الإنسان بين ذاكرة تُقيّده ولحظة تُحرّره ومصير يُراقبه
في لحظة تأمل مع النفس ،وجدت نفسي اتسائل عن دورة الزمن على الانسان ؟،فوجدت أن الإنسان بين ذاكرة تُقيّده ولحظة تُحرّره ومصير يُراقبه،في الظاهر تبدو الأيام متشابهة، ويتوهم الإنسان أنه ينتقل من ماضٍ إلى حاضر إلى مستقبل كما تُنقل الصفحات في كتاب…،لكنه في الحقيقة لا ينتقل بين أزمنة، بل ينتقل بين طبقات وجوده هو: طبقة تشكّلت، وأخرى تتشكل، وثالثة تنتظر التوقيع.
فليس الماضي مجرد سجل من الذكريات، بل معمل خفيّ صاغ طريقة التفكير، وحدّد ردود الأفعال، وغرس البذور الأولى للسلوك. وليس الحاضر لحظة عابرة، بل غرفة التحكّم الوحيدة التي يمكن منها إعادة توجيه المسار.وليس المستقبل انتظارًا مجهولًا، بل النتيجة الطبيعية لما نصرّ عليه ونحن نظن أننا نؤجّله.
ومن هنا…، فالسؤال الحقيقي ليس: ماذا كان؟ ولا ماذا سيكون؟ بل: كيف أتحرّر الآن من شكلٍ صاغني، لأصنع شكلًا يليق بي؟
أولًا: ماذا يمثّل الماضي للإنسان؟
الماضي لا يُختَزل في كونه “ما انتهى”، بل هو:مخزن الخبرة،فيه تجارب النجاح والفشل. به تتكوّن أنماط التفكير وردود الأفعال.هو المعمل الذي صُنعت فيه الشخصية. الإنسان لا يعيش ماضيه بوصفه زمنًا… بل بوصفه منهج تشكّل. مستودع القيم والانحرافات،القيم التي ترسّخت.الأخطاء التي تطبّعت.الجُرح الذي لم يلتئم.الميل الذي لم يُهذَّب.ولهذا فالماضي:إما وقود وعي،أو عبء يعيد إنتاج نفسه،حجّة أو شاهدفي المنطق:الماضي يمكن أن يكون دليل إدانة،أو وثيقة براءة،حسب طريقة قراءته.
ثانيًا: ماذا يمثّل الحاضر للإنسان؟
الحاضر ليس “لحظة عابرة”، بل هو:نقطة التحكم،هو اللحظة الوحيدة التي: يستطيع فيها أن يغيّر،يقرّر،يختار،يتراجع، يبدأ من جديد.الماضي لا يُغيَّر مباشرة، والمستقبل لا يُمسك مباشرة…،ولكن كلاهما يُعاد تشكيله عبر الحاضر. ساحة الصراع،في الحاضر يتصارع:ما ورثته،مع ما تريد أن تكونه،بين:عادة قديمة،ووعي جديد، ميزان المسؤولية،هنا تنتقل الأمور من:"أنا ضحية"،إلى:"أنا مسؤول"، لأن كل ما بعد هذه اللحظة…،سيُحسب عليك اختيارًا لا قدرًا.
ثالثًا: ماذا يمثّل المستقبل للإنسان؟
المستقبل ليس غيبًا خاليًا… بل هو: النتيجة المنطقية لمسار،ليس صدفة.ليس مفاجأة حقيقية،بل حصاد تراكمي لما: تفكّر فيه الآن،وتكرره الآن،وتسكُت عنه الآن. انعكاس المشروع الداخلي،كل إنسان يحمل: مشروع ارتقاءأومشروع تدهور،والمستقبل هو مشهد العرض النهائي لهذا المشروع. الدافع الأخطرالمستقبل هو: إمّا أفق أمل يحرّكك،أو شبح خوف يشلّك،وكلاهما يوجّه سلوكك الآن دون أن تشعر.
الرؤية الكلية (التي لا تفصل الأزمنة عن بعضها)،الإنسان لا يعيش في:ماضٍ منفصل،أو حاضر مستقل، أو مستقبل منقطع،بل يعيش داخل سلسلة واحدة متصلة: الماضي = ما تمت برمجتك به،الحاضر = لحظة إعادة البرمجة،المستقبل = نتيجة البرمجة الجديدة
الخلاصة الفكرية المكثفة: من عاش أسير ماضيه: أعاد إنتاجه باسم الحاضر.ومن وعى حاضره: حرّر مستقبله.ومن غفل عن حاضره: استيقظ في مستقبل لا يشبهه.صياغة ختامية عميقة:الماضي يهمس،والحاضر يقرّر،والمستقبل يوقّع على القرار.
ليست المأساة في أن يكون للإنسان ماضٍ ثقيل،ولا في أن يجهل تفاصيل مستقبله،بل المأساة الحقيقية أن يحيا الحاضر وهو يظن أنه بلا تأثير.كل فكرة تُهمَل اليوم،تتحول غدًا إلى قدر.وكل عادة يُستهان بها،تصير غدًا سجنًا.وكل لحظة وعي تُؤجَّل،قد لا تجد غدًا من يستقبلها.فلا تقل: كان وسيكون،بل قل: أنا الآن… وهذا يكفي ليُعاد كتابة كل شيء.
إن كنت تعلم أن الغد يُصاغ الآن… فلماذا تصرّ أن تعيش كأنك بلا تأثير؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق