الأربعاء، 4 ديسمبر 2024

مفتاح العفة و دوره في منع انتشار الجرائم

 مفتاح العِفة و دوره في منع انتشار  الجرائم

  منابع الفتن في الحياة كثيرة، و متعددة الصور، فهناك فتنة الدين و فتنة السلطة و فتنة المال و فتنة الأولاد و فتنة القوة و فتنة الجمال و غيرها من الكثير من منابعها، و قد عظم الله سبحانه و تعالى من أثر الفتن حين قال (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ)سورة البقرة (الآية 191)، و قال تعالى (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ)سورة البقرة (الآية 217).

   ماذا يقصد بلفظة الفتنة، يقصد بالفتنة في اللغة العربية تعني الاختبار أو الامتحان، وتستخدم للإشارة إلى ما يثير الفوضى والنزاع بين الناس، و قد حذر الله سبحانه و تعالى من الفتنة في أكثر من آية من أيات القران الكريم، نذكر بعض من هذه الآيات، قال تعالى - محذرًا من فتنة المال و الأبناء - حين قال (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)﴿٢٨ الأنفال﴾، و قال تعالى (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ۚ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)﴿١٥ التغابن﴾، و في فتنة السلطة - قصة إرسال طالوت ملك لبنى إسرائيل - قال تعالى (...إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ ...)سورة البقرة (الآية 247) ، و في فتنة الجمال قال تعالى في سورة يوسف الآية (31) (...فَلَمَّا رَأَيۡنَهُۥٓ أَكۡبَرۡنَهُۥ وَقَطَّعۡنَ أَيۡدِيَهُنَّ وَقُلۡنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا مَلَكٞ كَرِيمٞ)، هذا فيض من غيض عن منابع الجريمة و هى الفتنة.

  يأتى المقام هنا لمفتاح من مفاتيح منع أنتشار الجريمة ، أنه مفتاح العِفة ، ما المقصود و المفهوم من العفِة ، يعنى مفهوم يرتبط بالتحكم في الرغبات والشهوات، ويعكس الالتزام بالقيم الأخلاقية والدينية التي تدعو إلى السلوك الحسن والامتناع عن الأفعال الضارة. هذا المفتاح له دور عظيم فمن يعف عن الشيْ يزهد فيه و لا يعيره  ادنى أهتمام ، و هذا المفتاح مركب من سبيكة قوامها ،القيم الأخلاقية تعزز من السلوكيات الإيجابية وتقلل من الانحرافات من خلال التربية في الصغر ،لان التعليم في الصغر كما قيل كالنقش على الحجر،زرع القدرة على التحكم في الشهوات و الرغبات،زرع القدرة على أقامت علاقات أجتماعية قوامها الاحترام المتبادل و الثقة ، تقوية العلاقة بين الفرد و خالقه ، لآن الحال هو وجود علاقة عكسية بين العفة و الجريمة فكلما أنتشرت العفة في النفوس البشرية كلما قل انتشار الجريمة ، فالجريمة و العفة لا يجتمعان ، لانهما بمثابة العلاقة بين الداء و الدواء . 

  ماذا قال الله تعالى في كتابه العزيز عن العفة ، أنه سبحانه و تعالى قال (وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ..." سورة النور (الآية 30)، و قال تعالى (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ...)سورة النور (الآية 33)، و من مقامات العفة في سورة النور قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ)(الاية 58) ، و قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه و سلم (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ )سورة طه(131)، و قال في مقام العفة - في دخول البيوت - ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ)سورة النور(الأيات 27،28، 29)

  الدور الايجابي الذي تلعبه العِفة في منع أنتشار الجريمة هو التحكم في الشهوات و ضبط النفس و البعد على المحرمات 

و ذلك من خلال ،تعزيز القيم الأخلاقية، فالعفة تعزز من القيم الأخلاقية مثل الاحترام والكرامة، مما يساهم في بناء مجتمع قائم على المبادئ السليمة. عندما يلتزم الأفراد بالعفة، فإنهم يساهمون في خلق بيئة اجتماعية إيجابية.

تقليل الجرائم الجنسية،فالعفة تساهم في تقليل الجرائم الجنسية مثل الزنا والاغتصاب، حيث أن الالتزام بالعفة يعني الابتعاد عن العلاقات غير المشروعة، مما يقلل من فرص حدوث هذه الجرائم.

تعزيز العلاقات الأسرية، فالعفة تعزز من استقرار العلاقات الأسرية، حيث أن الالتزام بالعفة يساهم في بناء الثقة والاحترام بين الزوجين، مما يقلل من حالات الخيانة الزوجية والنزاعات الأسرية.

الحد من الانحرافات السلوكية، الأفراد الذين يتمتعون بالعفة يكونون أقل عرضة للانحرافات السلوكية مثل تعاطي المخدرات أو الانخراط في أنشطة إجرامية، حيث إن العفة تعزز من الوعي الذاتي والقدرة على التحكم في الشهوات.

تعزيز الأمن الاجتماعي ، عندما يلتزم الأفراد بالعفة، فإن ذلك يساهم في تعزيز الأمن الاجتماعي، حيث يقلل من حالات العنف والجرائم التي قد تنشأ نتيجة للشهوات غير المنضبطة.

تربية الأجيال القادمة، فالعفة تلعب دورًا في تربية الأجيال القادمة على القيم الأخلاقية والسلوكيات السليمة، مما يساهم في بناء مجتمع أكثر استقرارًا وأمانًا.

 و الله الموفق

الثلاثاء، 3 ديسمبر 2024

مفتاح التأمل و دوره في مكافحة الجريمة

مفتاح التأمل و دوره  في مكافحة الجريمة

مقدمة :

   في رحلة البحث عن مفاتيح مكافحة الجريمة، هداني تفكيري إلى مفتاح من أهم هذه المفاتيح و هو التأمل، ما هذا المفهوم؟  و ما تعريف التأمل في اللغة العربية؟ ، و هل ورد له ذكر - تلميحًا أو تصريحًا -  في القران الكريم ؟ و هل هو عبادة؟ و هل ورد له ذكر في الديانة اليهودية و الديانة المسيحية؟ و ما دوره في تحجيم  أنتشار الجريمة؟ و ما  هي آلية ممارسة التأمل؟

   القصد من أستعمال كلمة مفتاح أن آلة صغيرة لا تتجاوز - حديثاً - حجم أصبع اليد لها قدرة على فتح  أي باب مهم كان حجمه ، و قد استعرت هذه الكلمة من  خلال مفهومها عند الناس لبيان موضوع مقالنا، و يبدأ موضوعنا من بدايته حول تعريف التأمل لغةً و معنى ، التأمل في القواميس العربية، لهذه الكلمة مترادفات مثل التفكر و التدبر ، معناها او مفهومها هو عملية التفكير العميق في شيء ما، سواء كان ذلك في موضوع معين، أو في آيات من القرآن، أو في الطبيعة، أو في النفس. و عملية التفكير العميق يُشير إلى عملية تحليلية تتضمن استكشاف وفهم موضوع معين بشكل شامل ودقيق. يتجاوز التفكير العميق التفكير السطحي أو العابر، حيث يتطلب التركيز  في التفاصيل والعلاقات والآثار المحتملة.لأنة كلما زادت تناول الشيء من كافة أبعاده كلما  زاد كمال رؤية العقل له و تصوره.

   نعم لقد جاءت آيات كثيرة تعزز التأمل ، قال تعالى في كتابه الحكيم (ٱلَّذِي خَلَقَ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖ طِبَاقٗاۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلۡقِ ٱلرَّحۡمَٰنِ مِن تَفَٰوُتٖۖ فَٱرۡجِعِ ٱلۡبَصَرَ هَلۡ تَرَىٰ مِن فُطُورٖ (3) ثُمَّ ٱرۡجِعِ ٱلۡبَصَرَ كَرَّتَيۡنِ يَنقَلِبۡ إِلَيۡكَ ٱلۡبَصَرُ خَاسِئٗا وَهُوَ حَسِيرٞ (4)) سورة الملك، هنا أشارة من الله سبحانه و تعالى الى التأمل بإعادة التفكير في الشيء أكثر من مرة  و أذكر أن أساتذتنا في كُلِّيَّة الحقوق مقولة أن التأمل و القراءة المتكررة قي الكتب تخرج لك ما بين السطور، و هو أهم مما صرحت به السطور. و قال سبحانه و تعالى (أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20))سورة الغاشية، هنا حث الله سبحانه و تعالى على التأمل، و قال تعالى(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)) سورة ابنة عِمران، و قال تعالى (وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21))سورة الذاريات، مُفَاد هذه الآيات الكريمة حث قد يصل إلى أمر بالتأمل، هذا الأمر يحسب في  ميزان الصحة النفسية.

   هل التأمل عبادة، طالما أمر به رب العباد سبحانه و تعالى ، فهو عبادة لأنه بتأمل نصل إلى أن الله أحد و لهذا قال أهل الفقه فيما ورد عن النبي صلى الله عليه و سلم أن سورة الإخلاص أجر قراءتها يعادل أجر قراءة ثلث القران .و هو عبادة في اليهودية و المسيحية بتأمل نصوص الكتب المقدسة التوراة وا لانجيل.

   هل  للتأمل دور فاعل في تحجيم أنتشار الجريمة؟ نعم و ذلك من  من خلال تعزيز الوعي الذاتي، وتقليل التوتر، وزيادة التعاطف، وتحسين اتخاذ القرارات، وتعزيز الروابط الاجتماعية. هذه العوامل يمكن أن تساهم في خلق بيئة أكثر أمانًا وتعاونًا.

  و كيف ذلك ؟ التأمل يساعد الأفراد على زيادة وعيهم الذاتي وفهم مشاعرهم وأفكارهم. هذا الوعي يمكن أن يقلل من السلوكيات العدوانية أو المتهورة التي قد تؤدي إلى ارتكاب الجرائم.التأمل يساعد في تقليل مستويات التوتر والقلق، مما قد يقلل من السلوكيات العنيفة أو المتهورة. الأفراد الذين يشعرون بالهدوء والراحة النفسية أقل عرضة للانخراط في أنشطة إجرامية. للتأمل دور في تعزيز عِلاقة الفرد بخالقه مما ينعكس بالإيجاب على تصرفه لأنة يستشعر أن الله رقيب عليه فيخشى أن يعمل عمل يغضبه،ويساعد الأفراد على تطوير شعور أكبر بالتعاطف مع الآخرين. هذا التعاطف يمكن أن يقلل من الرغبة في إيذاء الآخرين أو الانخراط في سلوكيات إجرامية، ويساعد الأفراد على تحسين قدرتهم على اتخاذ القرارات فالأفراد الذين يمارسون التأمل قد يكونون أكثر قدرة على التفكير بوضوح وتقييم العواقب المحتملة لأفعالهم، مما قد يقلل من احتمال ارتكاب الجرائم. يمكن القول أجمالا أن التأمل مفتاح كبح النفس البشرية عن ولوج طريق الجريمة.

   و ما ألية ممارسة التأمل؟ عن تجرِبة شخصية عن كيفية ممارسته ، تهيئة مكان للتأمل بعيد عن الصخب و الناس، و ليكن على الشواطئ أو غرفة في مكان هادئ تساعد على الاسترخاء ، أختيار الوقت الذي يناسبك و لكن شخصيًا الليل في  أخره وقت مناسب لي، مدته قد تستغرق من نصف ساعة إلى ساعة، النظر إلى الأشياء بتجرد و موضوعية كأن الأمر يخص شخص آخر ، تحليل للأشياء المركبة إلى عناصرها الأولية و ثم تجميعها مرة أخري ، والتفكير في التفاصيل و تحليل العلاقات بين الأشياء ووزن ما يتبادر الى ذهنك من أفكار و تدوينها و أعادة التفكير فيه مرارا و تكررا ثم دون كل شاردة و واردة ، هذا حد  علمي في التأمل و لمن لديه مزيد فليتفضل في التعليقات، و خير ما قيل بتعدد العقول و تلاقح الأفكار يزداد نور العقل. نصحية يجب ممارسته بصفة دورية مستمرة .

 و الله الموفق 


 







   


الاثنين، 2 ديسمبر 2024

غريزة العدالة و اهم الجرائم الناشئة عنها

 غريزة العدالة  و اهم الجرائم الناشئة عنها 

   لكل غريزة من غرائز النفس البشرية منطقة وَسْط تعبر عن التوازن في الغريزة، دون إفراط أو تفريط، في هذه المساحة توزن الاختلالات الكَمَيَّة و الكيفية في غريزة من الغرائز، إذا كانت السلوكيات تعبر عن الخروج من منطقة التوازن سواء الخروج إلى اقصى اليمين أو أقصى الشمال، يمكننا القول أن النفس البشرية السوية هي التي تقف في سلوكياتها على الطريق المستقيم، لان السلوك المادي للإنسان هو المظهر الخارجي في عالم الماديات التي يكشف به الغريزة التي تقبع في النفس البشرية، و مدى استقامتها أو خلالها.

    قد يتبادر إلى ذهن القارئ من عنوان المقال أن هناك خطأ في هذا العنوان، و لكن لا يوجد خطأ ما  لأنه  أي خلل كمى أو كيفي من شأنها أن يؤدى إلى ارتكاب الجرائم حتى و لو كان هذا الخلل في غريزة العدالة، كيف يكون ذلك؟ .

   هذا ما سوف نوليه عنايتنا في هذا المقام.

   ماذا نقصد بتعريف و مفهوم غريزة العدالة؟

   غريزة العدالة يمكن تعريفها لغويًا - و ذلك بالجمع بين لفظ الغريزة و لفظ العدالة في قواميس اللغة العربية -  بأنها، الدافع الفطري لدى الإنسان للسعي نحو تحقيق الإنصاف والمساواة في المعاملة، والرغبة في رؤية الأمور تسير بشكل عادل ومنصف. تتعلق هذه الغريزة بالشعور بالحق والباطل، وتؤثر على كيفية تقييم الأفعال والتصرفات في المجتمع. تعتبر غريزة العدالة جزءًا من الفطرة الإنسانية، حيث يسعى الأفراد إلى تحقيق التوازن والعدالة في علاقاتهم بالآخرين.

(   مثال لها حينما نجد مشاجرة في الشارع بين الأطفال أو الكبار  يتولد في داخل النفس البشرية ميل طبيعي  يحركنا نحو التدخل لرد الاعتداء من أحد الأطراف على الأخر و التفريق بينهما ثم معرفة الموضوع وا نصاف المظلوم من الظالم، إما صلحًا و إما برد الاعتداء و هنا يحضرني قول الله تعالى في كتابه الحكيم ﴿ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾[الحجرات: 9]، و هى نفس الغريزة التي دعت سيدنا سليمان عليه السلام إلى أصدار حكم مخالف لابيه نبي الله داود - في واقعة أعتداء الغنم على مزروعات جار لصاحب الغنم - قال تعالى(وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ 78)) سورة الأنبياء، ثم قال في الآية التي بعدها من ذات السورة(فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ)، فالذي دفع سليمان إلى الكلام في حضرت أبيه نبي الله داود هي غريزة العدالة.

    لا  يغيب عن الذهن و المستفاد من هذه الأيات أن تقرير طرق للطعن في  أحكام القضاء يجد أصله في هذه الأيات الكريمة ، و أن  تسبيب  الاحكام  كضمانة للمتقاضين  يجد أصله في نفس هذه الأيات فالموضوع حكم و ليس تحكم. لأذن حساسية غريزة العدالة يختلف فيها البشر، و يستفاد أيضًا من هذه الآيات أن مقام الحكم بين الأخصام مقام عظيم لقوله تعالى (وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ)، فالله تعالى شاهدا للأحكام التي تصدر و يوفق هذا إلى الحق و العدل و يمنع هذا.

   النفس السوية تكون غريزة العدالة فيها سوية، و تكون غريزة العدالة سوية أذا اتسمت بالسمات الأتية (التوازن والاعتدال، التعاطف والرحمة، الالتزام بالقيم الأخلاقية، القدرة على الحُوَار، الوعي الاجتماعي، عدم الانحياز و الحيادية)و هذا ما يتعين  ان يتسم به كل من كان في مقام القضاء في المنازعات.

  و متى تختل غريزة العدالة ؟ أنها تختل في الحالات الآتية (التحيز: قد يؤدي الانحياز إلى عدم رؤية الأمور بشكل موضوعي، مما يسبب ظلمًا لأفراد أو مجموعات معينة. يمكن أن يكون هذا التحيز قائمًا على العرق، الدين، الجنس، أو أي عامل آخر.

التطرف:في بعض الأحيان، قد تؤدي الرغبة في تحقيق العدالة إلى تطرف في المواقف، حيث يسعى الأفراد إلى تحقيق العدالة بأي وسيلة، حتى لو كانت غير قانونية أو غير أخلاقية.

الانتقام:قد تتحول غريزة العدالة إلى رغبة في الانتقام، حيث يسعى الأفراد إلى معاقبة الآخرين بدلاً من السعي لتحقيق العدالة الحقيقية. هذا يمكن أن يؤدي إلى دوامة من العنف والصراع.

المبالغة في المطالب:قد يؤدي الشعور بالظلم إلى مطالبات مبالغ فيها، حيث يسعى الأفراد إلى الحصول على حقوق أو تعويضات تفوق ما هو عادل أو منطقي.

العدالة الانتقائية:قد يحدث انحراف عندما يتم تطبيق العدالة بشكل انتقائي، حيث يتم معاملة بعض الأفراد أو الجماعات بشكل أفضل من الآخرين بناءً على اعتبارات غير موضوعية.

الاستغلال:في بعض الحالات، قد يتم استغلال مفهوم العدالة لتحقيق مصالح شخصية أو جماعية، مما يؤدي إلى تفشي الفساد أو الظلم.

    و اهم أختلال لغريزة العدالة هي جرائم الإرهاب فهذه لجرائم الناشئة عن انحرافات غريزة العدالة كيف يمكن أن تؤدي المشاعر السلبية مثل الظلم والانتقام إلى سلوكيات غير قانونية. من المهم تعزيز الوعي حول هذه الانحرافات والعمل على تحقيق العدالة بطرق سلمية وقانونية، مما يسهم في بناء مجتمعات أكثر أمانًا وتوازنًا. لان معظم مرتكبي جرائم الإرهاب و  هي من أهم الجرائم ذات التأثير الواسع الانتشار على امن و أمان الدول في كافة أنحاء العالم،  يتسمون بخلل كمى أو كيفي في غريزة العدالة ، 

   أرجو أن أكون أعطيت الموضوع حقه من التأصيل و التفصيل .

 و الله الموفق



الأحد، 1 ديسمبر 2024

صناعة الضمير و أثرها الإيجابي على انخفاض كمي في ارتكاب الجريمة (الجزء الأول )

 صناعة الضمير و أثرها الإيجابي على انخفاض كمى في أرتكاب الجريمة  

    مقالنا اليوم،  يعرض للعلاقة بين صناعة الضمير الإنساني و دوره الفاعل و أثره في التقليل من كم أرتكاب الجريمة، لآن الجرائم مهما اختلفت صورها إلا أن بذرتها تنمو في نفس بشرية غير سوية، فالجريمة ثمرة هذه البَذْرَة، و الجريمة أيضاً تعبر عن أختلال في الضمير الإنساني القويم ، أذن فأن صناعة ضمير أنساني قويم ينشأ عنه أنخفاض في كم الجرائم المرتكبة ، و خاصة أن الرقابة الخارجية على الإنسان تعجز عن المراقبة أربعه و عشرون ساعة، فالحل في الرِّقابة الداخلية و هو الضمير، ما هو هذا الضمير ؟ و كيف نصنعه ؟ و ما هو أثره الإيجابي في خفض كمى في ارتكاب الجريمة؟

    تعريف لفظة ضمير في قواميس اللغة العربية ،استعدادٌ نفسي لإِدراك الخبيث والطيب من الأعمال والأَقوال والأَفكار، والتفرقة بينها، واستحسان الحسن واستقباح القبيح منها.

    الضمير هو الوعي النابع من داخل النفس البشرية  الذي يساعد الأفراد في تمييز الصواب من الخطأ.و خير من جسد هذا المفهوم سيدنا محمد صلي الله عليه و سلم حين قال في حديث شريف (البِرُّ: حُسن الخلق، والإثم: ما حاك في نفسك، وكرهتَ أن يطَّلع عليه الناسُ) أخرجه أحمد والدارمي وأبو يعلى والطبراني. و قال  عمر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (إنما الأعمال بالنيات, وإنما لكل امرئ ما نوى, فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله, فهجرته إلى الله ورسوله, ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها, فهجرته إلى ما هاجر إليه) صحيح البخاري و مسلم، المستفاد من ذلك أن الضمير هو الوعى  الداخلي بالخير و الشر ، قال تعالى في محكم أياته (بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ (15))سورةالقيامة.

   أما عن لفظة صناعة في قواميس اللغة العربية فهي مشتقة من فعل صنع اي أنشاء الشي و تعهده للوصول الى شكل معين و من هنا جاء قول الحق سبحانه و تعالي في حديثه عن نبي الله موسى ( وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) )سورةطه ، و قال تعالى (وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي (39)) سورة طه.

   أذن فصناعة الضمير هى أنشاء و تهذيب و خلق الوعى الداخلي بالخير و الشر و الخطأ و الصواب، أي خلق ميزان في النفس البشرية للتميز به و يكون هو منبع السلوك الإنساني في الحياة .

   لخص الرسول صلى الله عليه و سلم هذا المعيار الداخلي في قوله :عن أنس بن مالك رضي الله عنه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه )، رواه البخاري ومسلم. فأنصاف النفس السوية هو الوجه الأخر من أنصاف الآخرين، أي عامل الآخرين بنفس معيار معاملة نفسك ، و ما ترضاه لنفسك أرضاه لغيرك.

   و هنا نذكر المبادئ اللازمة لتشكيل هذا الضمير و قرره الله سبحانه و تعالى في محكم أياته ،  لدى الأفراد. إليك بعض الطرق التي ساهم بها القرآن في تشكيل الضمير:

1. تحديد القيم الأخلاقية: العدل يؤكد القرآن على أهمية العدل في جميع جوانب الحياة. يقول الله تعالى: "إن الله يأمر بالعدل والإحسان" (سورة النحل: 90). هذا يعزز من شعور الأفراد بالمسؤولية تجاه الآخرين.الصدق والأمانة يشدد القرآن على أهمية الصدق والأمانة، حيث يقول: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين" (سورة التوبة: 119). هذه القيم تعزز من الضمير الحي.

2. التوجيه الروحي:التقوى يدعو القرآن إلى تقوى الله، وهي حالة من الوعي الدائم بوجود الله ومراقبته. يقول الله تعالى: "إن أكرمكم عند الله أتقاكم" (سورة الحجرات: 13). هذا الوعي يعزز من الضمير ويجعل الأفراد أكثر حرصًا على تصرفاتهم.التوبة والاستغفار: يشجع القرآن على التوبة والاستغفار، مما يساعد الأفراد على تصحيح أخطائهم وتعزيز ضميرهم. يقول الله تعالى: "وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ" (سورة النور: 31).

3. القصص والعبر:قصص الأنبياء حيث يحتوي القرآن على قصص الأنبياء والأمم السابقة، التي تحمل دروسًا وعبرًا أخلاقية. هذه القصص تساعد الأفراد على فهم عواقب الأفعال وتطوير ضميرهم.التحذير من الظلم يذكر القرآن عواقب الظلم والفساد، مما يعزز من الوعي الأخلاقي لدى الأفراد.

4. الترغيب والترهيب: الترغيب في الخير حيث يشجع القرآن على فعل الخير ومساعدة الآخرين، مما يعزز من الضمير الحي. يقول الله تعالى: "وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ" (سورة البقرة: 195).الترهيب من المعاصي حيث يحذر القرآن من المعاصي والآثام، مما يساعد الأفراد على تجنب السلوكيات الضارة. يقول الله تعالى: "وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا" (سورة الإسراء: 32).

5. التأكيد على المسؤولية الفردية: المسؤولية عن الأفعال حين يذكر القرآن أن كل فرد مسؤول عن أفعاله، مما يعزز من الضمير. يقول الله تعالى: "وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا" (سورة مريم: 95).النية الصادقة حينما  يشدد القرآن على أهمية النية في الأفعال، مما يعزز من الوعي الذاتي والضمير و قد صنع القرآن الكريم للضمير من خلال تقديم قيم أخلاقية واضحة، توجيه روحي، قصص وعبر، الترغيب والترهيب، والتأكيد على المسؤولية الفردية. هذه العناصر تعمل معًا لتعزيز الوعي الأخلاقي والضمير الحي لدى الأفراد، مما يسهم في بناء مجتمع أكثر عدلاً وأخلاقية.

   أما عن الأثر الإيجابي لصناعة الضمير ـ ستناوله في الجزء الثاني لهذا المقال.

 الله الموفق


السبت، 30 نوفمبر 2024

لماذا المناسبة الهامة للبشر مع الله تتم بالليل ؟

لماذا المناسبة الهامة للبشر مع الله تتم بالليل؟ 

    على غير العادة، فيمَا سبق من مقالات التي تتناول النفس البشرية و آفاتها و الجرائم المتولدة عنها و ما جاء ذكره في القرآن الحكيم و السنة النبوية الشريفة، هنا المقال يتناول خاطرة خطرت على و سؤل ألح على فكري إلحاحًا، و هو لماذا ظرف الليل هو للمناسبات الهامة للبشر مع الله؟ قبل أن تناول الرد على هذا السؤال الجلل، يجب أن نثبت حقيقة هامة إن أعظم النعم  التي أنعم بها الله على  الإنسان هي نعمة الهداية  التي أخرجته من ظلام الجهالة و الظلم إلى نور الهداية و التوحيد على يد رسله من الملائكة و البشر.

   و حقيقاً على أن أذكر في هذا المقام ما استظهرته من كونها أهم نعمة من القران الحكيم، قال تعالى في محكم آياته ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ سورة الحجرات (الآية 17)، و قال تعالى ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾سورة الشورى (الآية 52)،  و قال تعالى ﴿ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾سورة الضحى (الآية 7)، و قال تعالى﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾سورة الأعراف (الآية 43). أحتار سيدنا إبراهيم في من هو ربه إلى أن هداه الله إليه في رحلة بحث سيدنا إبراهيم عن  من هو اله هذا الكون، و  هي النعمة الوحيدة التي يفترق فيها البشر عن سائر الكائنات من حوله، و أودع الله سبحانه و تعالى العقل الذي يرشده إلى من هو ربه، ووضع في كل مخلوقاته الدليل على ما  هو ربه و طلب من الإنسان النظر إلى هذه المخلوقات و سوف يؤدي هذا الطريق إلى الله.

   هنا يأتي مقام الرد على السؤال الذي يلح علينا ، لماذا المناسبة الهامة للبشر مع الله تتم بالليل؟ . هنا نستعرض الشرائع التى أرسل بها موسى عليه السلام و أرسل بها نبينا محمد عليه الصلاة و السلام.

   أما عن ورود ظرف الليل في رسالة موسى عليه السلام إلى بنى إسرائيل ، قال تعالى (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ) ﴿٥١ البقرة﴾، قال تعالى (فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) سورة القصص الآية (29)، و قال تعالى الإشارة إلى النار قرينة على الليل، و قال تعالى(وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ)١٤٢ الأعراف، هذه الأيات و غيرها تقطع بأن التوراة و الألواح و الاتصال مع الله كان في ظرف الليل.

  أما ظرف الليل مع سيدنا محمد عليه الصلاة و السلام كثيرة منها، قال الله سبحانه و تعالى  (إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةِ ٱلۡقَدۡرِ )سورة القدر آيه (1)، و قال تعالى (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) سورة الإسراء أية (1)، و قال تعالى (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا) سورة الإنسان الأية (26)، وقال تعالى (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا )﴿79 الإسراء﴾، و قال تعالى في سورة باسم الليل (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ (1))، و غيرها من الايات التى ورد فيها ذكر الليل أو الليلة ، كما ورد في السنة النبوية الشريفة تجلى الله سبحانه و تعالى في الثلث الاخير من الليل في كل يوم من ايام السنة و يتجلى نهارا في يوم وقفة عرفة ، قال الرسول صلى الله عليه و سلم ، رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ينزل الله إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأول، فيقول: أنا الملك، أنا الملك، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له، من ذا الذي يسألني فأعطيه، من ذا الذي يستغفرني فأغفر له. فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر.)، أذن ساعات الليل مباركة و ذلك لان التوراة و القران الكريم قد ثبت نزولهم بالليل، لماذا ساعات الليل مباركة، لماذا كل المناسبات الهامة للبشر من خلال الرسالة السماوية تتم بالليل ، لم أجد لهذا السؤال رد و علمها عند ربي ، يكفيني شرف المحاولة و البحث على رد هذا السؤال  .

و الله الموفق

الجمعة، 29 نوفمبر 2024

صور الانحراف الكمي أو الكيفي في غريزة حب التملك و علاج القران الكريم

 صور الانحراف الكمي أو الكيفي في غريزة حب التملك  و علاج القران الكريم و السنة النبوية لها

   المال هو كل شيء ذو قيمة، و يكتسب هذه القيمة من طلب الناس له، فكل ما يزهد الناس في الشيء تقل قيمته و كلّما يتدافع الناس عليه يزداد قيمته، و يدخل في تقييم الشيء عامل الندرة، فالعلاقة بين ندرة الشيء و قيمته عِلاقة عكسية، فكلما ندر الشيء زادت قيمته و كلما زاد الشيء قلت قيمته. و الأمثلة على ذلك  كثيرة  فالذهب و الفضة و الجواهر مثل الماس  و اللؤلؤ و المرجان و غيرها من الجواهر هذه الأشياء يغلب عليها ازدياد طلب الناس عليها لندرتها في حين الحال في التراب غير ذلك فكثرته و عدم أزدياد طلب الناس عليه فقيمته زهيدة.

   هذا المعيار معيار نسبي و متغير، فلماذا هو نسبي و متغير؟ نسبي لان الناس و الأشياء تختلف من مكان إلى اخر و لذلك كان هذا السبب في قيام العلاقات التجارية بين البشر، أما أنه متغير لان الأشياء و الناس تتطور حاجاتها عبر الزمن و المكان إلى قيام الساعة. فقد قامت العلاقات بين البشر لإشباع حاجاتها ، فهذا الفلاح يزرع و يحصد و هذا الصانع يصنع و هذا التاجر ينقل الأشياء من مكان إلى اخر و يعرضه للبيع في مكان أخر ، سبحانه و تعالى في سورة قريش حين قال (لِإِيلَٰفِ قُرَيۡشٍ (1) إِۦلَٰفِهِمۡ رِحۡلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيۡفِ (2) فَلۡيَعۡبُدُواْ رَبَّ هَٰذَا ٱلۡبَيۡتِ (3) ٱلَّذِيٓ أَطۡعَمَهُم مِّن جُوعٖ وَءَامَنَهُم مِّنۡ خَوۡفِۭ (4))، هذه الرحلات كانت للتجارة و  هي رحلتي اليمن و الشام و ذكر في هذه السورة أهم نعمتين من نعم الله سبحانه و تعالى  على أهل مكة و هو الأمن الغذائي و الأمن النفسي و يندرج تحتهما نعم كثيرة متولدة عنها . و سبحانه تعالى حين جعل نقصانهما من أيات البلاء و صدق حين قال (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155))سورة البقرة.

   و قد جعل الله سبحانه و تعالي تحكم تملك المال و تداوله بين الناس و الأيات في ذلك كثيرة نذكر منها قوله و تعالى(وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)سورة البقرة آية (275)و قالت تعالى في اثبات تداول الاموال (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ)سورة البقرة الأية (282)، و استثنى من الكتابة لسرعة تداول الأموال و العلاقات التجارية التي تتطلب طبيعتها عنصر السرعة في التبادل حين قال (إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةٗ تُدِيرُونَهَا بَيۡنَكُمۡ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَلَّا تَكۡتُبُوهَاۗ)سورة البقرة الأية (282).

    لماذا أتناول هنا غريزة حب التملك؟ لأنها الغريزة الأكثر قربًا و اتصالًا بالأموال، ما هى هذه الغريزة ؟ إنها  غريزة حب التملك هي دافع طبيعي في الإنسان للسعي إلى الحصول على الممتلكات المادية والمعنوية، وتحقيق السيطرة عليها. و تحكم هذه الغريزة قوانين أخلاقية و نظامية حتى لا تتحول الحياة الى فوضى .

  و الخلل الكمي في غريزة حب التملك ، هو عدد الجرائم الناتجة عن غريزة حب التملك و  هي تشكل جرائم تُعد من أكثر الجرائم شيوعًا في المجتمعات، وتشمل سرقات الأموال والممتلكات، وجرائم الاحتيال، والتزوير و الرشوة و ما شاكلها من جرائم الاعتداء على المال العام. و هى تشكل نسبة كبيرة من الجرائم الاقتصادية على مستوى العالم. هذا عن الخلل الكمي و أما عن الخلل الكيفي فهو  أنواع الجرائم الناتجة عن حب التملك فهي جرائم الاعتداء على المال كالسرقة بأنواعها و النصب و خيانة الأمانة و جرائم الابتزاز و جرائم التزوير ، و غيرها كثير من الجرائم التى تتشكل فيها انحرافات تعبر عن تجسد هذه الغريزة في عالم الشهادة و المادة .

    هل ترك الله الإنسان دون أن يضع له ضوابط في إشباع هذه الغريزة؟ لم يجعل الله في هذه الحياة شيئًا وا لا جعل له نظام، فالنظام هو سنة من سنن الله و لن تجد  لسنة الله تبديل و لا تحويل .

  في مقام الحصول على المال ، جعل  السعي بالحصول عليه من مصادره المشروعة و حث على السعي و العمل ، قال تعالى (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15)) سورة الملك ، و قال تعالى (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ )﴿٣٩ النجم﴾، و قال تعالى (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ) (البقرة: 188). و قال تعالى(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ) (المائدة: 38).

   و قال في مقام تشرّيع الزكاة لتنظيم توزيع الثروات، وللحد من الجرائم الناتجة عن الفقر والطمع(خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا)(التوبة: 103).

   و نظم القران الكريم كيفية تداول الأموال بالعقود قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ )سورة المائدة آية (1)، و قال تعالى (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ)(هود: 85). هذا المجال مجال لرسائل دكتوراة لان مقام المقال مساحته وجيز.

    و نظم أنتقال المال من السلف الى الخلف بتنظيم المواريث و الوصية ، قال تعالى (لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (7)) سورة النساء.

   نخلص من ذلك ما هى غريزة حب التملك، و ما هو الخلل الكمي و الكيفي و الجرائم المتولدة عنها ، و بعض من ضوابط القران الكريم في وضع نظام محكم في أشباع هذه الغريزة لجعلها على الصراط المستقيم تحقيقًا لمصلحة العباد لان الله غنى عنا.

  و الله الموفق  

  

الأربعاء، 27 نوفمبر 2024

بحث العلاقة بين النفس البشرية و بين الجريمة

بحث العِلاقة  بين النفس البشرية و بين  الجريمة 

    أهتم القرآن الحكيم بالنفس البشرية أهتمامًا جمًا، فقد جبلت النفس البشرية و فيها الخير و الشر، مصداقًا لقول الله - سبحانه و تعالى - (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)) سورة الشمس، و منح الله الآنسان العقل الذي  هو معياره في الاختيار بين سلوك هذا الطريق أو ذاك، و راعى في تكليفه للإنسان الدرجة التي وصل  إليها نمو العقل و ربطها بالسن، و لكن ليس من اللزوم العقلي عند الوصول إلى سن معين  أن يتحقق كمال نُضْج العقل، فالأمر الذي تشهده الحياة أن هناك تفاوت متعدد الدرجات بين الأفراد، فمنهم من يكتمل نُضْج عقله في سن صغيرة و منهم ما يكتمل نُضْج عقله في سن كبيرة، و هنا تلعب تجارِب الحياة  دورًا هامًا في صقل هذا النُّضْج العقلي.

    و من العجيب أن القرآن الحكيم ذكر ثلاث حالات وصف فيها النفس البشرية، لكل حالة من هذه الحالات الثلاث سمات تتميز بها النفس البشرية، و الفرد قد تمر عليه خلال اليوم الحالات الثلاث أو حالتين أو حالة، ما  هي هذه الحالات الثلاث و السمات التي تميز كل حالة .

   الحالة الأولى - حالة النفس الأمارة بالسوء، قال تعالى (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ) سورة يُوسُف الآية 53، سمات هذه الحالة في مجملها النفس تميل إلى الشهوات والرغبات الدنيوية وتغلب عليها الدوافع السلبية والهوى، تُغري الإنسان باتباع الشهوات وإشباع الرغبات المحرّمة، تميل إلى  العصيان وتقديم المنفعة الآنية على القيم والأخلاق، تُسيطر عليها الأهواء والوساوس وتُعد  هذه الحالة مصدرًا رئيسيًا للسلوكيات الخاطئة والمعاصي و الجريمة.

   الحالة الثانية - حالة النفس اللوامة، قال تعالى (وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) سورة القيامة  الآية 2، و سماتها تلوم صاحبها عند ارتكاب الأخطاء أو التقصير في حق الله أو النفس أو الآخرين، تُراجع أفعالها باستمرار وتبحث عن التوبة والإصلاح، تجمع بين الخير والشر، لكنها تميل إلى الخير، فهي تعكس حالة من الوعي الذاتي والرغبة في تحسين السلوك. تُعتبر مرحلة انتقالية بين النفس الأمارة بالسوء والنفس المطمئنة.

   الحالة الثالثة - حالة النفس المطمئنة، قال تعالى (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ) سورة الفجر الآية 27، وهى الحالة التي يرضى الله عنها و يرضيها، هى حالة من النفس التي وصلت إلى حالة من السلام الداخلي والطمأنينة بفضل الإيمان الكامل بالله واليقين بوعده والالتزام بأوامره. تجدها مطمئنة بذكر الله وثقتها فيه، تتقبل أقدار الله برضى، سواء كانت خيرًا أو شرًا، لا تضطرب أمام التحديات والشدائد، تتمتع بالسكينة في القلب، الإقبال على الطاعات بحب، الإحساس بالأمان والرضا. للوعى لهذه الحالات فيتأمل الواحد منا في أخر يومه، و مراجعة أفعاله خلال اليوم ليستشف منها متى كانت نفسه في هذه الحالة أو تلك، و أن جاز لنا استعارة لغة أهل التجارة و الأعمال فإنه يقوم  بعمل كشف حساب نفسي و سلوكي، كما يراجع حساباته البنكية  في خانات الدائن و المدين، فمراجعة الحساب النفسي و السلوكي لهى أولى  من مراجعة حساباته البنكية.

    أما البحث في العِلاقة بين النفس البشرية و الجريمة، النفس البشرية لها تأثير عميق ومباشر على السلوك الإجرامي، إذ تعتبر النفس من أهم العوامل الداخلية التي تحدد تصرفات الفرد وتوجهاته، سواء كانت إيجابية أو سلبية. هذا التأثير يمكن تحليله من خلال الجوانب التالية:

    دور النفس الأمّارة بالسوء، تمثل مصدر الدوافع الإجرامية نتيجة ميولها للشهوات والهوى حيث  تدفع الفرد للبحث عن إشباع رغباته بأي وسيلة، حتى لو كانت غير مشروعة، و من أنماط الإجرام المرتبطة بالنفس الأمّارة، الجرائم المتعلقة بالشهوات (مثل الزنا والتحرش)، الجرائم الناتجة عن الطمع (كالسرقة والاحتيال)، جرائم العنف بدافع الانتقام أو الغضب.

    أما عن دور النفس اللوامة، تقلل من احتمالية الإجرام بسبب دورها في محاسبة الذات والندم على الأخطاء، تشكل آلية رِقابة ذاتية تمنع الإنسان من التمادي في الخطأ. عند ارتكاب الفرد فعلًا خاطئًا، فإن النفس اللوامة تجعله يشعر بالذنب وتدفعه للتوبة وتصحيح المسار بدلًا من تكرار الفعل الإجرامي. المجرمون الذين  لديهم نفس لوامة قد يعترفون بجرائمهم أو يعيدون الحقوق لأصحابها. فهي تقلل من الجرائم المتكررة وتحث على الإصلاح.نجد أن الحالة الأولي و الثانية من حالات النفس البشرية تستأثر بهذه المساحة منطقة الجريمة، لآن الجريمة هي هوى النفس الذي يدفعها إلى ارتكاب فعل مجرم بعد الموازنة بين ارتكاب الفعل و بين سعر العقوبة

   أما عن دور النفس المطمئنة فهي نادرًا أن ترتكب الجرائم، و قلنا نادرً، لآن الكمال المطلق لله وحده. 

  نعرض الآن لصنف من المجرمين يوازنون بين الجريمة وسعر العقوبة قبل ارتكاب أفعالهم، خاصة إذا كانوا يتمتعون بقدر من الوعي والتخطيط. يُطلق على هذا التوجه في علم الإجرام "حساب التكلفة والمنفعة"، حيث يقارن المجرم بين المكاسب المحتملة من الجريمة والمخاطر أو التكاليف المترتبة عليها. ومع ذلك، فإن هذه العملية ليست ثابتة وتعتمد على عدة عوامل، هي: 

   كيف يوازن المجرم بين الجريمة والعقوبة؟ ، تحليل المكاسب بالتفكير في الأرباح أو الفوائد الناتجة عن الجريمة (مثل المال، الانتقام، المكانة الاجتماعية، أو إشباع رغبة)، ثم تقييم المخاطر:تحليل احتمال القبض عليه، نوع العقوبة وشدتها، وقدرته على تجنب العقوبة(الهروب، التلاعب القانوني)، ثم اتخاذ القرار إذا رأى المجرم أن المكاسب تفوق العقوبة، قد يقرر المضي في ارتكاب الجريمة.

   هناك عوامل أخرى مؤثرة لا مجال للتطرق إليها هنا حيث يقصر الكلام هنا على بحث العِلاقة بين النفس البشرية و الجريمة، و حالات النفس البشرية و تأثيرها في الجريمة، و تحديد كل حالة من حالات النفس البشرية و دورها في الجريمة، و خلصنا إلى أن الحالة الأولي و الثانية للنفس البشرية لها دور فاعل في ارتكاب الجريمة، مع ندرت الجرائم المرتكبة في الحالة الثالثة للنفس البشرية، و تتطرق حديثنا إلى ألية تفكير المجرم عند الموازنة بين الإقدام على ارتكاب الجريمة و بين الإحجام عن أرتكابها. قد أفلح من زكاها و قد خاب من دسها.

  الله الموفق


خُلُقُ الأَنَاةِ: فَضِيلَةُ الصَّبْرِ وَحِكْمَةُ التَّأَنِّي فِي زَمَنِ العَجَلَةِ

خُلُقُ الأَنَاةِ: رِحْلَةُ العَقْلِ فِي نَيْلِ الحِكْمَةِ وَسَكِينَةِ الرُّوحِ مقدمة: حقيقة الأناة وغايتها الإنسانية    يعيش الإنسان المعاصر...