منهج الأخذ بالأسباب في القران الكريم
مبدأ الأخذ بالأسباب في القرأن الكريم سنة أودعها الله في الكون، و لن تجد لسنة الله تبديلا و لن تجد لسنة الله تحويلا،، و الأخذ بالأسباب أمر الهي و ليس رخصة ، و مفهومه في القران الكريم هو يجب الأخذ بالأسباب كأنها كل شيء ثم التوكل على الله كـأنها لا شيء و أن تترك النتائج و الخواتيم لله سبحانه و تعالى .
نستشف هذا المبدأ و تطبيقاته من أستظهار أيات القران الكريم في معظم أيات الذكر الحكيم ـ فلكل سبب مسبب و مسبب الأسباب الله سبحانه و تعالى . و لكن هذا المبدأ و إن كان يحكم الكون فإنه لا يحكم رب العالمين فهو على كل شيء قدير .فقد تحدث النتائج دون أسباب و قد تحدث أسباب دون نتائج فله الأمر من قبل و من بعد. فما هو بمعجزة عند البشر ليس بمعجزة عند الله، لان الإنسان مقيد القدرة. و لهذا قال الله عز وجل لا يكلف الله نفساً إلا و سعها .
ماذا نقصد بمبدأ الأخذ بالأسباب من المنظور الإسلامي يعني أن الإنسان يجب أن يسعى ويبذل الجهد مستخدمًا الوسائل المتاحة لتحقيق أهدافه، مع الإيمان بأن النتائج بيد الله. وهو مفهوم إسلامي يؤكد على التوازن بين العمل والتوكل، حيث لا يجوز التواكل وانتظار النتائج دون فعل شيء، ولا يجوز الاعتماد الكلي على الأسباب دون الاعتراف بمشيئة الله. قال الله تعالى﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11).
من منظور العلمانيين ،العلمانيون يرون الأخذ بالأسباب من منظور مادي وعلمي بحت، حيث يعتمدون على القوانين الطبيعية والجهد البشري في تحقيق الأهداف، دون الاعتقاد بوجود تدخل غيبي أو توفيق إلهي. النتائج عندهم مرتبطة فقط بالأسباب المادية، مثل العلم، التخطيط، والعمل الجاد. لا يؤمنون بالتوكل على الله، بل يعتبرون النجاح مبنيًا على المعادلات العلمية والتجريبية. البعض قد يرفض فكرة القضاء والقدر ويرى أن الإنسان يصنع مستقبله بيده.هذه النظرة تختلف عن النظرة الدينية التي تجمع بين السعي والتوكل على الله.
نبدأ الآن في أستظهار مبدأ الأخذ بالأسباب من خلال آيات القصص في القران الحكيم ،تجسد قصة سيدنا نوح عليه السلام مبدأ الأخذ بالأسباب بوضوح، حيث أمره الله ببناء السفينة لإنقاذ المؤمنين من الطوفان. قال تعالى:﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ (هود: 37). لم ينتظر نوح عليه السلام معجزة مباشرة، بل عمل بيده، وجمع الأخشاب، واستغرق سنوات في البناء.اتخذ كل التدابير لإنقاذ المؤمنين، رغم استهزاء قومه.بعد إتمام العمل، جاء الفيضان بأمر الله، وتم النجاة بفضل الجمع بين العمل والتوكل.يستفاد من هذا الدرس: السعي والأخذ بالأسباب لا يتعارض مع الإيمان والتوكل على الله.
في قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام،تجسدت قاعدة الأخذ بالأسباب في عدة مواقف من حياة سيدنا إبراهيم عليه السلام، ومنها البحث عن الحقيقة ،لم يكن إيمانه بالله مبنيًا على التقليد، بل استخدم العقل والتفكير للوصول إلى الإيمان الحق (الأنعام: 76-79). إنقاذه من النار بالرغم أنه أُلقي في النار، فإن الله جعلها بردًا وسلامًا، لكن إبراهيم اتخذ الأسباب بالدعوة والصبر (الأنبياء: 69). بناء الكعبة فقد سعى مع ابنه إسماعيل في العمل والبناء امتثالًا لأمر الله (البقرة: 127).
أما عن قصة سيدنا موسى عليه السلام ،ظهرت قاعدة الأخذ بالأسباب في حياة سيدنا موسى عليه السلام في عدة مواقف مهمة، منهاـ أن أمه أخذت بالأسباب لإنقاذه حيث وضعتْه في التابوت وألقته في النهر بأمر الله، فكان ذلك سببًا في نجاته (القصص: 7). هروبه من مصر: عندما قتل الرجل القبطي، لم ينتظر معجزة، بل سعى للنجاة وهرب إلى مدين (القصص: 21-22). شق البحر: عندما حاصره فرعون، أمره الله بضرب البحر بعصاه، فكان ذلك سببًا لنجاته (الشعراء: 63).
أما عن قصة سيدنا عيسى عليه السلام ،تجلّى مبدأ الأخذ بالأسباب في عدة مواقف من حياة سيدنا عيسى عليه السلام، ومنها: ولادته من مريم عليها السلام: رغم أن ولادته كانت معجزة، إلا أن الله أمر أمه بهزّ جذع النخلة لتساقط الرطب، وهو سبب للرزق (مريم: 25).طلب الطعام من الحواريين: عندما طلبوا مائدة من السماء، لم يكن ذلك استجابة لكسلهم، بل لزيادة الإيمان (المائدة: 112-115).دعواته للشفاء وإحياء الموتى: رغم المعجزات، إلا أنه استخدم الدعاء والتضرع لله كسبب لتحقيقها.
أما عن قصة سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم ،الهجرة إلى المدينة: لم يعتمد النبي ﷺ على المعجزة فقط، بل وضع خطة محكمة للهجرة:اختيار عبد الله بن أريقط دليلًا للطريق.المكوث في غار ثور لإخفاء الأثر.تجهيز الإمدادات عبر أسماء بنت أبي بكر. غزوة بدر: رغم الدعاء، اتخذ الأسباب عبر التخطيط العسكري.السعي في الدعوة: استخدم الحكمة، الحوار، والعمل المستمر.
و خلاصة الأمر مبدأ الأخذ بالأسباب يعني ضرورة السعي والعمل لتحقيق الأهداف، مع الإيمان بأن النتائج بيد الله. الإسلام يرفض التواكل ويحثّ على بذل الجهد، كما ظهر في قصص الأنبياء مثل نوح ببناء السفينة، وموسى بشق البحر، ومحمد ﷺ في التخطيط للهجرة. النجاح يتحقق عندما يجتمع الاجتهاد مع التوكل، فالسعي مطلوب، لكن لا غنى عن مشيئة الله.
و الله الموفق
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق