رقابة الإمتناع عن تطبيق نص القانون المخالف للدستور في قضاء محكمة النقض المصرية
مقدمة :
من المعلوم بالضرورة منذ أنشاء القضاء الدستوري في مصر ، أن المحكمة العليا ثم من بعدها المحكمة الدستوريا العليا ، هى المحكمة المختص ولائياً بإلغاء النص التشريعي أو النص اللائحي المخالف لنصوص الدستور ، بل تطور قضائها الى ملء الفراغ التشريعي في بعض النصوص ، فيما يعرف أصطلاحاً برقابة الاغفال التشريعي .
السؤال هنا هل يملك القضاء العادي ( المدني و الجنائي ) و الذي يقف على قمته محكمة النقض المصرية
أن يتعرض للنص القانوني المخالف للدستور و يتجنب أعمال النص القانوني و أعمال النص الدستوري مباشرة دون اللجوء الى الاحالة الى المحكمة الدستورية العليا لنظر مسألة الدستورية ، بإعتبار أنه على القاضي أعمالاً لمبدأ سيادة القانون ، و مبدأ سمو الدستور ، و مبدأ تدرج القواعد القانونية و التى يعلوها جميعاً النصوص الدستورية ؟، الأجابة هنا بنعم و يصطلح الفقه القانوني على تسمية الامتناع عن تطبيق النص القانوني المخالف للدستور و تطبيق النص الدستوري برقابة الامتناع .
ما المقصود برقابة الامتناع؟
الفكرة في ابسط صورها ، قد تجد المحكمة أثناء نظر الدعوى أن أحد النصوص الواجبة التطبيق على الدعوى التى تنظرها مخالف لنص في الدستور ، هنا من المتعين على المحكمة طبقاً لمبدأ سيادة القانون و مبدأ سمو الدستور و مبدأ تدرج القواعد القانونية في ظل أختصاص المحكمة الدستورية العليا ولائياً بإلغاء النص التشريعي المخالف للدستور ، و لا يملك القضاء العادي إلغاء نص تشريعي لانه يمثل أعتداء صريح على مبدأ الفصل بين السلطات . و هنا أعمل القضاء العادي رقابته في ظل أنه ملزم بتطبيق القانون بمعناه الواسع و الذي يشمل النصوص الدستورية ، بأستبعاد تطبيق النص القانوني المخالف و تطبيق النص الدستوري و هذا هو المقصود برقابة الامتناع .
هل يوجد احكام لمحكمة النقض المصرية في هذا الصدد ؟ نعم يوجد و ستناول بعض هذه الاحكام و تناول الدعوى التى صدرت فيها و ما هى الاساس القانوني و حيثيات محكمة النقض ، و أهمية هذه الاحكام أنها صدرت بعد أنشاء القضاء الدستوري المتجسد اليوم في المحكمة الدستورية العليا.
التطبيقات:الطعن رقم 30342 - لسنة 70 قضائية - تاريخ الجلسة 28-4-2004
1- في مجال الدعوى الجنائية : الوقائع - الدعوى الجنائية أقيمت على (الطاعن الأول بوصف أنه خلال الفترة من سنة ..... بدائرة محافظة الجيزة: بصفته من العاملين في الجهاز الإداري في الدولة ونائباً لوزير الشباب والرياضة ثم رئيساً للمجلس الأعلى للشباب والرياضة ثم وزيراً للشباب والرياضة ثم محافظاً للجيزة حصل لنفسه ولزوجته ..... وولديه القاصرين ...... على كسب غير مشروع بسبب استغلاله للوظائف التي تولاها سالفة الذكر مما أدى إلى زيادة طارئة في ثروته بما لا يتناسب مع موارده المالية وعجز عن إثبات مصدر مشروع لها) ومحكمة جنايات ..... قضت في ..... بمعاقبته بالحبس مع الشغل لمدة سنة واحدة وبتغريمه ما يوازي ما طرأ على ثروته من زيادة وبرد مثل ذلك المبلغ من أموال كل منهم بقدر ما استفاد من هذا الكسب وذلك عملاً بالفقرة الثانية من المادة الثانية من القانون رقم 62 لسنة 1975 في شأن الكسب غير المشروع مع إيقاف تنفيذ عقوبة الحبس فقط.
محكمة النقض قضت بنقض الحكم و ببراءة الطاعن ، و ذلك تأسيساً على أعمال رقابة الامتناع قائلة في حكمها مبادئ هى:-
1-1-إن التشريع يتدرج درجات ثلاث هي الدستور ثم التشريع العادي ثم التشريع الفرعي أو اللائحة، وهذا التدرج في القوة ينبغي أن يسلم منطقاً إلى خضوع التشريع الأدنى للتشريع الأعلى، ولا خلاف على حق المحاكم في الرقابة الشكلية للتأكد من توافر الشكل الصحيح للتشريع الأدنى كما يحدده التشريع الأعلى أي للتأكد من تمام سنه بواسطة السلطة المختصة وتمام إصداره ونشره وفوات الميعاد الذي يبدأ منه نفاذه، فإن لم يتوافر هذا الشكل تعين على المحاكم الامتناع عن تطبيقه.
1- 2- من حيث رقابة صحة التشريع الأدنى من حيث الموضوع، فقد جاء اللبس حول سلطة المحاكم في الامتناع عن تطبيق تشريع أدنى مخالف لتشريع أعلى إزاء ما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة 175 من الدستور القائم بقولها: تتولى المحكمة الدستورية العليا دون غيرها الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح وتتولى تفسير النصوص التشريعية وذلك كله على الوجه المبين في القانون." ولا جدال أنه على ضوء النص الدستوري سالف البيان فإن اختصاص المحكمة الدستورية العليا المنفرد بالحكم بعدم دستورية النص التشريعي المطعون فيه أو إلى دستوريته لا يشاركها فيه سواها، وحجية الحكم في هذه الحالة مطلقة تسري في مواجهة الكافة. على أنه في ذات الوقت للقضاء العادي التأكد من شرعية أو قانونية التشريع الأدنى بالتثبت من عدم مخالفته للتشريع الأعلى، فإن ثبت له هذه المخالفة اقتصر دوره على مجرد الامتناع عن تطبيق التشريع الأدنى المخالف للتشريع الأعلى دون أن يملك إلغاءه أو القضاء بعدم دستوريته وحجية الحكم في هذه الحالة نسبية قاصرة على أطراف النزاع دون غيرهم، ويستند هذا الاتجاه إلى أن القضاء ملزم بتطبيق أحكام الدستور وأحكام القانون على حد سواء، غير أنه حين يستحيل تطبيقهما معاً لتعارض أحكامهما، فلا مناص من تطبيق أحكام الدستور دون أحكام القانون إعمالاً لقاعدة تدرج التشريع وما يحتمه منطقها من سيادة التشريع الأعلى على التشريع الأدنى)
1- 3-أن القضاء ملزم بتطبيق أحكام الدستور وأحكام القانون على حد سواء، غير أنه حين يستحيل تطبيقهما معاً لتعارض أحكامهما، فلا مناص من تطبيق أحكام الدستور دون أحكام القانون إعمالاً لقاعدة تدرج التشريع وما يحتمه منطقها من سيادة التشريع الأعلى على التشريع الأدنى كما يؤيد هذا النظر ما جرى عليه قضاء المحكمة الدستورية العليا بأنه لا شأن للرقابة الدستورية بالتناقض بين قاعدتين قانونيتين من مرتبة واحدة أو مرتبتين مختلفتين، كما لا يمتد اختصاص المحكمة لحالات التعارض بين اللوائح والقوانين ولا بين التشريع ذات المرتبة الواحدة، وإن هذا القول مجرد امتداد لما انعقد عليه الإجماع من حق المحاكم في رقابة قانونية اللوائح أو شرعيتها وما جرى عليه قضاء محكمة النقض من الامتناع عن تطبيق اللائحة المخالفة للقانون بينما يختص القضاء الإداري بإلغاء هذه اللائحة، ومن غير المقبول أن يقرر هذا الحق للقضاء العادي بينما يمنع من رقابة مدى اتفاق القوانين مع قواعد الدستور وعدم مخالفتها له، فهذان النوعان من الرقابة القضائية ليسا إلا نتيجتين متلازمتين لقاعدة تدرج التشريع، وليس من المنطق ـ بل يكون من المتناقض ـ التسليم بإحدى النتيجتين دون الأخرى، فما ينسحب على التشريع الفرعي من تقرير رقابة قانونيته أو شرعيته، ينبغي أن ينسحب كذلك على التشريع العادي بتخويل المحاكم حق الامتناع عن تطبيق القانون المخالف للدستور.
1- 4 - أن تخويل المحاكم هذا الحق يؤكد مبدأ الفصل بين السلطات، لأنه يمنع السلطة التشريعية من أن تفرض على السلطة القضائية قانوناً تُسنه على خلاف الدستور وتجبرها بذلك على تطبيقه، مما يخل باستقلالها ويحد من اختصاصها في تطبيق القواعد القانونية والتي على رأسها قواعد الدستور. ويؤكد هذا النظر أيضاً أن الدستور في المادة 175 منه أناط بالمحكمة الدستورية العليا حق تفسير النصوص التشريعية وأوضحت المذكرة الإيضاحية لمشروع القانون رقم 48 لسنة 1979 بإصدار قانون المحكمة الدستورية العليا حق جهات القضاء الأخرى في هذا الاختصاص بقولها: "كما أن هذا الاختصاص لا يصادر حق جهات القضاء الأخرى جميعاً في تفسير القوانين وإنزال تفسيرها على الواقعة المعروضة عليها مادام لم يصدر بشأن النص المطروح أمامها تفسير ملزم سواء من السلطة التشريعية أو من المحكمة الدستورية العليا" فرغم اختصاص المحكمة الدستورية العليا بالتفسير الملزم للكافة فإن المشرع لم يسلب هذا الحق من المحاكم مادام لم يصدر قرار بالتفسير من المحكمة الدستورية العليا أو من السلطة التشريعية وهو ذات الشأن بالنسبة لامتناع المحاكم عن تطبيق القانون المخالف للدستور مادام لم يصدر من المحكمة الدستورية العليا حكم بدستورية النص القانوني أو عدم دستوريته.
1- 5-وقد أيدت المحكمة الدستورية العليا هذا الاتجاه بطريق غير مباشر وذلك عندما قضت محكمة النقض بتاريخ 24 من مارس سنة 1975 باعتبار المادة 47 من قانون الإجراءات الجنائية تخالف نص المادة 44 من الدستور واعتبرتها منسوخة بقوة الدستور ثم جاءت المحكمة الدستورية العليا بتاريخ 2 من يونيو سنة 1984 وقضت بعدم دستورية المادة 47 من قانون الإجراءات الجنائية في القضية رقم 5 لسنة 4 قضائية دستورية ولم تذهب المحكمة الدستورية العليا إلى القول بأن قضاء محكمة النقض السابق جاوز اختصاصه أو فيه اعتداء على سلطة المحكمة العليا التي كانت قائمة قبل المحكمة الدستورية العليا وبذات الاختصاص. كما صدر بتاريخ 15 من سبتمبر سنة 1993 حكم آخر لمحكمة النقض باعتبار المادة 49 من قانون الإجراءات الجنائية منسوخة بقوة الدستور لمخالفتها المادة 41 منه ولم يصدر حكم للمحكمة الدستورية العليا بعد في هذا الشأن.
1- 6 -خلاصة ما سلف إيراده أنه في الأحوال التي يرى فيها القضاء العادي أن القانون قد نسخه الدستور بنص صريح، لا يعتبر حكمه فاصلاً في مسألة دستورية، ولا يحوز هذا الحكم بذلك سوى حجية نسبية في مواجهة الخصوم دون الكافة. لما كان ما تقدم، وكان قضاء محكمة النقض قد جرى أيضاً على أن الشرعية الإجرائية سواء ما اتصل منها بحيدة المحقق أو بكفالة الحرية الشخصية والكرامة البشرية للمتهم ومراعاة حقوق الدفاع، أو ما اتصل بوجوب التزام الحكم بالإدانة بمبدأ مشروعية الدليل وعدم مناهضته لأصل دستوري مقرر، جميعها ثوابت قانونية أعلاها الدستور والقانون وحرص على حمايتها القضاء ليس فقط لمصلحة خاصة بالمتهم وإنما بحسبانها في المقام الأول تستهدف مصلحة عامة تتمثل في حماية قرينة البراءة وتوفير اطمئنان الناس إلى عدالة القضاء، فالغلبة للشرعية الإجرائية ولو أدى إعمالها لإفلات مجرم من العقاب وذلك لاعتبارات أسمى تغياها الدستور والقانون.
1- 7-كان قضاء المحكمة الدستورية العليا قد جرى أيضاً على أن افتراض براءة المتهم وصون الحرية الشخصية من كل عدوان عليها أصلان كفلهما الدستور بالمادتين 41، 67 فلا سبيل لدحض أصل البراءة بغير الأدلة التي تقيمها النيابة العامة وتبلغ قوتها الإقناعية مبلغ الجزم واليقين مثبتة بها الجريمة التي نسبتها إلى المتهم في كل ركن من أركانها وبالنسبة لكل واقعة ضرورية لقيامها وبغير ذلك لا ينهدم أصل البراءة إذ هو من الركائز التي يستند إليها مفهوم المحاكمة المنصفة. وهذا القضاء تمشياً مع ما نصت عليه المادة 67 من الدستور من أن "المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه" ومفاد هذا النص الدستوري أن الأصل في المتهم البراءة وأن إثبات التهمة قبله يقع على عاتق النيابة العامة فعليها وحدها عبء تقديم الدليل، ولا يلزم المتهم بتقديم أي دليل على براءته، كما لا يملك المشرع أن يفرض قرائن قانونية لإثبات التهمة أو لنقل عبء الإثبات على عاتق المتهم. ولقد تواترت أحكام المحكمة الدستورية العليا على القضاء بعدم دستورية القوانين التي تخالف هذا المبدأ وعلى سبيل المثال ما قررته المادة 195 من قانون العقوبات، وما نصت عليه الفقرة الثانية من المادة الثانية من القانون رقم 48 لسنة 1941 بقمع التدليس والغش، وما نصت عليه الفقرة الثانية من المادة 15 من قانون الأحزاب السياسية، وما نصت عليه المادة 121 من قانون الجمارك الصادر بالقرار بقانون رقم 66 لسنة 1963، وكذلك ما نصت عليه المواد 37، 38، 117 من قانون الجمارك سالف الإشارة، وكذلك ما نصت عليه المواد 2، 10، 11، 12، 14، 14 مكرر من القانون رقم 10 لسنة 1966 بشأن مراقبة الأغذية وتنظيم تداولها. كما قضت محكمة النقض في الطعن رقم 22064 لسنة 63 ق بتاريخ 22 من يوليه سنة 1998 باعتبار الفقرة التاسعة من المادة 47 من قانون الضريبة العامة على المبيعات رقم 11 لسنة 1991 منسوخاً ضمناً بقوة الدستور وجميع هذه النصوص ذات قاسم مشترك في أنها خالفت قاعدة أصل البراءة المنصوص عليها في الدستور ونقلت عبء الإثبات على عاتق المتهم.
فيما سبق تناولنا مفهوم رقابة الامتناع عن تطبيق النص التشريعي المخالف للدستور و تطبيقات قضائية له و اردت أن أذكر حيثيات المحكمة دون أضافة أو تعديل أو تصريف لانه حكماً قضائياً يسطر بأحرف من نور العدالة ، و أعتقد أنه من الاحكام النادرة الصادرة في المجال الجنائي ، و على ضوء أدراك ما بين أسطر هذا الحكم ، يمكنا القول بدفع جديد و هو الدفع بالامتناع عن النص التشريعي المخالف للدستور و لكن يجب أن يكون الدفع مؤسساً قانوناً و واقعيا حتى يقبل أمام القضاء .
الله و لي التوفيق.