السبت، 30 نوفمبر 2024

لماذا المناسبة الهامة للبشر مع الله تتم بالليل ؟

لماذا المناسبة الهامة للبشر مع الله تتم بالليل؟ 

    على غير العادة، فيمَا سبق من مقالات التي تتناول النفس البشرية و آفاتها و الجرائم المتولدة عنها و ما جاء ذكره في القرآن الحكيم و السنة النبوية الشريفة، هنا المقال يتناول خاطرة خطرت على و سؤل ألح على فكري إلحاحًا، و هو لماذا ظرف الليل هو للمناسبات الهامة للبشر مع الله؟ قبل أن تناول الرد على هذا السؤال الجلل، يجب أن نثبت حقيقة هامة إن أعظم النعم  التي أنعم بها الله على  الإنسان هي نعمة الهداية  التي أخرجته من ظلام الجهالة و الظلم إلى نور الهداية و التوحيد على يد رسله من الملائكة و البشر.

   و حقيقاً على أن أذكر في هذا المقام ما استظهرته من كونها أهم نعمة من القران الحكيم، قال تعالى في محكم آياته ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ سورة الحجرات (الآية 17)، و قال تعالى ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾سورة الشورى (الآية 52)،  و قال تعالى ﴿ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾سورة الضحى (الآية 7)، و قال تعالى﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾سورة الأعراف (الآية 43). أحتار سيدنا إبراهيم في من هو ربه إلى أن هداه الله إليه في رحلة بحث سيدنا إبراهيم عن  من هو اله هذا الكون، و  هي النعمة الوحيدة التي يفترق فيها البشر عن سائر الكائنات من حوله، و أودع الله سبحانه و تعالى العقل الذي يرشده إلى من هو ربه، ووضع في كل مخلوقاته الدليل على ما  هو ربه و طلب من الإنسان النظر إلى هذه المخلوقات و سوف يؤدي هذا الطريق إلى الله.

   هنا يأتي مقام الرد على السؤال الذي يلح علينا ، لماذا المناسبة الهامة للبشر مع الله تتم بالليل؟ . هنا نستعرض الشرائع التى أرسل بها موسى عليه السلام و أرسل بها نبينا محمد عليه الصلاة و السلام.

   أما عن ورود ظرف الليل في رسالة موسى عليه السلام إلى بنى إسرائيل ، قال تعالى (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ) ﴿٥١ البقرة﴾، قال تعالى (فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) سورة القصص الآية (29)، و قال تعالى الإشارة إلى النار قرينة على الليل، و قال تعالى(وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ)١٤٢ الأعراف، هذه الأيات و غيرها تقطع بأن التوراة و الألواح و الاتصال مع الله كان في ظرف الليل.

  أما ظرف الليل مع سيدنا محمد عليه الصلاة و السلام كثيرة منها، قال الله سبحانه و تعالى  (إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةِ ٱلۡقَدۡرِ )سورة القدر آيه (1)، و قال تعالى (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) سورة الإسراء أية (1)، و قال تعالى (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا) سورة الإنسان الأية (26)، وقال تعالى (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا )﴿79 الإسراء﴾، و قال تعالى في سورة باسم الليل (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ (1))، و غيرها من الايات التى ورد فيها ذكر الليل أو الليلة ، كما ورد في السنة النبوية الشريفة تجلى الله سبحانه و تعالى في الثلث الاخير من الليل في كل يوم من ايام السنة و يتجلى نهارا في يوم وقفة عرفة ، قال الرسول صلى الله عليه و سلم ، رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ينزل الله إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأول، فيقول: أنا الملك، أنا الملك، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له، من ذا الذي يسألني فأعطيه، من ذا الذي يستغفرني فأغفر له. فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر.)، أذن ساعات الليل مباركة و ذلك لان التوراة و القران الكريم قد ثبت نزولهم بالليل، لماذا ساعات الليل مباركة، لماذا كل المناسبات الهامة للبشر من خلال الرسالة السماوية تتم بالليل ، لم أجد لهذا السؤال رد و علمها عند ربي ، يكفيني شرف المحاولة و البحث على رد هذا السؤال  .

و الله الموفق

الجمعة، 29 نوفمبر 2024

صور الانحراف الكمي أو الكيفي في غريزة حب التملك و علاج القران الكريم

 صور الانحراف الكمي أو الكيفي في غريزة حب التملك  و علاج القران الكريم و السنة النبوية لها

   المال هو كل شيء ذو قيمة، و يكتسب هذه القيمة من طلب الناس له، فكل ما يزهد الناس في الشيء تقل قيمته و كلّما يتدافع الناس عليه يزداد قيمته، و يدخل في تقييم الشيء عامل الندرة، فالعلاقة بين ندرة الشيء و قيمته عِلاقة عكسية، فكلما ندر الشيء زادت قيمته و كلما زاد الشيء قلت قيمته. و الأمثلة على ذلك  كثيرة  فالذهب و الفضة و الجواهر مثل الماس  و اللؤلؤ و المرجان و غيرها من الجواهر هذه الأشياء يغلب عليها ازدياد طلب الناس عليها لندرتها في حين الحال في التراب غير ذلك فكثرته و عدم أزدياد طلب الناس عليه فقيمته زهيدة.

   هذا المعيار معيار نسبي و متغير، فلماذا هو نسبي و متغير؟ نسبي لان الناس و الأشياء تختلف من مكان إلى اخر و لذلك كان هذا السبب في قيام العلاقات التجارية بين البشر، أما أنه متغير لان الأشياء و الناس تتطور حاجاتها عبر الزمن و المكان إلى قيام الساعة. فقد قامت العلاقات بين البشر لإشباع حاجاتها ، فهذا الفلاح يزرع و يحصد و هذا الصانع يصنع و هذا التاجر ينقل الأشياء من مكان إلى اخر و يعرضه للبيع في مكان أخر ، سبحانه و تعالى في سورة قريش حين قال (لِإِيلَٰفِ قُرَيۡشٍ (1) إِۦلَٰفِهِمۡ رِحۡلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيۡفِ (2) فَلۡيَعۡبُدُواْ رَبَّ هَٰذَا ٱلۡبَيۡتِ (3) ٱلَّذِيٓ أَطۡعَمَهُم مِّن جُوعٖ وَءَامَنَهُم مِّنۡ خَوۡفِۭ (4))، هذه الرحلات كانت للتجارة و  هي رحلتي اليمن و الشام و ذكر في هذه السورة أهم نعمتين من نعم الله سبحانه و تعالى  على أهل مكة و هو الأمن الغذائي و الأمن النفسي و يندرج تحتهما نعم كثيرة متولدة عنها . و سبحانه تعالى حين جعل نقصانهما من أيات البلاء و صدق حين قال (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155))سورة البقرة.

   و قد جعل الله سبحانه و تعالي تحكم تملك المال و تداوله بين الناس و الأيات في ذلك كثيرة نذكر منها قوله و تعالى(وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)سورة البقرة آية (275)و قالت تعالى في اثبات تداول الاموال (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ)سورة البقرة الأية (282)، و استثنى من الكتابة لسرعة تداول الأموال و العلاقات التجارية التي تتطلب طبيعتها عنصر السرعة في التبادل حين قال (إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةٗ تُدِيرُونَهَا بَيۡنَكُمۡ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَلَّا تَكۡتُبُوهَاۗ)سورة البقرة الأية (282).

    لماذا أتناول هنا غريزة حب التملك؟ لأنها الغريزة الأكثر قربًا و اتصالًا بالأموال، ما هى هذه الغريزة ؟ إنها  غريزة حب التملك هي دافع طبيعي في الإنسان للسعي إلى الحصول على الممتلكات المادية والمعنوية، وتحقيق السيطرة عليها. و تحكم هذه الغريزة قوانين أخلاقية و نظامية حتى لا تتحول الحياة الى فوضى .

  و الخلل الكمي في غريزة حب التملك ، هو عدد الجرائم الناتجة عن غريزة حب التملك و  هي تشكل جرائم تُعد من أكثر الجرائم شيوعًا في المجتمعات، وتشمل سرقات الأموال والممتلكات، وجرائم الاحتيال، والتزوير و الرشوة و ما شاكلها من جرائم الاعتداء على المال العام. و هى تشكل نسبة كبيرة من الجرائم الاقتصادية على مستوى العالم. هذا عن الخلل الكمي و أما عن الخلل الكيفي فهو  أنواع الجرائم الناتجة عن حب التملك فهي جرائم الاعتداء على المال كالسرقة بأنواعها و النصب و خيانة الأمانة و جرائم الابتزاز و جرائم التزوير ، و غيرها كثير من الجرائم التى تتشكل فيها انحرافات تعبر عن تجسد هذه الغريزة في عالم الشهادة و المادة .

    هل ترك الله الإنسان دون أن يضع له ضوابط في إشباع هذه الغريزة؟ لم يجعل الله في هذه الحياة شيئًا وا لا جعل له نظام، فالنظام هو سنة من سنن الله و لن تجد  لسنة الله تبديل و لا تحويل .

  في مقام الحصول على المال ، جعل  السعي بالحصول عليه من مصادره المشروعة و حث على السعي و العمل ، قال تعالى (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15)) سورة الملك ، و قال تعالى (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ )﴿٣٩ النجم﴾، و قال تعالى (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ) (البقرة: 188). و قال تعالى(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ) (المائدة: 38).

   و قال في مقام تشرّيع الزكاة لتنظيم توزيع الثروات، وللحد من الجرائم الناتجة عن الفقر والطمع(خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا)(التوبة: 103).

   و نظم القران الكريم كيفية تداول الأموال بالعقود قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ )سورة المائدة آية (1)، و قال تعالى (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ)(هود: 85). هذا المجال مجال لرسائل دكتوراة لان مقام المقال مساحته وجيز.

    و نظم أنتقال المال من السلف الى الخلف بتنظيم المواريث و الوصية ، قال تعالى (لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (7)) سورة النساء.

   نخلص من ذلك ما هى غريزة حب التملك، و ما هو الخلل الكمي و الكيفي و الجرائم المتولدة عنها ، و بعض من ضوابط القران الكريم في وضع نظام محكم في أشباع هذه الغريزة لجعلها على الصراط المستقيم تحقيقًا لمصلحة العباد لان الله غنى عنا.

  و الله الموفق  

  

الأربعاء، 27 نوفمبر 2024

بحث العلاقة بين النفس البشرية و بين الجريمة

بحث العِلاقة  بين النفس البشرية و بين  الجريمة 

    أهتم القرآن الحكيم بالنفس البشرية أهتمامًا جمًا، فقد جبلت النفس البشرية و فيها الخير و الشر، مصداقًا لقول الله - سبحانه و تعالى - (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)) سورة الشمس، و منح الله الآنسان العقل الذي  هو معياره في الاختيار بين سلوك هذا الطريق أو ذاك، و راعى في تكليفه للإنسان الدرجة التي وصل  إليها نمو العقل و ربطها بالسن، و لكن ليس من اللزوم العقلي عند الوصول إلى سن معين  أن يتحقق كمال نُضْج العقل، فالأمر الذي تشهده الحياة أن هناك تفاوت متعدد الدرجات بين الأفراد، فمنهم من يكتمل نُضْج عقله في سن صغيرة و منهم ما يكتمل نُضْج عقله في سن كبيرة، و هنا تلعب تجارِب الحياة  دورًا هامًا في صقل هذا النُّضْج العقلي.

    و من العجيب أن القرآن الحكيم ذكر ثلاث حالات وصف فيها النفس البشرية، لكل حالة من هذه الحالات الثلاث سمات تتميز بها النفس البشرية، و الفرد قد تمر عليه خلال اليوم الحالات الثلاث أو حالتين أو حالة، ما  هي هذه الحالات الثلاث و السمات التي تميز كل حالة .

   الحالة الأولى - حالة النفس الأمارة بالسوء، قال تعالى (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ) سورة يُوسُف الآية 53، سمات هذه الحالة في مجملها النفس تميل إلى الشهوات والرغبات الدنيوية وتغلب عليها الدوافع السلبية والهوى، تُغري الإنسان باتباع الشهوات وإشباع الرغبات المحرّمة، تميل إلى  العصيان وتقديم المنفعة الآنية على القيم والأخلاق، تُسيطر عليها الأهواء والوساوس وتُعد  هذه الحالة مصدرًا رئيسيًا للسلوكيات الخاطئة والمعاصي و الجريمة.

   الحالة الثانية - حالة النفس اللوامة، قال تعالى (وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) سورة القيامة  الآية 2، و سماتها تلوم صاحبها عند ارتكاب الأخطاء أو التقصير في حق الله أو النفس أو الآخرين، تُراجع أفعالها باستمرار وتبحث عن التوبة والإصلاح، تجمع بين الخير والشر، لكنها تميل إلى الخير، فهي تعكس حالة من الوعي الذاتي والرغبة في تحسين السلوك. تُعتبر مرحلة انتقالية بين النفس الأمارة بالسوء والنفس المطمئنة.

   الحالة الثالثة - حالة النفس المطمئنة، قال تعالى (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ) سورة الفجر الآية 27، وهى الحالة التي يرضى الله عنها و يرضيها، هى حالة من النفس التي وصلت إلى حالة من السلام الداخلي والطمأنينة بفضل الإيمان الكامل بالله واليقين بوعده والالتزام بأوامره. تجدها مطمئنة بذكر الله وثقتها فيه، تتقبل أقدار الله برضى، سواء كانت خيرًا أو شرًا، لا تضطرب أمام التحديات والشدائد، تتمتع بالسكينة في القلب، الإقبال على الطاعات بحب، الإحساس بالأمان والرضا. للوعى لهذه الحالات فيتأمل الواحد منا في أخر يومه، و مراجعة أفعاله خلال اليوم ليستشف منها متى كانت نفسه في هذه الحالة أو تلك، و أن جاز لنا استعارة لغة أهل التجارة و الأعمال فإنه يقوم  بعمل كشف حساب نفسي و سلوكي، كما يراجع حساباته البنكية  في خانات الدائن و المدين، فمراجعة الحساب النفسي و السلوكي لهى أولى  من مراجعة حساباته البنكية.

    أما البحث في العِلاقة بين النفس البشرية و الجريمة، النفس البشرية لها تأثير عميق ومباشر على السلوك الإجرامي، إذ تعتبر النفس من أهم العوامل الداخلية التي تحدد تصرفات الفرد وتوجهاته، سواء كانت إيجابية أو سلبية. هذا التأثير يمكن تحليله من خلال الجوانب التالية:

    دور النفس الأمّارة بالسوء، تمثل مصدر الدوافع الإجرامية نتيجة ميولها للشهوات والهوى حيث  تدفع الفرد للبحث عن إشباع رغباته بأي وسيلة، حتى لو كانت غير مشروعة، و من أنماط الإجرام المرتبطة بالنفس الأمّارة، الجرائم المتعلقة بالشهوات (مثل الزنا والتحرش)، الجرائم الناتجة عن الطمع (كالسرقة والاحتيال)، جرائم العنف بدافع الانتقام أو الغضب.

    أما عن دور النفس اللوامة، تقلل من احتمالية الإجرام بسبب دورها في محاسبة الذات والندم على الأخطاء، تشكل آلية رِقابة ذاتية تمنع الإنسان من التمادي في الخطأ. عند ارتكاب الفرد فعلًا خاطئًا، فإن النفس اللوامة تجعله يشعر بالذنب وتدفعه للتوبة وتصحيح المسار بدلًا من تكرار الفعل الإجرامي. المجرمون الذين  لديهم نفس لوامة قد يعترفون بجرائمهم أو يعيدون الحقوق لأصحابها. فهي تقلل من الجرائم المتكررة وتحث على الإصلاح.نجد أن الحالة الأولي و الثانية من حالات النفس البشرية تستأثر بهذه المساحة منطقة الجريمة، لآن الجريمة هي هوى النفس الذي يدفعها إلى ارتكاب فعل مجرم بعد الموازنة بين ارتكاب الفعل و بين سعر العقوبة

   أما عن دور النفس المطمئنة فهي نادرًا أن ترتكب الجرائم، و قلنا نادرً، لآن الكمال المطلق لله وحده. 

  نعرض الآن لصنف من المجرمين يوازنون بين الجريمة وسعر العقوبة قبل ارتكاب أفعالهم، خاصة إذا كانوا يتمتعون بقدر من الوعي والتخطيط. يُطلق على هذا التوجه في علم الإجرام "حساب التكلفة والمنفعة"، حيث يقارن المجرم بين المكاسب المحتملة من الجريمة والمخاطر أو التكاليف المترتبة عليها. ومع ذلك، فإن هذه العملية ليست ثابتة وتعتمد على عدة عوامل، هي: 

   كيف يوازن المجرم بين الجريمة والعقوبة؟ ، تحليل المكاسب بالتفكير في الأرباح أو الفوائد الناتجة عن الجريمة (مثل المال، الانتقام، المكانة الاجتماعية، أو إشباع رغبة)، ثم تقييم المخاطر:تحليل احتمال القبض عليه، نوع العقوبة وشدتها، وقدرته على تجنب العقوبة(الهروب، التلاعب القانوني)، ثم اتخاذ القرار إذا رأى المجرم أن المكاسب تفوق العقوبة، قد يقرر المضي في ارتكاب الجريمة.

   هناك عوامل أخرى مؤثرة لا مجال للتطرق إليها هنا حيث يقصر الكلام هنا على بحث العِلاقة بين النفس البشرية و الجريمة، و حالات النفس البشرية و تأثيرها في الجريمة، و تحديد كل حالة من حالات النفس البشرية و دورها في الجريمة، و خلصنا إلى أن الحالة الأولي و الثانية للنفس البشرية لها دور فاعل في ارتكاب الجريمة، مع ندرت الجرائم المرتكبة في الحالة الثالثة للنفس البشرية، و تتطرق حديثنا إلى ألية تفكير المجرم عند الموازنة بين الإقدام على ارتكاب الجريمة و بين الإحجام عن أرتكابها. قد أفلح من زكاها و قد خاب من دسها.

  الله الموفق


الاثنين، 25 نوفمبر 2024

الغريزة الجنسية و الخلل الكيفي أو الكمي في هذه الغريزة و كيفية معالجة القران الحكيم و السنة النبوية في تجفيف منابع هذه الانحرافات

 الغريزة الجنسية و الخلل الكيفي أو الكمي في هذه الغريزة و كيف معالجة القران الحكيم و السنة النبوية في تجفيف منابع هذه الانحرافات

مقدمة 

   من المعلوم أن مفتاح العلم السؤال، فكلما زادت الأسئلة عن موضوع ما كلما زادت وضوح صورته في العقل البشري فالعلاقة بين السؤال و العلم عِلاقة طردية، في كثير من آيات الكتاب الحكيم - القرآن الكريم - نجد قول الله تعالى ردًا على سؤال الناس لنبينا محمد صلى الله عليه و سلم صيغ يسأل و يسألونك و مشتقات فعل سئل، واليك أهدي بعض من هذه الآيات، قال سبحانه و تعالى (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ...) و (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ...)﴿٢١٩ البقرة﴾، وقال تعالى(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ...) ﴿٢٢٠ البقرة﴾، و قال تعالى (وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ...)﴿٨٣ الكهف﴾، هناك خاطرة وردت على ذهني في أثناء كتابة هذا الموضوع أن كل الأسئلة التي سؤلت في  القران الحكيم رد عليه الله عز و جل إلا سؤال واحد أحتفظ به رب العرش العظيم و حجب الإجابة، ألا و هو قوله تعالي(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) ﴿٨٥ الإسراء﴾، سبحانه و تعالي، حاولت أعمال كل الوسائل العقلية للرد على لماذا حجب الإجابة عن هذا السؤال فتبين له عجزي و ضعفي أمام تفسير ذلك و الله أعلى و أعلم و صدق حين قال و ما أو تيتم من العلم إلا قليلًا. و ازعم أنى اتحدي كافة البشر أن يجيبوا على هذا السؤال.

فإذا عجزوا فليؤمنوا بربهم.

   مقام الحديث هنا عن الغريزة الجنسية، ما  هي الغريزة، و ما هي الجنسية؟ و ما  هو الخلل الكمي؟ و ما  هو الخلل الكيفي؟ نستعرض الرد على هذه الأسئلة من خلال القواميس العربية، لأنها لغة القران، ماذا قالت القواميس العربية في تعريف كل هذه المصطلحات.

   أما عن معنى الغريزة :هي الميل الطبيعي أو الفطري  الذي يدفع الكائن الحي نحو القيام  بسلوك معين دون تفكير أو تعلم مسبق. وهي من أصل الكلمة العربية "غَرَزَ"، التي تعني الشيء الثابت أو الراسخ.

   أما عن المقصود بمعنى لفظة الجنسية :هي ما يتعلق بالجنس، أي الفطرة أو الميل المرتبط بالتكاثر أو الرغبات المرتبطة بالذكورة والأنوثة.

  أما عن الخلل الكمي: الاختلاف في درجة أو شدة الرغبة الجنسية عن المعدل الطبيعي، وهو مصطلح يُستخدم لتوصيف زيادة أو نقصان النشاط الجنسي أو الرغبة الجنسية مقارنة بما يُعتبر طبيعيًا في السياق البيولوجي.

و أخيرًا الخلل الكيفي : الانحراف في طريقة أو كيفية إشباع الغريزة الجنسية، حيث يتخذ السلوك الجنسي أشكالًا غير طبيعية أو غير مقبولة اجتماعيًا أو قانونيًا. هذا الخلل يتعلق بنوعية الدافع الجنسي وكيفية التعبير عنه، وليس بمقدار شدته. لهذا الخلل أو ذاك صور عدة تعتبر من الجرائم الشديدة الوطأة على الفرد و المجتمع، نذكر من صور الخلل الكمي في الغريزة الجنسية، الإدمان الجنسي، التحرش، أو الاعتداء الجنسي.

  و من صور الخلل الكيفي في الغريزة الجنسية، الشذوذ الجنسي (اللواط، السحاق، ممارسة الجنس مع الحيوانات، و غيرها)،الزنا و زنا المحارم الذي تطالعنا الصحف الإلكترونية عن حالات ليست بالقليلة منها.

   هذا عن الرد على الأسئلة التي أثرناها في مقدمة هذا الموضوع، هنا كيف جفف القران الكريم و السنة النبوية الشريفة منابع هذه الانحرافات، لقد اتباع القران الكريم و السنة النبوية الشريفة كلًا من الأسلوب الوقائي و الأسلوب العلاجي لتلك الانحرافات، هذا المجمل وا ليك التفصيل.

    توجيهات القرآن الكريم لتجفيف منابع الانحراف  الجنسي:

أ- تعزيز العفة وغض البصر، قال الله تعالى(قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا۟ مِنْ أَبْصَٰرِهِمْ وَيَحْفَظُوا۟ فُرُوجَهُمْ)(سورة النور: 30)،

غض البصر هو الخطوة الأولى لتجنب الإثارة التي قد تقود إلى الانحراف.

ب- الحث على الزواج، الزواج هو الوسيلة المشروعة لإشباع الغريزة الجنسية، قال الله تعالى(وَأَنكِحُواْ ٱلۡأَيَٰمَىٰ مِنكُمۡ وَٱلصَّـٰلِحِينَ مِنۡ عِبَادِكُمۡ وَإِمَآئِكُمۡ)(سورة النور: 32)، يُسهّل الزواج ويحث المجتمع على مساعدة الشباب في تحقيقه.

ج- النهي عن الفاحشة والتشهير بها، قال الله تعالى(إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلۡفَـٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ)

(سورة النور: 19)، هذا يشمل محاربة كل أشكال الدعاية للفواحش (سواء بالكلام أو الأفعال).

د- تحديد عقوبات واضحة للزنا والشذوذ، قال الله تعال(ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا مِاْئَةَ جَلۡدَ)(سورة النور: 2)، العقوبة الصارمة تجعل الزنا والشذوذ غير جذابين بسبب المخاطر الكبيرة.

هـ- تحريم التبرج والإغراء، قال الله تعالى(وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَا)(سورة النور: 31)، التبرج سبب مباشر لإثارة الغرائز، وتحريمه هو وسيلة للحد من الانحراف.

و- النهي عن الخلوة بالأجنبية، قال الله تعالى(وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓ)(سورة الإسراء: 32)،النهي عن الاقتراب من الزنا يشمل كل مقدماته مثل الخلوة والاختلاط غير المشروع.

  توجيهات السنة النبوية لتجفيف منابع الانحراف الجنسي:

أ- تشجيع الزواج للشباب، قال النبي ﷺ:"يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج."(رواه البخاري ومسلم)، الزواج يُعين الشباب على ضبط غرائزهم ومنع الانحراف.

ب- التحذير من الخلوة والاختلاط غير المشروع، قال النبي ﷺ (لا يخلونَّ رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم)

(رواه البخاري ومسلم)، الخلوة مدخل إلى الفاحشة، والنهي عنها يُعتبر إجراءً وقائيًا.

ج- الحث على الصوم لضبط الغريزة، لمن لم يستطع الزواج، قال النبي ﷺ(فعليه بالصوم فإنه له وجاء)

(رواه البخاري ومسلم)، الصيام يقلل من الشهوة ويعين على التحكم بالغريزة.

د- تجريم كل أشكال الفاحشة، قال النبي ﷺ(لعن الله من عمل عمل قوم لوط)(رواه الترمذي)، التشديد على عقوبة الممارسات الشاذة لتجنب انتشارها.

هـ- تربية النفس على الحياء، قال النبي ﷺ(الحياء لا يأتي إلا بخير)(رواه البخاري)، الحياء من الفضائل التي تمنع الانحراف الجنسي.

    هذا عن منهج  القرآن الكريم و السنة النبوية في تجفيف منابع الانحراف الجنسي ، لذا أهيب بوسائل الإعلام و بكل مسئول أن يضع نصب أعينه  على نشر الثقافة الأخلاقية، التشديد على عدم نشر المحتويات المثيرة أو غير الأخلاقية، تخفيف التكاليف وتوفير المساعدة للشباب. من هنا نخلص إلى أن الإسلام  قدّم منهجًا شاملًا لمنع الانحراف الجنسي، قائمًا على الوقاية، بتعليم العفة، وتحريم مقدمات الفاحشة، الإشباع المشروع بالحث على الزواج، الردع بتطبيق عقوبات صارمة على الانحرافات. هذا المنهج لا يقتصر على العقوبات، بل يهتم بجذور المشكلة ويعمل على تقويمها من الأساس. هذا ما توصل اليه جهدى إن أصبت فمن الله و إن أخطأت فمن نفسي و حسبي في خطائي أن انسان خلق ضعيف.

  الله الموفق 








حكم نقض هام جداً جداً

 حكم حديث لمحكمة النقض بشأن النشر على مواقع التواصل الاجتماعي


في حُكم قضائي حديث، أكدت محكمة النقض (Cour de cassation) أنَّ الكتابة أو النشر على مواقع التواصل الاجتماعي (réseaux sociaux) المتعلقة بحالات تم إصدار حكم قضائي بشأنها، لا يُعتبر جريمة إذا كان الحكم الصادر في تلك الواقعة علنيًا ومتاحًا للجميع. جاء هذا القرار في إطار التأكيد على أن نشر أو مناقشة وقائع تم التصديق عليها من قبل المحكمة، ولا تشكل تعديًا على الحياة الخاصة للأفراد، لا يُعد انتهاكًا لخصوصيتهم.

النشر العلني للأحكام القضائية:

وقد أوضح الحكم أنَّ الحديث أو الكتابة حول الوقائع التي صدر بشأنها حكم قضائي علني، لا ينطوي على خرق لخصوصية الأفراد. خاصة عندما يتم نشر هذه الأحكام على مواقع التواصل الاجتماعي حيث تكون متاحة لكافة الناس للاطلاع. يعتبر هذا النوع من النشر قانونيًا طالما أن الحكم الذي يتم تناوله في النقاش صادرٌ باسم الشعب وكان متاحًا بشكل علني.


توجيهات قانونية هامة:

محكمة النقض قد أكدت في حيثيات حكمها على أن تكييف المعلومات ومدى تعلقها بالحياة الخاصة للأفراد يقع ضمن اختصاص قاضي الموضوع. هذا التكييف يجب أن يكون دقيقًا بحيث يراعي الخصوصية في حال وجود انتهاكٍ فعلي، لكن ما دام النشر يتعلق بحكم قضائي عام أو بنشر معلومات متاحة، فلا يعد خرقًا للخصوصية.


الحكم الصادر:

وفي هذا السياق، أكدت المحكمة في حيثياتها على أن النشر حول هذه الوقائع لا يشمل الخروقات القانونية المنصوص عليها في المادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، الذي ينص على تجريم نشر صور أو معلومات تنتهك خصوصية الأفراد بدون إذن. وبناءً عليه، إذا كان الحكم القضائي قد صدر علنيًا وكان متاحًا للعموم، فإن النشر عنه لا يعتبر ضمن الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون.


القرار النهائي:

وبذلك، قررت المحكمة أن الطاعن في هذه القضية قد ارتكب فعلًا قانونيًا في نشره لمحتوى يتعلق بحكم قضائي متاح للجميع. لذلك، قضت المحكمة ببراءته من التهمة الموجهة إليه، مُوضحة أن الحكم الصادر في القضية قد تضمن خطأ في تفسير القانون فيما يتعلق بتطبيق المادة 25 من القانون رقم 175 لسنة 2018.


المصدر: محكمة النقض، الدائرة الجنائية، الطعن رقم 764 لسنة 93 ق، جلسة 14-5-2024.

هذا الحكم و شرحه منقول

  و الله الموفق

آفة اليأس و الجرائم الناشئة عنها

آفة اليأس أو القنوط أو الإحباط و الجرائم الناشئة عنها  

    اليأس، ما هو؟  و هل اليأس هو القنوط أو الإحباط؟ و هل هو آفة نفسية؟ ما  هي الجرائم الناشئة عن هذه الآفة؟ هل ورد له ذكر في القران الكريم؟ هل ثمة له علاج؟

   اليأس هو انقطاع الأمل وتلاشي الرجاء في حصول شيء ما.يشير إلى حالة داخلية من فقدان الأمل، وغالبًا ما يكون مرتبطًا بالشعور بعدم إمكانية تحقيق هدف أو رغبة، و مضاد اليأس هو الرجاء و الأمل. ما الفارق بين اليأس و القنوط و الإحباط ، هل هم مترادفات لمعنى واحد؟ ، أم أن لكل منهم معنى يختلف عن الأخر؟ و هذا يدعونا إلى معرفة معنى القنوط و معنى الإحباط.

   القنوط هو الاستسلام التام وفقدان الرجاء بشكل مطلق. أي أنه من طبيعة اليأس  و لكن أشد درجة منه.أما عن الإحباط هو الشعور بالخيبة بسبب الفشل في تحقيق هدف أو توقّع معين فهو أخف درجة من اليأس. أذن اليأس يقف في منطقة وَسَط بين الإحباط و بين القنوط و ثلاثتهم من طبيعة واحدة و إن اختلفوا في الكم و ليس في الكيف.

   نعم ورد ذكرهم في القران الحكيم، قال تعالي في محكم آياته(وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)سورة يُوسُف الآية(87)، و قال تعالى(وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ) سورة الحجر  الآية (56)، أما عن الإحباط ورد بدلالته و اثره و ليس بلفظه بمعنى خيبة الأمل فقال تعالى (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) سورة الفرقان الآية(23)، هذه الآيات تفظع اليأس و القنوط و الإحباط و جعلتهم منافي للأيمان بالله، فهي تحث على الأمل و الثقة في الله و حسن الظن به.

  نعم اليأس و ما شابهه آفة من آفات النفس البشرية، و إن جاز لنا أستعارة لغة أهل الطب فهو جرثومة لنوع خاصة من الإجرام، و الجرائم الناتجة عن اليأس الانتحار، جريمة الردة و ازدراء الأديان، تعاطي المخدرات والإدمان، جرائم النصب و السرقة و الاحتيال، وغيرها من الكثير من الجرائم.

   نعم  لها علاج متعدد الأبعاد، نذكر منها تعزيز الإيمان بالله و أن رحمته وسعت كل شيء، العلاج النفسي من قبل المتخصصين في مجال الطب النفسي، الدعم الأسري و المجتمعي، فقد علمنا أن لكل داء دواء إلا الموت، و علمنا أن تقوية العِلاقة مع الله لهى أكبر دواء للنفس البشرية المتقلبة و أفاتها، سنحاول البحث في الأعداد القادمة التطرق في البحث عن مفاتيح العلاج لكل آفة من آفات النفس البشرية.

    و يحضرني حديث الرسول صلى الله علية و سلم و طريقة معالجته لشاب طلب منه تحليل الزنا ،عن أبي أمامة رضي الله عنه قال(إن فتى شابًّا أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا! فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه! فقال: ((ادنه))، فدنا منه قريبًا، قال: فجلس، قال: ((أتحبه لأمك؟))، قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ((ولا الناس يحبونه لأمهاتهم))، قال: ((أفتحبه لابنتك؟))، قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك، قال: ((ولا الناس يحبونه لبناتهم))، قال: ((أفتحبه لأختك))، قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ((ولا الناس يحبونه لأخواتهم))، قال: ((أفتحبه لعمتك؟))، قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ((ولا الناس يحبونه لعمَّاتهم))، قال: ((أفتحبه لخالتك))، قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ((ولا الناس يحبونه لخالاتهم))، قال: فوضع يده عليه، وقال: ((اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصِّن فَرْجَه))، فلم يكن بعد - ذلك الفتى - يلتفت إلى شيء؛ رواه أحمد بإسناد صحيح، و لنا في رسول الله قدوة حسنة .

   و الله الموفق 

الأحد، 24 نوفمبر 2024

الوسطية في الإسلام و دورها في القضاء على الملل و السأمة لخلق توازن في النفس البشرية

الوسطية في الإسلام و دورها في القضاء على الملل و السآمة لخلق توازن في النفس البشرية 

مقدمة    

     الوسطية و الاعتدال في كل مناحي الحياة منهج  رباني شامل و جوهر الإسلام، وقد وردت في القرآن  والسنة كمبدأ أساسي يُوجّه المسلم ليكون متوازنًا في دينه ودنياه، في عبادته وعلاقاته، وفي سلوكه وتعامله مع الآخرين، و الابتعاد عن الغلو أو التفريط هو السبيل للحياة الكريمة وتحقيق رضا الله عز وجل.  قال تعالى (وكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) سورة البقرة آية(143)، قال تعالى في كتابه الحكيم (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى)سورة طه آية (2)، و قال تعالى (مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ۚ...)سورة النساء آية (147)، و قال تعالى (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ...)سورة البقرة آية(286). هذا المبدأ يشع على الحياة بقواعد متفرعة عنه نذكر منها طلب الوسطية و الاعتدال في  إنفاق المال قال تعالى (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا)سورة الفرقان آية(67)،و قال تعالى (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا)سورة القصص آلاية (77) و هنا في هذه الآية يضع قاعدة متفرعة عن مبدأ الاعتدال و الوسطية و هو التوازن في العبادة والعمل ، و غيرها أمثلة كثيرة.

    و جاء في هدي سيد المرسلين محمد صلى الله عليه و سلم، قال النبي ﷺ:"إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين" (رواه النسائي وابن ماجة)، و قال أيضا "يا عبد الله، ألم أُخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟" قلت: بلى يا رسول الله. قال: "فلا تفعل، صُم وأفطِر، وقُم ونَمْ، فإن لجسدك عليك حقًّا، وإن لعينك عليك حقًّا، وإن لزوجك عليك حقًّا" (صحيح البخاري).هذا هو النهج الإسلامي يقيم توازن و أعتدال بين أحتياجات النفس و الجسد فلا يذهب  إلى أقصى اليمن ولا إلى أقصى الشمال، فلا إفراط و لا تفريط.

   و على هدى ما تقدم، و بالبحث في العِلاقة بين الوسطية و آفة الملل و السآمة التي تدفع النفس البشرية إلى فقد توازنها، كان من المتعين علينا تعريف آفة الملل أو السآمة في اللغة العربية من خلال قواميسها الكثيرة المتوافرة، خلاصة القول في الملل و السآمة هما صنوان لشئ واحد و لكن السآمة أعلى درجات الملل ،فأما الملل هو الشعور بالضيق أو النفور من شيء بسبب استمراره لفترة طويلة أو تكراره، و أما السآمة هي حالة نفسية أعمق من الملل تُعبّر عن الضجر الشديد أو الكره المفرط، هنا نجد خالق الكون قد نوع لنا فيما نأكله و نشربه في الألوان و الطعم و الشكل من الفاكهة و الخضار و فيما نشربه من ماء و لبن و عسل  ، و نوع لنا في  أحجام الجبال و ألوانها  و أشكالها و الأرض من  أودية و هضاب و رمال، أدعى أن هذا التنوع للقضاء على الملل أو السآمة التي تؤثر بالسلب على النفس البشرية - تبارك الله أحسن الخالقين - و جعل الاعتدال و الوسطية منهجًا في أمور الدنيا و الدين قضاءًا على ضيق النفس البشرية لخلق حالة من التوازن لها ، و هنا حقيقاً علينا أن نقول الحمد لله من صميم قلوبنا و بكل جارحة من جوارحنا .

 ثمرة الوسطية في بناء شخصية الإنسان والمجتمع

   الوسطية ليست مبدأً نظريًا يُطرح في المجالس، بل هي أسلوب حياة شامل ينعكس على شخصية المسلم ويُثمر توازنًا في فكره ومشاعره وأعماله. فحين يتربى الإنسان على الاعتدال، يكون:أكثر استقرارًا نفسيًا لأنه لا يحمل نفسه فوق طاقتها.أكثر نضجًا فكريًا لأنه يزن الأمور بميزان العدل لا بميزان الهوى.أكثر نجاحًا اجتماعيًا لأنه لا يفرط في علاقاته ولا يُفرّط في حقوقه.وإذا انتقلت هذه القيمة من الفرد إلى المجتمع، وجدنا أمة متماسكة، متراحمة، تنبذ الغلو والتطرف، وتحتضن المختلف، وتعرف كيف تسير بأمان في دروب الحياة.

نماذج معاصرة لحصاد الغلو والتفريط

   في المقابل، حين تغيب الوسطية، فإن الغلو في الدين يؤدي إلى التشدد والتكفير، والغلو في الدنيا يؤدي إلى اللهث خلف الشهوات والانتحار الروحي.وحين يُفرّط الناس في القيم، تظهر اللامبالاة، والأنانية، والانفلات الأخلاقي. وحين يُفرِطون في التزمت، تظهر القسوة، والانغلاق، وانعدام الرحمة.إن التوازن لا يعني ضعفًا، بل يعني قوة منضبطة بالحكمة، لأن "من زاد عن الحد انقلب إلى الضد".

وسطية الإسلام في مواجهة أزمات العصر

   في زمن الماديات الطاغية، والانشغال المُفرط، والتقلبات النفسية المتسارعة، يظهر منهج الإسلام الوسطي كحل رباني لكل تلك الأزمات:فهو يربط القلب بالله دون عزلة عن الحياة.ويحضّ على طلب الرزق دون عبودية للدنيا.ويأمر بالعفاف دون قمع للفطرة.ويحث على العلم دون غرور.ويحث على الإنفاق دون تبذير.إنه دين الوسط، ودين الحياة، ودين القلب والعقل معًا.

 توازن يضيء الدرب، الاعتدال ليس ضعفًا، بل هو قوة العاقل حين يملك نفسه عند الغضب، وعند الرغبة، وعند الحكم. والوسطية ليست ميوعة في المواقف، بل هي صلابة متزنة تعرف متى تعفو، ومتى تقسو، ومتى تصمت، ومتى تنطق.في ظل هذا المنهج الرباني، تصبح الحياة أكثر اتساقًا مع فطرة الإنسان، وأقرب إلى رضا الرحمن. وفي زمنٍ تتأرجح فيه القلوب بين الإفراط والتفريط، فلنرفع شعار: "ربنا اجعلنا أمةً وسطًا.. في الفكر، والخلق، والعمل، والقول، والنية، والسلوك."

   والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.







 

   

 

خُلُقُ الأَنَاةِ: فَضِيلَةُ الصَّبْرِ وَحِكْمَةُ التَّأَنِّي فِي زَمَنِ العَجَلَةِ

خُلُقُ الأَنَاةِ: رِحْلَةُ العَقْلِ فِي نَيْلِ الحِكْمَةِ وَسَكِينَةِ الرُّوحِ مقدمة: حقيقة الأناة وغايتها الإنسانية    يعيش الإنسان المعاصر...