الخميس، 10 سبتمبر 2026

وعد بلفور للشعب الفلسطيني

 صك الملكية السحرية: كيف أهدى الساحر بلفور شقة لا يملكها لساكن لا يعيش فيها!

    في الثاني من نوفمبر عام 1917، جلس اللورد آثر بلفور في مكتبه الأنيق برداء دبلوماسي فاخر، يرتشف شاي الصباح الإنجليزي المعطر، ويمسك بقلم حبر فاخر ليكتب تاريخاً جديداً للشرق الأوسط. لم يكن اللورد بحاجة لرؤية فلسطين، ولا لمعرفة أسماء مدنها، ولا حتى للتعرف على أهلها الذين يزرعون الزيتون منذ آلاف السنين. كل ما كان يحتاجه هو قطعة ورقة صغيرة، ومغفلين يصدقون أن صاحب الرداء الفاخر يملك كوكب الأرض بما عليه!

   تخيل المشهد بعقلية القرن الحادي والعشرين: تخيل أن جارك في البناية، الذي لا يربطك به سوى صلة السكن في نفس الشارع، قرر فجأة أن يكتب وثيقة رسمية يمنح فيها شقتك بالكامل—بأثاثها، وذكرياتك، وجدرانها—لشخص آخر يعيش في قارة أخرى، فقط لأنه يرى أن هذا الشخص الآخر "لطيف" أو "مفيد لمصالحه"! هذا بالضبط ما حدث في "وعد بلفور". كانت الشقة هي فلسطين، والجار الكريم هو بريطانيا العظمى، والساكن الجديد هو الحركة الصهيونية، أما أنت—صاحب الشقة الحقيقي—فقد تم تعريفك في الوثيقة بلقب ساحر وسري للغاية: "الطوائف غير اليهودية"!

العبقرية الاستعمارية: كيف تختفي من أركان بيتك؟

    تتجلى العبقرية الساخرة لوعد بلفور في صياغته اللغوية الفريدة التي تستحق أن تُدرس في أكاديميات الكوميديا السوداء. في تلك الفترة، كان الشعب الفلسطيني يمثل أكثر من 90% من سكان الأرض. كانوا يزرعون، ويبنون، ويكتبون، وينتخبون، ويديرون أسواقهم وموانئهم. لكن قلم بلفور السحري، بلمسة واحدة من الحبر، حول هذه الأغلبية الكاسحة إلى مجرد "أقليات" أو "طوائف غير يهودية"!

   إنه منطق عجيب! تخيل أن تدخل إلى ملعب كرة قدم يضم خمسين ألف مشجع، وتقف في المنتصف لتعلن: "أهلاً بكم يا غير اللاعبين الخمسة!". لقد حُرم الشعب الفلسطيني من اسمه، ووجوده السياسي، وحقه في الاستقلال، وأُعطي في المقابل حزمة سخية من "الحقوق المدنية والدينية". أي بمعنى آخر: "يمكنكم الصلاة في مساجدكم وكنائسكم، ويمكنكم السير في الشوارع، لكن لا تجرؤوا على الادعاء بأن هذه الأرض أرضكم!".

   لقد تصرفت الإمبراطورية التي "لا تغيب عنها الشمس" وكأن فلسطين كانت عبارة عن قطعة أرض جرداء، خالية من البشر، ينتظر أصحابها الفضائيون أن يأتوا من المريخ لاستصلاحها. تناسى بلفور وجماعاته أن يافا كانت تصدر  البرتقال إلى أوروبا، وأن القدس كانت مركزاً ثقافياً ودينياً يضج بالحياة، وأن نابلس وغزة وجنين كانت مدناً قائمة بذاتها ولها تاريخها الممتد. لكن للأسف، الخرائط البريطانية في ذلك الوقت كانت تُترجم العواطف الدبلوماسية إلى حدود، والورق إلى صكوك ملكية!

الكرنفال البريطاني: إدارة الأزمة بأسلوب "السيرك"!

    لم يتوقف السيرك عند كتابة الوثيقة. بل بدأ العرض الحقيقي عندما دخلت سلطات الانتداب البريطاني إلى فلسطين وهي ترتدي قبعة "الراعي النزيه". جاءت بريطانيا لتنفذ وعدها الشريف، وبدأت تتصرف كمدير حفل ينظم دخول الضيوف الجدد إلى البيت، بينما يطرد أصحاب البيت الأصليين إلى الحديقة الخلفية!

كانت المعادلة الإنجليزية بسيطة للغاية:

تسهيل هجرة الغرباء؟ نعم، وبكل سرور، وسنوفر لهم الحماية والسلاح.

تسهيل نقل الأراضي؟ طبعاً، فالقوانين الاستعمارية أُنشئت لهذا الغرض.

مطالبة أهل الأرض بالحرية والاستقلال؟ عفواً، هذا إرهاب وتعدٍّ على "حقوق الطوائف غير اليهودية" في الصمت!

    عندما كان الفلسطينيون يثورون دفاعاً عن وجودهم—كما حدث في ثورة 1936 الشهيرة—كان الرد البريطاني يتسم بالدبلوماسية التقليدية: القمع، والمشانق، وهدم المنازل، وفرض حظر التجوال! ثم يجلس المندوب السامي البريطاني في القدس، ويكتب تقريراً ملهماً لملكه في لندن يخبره فيه بأن "الأوضاع تحت السيطرة، وأن أهل البلاد لا يفهمون جيداً النوايا الحسنة للإمبراطورية!".

كيمياء التاريخ: عندما يتحول الوعد إلى "سلسلة من المفاجآت"!

    من المثير للدهشة كيف يُعامل هذا الوعد في الأدبيات الغربية؛ يصورونه أحياناً كأنه "خطأ إداري بسيط" أو "سوء فهم دبلوماسي". يقولون لك: "أوه، لقد أخطأنا التقدير!". وكأن بلفور عندما كتب الوعد كان يعتقد أنه يوزع بطاقات دعوة لحفلة شاي في لندن، ولم يكن يعلم أنه يؤسس لأطول وأعقد صراع في التاريخ الحديث!

    تأمل كيف استمر هذا المنطق الساخر عبر عقود. أُنشئت دولة، وتشرّد شعب، وتبدلت المعالم، وحُولت الأسماء الكنعانية والعربية إلى أسماء مستعارة، ومع ذلك لا يزال العالم يتعامل مع القضية بنفس منطق "الرسالة الورقية". يطلبون من الضحية أن تثبت أنها كانت موجودة أصلاً قبل عام 1917! يُطلب من الفلسطيني أن يبرز وثائق ملكية لأرضه التي عاش فيها أجداده لقرون، بينما يُكتفى من الساكن الجديد بإبراز "وعد بلفور" أو صك كنعاني مفبرك ليعلن ملكيته التامة للحي!

إنها الدراما التي تتجاوز حدود العقل:

الخطوة الأولى: نمنح أرضك لغيرك.

الخطوة الثانية: نساعده على طردك منها.

الخطوة الثالثة: نلومك لأنك تتذمر ولا تقبل بالحلول السلمية!

مأساة الحاضر وضحكات المستقبل

    إذا كان وعد بلفور قد كُتب بالحبر الأسود في الماضي، فإن السخرية الحقيقية تكمن في الحاضر. بعد أكثر من قرن على تلك الرسالة المشؤومة، لا تزال الدولة التليدة (المملكة المتحدة) ترفض الاعتذار الرسمي عن الوعد. يخرج المسؤولون البريطانيون كل عام بكل فخر ليقولوا: "نحن فخورون ببدء هذه العملية التاريخية!".

    فخورون بصفقة منح فيها رجل لا يمتلك الأرض، أرضاً لا يسيطر عليها، لشعب لا يعيش فيها، على حساب شعب يعيش فيها ولا يستطيع الخروج منها! أليست هذه أعظم صفقة عقارية في تاريخ البشرية؟ صفقة لم يدفع فيها البائع شيئاً، ولم يدفع فيها المشتري شيئاً، بينما دفع الثمن كاملاً... الطرف الذي لم يُدعَ أساساً لحضور الاجتماع!

    ولكن، رغم كل هذه السريالية، أثبت التاريخ أن الحبر الذي كُتب به وعد بلفور كان حبراً زائفاً أمام ثبات الجغرافيا. لقد رحلت الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، وغابت عن معظم مستعمراتها، ولم تعد بريطانيا العظمى سوى جزيرة تحاول حل مشاكلها الاقتصادية الخاصة. وبقي الشجر، وبقيت الجبال، وبقي أصحاب الشقة الحقيقيون—أولئك الذين أُطلق عليهم زوراً "الطوائف غير اليهودية"—يطالبون بمفاتيح بيوتهم التي أهداها بلفور في لحظة تجلٍّ استعماري.

خاتمة: درس في الفيزياء السياسية

    إن وعد بلفور يظل درساً خالداً في علم الكوميديا السياسية السوداء. إنه يبين لنا أن العالم قد يُدار أحياناً بأوهام رجل يجلس في مكتبه، لكنه يثبت أيضاً أن الأوراق والوعود الاستعمارية، مهما بلغت قوتها ودعمها، لا يمكنها أن تلغي وجود شعب من لحم ودم.

    قد يستطيع بلفور أن يمنح ما لا يملك، وقد يستطيع العالم أن يصفق لهذه الجريمة لقرن من الزمان، لكن التاريخ يضحك في النهاية؛ لأن أصحاب البيت لا يزالون يملكون المفاتيح، والذاكرة لا تُسقطها رسالة دبلوماسية كُتبت قبل مئة عام!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

خُلُقُ الأَنَاةِ: فَضِيلَةُ الصَّبْرِ وَحِكْمَةُ التَّأَنِّي فِي زَمَنِ العَجَلَةِ

خُلُقُ الأَنَاةِ: رِحْلَةُ العَقْلِ فِي نَيْلِ الحِكْمَةِ وَسَكِينَةِ الرُّوحِ مقدمة: حقيقة الأناة وغايتها الإنسانية    يعيش الإنسان المعاصر...