فيها أحكام نهائية. ولهذا يغترّ كثيرون بالصمت المؤقت، ويظنون أن السكوت نسيان.الدنيا دار كتابة فقط. القلم فيها مفتوح، والمهلة قائمة، والتأجيل ممكن. أما الآخرة، فهي دار العرض.﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾،الشفقة هنا ليست خوفًا من المجهول، بل رعبًا من المعلوم المكتوب.

الخطر الحقيقي: أن يتحول الخطأ إلى أسلوب

    كل إنسان قد يكتب صفحة سوداء. لكن الكارثة ليست في الصفحة، بل في السلسلة.حين يصبح الخطأ متكررًا، والذنب معتادًا، والانحراف مبرَّرًا، هنا لا يعود القلم يزلّ، بل يختار. وهنا تتشكّل أخطر الكتب: كتب أنيقة العناوين، فاسدة المحتوى. كتب مليئة بالشعارات، خاوية من الصدق.

 يوم استلام الكتب: لحظة الانكشاف الكامل

    سيأتي اليوم الذي لا يُكتب فيه شيء، بل يُقرأ كل شيء. يوم تُسلَّم النسخ النهائية، دون مسودات، ودون تعديل،﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾،أي أن كتابك لم يُفرض عليك، بل لازمك لأنك كتبته بنفسك. في ذلك اليوم، ينقسم الناس لا بحسب أسمائهم، بل بحسب كتبهم.يمينٌ يحمل الطمأنينة، وشمالٌ يحمل الحسرة.﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾،﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾.

 الجوارح تشهد… والأفواه تُختم

    في الدنيا، نتقن التبرير.نُحسن الدفاع. نُجمّل الروايات.أما هناك، فلا محامين، ولا خطب، ولا بيانات.هناك شهود لا يكذبون.﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ﴾،ليس عقابًا، بل عدلًا.لأن الفم قد يراوغ، أما اليد فلا.

سورة العصر: دستور الكتابة الإنسانية

    حين نقسم بالعصر، فنحن لا نقسم بالوقت، بل بالفعل الإنساني فيه.﴿وَالْعَصْرِ﴾،أي بحياة تُكتب.﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾،الخسارة ليست في قِصر العمر، بل في سوء استخدام الصفحات.ثم يأتي الاستثناء:إيمان، عمل، حق، صبر.هذه ليست قيمًا مجردة، بل عناوين كتاب ناجٍ.

نحن الذين نمضي… والكتب تبقى

    سنغادر جميعًا.سيمضي الكاتب، ويبقى النص.ستنتهي الرحلة، ويبدأ العرض.لن يُسأل الإنسان: ماذا كنتَ تقصد؟بل: ماذا كتبت؟،﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾،أقسى ما في الآية أنها لا تحتاج إلى شاهد آخر.

 راقب قلمك قبل أن يُرفع

    لسنا مطالبين أن نكتب كتبًا مثالية، بل كتبًا صادقة. لسنا مدعوين إلى ادّعاء الطهر، بل إلى الخوف من العرض.فمن راقب قلمه اليوم،واستحضر لحظة القراءة،وخجل أن يكتب ما لا يرضى أن يُرى،فقد بدأ طريق النجاة.

سؤال للقارئ 

    وأنت تمضي الآن في الزمن، وتكتب هذه الصفحة بالذات…،هل تترك خلفك سطرًا تحب أن يُقرأ بيمينك؟،أم أثرًا تتمنى — حين يُفتح الكتاب — لو لم يُكتب أصلًا؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

خُلُقُ الأَنَاةِ: فَضِيلَةُ الصَّبْرِ وَحِكْمَةُ التَّأَنِّي فِي زَمَنِ العَجَلَةِ

خُلُقُ الأَنَاةِ: رِحْلَةُ العَقْلِ فِي نَيْلِ الحِكْمَةِ وَسَكِينَةِ الرُّوحِ مقدمة: حقيقة الأناة وغايتها الإنسانية    يعيش الإنسان المعاصر...