الأحد، 9 فبراير 2025

خسارة النفس أعظم خسارة

 خسارة النفس أعظم خسارة 

    قال تعالى في محكم أياته "قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ" (الزمر: 15).الخسارة الحقيقية ليست في الأشياء المادية، بل في أن يفقد الإنسان جوهره وروحه. لذا، فإن أعظم نجاح هو أن يجد الإنسان نفسه ويحافظ عليها مهما كانت الظروف. فخسارة النفس تعني أن يفقد الإنسان هويته الحقيقية، ومبادئه، وضميره، وروحه النقية، سواء بإرادته أو نتيجةً لضغوط الحياة والمجتمع. إنها حالة يكون فيها الشخص تائهًا، غير مدرك لقيمته الحقيقية، أو غارقًا في طريقٍ يبعده عن ذاته الأصيلة.لأن الإنسان قد يخسر المال، أو الصحة، أو العلاقات، ولكن إذا فقد نفسه، فقد كل شي.فمن وجد نفسه فقد وجد كل شيء، ومن خسرها فقد خسر كل شيء.

   ومتى و كيف و أين يخسر الإنسان نفسه؟ 

    وقت خسارة الإنسان نفسه، أنه يخسر نفسه في اللحظات التي يبتعد فيها عن قيمه ومبادئه، حينما يختار الباطل رغم معرفته بالحق، يبيع ضميره من أجل مصلحة دنيوية، يستسلم للشهوات والرغبات دون ضوابط، يفقد الإيمان ويتجاهل العلاقة مع الله، يخاف من مواجهة الحقيقة ويفضل العيش في الوهم، يندمج في مجتمع فاسد ويتأثر به حتى يصبح جزءًا منه. تجتمع هذه الامور أذا خالف فطرته التى فطرها الله عليها و تلوثة بملوثات الدنيا الشتى من فتن.

   و يحدث ذلك في أماكن ومواقف كثيرة، منها في مجالس الظلم والخيانة، عندما يشارك الإنسان في أفعال غير أخلاقية، في بيئات الفساد والانحراف، حيث تُضعف الأخلاق والقيم، في أماكن اللهو والترف الزائد، إذا جعلت الإنسان يغفل عن معنى حياته الحقيقي، في منصات الشهرة والسلطة، عندما يضحي الإنسان بصدقه وإخلاصه لكسب رضا الناس، في العزلة النفسية، حين يفقد الإنسان التواصل مع ذاته الحقيقية.

    و كيف يخسرها؟ 

   يخسر الإنسان نفسه تدريجيًا من خلال ،التنازل عن المبادئ مقابل تحقيق مصالح شخصية و الانجراف وراء الشهوات والملذات دون تفكير في العواقب، التبرير المستمر للأخطاء حتى تصبح عادة يصعب التخلص منها فالإنسان على نفسه بصيرا و لو ألقى معاذيره، الخضوع لضغوط المجتمع حتى يفقد هويته الحقيقية والنفاق والعيش بوجهين خوفًا من مواجهة الحقيقة والابتعاد عن الله وعدم السعي للإصلاح والتوبة .

  و لكى لا يخسر الإنسان نفسه عليه، التمسك بالمبادئ والقيم مهما كانت المغرَيات قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( يا عم ، والله لو وضعوا الشمس في يميني ، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله ، أو أهلك فيه ، ما تركته ) ومراجعة النفس والتأكد من السير في الطريق الصحيح، قال عمرُ بنُ الخطَّابِ رضِي اللهُ عنه : حاسِبوا أنفسَكم قبل أن تُحاسَبوا، وزِنوا أنفسَكم قبل أن تُوزنوا، فإنَّه أخفُّ عليكم في الحسابِ غدًا أن تُحاسِبوا أنفسَكم اليومَ وتزيَّنوا للعَرضِ الأكبرِ، كذا الأكبرِ { يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ }، و العودة إلى الله والتوبة عند الخطأ قال تعالى {‏‏وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}‏‏ ‏[‏النور‏:‏ 31‏]‏، و اختيار الصحبة الصالحة التي تذكّر الإنسان بالخير  و قال صلى الله عليه و سلم "إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة. ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحا خبيثة"،و عدم تقديم تنازلات أخلاقية مقابل مكاسب دنيوية زائلة قال تعالى في محكمة أياته (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185) )سورة آل عمران.

    و زبدة القول نجده في قوله تعالى (وَٱلۡعَصۡرِ (1) إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ (2) إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ (3)) سورة العصر ، بعرض نفسنا يومياً على هذه السورة لنقيس في اي موضع نحن فيه ، هدنا الله و أياكم الى ما يحب و يرضى,

 الله الموفق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

خُلُقُ الأَنَاةِ: فَضِيلَةُ الصَّبْرِ وَحِكْمَةُ التَّأَنِّي فِي زَمَنِ العَجَلَةِ

خُلُقُ الأَنَاةِ: رِحْلَةُ العَقْلِ فِي نَيْلِ الحِكْمَةِ وَسَكِينَةِ الرُّوحِ مقدمة: حقيقة الأناة وغايتها الإنسانية    يعيش الإنسان المعاصر...