لا تنخدع بالكثرة… فمؤشر الحق ليس عدديًا
في زمنٍ تُقاس فيه الأفكار بعدد المتابعين، وتُوزن القناعات بحجم التفاعل، وتُمنح الآراء مشروعيتها من خلال “الترند”، يصبح من الضروري أن نُعيد طرح سؤالٍ قديمٍ في صيغة جديدة:
هل الكثرة دليل على الحق؟
الجواب الذي تقوله التجربة، ويؤكده العقل، وتثبته نصوص الوحي، هو: لا.فالحق لا يُقاس بالعدد، بل بالحُجّة. ولا يُعرَف بالتصفيق، بل بسلامته من التناقض، وعدالته في الأثر، وصدقه في الجوهر.
وهم الكثرة… كيف يُخدع العقل؟
الإنسان بطبيعته يميل إلى الجماعة، لا حبًا في الصواب دائمًا، بل خوفًا من العزلة. في داخله نزعة نفسية قديمة تقول له:"إن كنت وحدك، فربما كنت مخطئًا."ومن هنا تولد أخطر خدعة عقلية في التاريخ الإنساني:ما دام الجميع يفعل، إذن هو صحيح. لكن هذه ليست قاعدة منطقية، بل آلية دفاع نفسي للهروب من مسؤولية التفكير الحر. فالعقل الكسول يختبئ خلف الكثرة، ويستقيل من مهمة التمييز بين الصواب والخطأ.
الحقيقة لا تحتاج جمهورًا
الحقيقة قيمة قائمة بذاتها، لا تنتظر تصويتًا لتولد، ولا تأييدًا لتعيش. الجاذبية لا تحتاج إجماع الكواكب لتعمل، والنار لا تحتاج رأيًا عامًا لتحرق، والنور لا ينتظر استفتاء ليضيء.كذلك الحق…لا يزداد حقًا بالتصفيق،ولا يتحول باطلًا بسبب الرفض.قد تقف الحقيقة وحدها في ساحة تضج بالضجيج، لكنها تظل حقيقة، ولو صرخ الباطل حولها ألف مرة.
القرآن ومواجهة “ديكتاتورية العدد”
القرآن الكريم حسم هذه القضية بوضوح صادم، حين فكّ الارتباط نهائيًا بين الكثرة والهدى:﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾،﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾،﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾،في منطق القرآن:الكثرة لا تعني الهداية.والقلة لا تعني الضلالة.الميزان ليس رقميًا، بل معرفي وأخلاقي.
السير مع القطيع… راحة زائفة
السير مع الجميع لا يحتاج شجاعة، بل يحتاج فقط:التنازل عن السؤال،وتجميد الضمير،والاختباء داخل الجماعة.أما السير عكس التيار:فيحتاج شجاعة فكر،وثبات مبدأ،واستعدادًا لدفع ثمن العزلة وسوء الفهم والاتهام.ولهذا لم يُغيّر التاريخ أولئك الذين ساروا مع الأغلبية، بل أولئك الذين وقفوا وحدهم أولًا… ثم صاروا أمةً فيما بعد.
الكثرة المصنَّعة في العصر الحديث
في عصر الإعلام الرقمي، لم تعد الكثرة دائمًا نتاجًا طبيعيًا، بل كثيرًا ما تكون مصنَّعة:بالخوارزميات،واللجان الإلكترونية،والإعلام الموجَّه،وصناعة الترند.فتُخلق أوهام مثل:“الجميع يؤيد”،“لا أحد يعترض”،“الرأي محسوم”.بينما الواقع أن الصامتين أكثر من المصفقين، والمترددين أكثر من المتحمسين، لكن الضجيج يجعل القلة تبدو كأنها الكل.
في ميزان القانون: لا قيمة للكثرة دون دليل
في ساحة القضاء، لا يُسأل القاضي:كم عدد من يصرخ؟،بل يسأل: أين الدليل؟،كم شاهد زور أطاح بحق؟،وكم رأي عام ظالم دمّر سُمعة؟،وكم بريء حوكم إعلاميًا قبل أن يُحاكم قضائيًا؟،القانون العادل يعترف بشاهد واحد صادق، ولا يعبأ بمئات كاذبين. لأن العدالة لا تحصي الأصوات، بل تزن البينات.
حين تمنح الكثرةُ الباطلَ ثقةً زائفة
أخطر ما في الكثرة، أنها قد تمنح الباطل شعورًا زائفًا بالقوة.فإذا كثر أتباعه:تجرأ،وهاجم،واتهم،وطالب الحق بالدفاع عن نفسه!،وهنا تقع الفتنة الكبرى:أن يصبح الحق في موضع الاتهام، لا لأنه باطل، بل لأن الباطل كَثُر. القاعدة التي تحميك من الانخداع، لا تسأل:كم عدد المؤيدين؟،بل اسأل:ما الدليل؟،ما المنطق؟،ما الأثر؟،هل تصمد الفكرة أمام النقد؟،هل ترضي ضميرًا حيًا؟،هل تصلح إن عمّت على الناس؟،إن صمدت هذه الأسئلة، فلا يضرك أن تكون وحدك.
خاتمة
لا تنخدع بالكثرة…،فالكثرة قد تكون ضجيجًا،وقد تكون قطيعًا،وقد تكون خوفًا جماعيًا متنكرًا في صورة يقين. أما الحق:فهادئ في حضوره،ثقيل في وزنه،بطيء في انتشاره،لكنه إذا استقر… لا يُقتلع.وفي النهاية، لا تسأل:كم شخصًا وافقني؟،بل اسأل نفسك سؤالًا واحدًا لا يخطئ:هل أستطيع أن أقف بهذا الرأي وحدي أمام الله؟،إن وجدت الجواب: نعم…،فأنت على طريق الحق، ولو مشيت فيه وحدك.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق