الاثنين، 1 ديسمبر 2025

أسلوب التهكّم والسخرية

 أسلوب التهكّم والسخرية

تعريفه – كيفيته – أصله الشرعي – آثاره – ضوابطه – وتطبيقه في المرافعات القانونية

مقدمة

    تُعدّ اللغة أداة مركزية في تشكيل الوعي الإنساني، وفي إدارة الصراع بين الحق والباطل، وبين العدل والظلم. ويأتي أسلوب التهكّم والسخرية في مقدمة الأساليب المؤثرة في الخطاب الديني والفكري والقضائي، لما له من قدرة على كشف التناقضات وهدم الادعاءات من جهة، ولما قد ينطوي عليه من عدوان على الكرامة الإنسانية من جهة أخرى.

   ومن هنا كانت الحاجة إلى دراسة هذا الأسلوب دراسة علمية موضوعية، تُميز بين المشروع والممنوع، وتضع له ضوابط شرعية وقانونية دقيقة، خاصة في مجال المرافعات القضائية. و هذا ما سوف نواليه بالتفصيل.

أولًا: التعريف 

1. تعريف التهكُّم: التهكُّم هو: إظهار المعنى في صورة نقيضه، بقصد التقريع وكشف الزيف وإسقاط الادعاء الباطل بعد قيام الحجة.خصائصه: يقوم على المفارقة بين الظاهر والمقصود، يُوجَّه إلى الادّعاء لا إلى الذّات، يستهدف هدم الباطل لا إهانة الإنسان.

2. تعريف السخرية: السخرية هي: الاستهزاء بالغير بقصد الانتقاص من قدره أو تحقيره أو الإضحاك منه.خصائصها: اعتداء على الكرامة، تحركها الأهواء لا الحجج، تُفسد أكثر مما تُصلح.

3. الفرق الجوهري بين التهكّم والسخرية

المعيار                             التهكُّم                                       السخرية

محل التوجيه                   الفكرة والادعاء                          الشخص والذات

الغاية                            كشف الزيف                             الإهانة

الحكم الشرعي                 جائز بضوابط                            محرّمة

الأثر                                إصلاحي                                 إفسادي

ثانيًا: كيفية التهكّم (آليته المنطقية والبلاغية)

    يقوم التهكّم على ثلاث آليات عقلية: إبراز التناقض الداخلي في ادّعاء الخصم، قلب الدعوى على صاحبها دون سبّ ، إظهار تهافت الباطل بلغة هادئة ظاهرًا تقريعية باطنًا، مثال عقلي مجرد: “يتحدث عن النزاهة، بينما يختفي المستند الأصلي من بين يديه!”، هذا الأسلوب تهكُّم كاشف لا سخرية جارحة.

ثالثًا: الأصل الشرعي لأسلوب التهكُّم

1. التهكُّم المشروع في القرآن الكريم

    جاء التهكُّم في القرآن مقيدًا بضوابط صارمة، أهمها: أن يكون بعد قيام الحجة والإصرار على الباطل.من أمثلته: قوله تعالى:﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾(الدخان: 49)، تهكُّم بمن ادّعى العزة والكرامة بغير حق.قوله تعالى:﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾(النساء: 138)، استُخدم لفظ “البشارة” في موضع العذاب تهكُّمًا تقريعيًا.قوله تعالى ﴿فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾(النبأ: 30)،تهكُّم عقب الإصرار على التكذيب.

2. تحريم السخرية نصًّا

    ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ﴾(الحجرات: 11)،وهو تحريم صريح قطعي؛ لأن السخرية: تهدر الكرامة الإنسانية،وتُفسد القلوب، وتُغلق باب الإصلاح والهداية.

رابعًا: الحكم الشرعي والفقهي

الأسلوب                                                           الحكم

التهكم بعد قيام الحجة وبقصد بيان الباطل                      جائز

التهكم بقصد التشفي والإذلال                                    محرّم

السخرية من الأشخاص مطلقًا                                     محرّمة

السخرية من الضعفاء والفقراء                                    من الكبائر

خامسًا: الآثار النفسية والاجتماعية

1. آثار التهكم المشروع

    كشف التضليل،إسقاط الهالة الزائفة،تنشيط الوعي النقدي، حماية المجتمع من تزوير الوعي.

2. آثار السخرية الممنوعة

    كسر الكرامة الإنسانية،توليد الأحقاد المجتمعية،نشر العدوانية، تحويل القضايا من حق وباطل إلى صراع أشخاص.

سادسًا: الضوابط الشرعية الخمسة للتهكم المشروع

    لا يجوز التهكم إلا إذا توفرت الشروط الآتية:(1)أن يكون بعد إقامة الحجة،(2)أن يُوجَّه إلى الفكرة لا إلى الشخص،(3)أن يكون بغرض إحقاق الحق لا التشفي،(4)ألا يؤدي إلى فتنة أو تحريض،(5)ألا ينحدر إلى السوقية والابتذال.

سابعًا: تطبيق التهكم في المرافعات القانونية

1. تعريف التهكم القضائي

    التهكم في المرافعة هو إبراز التناقض المنطقي في أقوال الخصم بأسلوب مهني مهذب غير مهين.

2. صور التهكم المشروع في المرافعات

     مثال مشروع: “يدّعي المدعى عليه حسن النية، بينما يقدّم مستندًا محررًا بعد رفع الدعوى بثلاثة أيام، وهو ما يستحيل تصوره قانونًا.”هذا:يكشف التناقض،لا يتضمن سبًّا،ولا يمس الكرامة

3. المحظورات المهنية

    يحظر على المحامي: السخرية من: شكل الخصم،لهجته،طبقته الاجتماعية،مستواه العلمي،لما في ذلك من: إخلال بوقار العدالة،مخالفة للواجب المهني، وإضعاف للموقف القانوني

4. الصياغات القانونية المقبولة للتهكم

    “ومن باب المفارقة القانونية…”، “وهو ما يتناقض مع الثابت بالأوراق…”، “ويستحيل عقلاً وقانونًا أن…”

ثامنًا: موقف القاضي من التهكم والسخرية

    القاضي يتقبل التهكم الكاشف المؤدب، ويرفض السخرية الانفعالية،لأن: القضاء يقوم على العقل لا على الانفعال والحجّة لا الإهانة.

تاسعًا: القاعدة الجامعة

    الحق يتهكّم على الفكرة ليكشفها،أمّا الباطل فيسخر من الإنسان ليهينه.

خاتمة

    يتضح من هذه الدراسة أن التهكّم أداة بيان لا أداة عدوان، وأنه مشروع بضوابطه الشرعية والعقلية، متى استُخدم في خدمة الحق وهدم الباطل، بينما تظل السخرية محرّمة لما تحمله من عدوان على الكرامة الإنسانية، وإفساد للخطاب العام. وفي المجال القضائي، يُعد التهكّم المنطقي المؤدب أداة فعّالة في تفكيك الدفوع الباطلة، شريطة التزام المحامي بوقار المرافعة وأخلاقيات العدالة. و الله المستعان

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

خُلُقُ الأَنَاةِ: فَضِيلَةُ الصَّبْرِ وَحِكْمَةُ التَّأَنِّي فِي زَمَنِ العَجَلَةِ

خُلُقُ الأَنَاةِ: رِحْلَةُ العَقْلِ فِي نَيْلِ الحِكْمَةِ وَسَكِينَةِ الرُّوحِ مقدمة: حقيقة الأناة وغايتها الإنسانية    يعيش الإنسان المعاصر...