إعلان الأوراق القضائية في مواجهة النيابة العامة
في ضوء المادة (13) من قانون المرافعات وأحكام محكمة النقض
يُعد الإعلان القضائي الوسيلة الإجرائية التي تتحقق بها المواجهة بين الخصوم، ويُبنى عليه اتصال علم المعلن إليه بما يُتخذ ضده من إجراءات، بما يضمن ممارسة حق الدفاع ممارسةً فعالة. وقد جعل المشرع الأصل هو الإعلان لشخص الخصم أو في موطنه، ولم يجز الخروج على هذا الأصل إلا استثناءً، ومن ذلك ما نظمته المادة (13) من قانون المرافعات المدنية والتجارية.
وقد تصدى قضاء محكمة النقض لضبط هذا الاستثناء، فأقام له حدودًا صارمة تحول دون تحوله إلى أصل يهدر ضمانات التقاضي.
أولًا: الطبيعة الاستثنائية لإعلان النيابة العامة
استقر قضاء محكمة النقض على أن إعلان الأوراق القضائية في مواجهة النيابة العامة إجراء استثنائي، لا يُلجأ إليه إلا عند تعذر الإعلان لشخص المعلن إليه أو في موطنه بعد بذل تحريات جدية. وقد قررت المحكمة أن مجرد رد الورقة دون إعلان، أو الافتراض بعدم جدوى التحري، لا يبرر سلوك هذا الطريق الاستثنائي¹. قضاء النقض:الطعن رقم 402 لسنة 33 ق – جلسة 20/2/1968،الطعن رقم 1594 لسنة 54 ق – جلسة 31/10/1991،الطعن رقم 432 لسنة 59 ق – جلسة 28/3/1993.
ثانيًا: شرط التحريات الجدية السابقة على إعلان النيابة
أوجبت محكمة النقض أن يسبق إعلان النيابة تحريات جادة، دقيقة، وإيجابية، تليق بباحثٍ مجدٍ حسن النية، للتوصل إلى موطن المعلن إليه، مؤكدة أن الإعلان في النيابة لا يكون صحيحًا إلا إذا ثبت أن تلك التحريات لم تُثمر².كما اشترطت أن تشتمل ورقة الإعلان على آخر موطن معلوم للمعلن إليه في الداخل أو الخارج، حتى تتمكن المحكمة من رقابة جدية التحري، وتستطيع النيابة القيام بدورها³. قضاء النقض:الطعن رقم 526 لسنة 35 ق – جلسة 10/2/1970،الطعن رقم 960 لسنة 47 ق – جلسة 28/5/1986،الطعن رقم 3182 لسنة 58 ق – جلسة 31/10/1994.
ثالثًا: تقدير كفاية التحريات (سلطة محكمة الموضوع)
قررت محكمة النقض أن تقدير كفاية التحريات مسألة واقعية موضوعية، تستقل بها محكمة الموضوع، ولا تخضع لرقابة محكمة النقض، متى أقيم الحكم على أسباب سائغة تكفي لحمله⁴. قضاء النقض:الطعن رقم 316 لسنة 40 ق – جلسة 30/6/1970،الطعن رقم 2267 لسنة 52 ق – جلسة 6/6/1985،الطعن رقم 1649 لسنة 58 ق – جلسة 24/12/1992.
رابعًا: البطلان المترتب على مخالفة المادة (13)
استقر قضاء النقض على أن البطلان الناشئ عن مخالفة أحكام المادة (13) هو بطلان نسبي، مقرر لمصلحة من شُرع لحمايته، ولا يتعلق بالنظام العام، فلا يجوز التمسك به إلا من بُطل إعلانه ذاته⁵. قضاء النقض:الطعن رقم 93 لسنة 35 ق – جلسة 20/2/1969،الطعن رقم 505 لسنة 48 ق – جلسة 9/12/1982
خامسًا: التطبيقات الخاصة للمادة (13)
أولًا: أفراد القوات المسلحة
قضت محكمة النقض بأن إعلان أفراد القوات المسلحة يتم بتسليم الصورة بوساطة النيابة العامة إلى الإدارة القضائية المختصة بالقوات المسلحة، ويُعد هذا التسليم بمثابة الإعلان في الموطن، ولا تبحث المحكمة فيما بعد ذلك من وصول الإعلان فعليًا من عدمه⁶.غير أن هذا الحكم مشروط بأن يكون الخصم على علم يقيني بصفة المعلن إليه العسكرية وقت اتخاذ إجراء الإعلان، وإلا صح الإعلان وفق القواعد العامة⁷. قضاء النقض:الطعن رقم 867 لسنة 44 ق – جلسة 15/2/1978،الطعن رقم 903 لسنة 44 ق – جلسة 15/3/1978،الطعن رقم 4901 لسنة 61 ق – جلسة 29/10/1992.
ثانيًا: الشركات التجارية
استقر قضاء النقض على أن الإعلان يكون صحيحًا إذا تم في مركز إدارة الشركة لأحد الشركاء المتضامنين أو لرئيس مجلس الإدارة أو المدير أو من يقوم مقامهم، دون اشتراط توجيه كتاب مسجل⁸.كما قررت المحكمة أن تسليم الإعلان للنيابة لا يكون صحيحًا إلا إذا ثبت امتناع من له صفة قانونية عن الاستلام، مع بيان اسمه وصفته، وإلا كان الإعلان باطلًا⁹. قضاء النقض:الطعن رقم 895 لسنة 44 ق – جلسة 22/6/1978،الطعن رقم 922 لسنة 45 ق – جلسة 28/11/1978،الطعن رقم 2267 لسنة 52 ق – جلسة 6/6/1985
ثالثًا: الشركات الأجنبية
قضت محكمة النقض بأن مقر فرع الشركة الأجنبية أو وكيلها في مصر يُعد موطنًا قانونيًا لها، ويصح إعلانها فيه، والوكيل المقصود هو الوكيل العام القانوني، لا الوكيل التجاري فحسب¹⁰.غير أنه لا يجوز للوكيل إعلان الشركة الأجنبية الموكلة إليه عن طريق نفسه، احترامًا لمبدأ المواجهة بين الخصوم¹¹. قضاء النقض:الطعن رقم 158 لسنة 48 ق – جلسة 22/6/1981،الطعن رقم 1161 لسنة 49 ق – جلسة 8/4/1985.
سادسًا: إعلان الأحكام وبدء مواعيد الطعن
خرج المشرع – وتبعه قضاء النقض – عن القواعد العامة في إعلان الأحكام، فأوجب إعلان الحكم لشخص المحكوم عليه أو في موطنه الأصلي، نظرًا لخطورة الأثر المترتب عليه، وهو بدء ميعاد الطعن¹².وأجاز للمحكوم عليه أن يثبت بكافة طرق الإثبات أن الإعلان لم يتصل بعلمه لسبب لا يرجع إلى فعله أو تقصيره، فلا يبدأ ميعاد الطعن في حقه¹³. قضاء النقض:الطعن رقم 2293 لسنة 54 ق – جلسة 23/11/1989،الطعن رقم 3041 لسنة 60 ق – جلسة 3/7/1995
خاتمة
يُظهر استقراء أحكام محكمة النقض أن المادة (13) مرافعات لم تُشرع لتسهيل الإعلان على حساب الخصوم، وإنما لتحقيق التوازن بين استمرارية الخصومة وضمانات حق الدفاع، فجعلت من إعلان النيابة طريقًا اضطراريًا، لا يُسلك إلا عند الضرورة، وتحت رقابة قضائية صارمة. فلا خصومة بلا إعلان، ولا إعلان صحيح بلا ضمانة، ولا استثناء بلا ضرورة.نسألكم الدعاء بالتوفيق.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق