الاثنين، 9 ديسمبر 2024

تطور ذكاء المجرمين

فكرة عن تطور ذكاء المجرمين 


   دوام الحال من المحال، الجريمة كظاهرة أجتماعية تتطور بتطور المجتمعات ، كنا بالأمس نعرف جرائم  مثل السرقة و النصب و غيرها من الجرائم، أما اليوم فقد لعبت الثورة التكنولوجية الحديثة دورها في ظهور  أشكال أخرى من صور الجريمة لم نكن نعرفها سابقًا، و انعكست هذه الثورة التكنولوجية الحديثة بأثآرها على تطوير ذكاء المجرمين ، و آية ذلك أن جرائم النصب و الاحتيال أستفادة من ثورة المعلومات و الاتصال الحديث في تطوير صورها .

   أصبح المجرم اليوم يستخدم الحاسب الألي للوصول إلى ضحاياه من بعيد دون اتصال مباشر بهم و استخدام التِقَانَية  الحديثة للنصب و الاحتيال دون أن يقع تحت طائلة قانون العقوبات، و من الصور الحديثة، الجرائم الإلكترونية ومن ابرزها النصب والاحتيال الإلكتروني ويشمل مجموعة متنوعة من الأساليب التي يستخدمها المحتالون لخداع الأفراد أو المؤسسات للحصول على معلومات حساسة أو أموال.

   وا ليك بعض هذه الصور الذي تشكلت بها و من أهمها، من واقع الحياة العملية في واقعة تتلخص في أن إحدى الشركات التي تعمل في مجال تصدير الخِدْمَات  إلى الدول الأوربية تمكن مجموعة من المجرمين أختراق الدومين الخاص بها و مراقبة البريد الإلكتروني لها في تعاملاتها مع شركة ألمانيا، و من خلال تفحص البريد الإلكتروني المتبادل بين الشركة المصرية و الشركة الألمانية تم أصطناع بريد إلكتروني مزيف يشبه البريد الإلكتروني للشركة الألمانية مع أختلاف حرف واحد لا يظهر  إلا بتدقيق و فحص متعمق ، و كان من بين الرسائل الإلكترونية المتبادلة رسالة تتضمن مطالبة بقيمة مالية كبيرة من موجها من الشركة الألمانية إلى الشركة المصرية، فقام أحد هؤلاء المجرمين بكتابة رسالة إلكترونية بقيمة المطالبة مع وضع  أرقام حسابات بنكية له على أنها حساب الشركة الألمانية لتقوم الشركة المصرية بإجراء تحويل بنكي بسداد قيمة المطالبة   المستحقة للشركة الألمانية الحقيقية ، و لكن بفضل الله بتتبع السويفت كود المرسل ثبت  أن هذه الأرقام لحسابات بنكية  التي تخص احد أفراد مجموعة المجرمين و لا تخص الشركة الألمانية، و بذلك تفادت الشركة المصرية الوقوع كضحية لعملية النصب هذه.

   دعاني هذا إلى الكتابة في هذا الموضوع و هو موضوع تطور ذكاء المجرمين، و من الصور  التي ذاع انتشارها و تطالعنا بها الصحف  رسائل بريد إلكتروني تبدو وكأنها من مؤسسات موثوقة (مثل البنوك أو الشركات الكبرى) تطلب من الضحايا تقديم معلومات شخصية أو مالية، لاستخدامها في الدخول إلى الحسابات البنكية للأفراد أو الشركات .

  لذلك أنصح بالاتي:

للحماية من الاحتيال الإلكتروني:

1-كن حذرًا من الرسائل غير المتوقعة و تحقق دائمًا من مصدر الرسائل الإلكترونية أو النصوص قبل النقر على الروابط أو تقديم المعلومات.

2-استخدم كلمات مرور قويةو تأكد من استخدام كلمات مرور معقدة وفريدة لكل حساب.

3-تحديث البرمجيات و تيقن من تحديث نظام التشغيل والبرامج بشكل منتظم لحماية جهازك من الثغرات الأمنية.

4- تجنب مشاركة المعلومات الشخصية وكن حذرًا عند مشاركة معلوماتك الشخصية على الإنترنت.

تذكر أن الوعي هو أفضل وسيلة للحماية من الاحتيال الإلكتروني، فالوقاية خير من العلاج.

 و الله الموفق






الأحد، 8 ديسمبر 2024

جريمة الابتزاز الالكتروني

جريمة الابتزاز الإلكتروني

مقدمة : 

   جريمة الابتزاز بصفة عامة هي أستخدام التهديد أو الضغط للحصول على شيء من شخص آخر، سواء كان مالًا أو خِدْمَات أو معلومات، تكاد أن تجمع الأنظمة القانونية على تجريم أستخدام التهديد أو الضغط للحصول على منفعة ما من شخص آخر، و اليوم أخذت الجريمة شكل أخر في ظل ثورة المعلومات و الأنترنت و أزدياد مواقع التواصل الاجتماعي التي توسل بها بعض المجرمين في تنفيذ مشروعهم الإجرامي. 

   و هذا يعنى أن الجريمة تتطور بتطور الحياة، تتطور من حيث شكل أرتكاب الجريمة و وسائل ارتكابها. و أصبحت اليوم تهدد أستقرار الأفراد و المجتمعات، و تلاحظ لدي أن هذه الجريمة أكثر ضحاياه المرآة نظر لتخلى المرآة عن حيائها القديم في ظل الدعوات إلى السفور و التحرر من العادات و التقاليد القديمة، و التى تعارض الاحتشام و العفة  كما و أن الغزو الفكري المعاصر يلعب دوره في غسل أدمغة المرأة من خلال فنون الموضة و الأزياء الخليعة وو صم كل من تعارض هذا التيار الجارف بالتخلف و الرجعية .

   بينما الحال في الأديان السماوية تدعو  إلى الاحتشام و عدم السفور، لذا كان الهجوم على الأديان و دعوات الإلحاد جزء من منظومة الفساد  التي تحركها يد خفية من أجل القضاء على إنسانيه  المرأة و حيائها. كل ذلك كان سبب في أن المرأة هي أكثر ضحايا جرائم الابتزاز موضوع مقال اليوم.

  جريمة اليوم هي جريمة الابتزاز الإلكتروني، سنتعرف على تعريفها وا ركانها و عقوبتها في مفهوم عام، دون الدخول في المدارس الفقهية، وكلما وجدنا مناسبة سنعرض لأحكام قضائية صدرت بخصوص هذه الجريمة.

   الابتزاز في اللغة العربية مفهومه فعل يُمارس فيه شخص ضغوطًا أو تهديدات على آخر بهدف الحصول على شيء معين، قد يكون هذا الشئ  التي يتوسل به الجاني هو التهديد بكشف أسرار  أو معلومات حساسة عن الشخص المجنى عليه، و المنفعة التي يهدف الجاني من الحصول عليها من المجنى عليه أما مال و أما عِلاقة آثمة أو غيرها من المنافع العديدة. 

   الإلكتروني،كلمة "إلكتروني" تعبر عن كل ما يتعلق بالتكنولوجيا الحديثة والأجهزة التي تعتمد على الكهرباء والإلكترونيات، مثل الحواسيب، والهواتف الذكية، والبرمجيات، والاتصالات، و الأنترنت ، حيث يلعب الأنترنت الدور الرئيس في كثير من المعاملات العابرة للدول و القارات .

    ماذا قالت محكمة النقض المصرية ،أكدت محكمة النقض في حكم حديث لها( أن إثبات إرسال عبارات التهديد كتابة عن طريق الوسائط الإلكترونية الحديثة بقصد إيقاع الخوف في نفس المجني عليه لحمله على أداء ما هو مطلوب يتوافر به أركان جريمة جناية التهديد المنصوص عليها بالفقرة الأولى من المادة 327 عقوبات) " حكم نقض برقم 22620 لسنة 88 قضائية" ، و قالت تأسيساً لذلك في حيثياتها ما مفاده أن لما كانت جناية التهديد المنصوص عليها في الفقرة الأولى من المادة 327 من قانون العقوبات تتوافر إذا وقع التهديد كتابة بارتكاب جريمة ضد النفس أو المال، وكان التهديد مصحوبًا بطلب أو تكليف بأمر، وكان الحكم قد أورد بأسبابه قيام الطاعن بتهديد المجني عليهما عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتمكن من خداعهما وتحصل منهما على صور ومقاطع مرئية في أوضاع مخلة بالحياء وهددهما بنشرها. و قالت بشأن الكتابة، مقررة أنه وإذ كان مصطلح الكتابة قد ورد في المادة 327 سالفة الذكر على سبيل البيان في صيغة عامة لتشمل كافة وسائل الكتابة المختلفة سواء كانت بالطرق التقليدية أو بإحدى الوسائل الإلكترونية الحديثة، فإذا أثبت الحكم على الطاعن إرساله عبارات التهديد عن طريق الوسائط الإلكترونية الحديثة – وهي لوحة المفاتيح – بقصد إيقاع الخوف في نفس المجني عليهما لحملهما على أداء ما هو مطلوب، فإنه يكون قد استظهر أركان جريمة التهديد كما هي معرفة به في القانون، ويضحى منعى الطاعن في هذا الشأن على غير أساس.  هذا هو مفهوم محكمة النقض لجريمة الابتزاز الإلكتروني. وهذا هو التطبيق العملي أمام القضاء في مركب هذه الجريمة من فعل و علم و أرادة ـ الفعل يمثل الركن المادي و العلم و الإرادة تمثل الركن المعنوي، و نص المادة 327 الفِقْرة الأولي من قانون العقوبات تمثل الركن الشرعي للجريمة حيث لا جريمة و لا عقوبة إلا بنص القانون، هكذا تتكامل مقومات جريمة الابتزاز الإلكتروني في نظر القضاء المصري. 

   ما أريد التوسع في الشرح لان الحال هنا مقام المقال و ليس مقام القضاء، أرجو أن أكون قد أوصلت فكرة عامة مجملة لهذه الجريمة .

   أما عن عقوبتها فأن جريمة الابتزاز الإلكتروني فهي في تصنيفها جناية، أي  أن الحد الأدنى و الحد الأقصى يحكمه عقوبة السجن و حدها الأدنى ثلاث سنوات، و  جريمة الابتزاز تُعتبر من الجرائم  الخطيرة في معظم الأنظمة القانونية حول العالم، سواء في الولايات المتحدة الأمريكية أو الدول الأوروبية أو الدول العربية.

   نخلص من ذلك إلى القول بعدت أمور  هى تطور الجريمة بتطور المجتمعات ، أستخدام التكنولوجيا الحديث كوسيلة لارتكاب الجرائم أصبح شائعاً، و هذه الجريمة لم تختلف عن جريمة التهديد و الابتزاز التقليدية  إلا في الوسيلة و لكن ما زالت  هي نفس  أركان الجريمة دون تغيير، و لكن  أثبات هذه الجريمة أصبح معقد بتعقد الوسيلة المستخدمة .

 و الله الموفق


   

الأربعاء، 4 ديسمبر 2024

مفتاح البَذّل و دوره في منع أنتشار الجريمة

 مفتاح البَذّل و دوره في منع أنتشار الجريمة 

    من سلسلة مفاتيح منع انتشار الجريمة مفتاح الَبذّل، من أسماء الله  الحسنى التي تتصل أتصالًا مباشرًا بهذا المفتاح، أسم الله (الرحمن)و  يدل معناه على رحمة الله الواسعة وعطائه الذي يشمل جميع خلقه. أسم الله (الرحيم) و دلالته هي رحمة الله الخاصة بالمؤمنين وعطائه لهم في الدنيا والآخرة، و يدل أسمه سبحانه و تعالى (الودود)المحب و يعكس عطاء الله وحبه لعباده، و كذلك أسمائه (الكريم) و (المعطى)و (الغنى) و(البر) و (الجواد)، كلها يجمعها الَبذّل الذي يعكس صفات الكرم والعطاء والرحمة، مما يشجع المؤمنين على الاقتداء بهذه الصفات في حياتهم اليومية من خلال البذل والعطاء للآخرين، لم تذكر هذه الأسماء في القران الحكيم هباءً وا نما ذكرت لنقتبس من نورها و نجريه في حياتنا اليومية.

   ما مفهوم البَذّل؟ هو العطاء أو التقديم بسخاء، و للعطاء أو الَبذّل صور كثيرة منها، البذل المالي بتقديم المال لمساعدة الآخرين، مثل التبرعات للفقراء والمحتاجين، أو دعم المشاريع الخيرية. و منها البذل في الوقت والجهد بتقديم الوقت والجهد لخدمة الآخرين أو للمشاركة في الأنشطة الاجتماعية أو التطوعية و يمكن أن يتضمن ذلك العمل في الجمعيات الخيرية أو مساعدة الأصدقاء والعائلة. و منها البذل في المعرفة بمشاركة المعرفة والخبرة مع الآخرين، مثل التعليم أو الإرشاد، مما يساعد في تطوير المجتمع. و منها البذل في العلاقات بتقديم الدعم العاطفي أو النفسي للأصدقاء والعائلة، مما يعزز الروابط الاجتماعية. لان البذل أهميته عظيمة حيث يعمل على تعزيز القيم الإنسانية لما يعكسه من قيم الكرم والعطاء، ويعزز من الروابط الاجتماعية. و لما يحققه من السعادة فالعطاء يمكن أن يؤدي إلى شعور بالرضا والسعادة، حيث يشعر الفرد بأنه يساهم في تحسين حياة الآخرين. مما يؤدى الى بناء مجتمع متماسك فمن خلاله يتم تعزيز التعاون والتضامن بين الأفراد، مما يسهم في بناء مجتمع قوي ومتماسك.

   و لقد ورد في  القران الحكيم، آيات كثيرة في البذل  و الحث عليه إما صراحة و إما أشارة، قال تعالى (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة، والله يضاعف لمن يشاء، والله واسع عليم)سورة البقرة (آية 261) و جاءت هذه الآية في التعبير عن البذل المادي، و قال تعالى (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون، وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم)سورة آل عمران (آية 92)، و هنا مقام التوجيه الإلهي لنوعية المال الذي يبذل أن يكون مما نحبه لأنفسنا لا البخس من المال .

    و في مقام بذل القوة و السلطة ضرب الله مثلاً بذي القرنين حين قال سبحانه و تعالى في كتابه الحكيم (وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَن ذِي ٱلۡقَرۡنَيۡنِۖ قُلۡ سَأَتۡلُواْ عَلَيۡكُم مِّنۡهُ ذِكۡرًا (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَءَاتَيۡنَٰهُ مِن كُلِّ شَيۡءٖ سَبَبٗا (84) فَأَتۡبَعَ سَبَبًا (85)) سورة الكهف ، ثم قال سبحانه و تعالى (حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ بَيۡنَ ٱلسَّدَّيۡنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوۡمٗا لَّا يَكَادُونَ يَفۡقَهُونَ قَوۡلٗا (93) قَالُواْ يَٰذَا ٱلۡقَرۡنَيۡنِ إِنَّ يَأۡجُوجَ وَمَأۡجُوجَ مُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَهَلۡ نَجۡعَلُ لَكَ خَرۡجًا عَلَىٰٓ أَن تَجۡعَلَ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَهُمۡ سَدّٗا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيۡرٞ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجۡعَلۡ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُمۡ رَدۡمًا (95) ءَاتُونِي زُبَرَ ٱلۡحَدِيدِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا سَاوَىٰ بَيۡنَ ٱلصَّدَفَيۡنِ قَالَ ٱنفُخُواْۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَعَلَهُۥ نَارٗا قَالَ ءَاتُونِيٓ أُفۡرِغۡ عَلَيۡهِ قِطۡرٗا (96) فَمَا ٱسۡطَٰعُوٓاْ أَن يَظۡهَرُوهُ وَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ لَهُۥ نَقۡبٗا (97)) سورة الكهف.

  و في مقام بذل العلم قصة الخضر عليه السلام مع سيدنا موسى علية الصلاة و السلام و ذلك حين قال سبحانه و تعالى في سورة الكهف (فَوَجَدَا عَبۡدٗا مِّنۡ عِبَادِنَآ ءَاتَيۡنَٰهُ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَعَلَّمۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلۡمٗا (65) قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰ هَلۡ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمۡتَ رُشۡدٗا (66) ).

  كل هذه الآيات تنم عن حقيقة واحدة أن البذل بصوره هام للمجتمعات و الأفراد على السواء و من شأنه خلق مجتمع سليم و قِوَى، كنت أتمنى التوسع في التفصيل و لكن يحدني مقام المقال .

   أتينا هنا إلى المحطة الأخيرة في هذا المقال و  هي أثر مفتاح البذل على منع أنتشار الجريمة،إن مفتاح البذل والعطاء له تأثيرات إيجابية متعددة على منع انتشار الجريمة. من خلال تقليل الفقر، وتعزيز الروابط الاجتماعية، وتوفير الفرص، وتعليم القيم الأخلاقية، وتقديم الدعم النفسي، يمكن للبذل أن يسهم في بناء مجتمع أكثر أمانًا واستقرارًا.

 و تفصيل ذلك ، أن لكل مقدمات نتيجة معينة ، و لما كانت مقدمات البذل تتمثل في بذل المال والموارد لمساعدة الفقراء والمحتاجين، يتم تقليل الفجوة الاقتصادية، مما يقلل من الدوافع التي قد تدفع الأفراد إلى ارتكاب الجرائم مثل السرقة أو الاحتيال و جرائم البغاء و ممارسة الدعارة . و ذلك من خلال تحقق  أمرين هما تقليل الفقر والحرمان عن طريق البذل في توفير الاحتياجات الأساسية، و تحسين مستوى المعيشة و علاقاتهما العكسية مع نسبة انتشار الجريمة.

   كما انه يؤدى الى تعزيز القيم الاخلاقية من خلال دعامتين هما تعليم قيم العطاء و القدوة الحسنة، قال تعالى في محكم أياته (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا)سورة الأحزاب (الآية 21).

   كما  أن بذل الدعم النفسي و العاطفي يؤدي إلى تنفيس الضغوطات النفسية و الاجتماعية مما ينعكس بأثره على المشاعر السلبية و إحباطات التي تؤدى إلى الانخراط في سلوكيات اجرامية. 

   أهيب بكل  من أتاه الله فضلا من عنده، أن يعود  به على الدائرة الأولى لعلاقته من الأسرة الصغيرة ثم العائلة  ثم الجيران و هكذا و أن يبذل قصارى جهده في  أي صورة من صور البذل المتقدم ذكرها ، و أن يكون راعيه في ذلك قول الله سبحانه و تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى ..) سورة البقرة الآية (264).

و الله الموفق











 

مفتاح العفة و دوره في منع انتشار الجرائم

 مفتاح العِفة و دوره في منع انتشار  الجرائم

  منابع الفتن في الحياة كثيرة، و متعددة الصور، فهناك فتنة الدين و فتنة السلطة و فتنة المال و فتنة الأولاد و فتنة القوة و فتنة الجمال و غيرها من الكثير من منابعها، و قد عظم الله سبحانه و تعالى من أثر الفتن حين قال (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ)سورة البقرة (الآية 191)، و قال تعالى (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ)سورة البقرة (الآية 217).

   ماذا يقصد بلفظة الفتنة، يقصد بالفتنة في اللغة العربية تعني الاختبار أو الامتحان، وتستخدم للإشارة إلى ما يثير الفوضى والنزاع بين الناس، و قد حذر الله سبحانه و تعالى من الفتنة في أكثر من آية من أيات القران الكريم، نذكر بعض من هذه الآيات، قال تعالى - محذرًا من فتنة المال و الأبناء - حين قال (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)﴿٢٨ الأنفال﴾، و قال تعالى (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ۚ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)﴿١٥ التغابن﴾، و في فتنة السلطة - قصة إرسال طالوت ملك لبنى إسرائيل - قال تعالى (...إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ ...)سورة البقرة (الآية 247) ، و في فتنة الجمال قال تعالى في سورة يوسف الآية (31) (...فَلَمَّا رَأَيۡنَهُۥٓ أَكۡبَرۡنَهُۥ وَقَطَّعۡنَ أَيۡدِيَهُنَّ وَقُلۡنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا مَلَكٞ كَرِيمٞ)، هذا فيض من غيض عن منابع الجريمة و هى الفتنة.

  يأتى المقام هنا لمفتاح من مفاتيح منع أنتشار الجريمة ، أنه مفتاح العِفة ، ما المقصود و المفهوم من العفِة ، يعنى مفهوم يرتبط بالتحكم في الرغبات والشهوات، ويعكس الالتزام بالقيم الأخلاقية والدينية التي تدعو إلى السلوك الحسن والامتناع عن الأفعال الضارة. هذا المفتاح له دور عظيم فمن يعف عن الشيْ يزهد فيه و لا يعيره  ادنى أهتمام ، و هذا المفتاح مركب من سبيكة قوامها ،القيم الأخلاقية تعزز من السلوكيات الإيجابية وتقلل من الانحرافات من خلال التربية في الصغر ،لان التعليم في الصغر كما قيل كالنقش على الحجر،زرع القدرة على التحكم في الشهوات و الرغبات،زرع القدرة على أقامت علاقات أجتماعية قوامها الاحترام المتبادل و الثقة ، تقوية العلاقة بين الفرد و خالقه ، لآن الحال هو وجود علاقة عكسية بين العفة و الجريمة فكلما أنتشرت العفة في النفوس البشرية كلما قل انتشار الجريمة ، فالجريمة و العفة لا يجتمعان ، لانهما بمثابة العلاقة بين الداء و الدواء . 

  ماذا قال الله تعالى في كتابه العزيز عن العفة ، أنه سبحانه و تعالى قال (وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ..." سورة النور (الآية 30)، و قال تعالى (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ...)سورة النور (الآية 33)، و من مقامات العفة في سورة النور قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ)(الاية 58) ، و قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه و سلم (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ )سورة طه(131)، و قال في مقام العفة - في دخول البيوت - ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ)سورة النور(الأيات 27،28، 29)

  الدور الايجابي الذي تلعبه العِفة في منع أنتشار الجريمة هو التحكم في الشهوات و ضبط النفس و البعد على المحرمات 

و ذلك من خلال ،تعزيز القيم الأخلاقية، فالعفة تعزز من القيم الأخلاقية مثل الاحترام والكرامة، مما يساهم في بناء مجتمع قائم على المبادئ السليمة. عندما يلتزم الأفراد بالعفة، فإنهم يساهمون في خلق بيئة اجتماعية إيجابية.

تقليل الجرائم الجنسية،فالعفة تساهم في تقليل الجرائم الجنسية مثل الزنا والاغتصاب، حيث أن الالتزام بالعفة يعني الابتعاد عن العلاقات غير المشروعة، مما يقلل من فرص حدوث هذه الجرائم.

تعزيز العلاقات الأسرية، فالعفة تعزز من استقرار العلاقات الأسرية، حيث أن الالتزام بالعفة يساهم في بناء الثقة والاحترام بين الزوجين، مما يقلل من حالات الخيانة الزوجية والنزاعات الأسرية.

الحد من الانحرافات السلوكية، الأفراد الذين يتمتعون بالعفة يكونون أقل عرضة للانحرافات السلوكية مثل تعاطي المخدرات أو الانخراط في أنشطة إجرامية، حيث إن العفة تعزز من الوعي الذاتي والقدرة على التحكم في الشهوات.

تعزيز الأمن الاجتماعي ، عندما يلتزم الأفراد بالعفة، فإن ذلك يساهم في تعزيز الأمن الاجتماعي، حيث يقلل من حالات العنف والجرائم التي قد تنشأ نتيجة للشهوات غير المنضبطة.

تربية الأجيال القادمة، فالعفة تلعب دورًا في تربية الأجيال القادمة على القيم الأخلاقية والسلوكيات السليمة، مما يساهم في بناء مجتمع أكثر استقرارًا وأمانًا.

 و الله الموفق

الثلاثاء، 3 ديسمبر 2024

مفتاح التأمل و دوره في مكافحة الجريمة

مفتاح التأمل و دوره  في مكافحة الجريمة

مقدمة :

   في رحلة البحث عن مفاتيح مكافحة الجريمة، هداني تفكيري إلى مفتاح من أهم هذه المفاتيح و هو التأمل، ما هذا المفهوم؟  و ما تعريف التأمل في اللغة العربية؟ ، و هل ورد له ذكر - تلميحًا أو تصريحًا -  في القران الكريم ؟ و هل هو عبادة؟ و هل ورد له ذكر في الديانة اليهودية و الديانة المسيحية؟ و ما دوره في تحجيم  أنتشار الجريمة؟ و ما  هي آلية ممارسة التأمل؟

   القصد من أستعمال كلمة مفتاح أن آلة صغيرة لا تتجاوز - حديثاً - حجم أصبع اليد لها قدرة على فتح  أي باب مهم كان حجمه ، و قد استعرت هذه الكلمة من  خلال مفهومها عند الناس لبيان موضوع مقالنا، و يبدأ موضوعنا من بدايته حول تعريف التأمل لغةً و معنى ، التأمل في القواميس العربية، لهذه الكلمة مترادفات مثل التفكر و التدبر ، معناها او مفهومها هو عملية التفكير العميق في شيء ما، سواء كان ذلك في موضوع معين، أو في آيات من القرآن، أو في الطبيعة، أو في النفس. و عملية التفكير العميق يُشير إلى عملية تحليلية تتضمن استكشاف وفهم موضوع معين بشكل شامل ودقيق. يتجاوز التفكير العميق التفكير السطحي أو العابر، حيث يتطلب التركيز  في التفاصيل والعلاقات والآثار المحتملة.لأنة كلما زادت تناول الشيء من كافة أبعاده كلما  زاد كمال رؤية العقل له و تصوره.

   نعم لقد جاءت آيات كثيرة تعزز التأمل ، قال تعالى في كتابه الحكيم (ٱلَّذِي خَلَقَ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖ طِبَاقٗاۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلۡقِ ٱلرَّحۡمَٰنِ مِن تَفَٰوُتٖۖ فَٱرۡجِعِ ٱلۡبَصَرَ هَلۡ تَرَىٰ مِن فُطُورٖ (3) ثُمَّ ٱرۡجِعِ ٱلۡبَصَرَ كَرَّتَيۡنِ يَنقَلِبۡ إِلَيۡكَ ٱلۡبَصَرُ خَاسِئٗا وَهُوَ حَسِيرٞ (4)) سورة الملك، هنا أشارة من الله سبحانه و تعالى الى التأمل بإعادة التفكير في الشيء أكثر من مرة  و أذكر أن أساتذتنا في كُلِّيَّة الحقوق مقولة أن التأمل و القراءة المتكررة قي الكتب تخرج لك ما بين السطور، و هو أهم مما صرحت به السطور. و قال سبحانه و تعالى (أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20))سورة الغاشية، هنا حث الله سبحانه و تعالى على التأمل، و قال تعالى(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)) سورة ابنة عِمران، و قال تعالى (وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21))سورة الذاريات، مُفَاد هذه الآيات الكريمة حث قد يصل إلى أمر بالتأمل، هذا الأمر يحسب في  ميزان الصحة النفسية.

   هل التأمل عبادة، طالما أمر به رب العباد سبحانه و تعالى ، فهو عبادة لأنه بتأمل نصل إلى أن الله أحد و لهذا قال أهل الفقه فيما ورد عن النبي صلى الله عليه و سلم أن سورة الإخلاص أجر قراءتها يعادل أجر قراءة ثلث القران .و هو عبادة في اليهودية و المسيحية بتأمل نصوص الكتب المقدسة التوراة وا لانجيل.

   هل  للتأمل دور فاعل في تحجيم أنتشار الجريمة؟ نعم و ذلك من  من خلال تعزيز الوعي الذاتي، وتقليل التوتر، وزيادة التعاطف، وتحسين اتخاذ القرارات، وتعزيز الروابط الاجتماعية. هذه العوامل يمكن أن تساهم في خلق بيئة أكثر أمانًا وتعاونًا.

  و كيف ذلك ؟ التأمل يساعد الأفراد على زيادة وعيهم الذاتي وفهم مشاعرهم وأفكارهم. هذا الوعي يمكن أن يقلل من السلوكيات العدوانية أو المتهورة التي قد تؤدي إلى ارتكاب الجرائم.التأمل يساعد في تقليل مستويات التوتر والقلق، مما قد يقلل من السلوكيات العنيفة أو المتهورة. الأفراد الذين يشعرون بالهدوء والراحة النفسية أقل عرضة للانخراط في أنشطة إجرامية. للتأمل دور في تعزيز عِلاقة الفرد بخالقه مما ينعكس بالإيجاب على تصرفه لأنة يستشعر أن الله رقيب عليه فيخشى أن يعمل عمل يغضبه،ويساعد الأفراد على تطوير شعور أكبر بالتعاطف مع الآخرين. هذا التعاطف يمكن أن يقلل من الرغبة في إيذاء الآخرين أو الانخراط في سلوكيات إجرامية، ويساعد الأفراد على تحسين قدرتهم على اتخاذ القرارات فالأفراد الذين يمارسون التأمل قد يكونون أكثر قدرة على التفكير بوضوح وتقييم العواقب المحتملة لأفعالهم، مما قد يقلل من احتمال ارتكاب الجرائم. يمكن القول أجمالا أن التأمل مفتاح كبح النفس البشرية عن ولوج طريق الجريمة.

   و ما ألية ممارسة التأمل؟ عن تجرِبة شخصية عن كيفية ممارسته ، تهيئة مكان للتأمل بعيد عن الصخب و الناس، و ليكن على الشواطئ أو غرفة في مكان هادئ تساعد على الاسترخاء ، أختيار الوقت الذي يناسبك و لكن شخصيًا الليل في  أخره وقت مناسب لي، مدته قد تستغرق من نصف ساعة إلى ساعة، النظر إلى الأشياء بتجرد و موضوعية كأن الأمر يخص شخص آخر ، تحليل للأشياء المركبة إلى عناصرها الأولية و ثم تجميعها مرة أخري ، والتفكير في التفاصيل و تحليل العلاقات بين الأشياء ووزن ما يتبادر الى ذهنك من أفكار و تدوينها و أعادة التفكير فيه مرارا و تكررا ثم دون كل شاردة و واردة ، هذا حد  علمي في التأمل و لمن لديه مزيد فليتفضل في التعليقات، و خير ما قيل بتعدد العقول و تلاقح الأفكار يزداد نور العقل. نصحية يجب ممارسته بصفة دورية مستمرة .

 و الله الموفق 


 







   


الاثنين، 2 ديسمبر 2024

غريزة العدالة و اهم الجرائم الناشئة عنها

 غريزة العدالة  و اهم الجرائم الناشئة عنها 

   لكل غريزة من غرائز النفس البشرية منطقة وَسْط تعبر عن التوازن في الغريزة، دون إفراط أو تفريط، في هذه المساحة توزن الاختلالات الكَمَيَّة و الكيفية في غريزة من الغرائز، إذا كانت السلوكيات تعبر عن الخروج من منطقة التوازن سواء الخروج إلى اقصى اليمين أو أقصى الشمال، يمكننا القول أن النفس البشرية السوية هي التي تقف في سلوكياتها على الطريق المستقيم، لان السلوك المادي للإنسان هو المظهر الخارجي في عالم الماديات التي يكشف به الغريزة التي تقبع في النفس البشرية، و مدى استقامتها أو خلالها.

    قد يتبادر إلى ذهن القارئ من عنوان المقال أن هناك خطأ في هذا العنوان، و لكن لا يوجد خطأ ما  لأنه  أي خلل كمى أو كيفي من شأنها أن يؤدى إلى ارتكاب الجرائم حتى و لو كان هذا الخلل في غريزة العدالة، كيف يكون ذلك؟ .

   هذا ما سوف نوليه عنايتنا في هذا المقام.

   ماذا نقصد بتعريف و مفهوم غريزة العدالة؟

   غريزة العدالة يمكن تعريفها لغويًا - و ذلك بالجمع بين لفظ الغريزة و لفظ العدالة في قواميس اللغة العربية -  بأنها، الدافع الفطري لدى الإنسان للسعي نحو تحقيق الإنصاف والمساواة في المعاملة، والرغبة في رؤية الأمور تسير بشكل عادل ومنصف. تتعلق هذه الغريزة بالشعور بالحق والباطل، وتؤثر على كيفية تقييم الأفعال والتصرفات في المجتمع. تعتبر غريزة العدالة جزءًا من الفطرة الإنسانية، حيث يسعى الأفراد إلى تحقيق التوازن والعدالة في علاقاتهم بالآخرين.

(   مثال لها حينما نجد مشاجرة في الشارع بين الأطفال أو الكبار  يتولد في داخل النفس البشرية ميل طبيعي  يحركنا نحو التدخل لرد الاعتداء من أحد الأطراف على الأخر و التفريق بينهما ثم معرفة الموضوع وا نصاف المظلوم من الظالم، إما صلحًا و إما برد الاعتداء و هنا يحضرني قول الله تعالى في كتابه الحكيم ﴿ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾[الحجرات: 9]، و هى نفس الغريزة التي دعت سيدنا سليمان عليه السلام إلى أصدار حكم مخالف لابيه نبي الله داود - في واقعة أعتداء الغنم على مزروعات جار لصاحب الغنم - قال تعالى(وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ 78)) سورة الأنبياء، ثم قال في الآية التي بعدها من ذات السورة(فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ)، فالذي دفع سليمان إلى الكلام في حضرت أبيه نبي الله داود هي غريزة العدالة.

    لا  يغيب عن الذهن و المستفاد من هذه الأيات أن تقرير طرق للطعن في  أحكام القضاء يجد أصله في هذه الأيات الكريمة ، و أن  تسبيب  الاحكام  كضمانة للمتقاضين  يجد أصله في نفس هذه الأيات فالموضوع حكم و ليس تحكم. لأذن حساسية غريزة العدالة يختلف فيها البشر، و يستفاد أيضًا من هذه الآيات أن مقام الحكم بين الأخصام مقام عظيم لقوله تعالى (وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ)، فالله تعالى شاهدا للأحكام التي تصدر و يوفق هذا إلى الحق و العدل و يمنع هذا.

   النفس السوية تكون غريزة العدالة فيها سوية، و تكون غريزة العدالة سوية أذا اتسمت بالسمات الأتية (التوازن والاعتدال، التعاطف والرحمة، الالتزام بالقيم الأخلاقية، القدرة على الحُوَار، الوعي الاجتماعي، عدم الانحياز و الحيادية)و هذا ما يتعين  ان يتسم به كل من كان في مقام القضاء في المنازعات.

  و متى تختل غريزة العدالة ؟ أنها تختل في الحالات الآتية (التحيز: قد يؤدي الانحياز إلى عدم رؤية الأمور بشكل موضوعي، مما يسبب ظلمًا لأفراد أو مجموعات معينة. يمكن أن يكون هذا التحيز قائمًا على العرق، الدين، الجنس، أو أي عامل آخر.

التطرف:في بعض الأحيان، قد تؤدي الرغبة في تحقيق العدالة إلى تطرف في المواقف، حيث يسعى الأفراد إلى تحقيق العدالة بأي وسيلة، حتى لو كانت غير قانونية أو غير أخلاقية.

الانتقام:قد تتحول غريزة العدالة إلى رغبة في الانتقام، حيث يسعى الأفراد إلى معاقبة الآخرين بدلاً من السعي لتحقيق العدالة الحقيقية. هذا يمكن أن يؤدي إلى دوامة من العنف والصراع.

المبالغة في المطالب:قد يؤدي الشعور بالظلم إلى مطالبات مبالغ فيها، حيث يسعى الأفراد إلى الحصول على حقوق أو تعويضات تفوق ما هو عادل أو منطقي.

العدالة الانتقائية:قد يحدث انحراف عندما يتم تطبيق العدالة بشكل انتقائي، حيث يتم معاملة بعض الأفراد أو الجماعات بشكل أفضل من الآخرين بناءً على اعتبارات غير موضوعية.

الاستغلال:في بعض الحالات، قد يتم استغلال مفهوم العدالة لتحقيق مصالح شخصية أو جماعية، مما يؤدي إلى تفشي الفساد أو الظلم.

    و اهم أختلال لغريزة العدالة هي جرائم الإرهاب فهذه لجرائم الناشئة عن انحرافات غريزة العدالة كيف يمكن أن تؤدي المشاعر السلبية مثل الظلم والانتقام إلى سلوكيات غير قانونية. من المهم تعزيز الوعي حول هذه الانحرافات والعمل على تحقيق العدالة بطرق سلمية وقانونية، مما يسهم في بناء مجتمعات أكثر أمانًا وتوازنًا. لان معظم مرتكبي جرائم الإرهاب و  هي من أهم الجرائم ذات التأثير الواسع الانتشار على امن و أمان الدول في كافة أنحاء العالم،  يتسمون بخلل كمى أو كيفي في غريزة العدالة ، 

   أرجو أن أكون أعطيت الموضوع حقه من التأصيل و التفصيل .

 و الله الموفق



الأحد، 1 ديسمبر 2024

صناعة الضمير و أثرها الإيجابي على انخفاض كمي في ارتكاب الجريمة (الجزء الأول )

 صناعة الضمير و أثرها الإيجابي على انخفاض كمى في أرتكاب الجريمة  

    مقالنا اليوم،  يعرض للعلاقة بين صناعة الضمير الإنساني و دوره الفاعل و أثره في التقليل من كم أرتكاب الجريمة، لآن الجرائم مهما اختلفت صورها إلا أن بذرتها تنمو في نفس بشرية غير سوية، فالجريمة ثمرة هذه البَذْرَة، و الجريمة أيضاً تعبر عن أختلال في الضمير الإنساني القويم ، أذن فأن صناعة ضمير أنساني قويم ينشأ عنه أنخفاض في كم الجرائم المرتكبة ، و خاصة أن الرقابة الخارجية على الإنسان تعجز عن المراقبة أربعه و عشرون ساعة، فالحل في الرِّقابة الداخلية و هو الضمير، ما هو هذا الضمير ؟ و كيف نصنعه ؟ و ما هو أثره الإيجابي في خفض كمى في ارتكاب الجريمة؟

    تعريف لفظة ضمير في قواميس اللغة العربية ،استعدادٌ نفسي لإِدراك الخبيث والطيب من الأعمال والأَقوال والأَفكار، والتفرقة بينها، واستحسان الحسن واستقباح القبيح منها.

    الضمير هو الوعي النابع من داخل النفس البشرية  الذي يساعد الأفراد في تمييز الصواب من الخطأ.و خير من جسد هذا المفهوم سيدنا محمد صلي الله عليه و سلم حين قال في حديث شريف (البِرُّ: حُسن الخلق، والإثم: ما حاك في نفسك، وكرهتَ أن يطَّلع عليه الناسُ) أخرجه أحمد والدارمي وأبو يعلى والطبراني. و قال  عمر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (إنما الأعمال بالنيات, وإنما لكل امرئ ما نوى, فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله, فهجرته إلى الله ورسوله, ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها, فهجرته إلى ما هاجر إليه) صحيح البخاري و مسلم، المستفاد من ذلك أن الضمير هو الوعى  الداخلي بالخير و الشر ، قال تعالى في محكم أياته (بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ (15))سورةالقيامة.

   أما عن لفظة صناعة في قواميس اللغة العربية فهي مشتقة من فعل صنع اي أنشاء الشي و تعهده للوصول الى شكل معين و من هنا جاء قول الحق سبحانه و تعالي في حديثه عن نبي الله موسى ( وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) )سورةطه ، و قال تعالى (وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي (39)) سورة طه.

   أذن فصناعة الضمير هى أنشاء و تهذيب و خلق الوعى الداخلي بالخير و الشر و الخطأ و الصواب، أي خلق ميزان في النفس البشرية للتميز به و يكون هو منبع السلوك الإنساني في الحياة .

   لخص الرسول صلى الله عليه و سلم هذا المعيار الداخلي في قوله :عن أنس بن مالك رضي الله عنه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه )، رواه البخاري ومسلم. فأنصاف النفس السوية هو الوجه الأخر من أنصاف الآخرين، أي عامل الآخرين بنفس معيار معاملة نفسك ، و ما ترضاه لنفسك أرضاه لغيرك.

   و هنا نذكر المبادئ اللازمة لتشكيل هذا الضمير و قرره الله سبحانه و تعالى في محكم أياته ،  لدى الأفراد. إليك بعض الطرق التي ساهم بها القرآن في تشكيل الضمير:

1. تحديد القيم الأخلاقية: العدل يؤكد القرآن على أهمية العدل في جميع جوانب الحياة. يقول الله تعالى: "إن الله يأمر بالعدل والإحسان" (سورة النحل: 90). هذا يعزز من شعور الأفراد بالمسؤولية تجاه الآخرين.الصدق والأمانة يشدد القرآن على أهمية الصدق والأمانة، حيث يقول: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين" (سورة التوبة: 119). هذه القيم تعزز من الضمير الحي.

2. التوجيه الروحي:التقوى يدعو القرآن إلى تقوى الله، وهي حالة من الوعي الدائم بوجود الله ومراقبته. يقول الله تعالى: "إن أكرمكم عند الله أتقاكم" (سورة الحجرات: 13). هذا الوعي يعزز من الضمير ويجعل الأفراد أكثر حرصًا على تصرفاتهم.التوبة والاستغفار: يشجع القرآن على التوبة والاستغفار، مما يساعد الأفراد على تصحيح أخطائهم وتعزيز ضميرهم. يقول الله تعالى: "وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ" (سورة النور: 31).

3. القصص والعبر:قصص الأنبياء حيث يحتوي القرآن على قصص الأنبياء والأمم السابقة، التي تحمل دروسًا وعبرًا أخلاقية. هذه القصص تساعد الأفراد على فهم عواقب الأفعال وتطوير ضميرهم.التحذير من الظلم يذكر القرآن عواقب الظلم والفساد، مما يعزز من الوعي الأخلاقي لدى الأفراد.

4. الترغيب والترهيب: الترغيب في الخير حيث يشجع القرآن على فعل الخير ومساعدة الآخرين، مما يعزز من الضمير الحي. يقول الله تعالى: "وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ" (سورة البقرة: 195).الترهيب من المعاصي حيث يحذر القرآن من المعاصي والآثام، مما يساعد الأفراد على تجنب السلوكيات الضارة. يقول الله تعالى: "وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا" (سورة الإسراء: 32).

5. التأكيد على المسؤولية الفردية: المسؤولية عن الأفعال حين يذكر القرآن أن كل فرد مسؤول عن أفعاله، مما يعزز من الضمير. يقول الله تعالى: "وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا" (سورة مريم: 95).النية الصادقة حينما  يشدد القرآن على أهمية النية في الأفعال، مما يعزز من الوعي الذاتي والضمير و قد صنع القرآن الكريم للضمير من خلال تقديم قيم أخلاقية واضحة، توجيه روحي، قصص وعبر، الترغيب والترهيب، والتأكيد على المسؤولية الفردية. هذه العناصر تعمل معًا لتعزيز الوعي الأخلاقي والضمير الحي لدى الأفراد، مما يسهم في بناء مجتمع أكثر عدلاً وأخلاقية.

   أما عن الأثر الإيجابي لصناعة الضمير ـ ستناوله في الجزء الثاني لهذا المقال.

 الله الموفق


خُلُقُ الأَنَاةِ: فَضِيلَةُ الصَّبْرِ وَحِكْمَةُ التَّأَنِّي فِي زَمَنِ العَجَلَةِ

خُلُقُ الأَنَاةِ: رِحْلَةُ العَقْلِ فِي نَيْلِ الحِكْمَةِ وَسَكِينَةِ الرُّوحِ مقدمة: حقيقة الأناة وغايتها الإنسانية    يعيش الإنسان المعاصر...