الثلاثاء، 4 نوفمبر 2025

حين يلتقي التراب بالقدر(درس في تطوير الذات)

 حين يلتقي التراب بالقدر

قراءة تلسكوبية في قوله تعالى (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى)

﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾(الأنفال: 17).

    من بين آيات القرآن الكريم التي تهزّ وجدان المتدبر وتفتح له آفاق الفهم العميق، تأتي هذه الآية العظيمة التي جمعت بين الفعل البشري والقدرة الإلهية في لحظة واحدة. فهي لا تصف مشهدًا عسكريًا في غزوة بدر فحسب، بل تؤسس قانونًا كونيًا يربط بين العمل الإنساني والإرادة الربانية.الآية تقول ببلاغة معجزة:"وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى"،كلمات قليلة تختصر فلسفة الوجود الإيماني، وتكشف عن جوهر العلاقة بين الفاعل الحقيقي (الله) والفاعل الظاهر (الإنسان)،في صورة من أبلغ صور التوحيد العملي في القرآن.

أولاً: المشهد التاريخي

    في غزوة بدر، حين أخذ النبي ﷺ حفنة من تراب ورماها نحو جيش المشركين، فما بقي أحد منهم إلا دخل التراب في عينيه أو وجهه، فنزل قول الله تعالى مؤكدًا أن ما حدث لم يكن بفعلٍ بشري محض، بل بتدخلٍ إلهي مباشر: “وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى.”لقد كانت تلك الرمية إشارة رمزية إلى أن الله هو القوة المحركة خلف كل سبب، وأن النصر لا يكون إلا بتوفيق الله مهما بلغت الوسائل.

ثانيًا: المفارقة اللغوية بين النفي والإثبات

    الآية تبدو لأول وهلة متناقضة: كيف يُنفى الفعل ثم يُثبت؟،“وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى.”لكن في التفسير البلاغي، يتضح أن هذا النفي ليس نفياً للفعل ذاته، بل لنسبة الأثر إليه.

     العبارة                                                                                معناها

  وما رميت                                                       نفيٌ لقدرة النبي على إحداث الأثر بنفسه

 إذ رميت                                                    إثبات للفعل الحسي المادي (حركة اليد)

ولكن الله رمى                                                 بيان أن التأثير الحقيقي كان من الله

    فكأن الله تعالى يقول: لقد فعلت، ولكن لم تكن أنت من أحدث النتيجة. وهنا تكتمل فلسفة السببية الخاضعة للقدرة الإلهية.

 ثالثًا: المنهج التلسكوبي في قراءة الآية

    يُعدّ منهج التفكير التلسكوبي، أسلوبًا يقوم على تدرج الانكشاف من الجزئي إلى الكلي، ومن الظاهر إلى الجوهر. وبتطبيق هذا المنهج على الآية، نجد ثلاث عدسات متداخلة:

العدسة     المنظور                           الفاعل                                       المعنى

الأول      بشرية حسية         النبي ﷺ                        قام بالفعل المادي (الرمي)

الثانية       سببية واقعية        النبي سبب ظاهر              لم يكن الفعل وحده كافيًا لإحداث النتيجة

الثالثة       كونية غيبية      الله جل جلاله            هو الذي أوجد الأثر الحقيقي عبر قوانين قدره

    الآية إذن تعلمنا أن العمل مطلوب، لكن الأثر بيد الله؛وهذا هو جوهر الإيمان العملي.

 رابعًا: البعد الإيماني والفلسفي

    الآية ترسم ميزانًا دقيقًا بين الأخذ بالأسباب والإيمان بالمسبب. فهي لا تنفي الفعل الإنساني، بل تضعه في موقعه الصحيح: وسيلة لا غاية، سبب لا مصدر. الإنسان يعمل بقدر ما أمره الله،لكن لا يرى في نفسه فاعلية مستقلة.فالفعل منك… والنجاح من الله. وذلك هو معنى التوكل الحق: العمل مع التسليم.

 خامسًا: التدرج التلسكوبي من الجزئي إلى الكوني

المستوى                         المعنى الجزئي                         المعنى الكوني الأشمل

الحدث التاريخي   معجزة بدر  التراب أصاب القوم جميعًا رغم بساطة الوسيلة تدخل القدرة الإلهية ليُري المؤمنين أن النصر من عند الله لا من العدة

القانون الإيماني الله وراء كل تأثير، والإنسان سبب مأمور بالأخذ بالأسباب  النتائج لا تتولد من الأسباب بذاتها، بل بإذن الله الذي يُفعّلها

القانون الكوني كل طاقة في الكون تعمل بتقدير الله لا بذاتها لا               شيء يتحرك في الوجود إلا بقدر الله؛ فهو خالق الفعل والأثر

الرسالة التربوية اعمل بكل جهد، ثم سلّم النتيجة لله                 التوازن بين العمل والإخلاص، وبين السعي والتسليم

البعد النفسي تهذيب النفس من الغرور بالعمل               التحرر من وهم السيطرة والشعور بالطمأنينة

البعد الاجتماعي وحدة الصف المؤمن في العمل لله              النصر ثمرة تعاون القلوب واتحاد النيات

البعد الحضاري النصر لا يقوم على القوة المادية وحدها        الحضارة المتوازنة هي التي تمزج التقنية بالإيمان

البعد الوجودي الرمي رمز للفعل الإنساني في الوجود                كل حركة بشرية خاضعة لنظام القدر الكلي

الرسالة الختامية أنت ترمي والله يُصيب              الفعل منك، والأثر من الله — تلك هي ذروة التوحيد العملي

 سادسًا: التحليل النثري للتدرج التلسكوبي

    حين نقرأ الآية بهذه العدسات المتدرجة، يتسع المعنى من لحظة بدر إلى مساحة الكون كله.فالرمي في بدر هو مثال مصغر لقانون شامل:كل حركة في الحياة إنما تعمل في إطار تدبيرٍ إلهي دقيق.في المستوى التاريخي، نرى معجزة ميدانية تُثبت التأييد الرباني.وفي المستوى الإيماني، نجد قانونًا يحرر الإنسان من الغرور.وفي المستوى الكوني، نكتشف أن كل القوى والطاقات تسير بتقدير الله.وفي المستوى التربوي، تتربى النفس على الصدق والتسليم.ثم يتعمق الفهم ليصل إلى أن كل فعل في الوجود — من حركة الريح إلى نبض القلب — هو نوع من “الرمي” بأمر الله، وأن الفاعلية الحقيقية في الكون واحدة، هي فاعلية الخالق وحده.

 سابعًا: البعد العملي للآية في حياة الإنسان

    الآية ترسم للإنسان منهجًا للحياة: أن يعمل وكأن كل شيء متوقف على جهده،وأن يطمئن وكأن كل شيء بيد الله. فهي توازن بين الحافز والمسؤولية من جهة،والسكينة واليقين من جهة أخرى.كل إنجاز في الحياة هو “رمية” ما —ترمي بفكرتك، بجهدك، بعلمك، بإخلاصك —ثم تنتظر من الله أن يجعلها تصيب الهدف.

 ومضة ختامية: حين يرمي الله معك، في لحظات العجز، حين تبدو اليد صغيرة أمام ضخامَة الموقف، تذكّر أن الله هو الذي يُمسك بيدك.وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى.كم مرة ظننت أن سهمك ضلّ الطريق،ثم فوجئت أنه أصاب هدفًا لم تره أنت، بل رآه الله لك؟،اعمل، واسعَ، وابذل ما تستطيع، ثم دَع الله يرمي معك.فحين تتوحد النية مع الصدق، تتحول اليد البشرية إلى أداةٍ لقدَرٍ إلهي يعمل من خلالها. في كل فعلٍ صادق، هناك يد خفية تقول لك من وراء الغيب:“ما رميت إذ رميت، ولكن الله رمى.”نسألكم الدعاء.

الاثنين، 3 نوفمبر 2025

ما أدراك و ما يدريك

 ما أدراك و ما يدريك

    كثيراً ما يثير شغفي في البحث ان الفاظ في القران الكريم قد تتشابه في بعض الحروف و لكن لها من الدلالة منى مختلف و أنا مستيقن تماماً ان الحرف في موضعه في القران الكريم لم يأتي عبثاً و إنما وجد في موضعه لحكمة سواء علينا علمناها أم لم نعلمها .

    في عالم البيان القرآني، لا يأتي لفظٌ إلا بميزانٍ دقيق، ولا تُبدَّل صيغةٌ إلا لحكمةٍ تتجاوز حدود اللغة إلى آفاق المعنى. ومن أبدع ما تتجلى فيه هذه الدقة الإعجازية اختلاف التعبير بين قول الله تعالى: «ما أَدْراك» و**«ما يُدريك»**، وهما عبارتان تبدوان في ظاهرهما متشابهتين، لكن وراءهما تفاوتٌ بياني ومعرفي عظيم، يُعبِّر عن درجات التلقي وكشف الغيب، وعن تدرّج الوحي في إطلاع الإنسان على المجهول.

    ففي مواضع يقول الله لنبيه ﷺ: «وما أَدراك» ثم يُتبعها ببيانٍ وتفسيرٍ يُكشف به الحجاب عن الغيب، كقوله تعالى ﴿وما أدراك ما القارعة * يوم يكون الناس كالفراش المبثوث﴾، وفي مواضع أخرى يقول: «وما يُدريك»، فيترك الأمر في ستر الغيب دون بيان، كقوله تعالى: ﴿وما يدريك لعل الساعة تكون قريبًا﴾.

    وبين العبارتين تتحرك رحلة الإنسان في المعرفة، من جهلٍ مشروعٍ إلى علمٍ موهوبٍ، ومن غيبٍ مغلقٍ إلى بيانٍ مفتوح. إنه الفارق بين ما أُذِن للنبي ﷺ أن يعلمه، وما بقي عند الله في علم الغيب. ومن هنا تتجلى روعة المنهج القرآني حين يُقاس بمنطق التفكير التليسكوبي — ذلك الذي ينظر إلى الحقيقة في طبقاتٍ متدرجة، ويكشفها مرحلةً بعد مرحلة، حتى يكتمل المشهد في وعيٍ شاملٍ مترابط.

    وهكذا يصبح الفارق بين «ما أَدراك» و«ما يُدريك» ليس مجرد تباين لغوي، بل تجسيدًا بلاغيًا لمسار الإدراك الإنساني من الستر إلى الكشف، ومن التساؤل إلى الفهم، ومن الغيب إلى اليقين.

أولاً: التحليل اللغوي والصرفي

اللفظ                          الفعل                        الزمن     الفاعل                   الدلالة اللغوية
أَدْراك من الفعل (أدرى) ماضٍ الله تعالى         أَعْلَمَك وأخبرك بشيءٍ غيبي.
يُدريك من الفعل (يدري) مضارع الله تعالى لم يُعلِمْك الله بعدُ بهذا الشيء، ولا يُتوقّع أن تعلمه إلا بإذن. 
الفعل الماضي في "أدراك" يدلّ على تحقق الإخبار،بينما الفعل المضارع في "يدريك" يدلّ على استمرار الغيب وستره.

ثانيًا: الفرق الدلالي في السياق القرآني
1. ما أَدْراك: تأتي في المواضع التي أَعْلَمَ اللهُ النبيَّ ﷺ بحقيقتها.وبعدها دائمًا يأتي البيان والتفسير. أمثلة: ﴿وما أدراك ما القارعة﴾ ثم جاء البيان: ﴿يوم يكون الناس كالفراش المبثوث﴾،﴿وما أدراك ما سقر﴾ ثم جاء البيان: ﴿لا تبقي ولا تذر﴾،﴿وما أدراك ما يوم الدين﴾ ثم فُسر في الآية بعدها.
 قاعدة:كل موضع وردت فيه «ما أَدْراك» تلاها بيان، فالغيب فيه مكشوف بعد ستر.

2. ما يُدريك: تأتي في المواضع التي لم يُعلِم اللهُ النبيَّ ﷺ بها. ولا يأتي بعدها أي بيان يوضح حقيقة الشيء.أمثلة:﴿وما يدريك لعل الساعة تكون قريبًا﴾ — علم الساعة مستور.﴿وما يدريك لعله يزكى﴾ — حال القلوب غير معلوم قبل التجربة.
 قاعدة:كل موضع وردت فيه «ما يُدريك» بقي الغيب فيه محجوبًا غير مكشوف.

 رابعًا: المواضع القرآنية 
    مواضع «ما أَدْراك» (الكشف بعد السؤال): في السور التالية :الحاقة،القارعة،المدثر،الانفطار،المطففين،الطارق
 جميعها فُسّرت بعد السؤال.
    مواضع «ما يُدريك» (الستر والبقاء في الغيب): في السور التالية :الأعراف، عبس،الشورى، جميعها لم يُفسّر بعدها الشيء المذكور.

 خامسًا: الدلالة التلسكوبية (التفكير التدرّجي في المعرفة)
    من خلال منهج التفكير التليسكوبي – الذي يقوم على مبدأ “التدرج في انكشاف المعنى”، نرى أن: "ما يُدريك" تمثل مرحلة الغيب المغلق،ثم تأتي "ما أَدْراك" لتعبّر عن مرحلة الفتح والكشف. فالتعبير القرآني يسلك حركة تلسكوبية معرفية:يبدأ بالستر (ما يُدريك) و ذلك حين يكون الغيب في مجاله الإلهي.ثم بالكشف (ما أَدْراك)و ذلك حين يُفتح باب العلم بالوحي.
      وهكذا يربّي القرآن الإنسان على: أن العلم لا يُؤتى دفعة واحدة،وأن المعرفة تتدرج حسب الاستعداد والاصطفاء.

سادسًا: البعد التربوي والوجداني
    الإيمان بحدود الإدراك البشري: "ما يُدريك" تذكير بأن الغيب لا يُنال بالعقل، بل بالوحي. التسليم لله في علم الساعة والغيب: فلا يُحاول الإنسان اقتحام ما حُجب عنه. الفرح بما أُدْرِكَ من البيان الإلهي:"ما أَدْراك" تكشف مقام التشريف للنبي ﷺ.تربية النفس على الصبر المعرفي: فكل كشف له أوانه، وكل علم له قدره.

 الخاتمة
    تعبيرا «ما أَدْراك» و**«ما يُدريك»** ليسا مجرد اختلاف لفظي، بل هما سلّم معرفي يرتقي به الإنسان بين درجتين: من الجهل المشروع بالغيب إلى العلم الموحى به من الله. فالقرآن يرسم في بنائه اللغوي حركةً تلسكوبيةً من:الغيب الى الإدراك الى البيان الى الفهم الى الإيمان. وهكذا يتجلى إعجاز القرآن في حرفٍ واحدٍ يفتح بابًا من المعرفة، وفي اختلاف زمن الفعل تتجلى رحلة الإنسان بين الغيب والعلم، بين الخفاء والتجلي.
ملحوظة - في حالة فتح اللينك من الموبايل تلاحظ وجود تغيير على عكس فتح اللينك على الحاسب الالى.

الأحد، 2 نوفمبر 2025

سورة المطفّفين والتدرّج في الانحراف: رؤية تليسكوبيّة في السنن القرآنية

 سورة المطفّفين والتدرّج في الانحراف: رؤية تليسكوبيّة في السنن القرآنية

    الحمد لله الذي أنزل كتابه بالحق والميزان، وجعل في كل آية من آياته قانونًا يهدي العقول ويقوّم السلوك. تأتي سورة المطففين نموذجًا قرآنيًا فريدًا يجمع بين التحذير الشرعي، والتحليل النفسي، والرؤية الاجتماعية، لتكشف عن أحد أخطر القوانين التي تحكم حركة الانحراف الإنساني: قانون التدرّج في الانحراف.

    وقد أعادنا تأصيل هذا القانون في رؤيته المعاصرة من خلال منهجية التفكير التليسكوبي، التي تقوم على تتبّع المراحل الدقيقة لأي انحراف أو ارتقاء، من بذرة الفكرة إلى أقصى نتائجها.

البنية العامة للسورة

       سورة المطففين مكية، وعدد آياتها (36). افتتحت بـ«الويل» وخُتمت بـ«الضحك»، لتجسّد حركة العدالة الإلهية بين طرفي الانحراف والاستقامة. موضوعها الرئيس: الميزان الإنساني في الدنيا والآخرة.

التحليل التفسيري والتدبري للسورة

1-  الآيات (1–3): بذرة الانحراف – التطفيف،﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ۝ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾، المعنى: التطفيف هو النقص اليسير في حقوق الناس، لكنه يعكس اختلالًا عميقًا في ميزان النفس. التدبر: الظلم لا يبدأ من السرقة الكبرى، بل من نقصٍ طفيف في الأمانة.كل من يزن بميزانين — في البيع، أو في الكلمة، أو في الحكم على الناس — هو من المطففين. ولهذا جاءت كلمة المطففين من “الطَّفْف” للدلالة على صِغَر الفعل وكِبَر الأثر. الرسالة: الانحراف الكبير يبدأ من تفريطٍ صغير، والفساد الجماعي يولد من خللٍ فرديٍ مستتر.

2- الآيات (4–6): الغفلة عن الحساب – ضعف الوعي بالمآل،﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ ۝ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ۝ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، المعنى: هؤلاء لا ينقصون المكيال لجهلهم بالقانون، بل لغفلتهم عن يوم الميزان الحقيقي. التدبر: السؤال القرآني “ألا يظنّ” فيه توبيخ على فقدان الحد الأدنى من الإحساس بالمحاسبة. يبدأ الانحراف هنا بالانتقال من الخلل السلوكي إلى الخلل الفكري: تبرير الفعل ونفي العاقبة. الرسالة: حين يُطفئ الإنسان ضوء المآل، يسير إلى الهاوية بثقة العميان.

3- الآيات (7–9): الترسيم الإلهي – “سِجّين”،﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ... كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾، المعنى:“سجين” موضع ضيق وذلة وسواد، وهو سجل الأعمال المغلقة على أصحابها. “كتاب مرقوم” أي مثبت لا يُمحى. التدبر: من ضيّق على الناس في دنياهم، ضُيّق عليه في مصيره. التطفيف الذي ظنه صغيرًا صار سجنًا أبديًا، لأن الله يزن القلوب لا الأوزان. الرسالة: الظلم لا يضيع، بل يُرقم في كتاب لا يُغلق إلا بالحساب.

4- الآيات (10–17): التكذيب – الانهيار العقدي، ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ... كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾، المعنى: بعد أن غفل عن اليوم الآخر، أنكر وجوده، حتى استقرّ في أعماقه تكذيبٌ بميزان العدالة الإلهية. التدبر: الانحراف الأخلاقي قاد إلى انحراف عقدي: إنكار يوم الدين. فكانت العقوبة من جنس الفعل: كما حجبوا العدل عن الناس، حُجبوا عن وجه الله. الرسالة: من حجب العدالة في الأرض، حُجب عن الجمال في السماء.

5-  الآيات (18–28): الأبرار – التدرّج الصاعد في الارتقاء،﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ... يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ﴾، المعنى: “عليّون” موضع الرفعة والنقاء، وهو سجل الأبرار الذين طابت قلوبهم وعدلت موازينهم. التدبر: مقابل “سجين” جاء “عليّون”: عدالة التوازن الكوني."رحيق مختوم" كناية عن جزاءٍ نقيّ لمن كانت معاملته نقية. الرسالة:كما يتدرّج الفساد نزولًا، يتدرّج الإحسان صعودًا، وميزان الله لا يخطئ الاتجاه.

6-  الآيات (29–36): انقلاب المشهد – عدالة الختام،﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ... فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾، المعنى: المجرمون الذين سخروا من المؤمنين في الدنيا، صاروا اليوم مادة سخرية في الآخرة. الميزان الإلهي يعيد الضحك لمن بكى. التدبر: السورة تبدأ بالويل وتنتهي بالضحك، لتعلّم أن الزمن جزء من العدالة. من يصبر على الظلم لحظة، سيضحك من الظالم دهراً. الرسالة: العدالة قد تتأخر زمنيًا، لكنها لا تسقط وجوديًا.

 ثالثًا: القراءة التليسكوبيّة للسورة وفق قانون التدرّج في الانحراف

المرحلة            النص القرآني  طبيعة الانحراف الوصف التحليلي المقابل في قانون عبد السلام

1- بذرة الانحراف ﴿يُخْسِرُونَ﴾    سلوكي      نقص يسير في المكيال الانزلاق الطفولي في القيم

2- التبرير   ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ﴾    معرفي   غفلة عن المآل وتبرير الفعل العقلنة التبريرية

3- التكذيب ﴿يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾    عقدي    إنكار المنظومة الأخلاقية      التبلّد الوجداني

4-  الحجاب ﴿لَمَحْجُوبُونَ﴾   وجودي انفصال عن النور الإلهي     الانهيار الوجودي

     وهكذا تعمل آلية التدرّج في الانحراف تلسكوبيًا: من نقصٍ يسير الى غفلة الى تكذيب الى حجاب. في المقابل، تعمل آلية التدرّج في الارتقاء: من صدقٍ يسير الى صفاء الى يقين الى رؤية.

 رابعًا: الرسالة الكلية للسورة

    العدالة في القرآن ليست قانونًا مدنيًا فقط، بل قانونًا كونيًا ووجدانيًا. فكل تطفيف في الميزان، ولو خفيًّا، هو اختلال في هندسة العدل الإلهي. وسورة المطففين تُحذّر الإنسان من الانزلاق التلسكوبي نحو الانحراف، وتدعوه إلى إعادة ميزان نفسه قبل أن يُوزن بميزان ربه.

 خامسًا: الخلاصة الفكرية

    الانحراف الأخلاقي يبدأ من التطفيف البسيط.الغفلة عن الحساب تبرر الخطأ وتحوّله إلى نمط حياة. منهج التفكير التليسكوبي يبيّن تسلسل الانهيار من السلوك إلى الوجدان. سورة المطففين ترسم الخريطة الكاملة لانحدار الإنسان أو صعوده. الميزان في الأرض هو مرآة الميزان في السماء.

   “ويل للمطففين” ليست وعيدًا لتاجرٍ بخس المكيال، بل إنذارٌ لكل إنسانٍ يطفّف في صدقه، أو عدله، أو إحسانه. فكما أن الانحراف يبدأ من خللٍ في الميزان، يبدأ الإصلاح من عدالةٍ في الذرّة. ومن وزن نفسه بميزان الله، لم يُطفِّف قطّ.

و الله الموفق


الجمعة، 31 أكتوبر 2025

الرسائل الخفية في سورة نوح

 الرسائل الخفية في سورة نوح

    الحمد لله الذي أنزل كتابه ليكون هدى ونورًا، وأودع فيه من المعاني ما لا تنفد عجائبه ولا يخلق على كثرة الردّ، وصلى الله على من أوتي جوامع الكلم فكان بيانه مفتاح الفهم عن الله.

    منذ زمنٍ ليس بالقصير تراودني فكرةٌ ملحّة مفادها أن في كلّ سورة من سور القرآن الكريم رسائل خفيّة تتوارى خلف المعاني الظاهرة، وتتجلى لمن يتدبّرها بعينٍ مركّبةٍ ترى الطبقات العميقة للنص، لا سطحه فحسب. هذه الفكرة ظلت تتحرّك في داخلي كوميضٍ يطلب المنهج الذي يمكن أن يحتويها، حتى هداني الله إلى رؤيةٍ فكرية توافقت معها في جوهرها، هي منهج التفكير التليسكوبي.

   منذ زمنٍ وأنا أجد في سورة نوح بريقًا خاصًا يجذب النظر إلى ما وراء ظاهر الألفاظ، إلى طبقاتٍ عميقةٍ من المعاني والرسائل المضمرة التي تُخفيها تراكيبها المحكمة وسياقاتها الدقيقة. هذه السورة القصيرة في مبناها، العظيمة في معناها، ليست مجرد سردٍ لقصة نبيٍ مع قومه، بل هي مرآة تليسكوبيّة تُظهر نموذجًا كونيًا متكررًا في علاقة الإنسان بالهداية، وفي سنن الرفض والإصرار، وفي جدلية الرحمة والعقاب.

الرسائل الخفية في سورة نوح

     الرسالة الأولى: أن الفشل الظاهري ليس فشلًا عند الله:- نوح عليه السلام دعا قومه تسعمائة وخمسين عامًا، ولم يؤمن معه إلا القليل، ومع ذلك سمّى الله هذه الرحلة "رسالة"، وأثنى عليه ثناءً عظيمًا.  الرسالة الخفية: أن المعيار الإلهي للنجاح ليس النتيجة الكمية (عدد الأتباع)، بل الثبات على المبدأ والصدق في البلاغ. فالداعية في ميزان الله ناجح حتى لو لم يُصدّقه أحد.

     إشارة لغوية: لم يقل الله: "فدعاهم فلم يؤمنوا"، بل قال نوح: «إني دعوت قومي ليلًا ونهارًا» أي أن التركيز على الجهد لا على الاستجابة.

     الرسالة الثانية: أن الشرك يبدأ من “الحب المفرط” لا من الكراهية :-  «وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودًّا ولا سواعًا...» كل هذه الأسماء كانت في الأصل أسماء رجال صالحين. فأول انحراف في البشرية لم يكن تمردًا على الله، بل كان تقديسًا للمحبوبين. الرسالة الخفية: أن الانحراف العقدي يولد من انحراف عاطفي، حين يتحوّل الحب إلى تقديس، والقدوة إلى صنم. وهذا ينبهنا إلى خطورة تحويل الرموز الدينية أو الوطنية أو الفكرية إلى موضوعات للتأليه العاطفي.

     الرسالة الثالثة: أن الانحراف يبدأ في الإدراك لا في الفعل :- «جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم...»،ترتيب الأفعال يرسم خريطة عقلية: أولًا: إغلاق السمع = رفض المعلومة. ثانيًا: تغطية الثياب = رفض الرؤية. ثالثًا: الإصرار = تكوين موقف نفسي. رابعًا: الاستكبار = تأصيل الانحراف فكريًا.  الرسالة الخفية: أن الخطيئة الفكرية تسبق الخطيئة الفعلية، وأن كل فساد عملي هو نتيجة “عمى إدراكي متعمّد”.

    الرسالة الرابعة: أن الدعوة ليست خطابًا دينيًا بل مشروع حضاري:- في منتصف السورة، نوح لا يتحدث عن الصلاة أو الصوم، بل عن:السماء، الشمس، القمر، المطر، النبات...، هذا يعني أن الإيمان في مفهوم نوح شامل للكون والإنسان والمجتمع، فمنهج الأنبياء لا يفصل بين الدين والعمران. الرسالة الخفية: أن من لا يرى في الكون تجليات الخالق لن يفهم معنى التوحيد أصلًا.فالسورة تؤسس لما يمكن تسميته: "الإيمان الكوني" أو التوحيد العلمي".

     الرسالة الخامسة: أن طول الأمد لا يعني غياب العدل:- «فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا... ثم أغرقوا فأدخلوا نارًا»،  تأخير العذاب ألف سنة هو درس صامت في “الإمهال الإلهي”. والعقوبة جاءت بعد استنفاد كل فرصة ممكنة. الرسالة الخفية: أن الله لا يعجّل بالعقوبة مهما استفحل الظلم، وأن تأخر العدل ليس دليلاً على غيابه، بل على حكمته. “ففي صبر الله على الأمم، سنّة أرحم من عقوبته.”

     الرسالة السادسة: أن الغرق والنار رمزان لا مادتان فقط:- «مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارًا»  الجمع بين الماء والنار معجزة رمزية: الماء في الدنيا = إهلاك جسدي. النار في الآخرة = إهلاك معنوي وروحي.الرسالة الخفية:أن العذاب ليس مجرد حدث، بل حالة مستمرة، فكل من يُغرق في شهواته، أو يشتعل بكبره، يعيش ناره وغرقه قبل الآخرة.إنها صورة مجازية لاحتراق الداخل وغرق الوعي.

     الرسالة السابعة: أن السفينة هي الفكرة لا الخشب:- رغم أن قصة نوح تُعرف بـ"سفينة نوح"، إلا أن السورة لم تذكر السفينة أصلاً!،الرسالة الخفية: أن النجاة ليست في الوسيلة المادية، بل في المنهج الإيماني:«ومن دخل بيتي مؤمنًا» ، فالسفينة هي “البيت القيمي” الذي يحمله المؤمن في أي عصر. من دخل هذا البيت – بيت التوحيد – نجا، ولو لم ير سفينة نوح بعينه.

     الرسالة الثامنة: أن الاستغفار مشروع بناء لا مجرد توبة:- «فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارًا * يرسل السماء عليكم مدرارًا * ويمددكم بأموال وبنين...»،  هنا الاستغفار ليس نهاية الخطيئة، بل بداية العمران. يرتبط بالمطر والخصب والنماء. الرسالة الخفية: أن الاستغفار قانون عمراني: يزيد من طاقة البركة في الفرد والمجتمع. وأن التوبة ليست انسحابًا من الحياة، بل إعادة تشغيل لمعادلة الوجود.

    الرسالة التاسعة: أن البيوت المؤمنة هي نواة النجاة الجماعية:- «رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنًا...»، لم يقل “ومن آمن بي”، بل قال “من دخل بيتي”. فالبيت هنا ليس مكانًا بل نظام حياة. الرسالة الخفية:أن بقاء الأمة مرهون ببقاء البيوت المؤمنة، وأن الإصلاح يبدأ من دائرة البيت لا من رأس الدولة. فكل بيت مؤمن هو لبنة في سفينة النجاة الكبرى.

     الرسالة العاشرة: أن السورة تحذّر من “الوراثة العكسية” للضلال:- «ولا تزد الظالمين إلا ضلالًا»،«إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرًا كفارًا»،  الضلال هنا متوارث، لأن البيئة الفاسدة تنتج أجيالًا على شاكلتها. الرسالة الخفية:أن الفساد إذا لم يُقطع، يتكاثر بيولوجيًا وثقافيًا، حتى يُصبح استئصاله حتميًا. وهذا يفسر لماذا انتهت القصة بالطوفان: لأن المجتمع فقد إمكانية الإصلاح الذاتي.

    الرسالة الحادية عشرة: أن السورة ليست تاريخًا بل نموذج متكرر:-كل جيل هو "قوم نوح" في صورة جديدة: حين يُقدّس رموزه.أو يرفض الإصلاح.أو يستهين بالسنن الكونية.الرسالة الخفية: أن السورة ليست عن الماضي، بل عنك أنت، حين تختار بين أن تكون راكبًا للسفينة أو غارقًا في العناد.

 الرسالة الجامعة الكبرى: "الحق لا يُغرق، بل الذي يغرق هو الوهم حين يظن أنه أغلب من الماء." سورة نوح تهمس في وجدان المؤمن: ابنِ سفينتك من الإيمان قبل أن تأتي موجة التاريخ التالية، فالنجاة ليست أن تعرف الحق، بل أن تحمله معك أينما جرتك الرياح.

الخاتمة: بين عدسة نوح ومرآة الإنسان

    وهكذا، تتكشّف لنا سورة نوح – تحت عدسة التفكير التليسكوبي – لا كسردٍ لرحلة نبيٍّ غابرٍ في التاريخ، بل كنموذجٍ كونيٍّ دائمٍ لتفاعل الإنسان مع الوحي، وللصراع الأبدي بين الإدراك والهداية من جهة، والعمى والعناد من جهةٍ أخرى.

    لقد أظهرت السورة — في تتابع آياتها وتناسق مشاهدها — أن الرسائل الخفيّة ليست ظلالًا غامضة، بل طبقات من النور تتدرّج أمام عين من ينظر بتأمّلٍ وتواضعٍ وتفكّرٍ تليسكوبيّ، يرى الجزء في ضوء الكل، واللفظ في ضوء المقصد، والزمن في ضوء السنّة.

    إن الرسالة الجامعة في هذه السورة أن النجاة ليست حدثًا بل موقفًا، وليست سفينة من خشبٍ بل عقيدة من نور، وأن الغرق لا يبدأ بالماء بل بالاستكبار، وأن الإيمان الحق ليس في كثرة الأتباع، بل في صدق الاتجاه إلى الله.كل رسالة من رسائل السورة تُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والحق: منطقًا وشعورًا وسلوكًا، وتذكّرنا بأن من لم يبنِ سفينته من الآن، فلن يُسعفه الخشب حين يرتفع الموج.

    وسورة نوح، في بعدها التليسكوبي، تُعلّمنا أن النظر إلى النصّ كـ«نظامٍ متداخل الطبقات» هو الطريق الأصدق لفهم إعجازه المستمر، وأن كل طبقةٍ من المعنى تحمل في جوفها نداءً جديدًا للوعي، يُعيد ترتيب علاقتنا بالزمن، وبالناس، وبأنفسنا، وبالله.

    إذا كان نوح قد بنى سفينته من خشب لينجو من طوفان الماء، فمن أيّ مادةٍ تبني أنت سفينتك لتنجو من طوفان الفكر والغفلة في هذا العصر؟،هل سفينتك من يقينٍ راسخ؟ أم من ظنٍّ متزعزع؟، وهل حملت فيها قلبك أم تركته على الشاطئ ينتظر موجة الرحمة أن تمر؟

 الله المستعان


الأحد، 26 أكتوبر 2025

درس قضائي قابل للتكرار: ما الذي يجب أن يفهمه القانونيون من هذا الحكم؟

 درس قضائي قابل للتكرار

  ما الذي يجب أن يفهمه القانونيون من هذا الحكم؟

    يُعد هذا الحكم الصادر عن محكمة النقض في الطعن رقم 18106 لسنة 92 قضائية الجنائي محطة فاصلة في ترسيم حدود المساءلة الجنائية عن الأنشطة المرتبطة بالعملات المشفّرة، ومَعلمًا قضائيًا مهمًا في ضبط الفوضى التقنية والمالية العابرة للحدود. فقد عُرض على المحكمة طعنٌ مُثقَل بدفوع شكلية وموضوعية تتعلق بإباحة التعامل مع أجهزة التعدين، وغياب اللائحة التنفيذية، وبطلان القبض والتفتيش، وجدوى الدليل الفني، والقصور في التسبيب، والإخلال بحق الدفاع، وعدم اختصاص النيابة قبل الطلب، وتولّد عقيدة مسبقة لدى المحكمة.

   ورغم كثافة هذه النِّزاعات، فقد أرست محكمة النقض — بمنطوقها وأسبابها — قاعدة حاسمة: أن الأنشطة المتعلقة بالعملات المشفرة تُعد مُجرّمة بذاتها متى مورست دون ترخيص من مجلس إدارة البنك المركزي، وأن عدم صدور اللائحة التنفيذية لا يجمِّد النص العقابي ولا يعطّل سريانه. كما رسّخت المحكمة أصول الرقابة القانونية على تقدير محكمة الموضوع لأدلة الدعوى، وفَصلت بالدقة بين ما يصلح سببًا للنقض وما لا يعدو أن يكون جدلاً موضوعياً محجوبًا عن رقابة النقض.

    هذا الحكم — بما تضمّنه من ردود كاشفة على دفوع متشعبة — يمثّل مرجعًا قضائيًا متقدّمًا في قضايا التقنية المالية الرقمية وجرائم الاتصالات، ويصلح لبسط قواعده على طيف واسع من المنازعات المعاصرة ذات الطبيعة التقنية/الاقتصادية.فيما يلي استخلاصٌ مركز للمبادئ القانونية التي قررتها محكمة النقض في هذا الحكم (طعن 18106 لسنة 92 ق – جلسة 18/1/2024) مرتبة بحسب الموضوعات التي عالجها الحكم:

أولاً — في شأن جرائم العملات المشفّرة والتراخيص

    حظر الأنشطة المتعلقة بالعملات المشفرة دون ترخيص، المادة 206 من قانون البنك المركزي 194 لسنة 2020 تحظر إصدار/الاتجار/الترويج/تشغيل منصات/تنفيذ الأنشطة المتعلقة بالعملات المشفرة دون ترخيص من مجلس إدارة البنك المركزي.

    عدم اشتراط طريقة إثبات خاصة،  جرائم العملات المشفرة تثبت بطرق الاستدلال العامة كبقية الجرائم ولا يُشترط دليل فني خاص.

    قيام القصد الجنائي يُستدل عليه من الوقائع، لا يلزم التحدث استقلالاً عن القصد الجنائي متى كانت الوقائع تكشفه.

    لا تأثير لعدم صدور اللائحة التنفيذية، النصوص واجبة النفاذ بمجرد صدور القانون ولا تتوقف على اللائحة ما لم يجعل القانون وجودها شرطاً.الجهل بالقانون لا ينفي القصد الجنائي،  العلم بالقانون مفترض ولا يُقبل الدفع بالجهل أو الغلط فيه لنفي القصد.الدفع بأن الفعل مباح / مجرد حيازة أجهزة التعدين، مردود، فالمؤثَّم ليس الحيازة المجردة بل ممارسة نشاط متعلق بالعملات دون ترخيص.

ثانياً — في الأدلة وتقديرها

    الأدلة في المواد الجنائية متساندة، لا يشترط أن ينهض كل دليل على الواقعة بكاملها، بل يُكتفى بالمجموع المتساند. وزن الشهادة وتقديرها من إطلاقات الموضوع، متى أخذت المحكمة بشهادة الضابط دل ذلك على إطراح دفوع عدم المصداقية. عدم ذكر أسماء القوة المرافقة لا يبطل الشهادة، إغفال الأسماء لا ينال من قيمة أقوال الضابط. مشروعية اعتماد الحكم على التحريات كمعزز، التحريات تصلح معززة لباقي الأدلة إذا طُرحت في الجلسة. الأخذ بالاعتراف متى اطمأنت المحكمة لصحته، ولو عدل المتهم عنه لاحقًا، ما دام لم يثبت الإكراه.التقرير الفني يخضع لتقدير الموضوع، اطمئنان المحكمة لتقرير الفحص يغنيها عن الرد على مطاعن الخصوم عليه.

ثالثاً — في الدفوع الموضوعية والشكليات

    الدفع ببطلان التحقيق لعدم إجرائه من رئيس نيابة — غير وجيه، سلطات “رئيس نيابة” قاصرة على جرائم معينة محددة بالمادة 206 مكرر، ولا تشمل موضوع الدعوى، فيجوز لأي وكيل نيابة التحقيق.الدفع بانتفاء أركان الجريمة دفاع موضوعي، يكفي رده ضمناً بأدلة الثبوت. الدفع بوجود عبث بالأحراز جدل موضوعي، تقدير الدليل من إطلاقات الموضوع ولا رقابة للنقض. عدم جدية التحريات — غير مقبول إن لم يثر أمام أول درجة— المحكمة غير ملزمة بالرد على ما لم يبد أمامها.

رابعاً — في مسألة التلبس والإجراءات

    تلبس الجريمة مسألة موضوعية — ما دامت المحكمة أقامت قضاءها على أسباب سائغة فلا رقابة للنقض.التظاهر بالرغبة في الشراء لا يعد تحريضاً — متى كانت الجريمة قائمة والضابط كشفها ولم ينشئ فكرتها. صحة الضبط دون إذن عند التلبس— لا يشترط الإذن ما دامت الجريمة متلبساً بها.

خامساً — في رفع الدعوى والتقييد بالطلب

    سلطة النيابة في تحريك الدعوى أصل وليست استثناء— لا يتقيد رفع الدعوى بطلب محافظ البنك المركزي إلا بالنسبة لجرائم قانون البنك المركزي فقط. تعدد الجرائم والارتباط (م 32 عقوبات)— إذا وجدت جريمة أشد جاز رفع الدعوى عن الجرائم الأخف المرتبطة دون انتظار الطلب، وتُطبق عقوبة الأشد.

سادساً — في شكل الحكم وعيوبه

    عدم لزوم نمط معيّن لصياغة الحكم— يكفي أن يكون مجموع ما أورده الحكم محققًا لفهم الواقعة بأركانها وظروفها. تقرير التلخيص ثابت بديباجة الحكم— لا يُجحد إلا بالطعن بالتزوير. الطعن بالفساد في الاستدلال سيكون جدلاً موضوعياً متى كان الاستدلال سائغاً — وبذلك ترفض محكمة النقض منازعات تقدير الأدلة.

   هذا الحكم لا يُقرأ بوصفه مجرد فصلٍ في طعنٍ جنائي يتصل بالعملات المشفّرة، بل بوصفه تحويلة فكرية في طريقة التعاطي القضائي مع الجرائم التقنية:

    إن كل نشاط يخلق أثراً اقتصادياً أو مالياً أو تداولياً داخل الدولة — ولو عبر فضاء افتراضي — يقع تحت ولاية التجريم والضبط، متى تدخل المُشرّع بالنص، ولا ينتظر القضاء اكتمال البنية التنظيمية التفصيلية (كالمعايير أو اللوائح) ليُعمل النص الجزائي.

   ثلاث رسائل جوهرية يفرضها هذا الحكم على المشتغلين بالقانون:

    التقنية لا تمنح حصانة،التحرّك في مجالات “البلوكتشين” و”الكريبتو” لا يعطّل ولاية الدولة، ولا يجعل الفعل لغزاً خارج القبضة التشريعية أو الإثباتية. ثانيهما النص الجزائي يطبق من لحظة ميلاده، القول بتجميد العقاب لغياب اللائحة ليس دفعاً قانونياً بل وهم فكري، لأن اللائحة تنظّم ولا تُنشئ، وتشرح ولا تُنشّط. ثالثهما رقابة النقض على المنطق لا على القناعة كل جدل يعيد مناقشة الوقائع والأدلة يبقى محجوباً، ما لم يمس سلامة الاستدلال أو سلامة تطبيق القانون. 

    وبذلك يرسّخ الحكم مبدأً عملياً بالغ الأهمية: أن منطق الجرائم الاقتصادية/الرقمية انتقل من “التسامح المبدئي” إلى “المساءلة الافتراضية المنضبطة”،وأن من يدخل هذا المجال — محامياً أو باحثاً أو مستثمراً — عليه أن يفكر بميزان العقاب قبل ميزان الربح. هذه الدعوى لم تُنتج فقط سابقة قضائية، بل أنتجت منهجاً في فهم الجرائم الوليدة: لا يُشترط سبقٌ تشغيلي للواقع كي يسبق القضاء إلى ضبطه، ما دام النص قد سبقه.

-----------

طعن رقم 18106 لسنة 92 ق نقض جنائي

باسم الشعب

محكمــة النقــــــــض

الدائــــــرة الجنائيــــــــــة

الخميس (ب)

برئاسة السيد القاضي / مصطفى أحمد الصادق نــائب رئيس المحكمــــة

وعضوية السادة القضاة / محمــــــــــد السنباطــــــي و د. أحــمــــــــــد عاصــــــــم

أحــمـــــــــــــد جـــــــــــــــــلال نــواب رئيس المحكمــــة و مصطفى عبد الرؤوف الإبياري

وحضور رئيس النيابة العامة لدى محكمة النقض السيد / مصطفى عمر القماري .

وأمين السر السيد / طارق عبد العزيز .

في الجلسة العلنية المنعقدة بمقر المحكمة بدار القضاء العالي بمدينة القاهرة .

في يوم الخميس 6 من رجب سنة 1445 هـ الموافق 18 من يناير سنة 2024 م .

أصـدرت الحكم الآتي :

في الطعن المقيد بجدول المحكمة برقم 18106 لسنة 92 القضائية

اتهمت النيابة العامة – 1 – ……. ( طاعن ) 2- …….( طاعن ) 3- …….

( طاعن ) 4- …… ( قُضي بمعاقبته غيابياً ) في الجنحة رقم …. لسنة ….. اقتصادية ….. .

بأنهم في يوم 13 من أكتوبر سنة 2022 وبتاريخ سابق – بدائرة قسم شرطة …..- محافظة ……. .

1- قاموا بأنشطة متعلقة بالعملات المشفرة – دون ترخيص من مجلس إدارة البنك المركزي المصري – والمتمثلة في بيع وصيانة أجهزة التعدين عن العملات الافتراضية للراغبين في ذلك من عموم الجمهور ، وكذا تحميل – لعملائهم – البرامج الإلكترونية اللازمة لإجراء عملية التعدين عن العملات الافتراضية ، فضلاً عن إنشاء المحافظ الإلكترونية وربطها بتلك الأجهزة المباعة ، حتى يتسنى لمالكي تلك الأجهزة – من عملائهم – التحصل على العملات الافتراضية الناتجة من عمليات التعدين الناجحة ، وتحقيق أرباح غير مشروعة من وراء ذلك ، علي النحو المبين بالتحقيقات .

2- أنشأوا واستخدموا وأداروا حسابات الكترونية ( محافظ الكترونية ) على الشبكة المعلوماتية بهدف ارتكاب الجريمة محل الاتهام السابق على النحو المبين تفصيلاً بتقرير الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات وعلى النحو المبين بالتحقيقات .

3- حازوا وصنعوا معدات اتصالات غير مصرح بدخولها أو حيازتها داخل البلاد بغرض تسويقها في الداخل واستخدامها في ارتكاب الجرائم محل الاتهامات السابقة بدون الحصول على تصريح بذلك من الجهات المختصة وعلى النحو المبين بالتحقيقات .

وطلبت عقابهم بالمواد 206 ، 225/1 ، 236 من القانون رقم 194 لسنة 2020 بشأن إصدار قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي والمواد 44 ، 48 ، 77/1 ( بند أ 1 ، 3 ) من القانون رقم 10 لسنة 2003 بشأن تنظيم الاتصالات والمادتين 27 ، 38/1 من القانون رقم 175 لسنة 2018 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات .

وأحالتهم إلى محكمة جنح …… الاقتصادية لمعاقبتهم طبقاً للقيد والوصف الواردين بأمر الإحالة .

والمحكمة المذكورة قضت بجلسة 29 من يناير سنة 2022 ، حضورياً للمتهمين الأول والثاني والثالث وغيابياً للرابع : أولاً : براءة المتهمين من الاتهام الثاني المسند إليهم . ثانياً : بحبس المتهمين الأول والثاني والثالث ثلاث سنوات مع الشغل والنفاذ وحبس المتهم الرابع ثلاث سنوات مع الشغل وكفالة عشرة آلاف جنيه لإيقاف التنفيذ مؤقتاً والمصادرة ونشر ملخص الحكم بجريدة الأهرام على نفقة المتهمين والمصاريف الجنائية .

فاستأنف كل من المحكوم عليهم حضورياً والنيابة العامة هذا الحكم وقيد استئنافهما برقم …………………. لسنة …………………. جنح مستأنف القاهرة الاقتصادية .

والمحكمة الاقتصادية …… – بهيئة استئنافية – قضت بجلسة 6 من أبريل سنة 2022 ، حضورياً للأول والثاني والثالث وغيابياً للرابع : أولاً : بقبول استئناف النيابة العامة شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المستأنف فيما قضى به من براءة المستأنف ضدهم الأول والثاني والثالث من التهمة الثانية والقضاء مجدداً وبإجماع الآراء بجعل العقوبة المقضى بها للمتهمين عن الاتهامات جميعها الحبس لمدة ثلاث سنوات وبتغريم كل منهم مبلغ مائة ألف جنيه وألزمت المستأنف ضدهم بالمصروفات الجنائية . ثانياً : بقبول استئناف المتهمين الأول والثاني والثالث شكلاً وفي الموضوع برفضه وتأييد الحكم المستأنف وألزمتهم بالمصروفات الجنائية . ثالثاً : في استئناف النيابة العامة قبل المستأنف ضده الرابع وقبل الفصل في شكل الاستئناف وموضوعه بوقف الاستئناف تعليقاً لحين استنفاذ محكمة أول درجة ولايتها قبله وأبقت الفصل في المصروفات .

فقرر المحكوم عليهم /1 – ……. 2- …….3- ……. – بشخصهم – بالطعن في هذا الحكم بطريق النقض بتاريخ 1 من يونيو سنة 2022 .

وبذات التاريخ أودعت مذكرتان بأسباب طعنهم بالنقض موقعاً عليهما من الأستاذ / ……… المحامي .

وبجلسة اليوم لم يحضر أحد على ما هو مبين بمحضر الجلسة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد القاضي المقرر وبعد المداولة قانوناً .

حيث إن الطعن استوفى الشكل المقرر في القانون .

حيث إن الطاعنين ينعون على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانهم بجرائم تنفيذ أنشطة متعلقة بالعملات المشفرة والنقود الإلكترونية دون الحصول علي ترخيص من مجلس إدارة البنك المركزي المصري وإنشاء حساب خاص على شبكة معلوماتية بهدف ارتكاب جريمة معاقب عليها قانوناً وحيازة أجهزة اتصالات دون الحصول على تصريح من الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات ، قد شابه القصور في التسبيب والفساد في الاستدلال والإخلال بحق الدفاع وران عليه البطلان ، ذلك بأنه حرر في عبارات عامة معماة خلت من بيان واقعة الدعوى بياناً تتوافر به الأركان القانونية للجرائم التي دانهم بها ، كما لم يبين الأفعال المادية التي أتاها الطاعنون والتي تفصح عن الدور الذي قام به كل منهم ، ولم يستظهر أركان جريمة تنفيذ أنشطة متعلقة بالعملات المشفرة والنقود الإلكترونية دون الحصول علي ترخيص من مجلس إدارة البنك المركزي بركنيها المادي والمعنوي ، لاسيما وأن الفعل المسند للطاعنين مباح وبمنأى عن التأثيم وفقاً لنص المادتين 4 ، 5 من القانون رقم 194 لسنة 2020 بشأن البنك المركزي والجهاز المصرفي ، ولعدم إصدار اللائحة التنفيذية لذلك القانون ، وعدم علمهم بقواعد ونصوص قانون البنك المركزي ، ولم يفطن الحكم إلى أن حيازة أجهزة التعدين عن العملات الافتراضية غير مجرم ومباح استخدامها بدلالة خلو أمر الإحالة من مواد تجرم حيازتها ، وأن الحكم عول على أدلة غير صالحة للإدانة ، إذ تساند إلى أقوال ضابط الواقعة رغم عدم معقوليتها وانفراده بالشهادة واختلاقه لحالة التلبس، معتمدا في قضائه بالإدانة على شهادته رغم أنها نتيجة لإجراء باطل ، كما عول على إقرار الطاعنين بمحضر الضبط بالرغم من بطلانه لكونه وليد استجواب محظور ، مما ينبئ عن أن المحكمة لم تعن بتمحيص الدعوى ولم تلم بعناصرها عن بصر وبصيرة، وأطرح الحكم بما لا يسوغ دفوعهم ببطلان القبض والتفتيش لعدم صدور إذن من النيابة العامة ولانتفاء حالة التلبس في حقهم لتلقي نبأ الجريمة من مصدر سري وقعت الجريمة بتحريض منه وضابط الواقعة، وبعدم قبول الدعوى لرفعها بغير الطريق الذي رسمه القانون لعدم الحصول على طلب من محافظ البنك المركزي وفقاً للقانون ، وببطلان تحقيقات النيابة العامة وإجراءات فحص الهواتف المحمولة وأجهزة الحاسب لعدم إجرائها من رئيس نيابة بالمخالفة لنص المادة 206 مكرراً من قانون الإجراءات الجنائية ، وبطلان إقرار الطاعنين الأول والثالث بالتحقيقات وإجراءات فحص هواتفهم كونه وليد إكراه وقع عليهم بالتحقيقات وببطلان تقرير الفحص الفني ، ووجود عبث بالأحراز ، وأغفلت المحكمة الرد على دفعهم بانتفاء أركان الجريمة في حقهم ، وبعدم جدية التحريات ، بما ينبئ عن أنه قد تولدت لدى المحكمة عقيدة مسبقة في الإدانة ، وأخيراً خلت أوراق الدعوى من وضع تقرير تلخيص لوقائعها ، مما يعيب الحكم ويستوجب نقضه.

وحيث إن الحكم المطعون فيه قد بين واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجرائم التي دان الطاعنين بها وأورد على ثبوتها في حقهم أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها ، وجاء استعراض المحكمة لها على نحو يدل على أنها محصتها التمحيص الكافي وألمت بها إلماماً شاملاً يفيد أنها قامت بما ينبغي عليها من تدقيق البحث لتعرف الحقيقة ، وكان من المقرر أن القانون لم يرسم شكلاً أو نمطا يصوغ فيه الحكم بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة والظروف التي وقعت فيها ، فمتى كان مجموع ما أورده الحكم – كما هو الحال في الدعوى المطروحة – كافياً في تفهم الواقعة بأركانها وظروفها حسبما استخلصتها المحكمة كان ذلك محققاً لحكم القانون ، وكان تحصيل المحكمة للواقعة في حدود الدعوى المطروحة قد جاء وافياً في شأن بيان الأفعال المادية التي أتاها كل من الطاعنين بما يفصح عن الدور الذي قام به كل منهم في الجرائم التي دائهم الحكم بها، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعنون في هذا الخصوص يكون على غير أساس. لما كان ذلك ، وكانت المادة 206 من القانون رقم 194 – لسنة 2020 في شأن البنك المركزي والجهاز المصرفي قد حظرت إصدار العملات المشفرة أو النقود الإلكترونية أو الاتجار فيها أو الترويج لها أو إنشاء أو تشغيل منصات لتداولها أو تنفيذ الأنشطة المتعلقة بها بدون الحصول على ترخيص من مجلس إدارة البنك المركزي طبقا للقواعد والإجراءات التي يحددها ونصت المادة 225 /1 من هذا القانون على أن ” يعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن مليون جنيه ولا تجاوز عشرة ملايين جنيه ، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من خالف أياً من أحكام المواد ( 63 ، 184 ، 205 ، 206 ) من هذا القانون …… “. لما كان ذلك ، وكان لا يشترط لإثبات جريمة تنفيذ أنشطة متعلقة بالعملات المشفرة والنقود الإلكترونية دون الحصول على ترخيص من مجلس إدارة البنك المركزي المنصوص عليها في المادة 206 من القانون سالف الذكر طريقة خاصة غير طرق الاستدلال العامة ، بل يكفى كما هو الحال في سائر الجرائم بحسب الأصل أن تقتنع المحكمة – كما هو الحال في الدعوى المطروحة – بوقوع الفعل المكون لها من أي دليل أو قرينة تقدم إليها . وكان ما أورده الحكم كافياً وسائغاً في التدليل على توافر جريمة تنفيذ أنشطة متعلقة بالعملات المشفرة والنقود الإلكترونية دون الحصول علي ترخيص من مجلس إدارة البنك المركزي بأركانها المادية والمعنوية ، إذ لا يلزم أن يتحدث الحكم استقلالاً عن توافر القصد الجنائي في هذه الجريمة ، بل يكفى أن يكون ما أورده من وقائع وظروف دالاً على قيامه ومن ثم فإن ما ينعاه الطاعنون على الحكم في هذا الصدد غير سديد ، هذا فضلاً عن إن الثابت من مدونات الحكم المطعون فيه أنه اعتبر الجرائم المسندة إلى الطاعنين جريمة واحدة وعاقبهم بالعقوبة المقررة لأشدهم ، ومن ثم فلا مصلحة فيما يثيره الطاعنون بشأن جريمة تنفيذ أنشطة متعلقة بالعملات المشفرة والنقود الإلكترونية دون الحصول علي ترخيص من مجلس إدارة البنك المركزي المصري ، ما دامت المحكمة قد دانتهم بجريمة إدارة واستخدام حساب خاص على شبكة معلوماتية بهدف ارتكاب جريمة معاقب عليها قانوناً وأوقعت عليهم عقوبتها عملاً بالمادة 32 من قانون العقوبات بوصفها الجريمة الأشد . لما كان ذلك ، وكان النعي بأن ما وقع من الطاعنين لا يعدو أن يكون فعلاً مباحاً وينأى عن التأثيم لا يعدو أن يكون منازعة في الصورة التي اعتنقتها المحكمة للواقعة وجدلاً موضوعياً في سلطة محكمة الموضوع في استخلاص صورة الواقعة كما ارتسمت في وجدانها مما تستقل بالفصل فيه بغير معقب ، ما دام قضاؤها في ذلك سليماً ، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعنون في هذا الصدد يكون غير مقبول . لما كان ذلك ، وكان القانون رقم 194 لسنة 2020 بشأن إصدار قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي قد صدر ونشر في الجريدة الرسمية في 15/ 9 / 2020 – أي في تاريخ سابق على الدعوى الماثلة – فأصبح بذلك نافذاً ونصوصه ممكن إعمالها بغض النظر عن عدم صدور لائحته التنفيذية ولا يصح تعطيل أي نص مادام أن إعماله لا يتوقف على شرط ، فإن ما يثيره الطاعنون بشأن إعمال نصوص ذلك القانون لا يكون له محل. لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن الجهل بالقانون أو الغلط في فهم نصوصه لا يعدم القصد الجنائي باعتبار أن العلم بالقانون وفهمه على وجهه الصحيح أمر مفترض في الناس كافة ، وإن كان هذا الافتراض يخالف الواقع في بعض الأحيان بيد أنه افتراض تمليه الدواعي العملية لحماية مصلحة المجموع ، ولذا قد جرى قضاء محكمة النقض على أن العلم بالقانون الجنائي والقوانين العقابية المكملة له مفترض في حق الكافة ، ومن ثم فلا يقبل الدفع بالجهل أو الغلط فيه كذريعة لنفي القصد الجنائي ، ويضحى منعي الطاعنين في هذا الصدد غير مقبول . لما كان ذلك ، وكان ما يثيره الطاعنون من أن حيازة أجهزة تعدين العملات الافتراضية غير مجرم مما يعد استخدامها مباحاً ، مردوداً بأنه دفاع قانوني ظاهر البطلان، ذلك بأن الواقعة كما أثبتها الحكم لا تعتبر حيازة أجهزة تعدين العملات الافتراضية ، وإنما هي تنفيذ أنشطة متعلقة بالعملات المشفرة والنقود الإلكترونية دون الحصول علي ترخيص من مجلس إدارة البنك المركزي بمقتضي نص المادتين 206 ، 225/1 من القانون رقم 194 لسنة 2020 بشأن إصدار قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي التي طبقها – بحق – الحكم المطعون فيه ، ومن ثم فإن منعى الطاعنين في هذا الخصوص يكون في غير محله . لما كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه قد أستند الى أدلة الثبوت التي أوردها المستمدة من أقوال شهود الإثبات وما ثبت من تقرير الفحص الفني للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات ومن إقرار الطاعنين الأول والثالث وهي تؤدي في مجموعها الى ما رتبه عليها من ثبوت مقارفة الطاعنين للجرائم التي دانهم بها ، وكان من المقرر أنه لا يلزم في الأدلة التي يعتمد عليها الحكم أن ينبئ كل دليل منها ويقطع في كل جزئية من جزيئات الدعوى؛ لأن الأدلة في المواد الجنائية متساندة يكمل بعضها بعضاً ، ومنها مجتمعة تتكون عقيدة القاضي ومن ثم فلا ينظر إلى دليل بعينه لمناقشته على حدة دون باقي الأدلة بل يكفي أن تكون الأدلة في مجموعها كوحدة مؤدية إلى ما قصده منها الحكم ومنتجة في اكتمال اقتناع المحكمة واطمئنانها إلى ما انتهت إليه ، فإن ما يثيره الطاعنون في شأن استناد الحكم إلى أدلة لا تصلح للإدانة لا يكون مقبولاً . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن لمحكمة الموضوع أن تستخلص من أقوال الشهود وسائر العناصر المطروحة على بساط البحث الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى حسبما يؤدي إليه اقتناعها وأن تطرح ما يخالفها من صور أخرى ما دام استخلاصها سائغاً مستنداً إلى أدلة مقبولة في العقل والمنطق ولها أصلها في الأوراق ، وكان وزن أقوال الشهود وتقدير الظروف التي يؤدون فيها الشهادة متروكاً لتقدير محكمة الموضوع ، ومتى أخذت بشهادة شاهد فإن ذلك يفيد أنها أطرحت جميع الاعتبارات التي ساقها الدفاع لحملها على عدم الأخذ بها ، وأن إمساك الضابط عن ذكر أسماء القوة المرافقة له عند الضبط لا ينال من سلامة أقواله وكفايتها كدليل في الدعوى. ولما كانت المحكمة قد اطمأنت إلى أقوال ضابط الواقعة وصحة تصويره للواقعة فإن كافة ما يثيره الطاعنون من منازعة في صورة الواقعة بمقولة أن الضابط اختلق حالة التلبس ليصحح الإجراء الباطل لا يكون له محل . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن الأصل أن من يقوم بإجراء باطل لا تقبل منه الشهادة عليها ولا يكون ذلك إلا عند قيام البطلان وثبوته. ومتى كان لا بطلان فيما قام به الضابط من قبض على الطاعنين وتفتيشهم فإنه لا تثريب على المحكمة إن هي عولت على أقواله في إدانة الطاعنين، ويكون النعي على الحكم في هذا الخصوص غير قويم . لما كان ذلك ، وكان لا جدوى من النعي على الحكم بالقصور في الرد على الدفع ببطلان إقرار الطاعنين لمحرر محضر الضبط لصدوره وليد استجواب محظور من مأمور الضبط القضائي مادام البين من الواقعة كما صار إثباتها في الحكم ومن استدلاله أن الحكم لم يستند في الإدانة إلى دليل مستمد من الاستجواب المدعى ببطلانه وإنما أقام قضاءه على أدلة استمدها من أقوال شهود الإثبات وما ثبت من تقرير الفحص الفني للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات ومن إقرار الطاعنين الأول والثالث بتحقيقات النيابة، فإن ما يثيره الطاعنون في هذا الصدد يكون في غير محله ، ولا يجوز التحدي في ذلك بما ورد بأقوال الضابط القائم بالضبط حسبما حصلها الحكم – من أن الطاعنين أقروا له بارتكابهم الواقعة، إذ هو لا يعد إقراراً من الطاعنين بما أسند إليهم وإنما مجرد قول للضابط يخضع لتقدير المحكمة التي أفصحت عن اطمئنانها إليه في هذا الشأن . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن تقدير الدليل موكول لمحكمة الموضوع ، وأنه متى اقتنعت به واطمأنت إليه فلا معقب عليها في ذلك . ولما كانت الأدلة التي أوردها الحكم المطعون فيه من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه عليها من ثبوت مقارفة الطاعنين للجرائم التي دانهم بها، فإن ما يثيره الطاعنون من أن المحكمة لم تعن بتمحيص الدعوى ولم تلم بعناصرها عن بصر وبصيرة ، لا يعدو أن يكون جدلاً موضوعياً في واقعة الدعوى وتقدير أدلتها مما تستقل به محكمة الموضوع ولا يجوز إثارته أمام محكمة النقض . لما كان ذلك ، وكان القول بتوافر حالة التلبس أو عدم توافرها هو من المسائل الموضوعية التي تستقل بها محكمة الموضوع بغير معقب عليها مادامت قد أقامت قضاءها على أسباب سائغة، كما أن التلبس صفة تلازم الجريمة ذاتها لا شخص مرتكبها . و كان ما أورده الحكم المطعون فيه بمدوناته تدليلاً على توافر حالة التلبس ورداً على ما دفع به الطاعنون من عدم توافر هذه الحالة ومن بطلان القبض والتفتيش كاف وسائغ في الرد على الدفع ويتفق وصحيح القانون، ولا ينال من ذلك تظاهر ضابط الواقعة للطاعنين برغبته في شراء أجهزة التعدين للعملة الافتراضية ( البتكوين) إذ لم يكن ذلك من الضابط إلا بعد أن علم أن الطاعن الثالث يتعامل في تلك الأجهزة بما مفاده أن الجريمة كانت واقعة وأن الضابط لم يخلق فكرتها في وجدان ذلك الطاعن ولم يحرضه عليها و غايته لم تتعد الكشف عن الجريمة والتوصل إلى معاقبة مرتكبيها، كما أن الطاعنين وقد أوجدوا أنفسهم طواعية في أظهر حالة من حالات التلبس فإن قيام الضابط بضبطهم يكون صحيحاً منتجاً لأثره ولا عليه إن هو لم يسع للحصول على إذن من النيابة العامة بذلك إذ لم يكن في حاجة إليه ، ويكون النعي على الحكم في هذا الصدد غير سديد. لما كان ذلك ، وكانت النيابة العامة طبقاً لما تنص عليه المادة الأولى من قانون الإجراءات الجنائية تختص دون غيرها برفع الدعوى الجنائية ومباشرتها طبقاً للقانون وأن اختصاصها في هذا الشأن مطلق لا يرد عليه القيد إلا باستثناء من نص الشارع، وإذ أقامت النيابة العامة الدعوى ضد الطاعنين وباشرت التحقيق معهم لارتكابهم جرائم تنفيذ أنشطة متعلقة بالعملات المشفرة والنقود الإلكترونية دون الحصول على ترخيص من مجلس إدارة البنك المركزي المصري وإنشاء حساب خاص على شبكة معلوماتية بهدف ارتكاب جريمة معاقب عليها قانوناً وحيازة أجهزة اتصالات لاسلكية دون الحصول على تصريح من الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات ، وكان القانون قد خلا من أي قيد على حرية النيابة العامة في رفع الدعوى الجنائية عن الجريمتين الأخيرتين وهما جريمتان مستقلتان متميزتان بعناصرهما القانونية عن الجريمة الأولى المنصوص عليها في القانون رقم 194 لسنة 2020 بشأن البنك المركزي والجهاز المصرفي، فإن قيام النيابة العامة بتحقيق الوقائع موضوع الاتهامين الأخيرين ومباشرة الدعوى بشأنها لا يتوقف على صدور طلب من محافظ البنك المركزي ولو ارتبطت بهاتين الجريمتين جريمة من جرائم قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي ذلك أن قواعد التفسير الصحيح للقانون تستلزم بحسب اللزوم العقلي أن تتبع الجريمة ذات العقوبة الأخف باقي الجرائم ذات العقوبة الأشد المرتبطة بها في التحقيق والإحالة والمحاكمة وتدور في فلكها بموجب الأثر القانوني للارتباط بحسبان أن العقوبة المقررة للجريمة ذات العقوبة الأشد هي الواجبة التطبيق وفقاً لنص المادة 32 من قانون العقوبات، ومن ثم فإن منعى الطاعنين في هذا الصدد يكون غير سديد، فضلاً عن أن الحكم قد عرض للدفاع المثار في هذا الصدد وأطرحه برد سائغ كاف وتدليل مقبول . لما كان ذلك ، وكان من المقرر وفقاً – لنص المادة 206 مكرر من قانون الإجراءات الجنائية المضافة بالقانون رقم 145* لسنة 2006 أن لأعضاء النيابة من درجة رئيس نيابة على الأقل بالإضافة لاختصاصات النيابة العامة سلطات قاضي التحقيق ، فيما عدا مدد الحبس الاحتياطي المنصوص عليها في المادة 142 من هذا القانون ، وذلك في تحقيق الجنايات المنصوص عليها في الأبواب الأول والثاني و الثاني مكرراً والرابع من الكتاب الثاني من قانون العقوبات ، ومفاد ذلك أن القانون خول أعضاء النيابة العامة – من درجة رئيس نيابة على الأقل – سلطات قاضي التحقيق في أمور معينة في الجنايات المنصوص عليها في الأبواب المار ذكرها من قانون العقوبات، وليس من بينها الجرائم التي اقترفها الطاعنون ، والتي خول قانون الإجراءات في المادة 199 منه لأي عضو من أعضاء النيابة العامة – أيا كانت درجته تحقيقها، وإذ التزم الحكم المطعون فيه هذا النظر في اطراحه لدفع الطاعنين ببطلان تحقيقات النيابة العامة لعدم إجرائها من رئيس نيابة ، يكون قد وافق صحيح القانون ولم يخطئ في تطبيقه، فإن دعوى بطلان التحقيقات لهذا السبب لا يكون له وجه، ويضحى النعي على الحكم في هذا المنحى غير مقترن بالصواب . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن لمحكمة الموضوع سلطة مطلقة في الأخذ باعتراف المتهم في أي دور من أدوار التحقيق وإن عدل عنه بعد ذلك متى اطمأنت إلى صحته ومطابقته للحقيقة والواقع، وأن لمحكمة الموضوع دون غيرها البت في صحة ما يدعيه المتهم من ان الاعتراف المعزو إليه قد انتزع منه بطريق الإكراه ، ومتى تحققت من أن الاعتراف سليم مما يشوبه واطمأنت إليه كان لها أن تأخذ به بلا معقب عليها. لما كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه قد خلص في منطق سائغ وتدليل مقبول إلى اطراح الدفع ببطلان اعتراف الطاعنين الأول والثالث لصدوره تحت تأثير الإكراه وأفصح عن اطمئنانه إلى صحة هذا الاعتراف ومطابقته للحقيقة والواقع فإنه يكون قد اقترن بالصواب، ومن ثم فإن النعي على الحكم في هذا الخصوص يكون في غير محله . لما كان ذلك ، وكان تقدير أراء الخبراء والفصل فيما يوجه إلى تقاريرهم من مطاعن مرجعه إلى محكمة الموضوع التي لها كامل الحرية في تقدير القوة التدليلية لتقرير الخبير المقدم إليها شأنه في ذلك شأن سائر الأدلة، وكانت المحكمة قد اقتنعت بتقرير الفحص الفني واطمأنت إليه فإنه لا يجوز مجادلتها في ذلك أمام محكمة النقض، ويكون ما يثيره الطاعنون في هذا الشأن غير مقبول . لما كان ذلك ، وكان ما يثيره الطاعنون من وجود عبث بالأحراز إن هو إلا جدل في تقدير الدليل المستمد من أقوال شاهد الواقعة ومن عملية الفحص التي اطمأنت إليها محكمة الموضوع فلا يجوز مجادلتها أو مصادرتها في عقيدتها في تقدير الدليل وهو من اطلاقاتها ، ويكون ما يثيره الطاعنون في هذا الخصوص لا محل له . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن الدفع بانتقاء أركان الجريمة من الدفوع الموضوعية التي لا تستلزم من المحكمة رداً خاصاً اكتفاءً بما تورده من أدلة الثبوت التي تطمئن إليها بما يفيد اطراحها، فإن ما يثيره الطاعنون في هذا الخصوص لا يكون مقبولا . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن لمحكمة الموضوع أن تعول في تكوين عقيدتها على ما جاء بتحريات الشرطة باعتبارها معززة لما ساقته من أدلة مادامت تلك التحريات قد عرضت على بساط البحث – كما هو الحال في الدعوى المطروحة – فإن ما يثيره الطاعنون في هذا الخصوص لا يكون مقبولاً . فضلاً عن أنه يبين من الاطلاع على محاضر جلسات المحاكمة أن الطاعنين لم يدفعوا بعدم جدية التحريات ، وكان من المقرر أنه لا يُقبل من المتهم أن يطالب المحكمة بالرد على دفاع لم يبد أمامها فإن ما يثيره الطاعنون في هذا الشأن يكون غير مقبول . لما كان ذلك ، وكان ما يثيره الطاعنون من تولد عقيدة مسبقة لدى قضاة المحكمة والرغبة في إدانتهم كلها مسائل داخلية تقوم في نفس القاضي وتتعلق بشخصه وضميره وترك المشرع أمر تقدير الإدانة لتقدير القاضي وما تطمئن إليه نفسه ويرتاح إليه وجدانه ، ومن ثم فإن ما يثار في هذا المنحى لا يصح أن ينبني عليه وجه الطعن . لما كان ذلك ، وكان الثابت من ديباجة الحكم المطعون فيه تلاوة تقرير التلخيص مما مفاده وجود ذلك التقرير ضمن أوراق الدعوى ، ومن ثم فلا يجوز للطاعنين أن يجحدوا ما أثبته الحكم إلا بالطعن بالتزوير وهو ما لم يفعلوه ، فإن ما ينعاه الطاعنون في هذا الشأن يكون غير سديد . لما كان ما تقدم ، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة :ـــ بقبول الطعن شكلاً وفى الموضوع برفضه

الثلاثاء، 21 أكتوبر 2025

معيار الشك في الإدانة في جرائم تقنية المعلومات: قراءة في حكم محكمة القاهرة الاقتصادية (706/2021 مستأنف)

 معيار الشك في الإدانة في جرائم تقنية المعلومات

 قراءة في حكم محكمة القاهرة الاقتصادية (706/2021 مستأنف)

    يمثل هذا الحكم الصادر عن الدائرة الأولى جنح مستأنف بالمحكمة الاقتصادية بالقاهرة بتاريخ 8 ديسمبر 2021 نموذجًا كاشفًا لموقع مبدأ الشك يُفسّر لمصلحة المتهم داخل قضايا الجرائم الإلكترونية. فرغم وجود تقارير فنية صادرة من الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات تربط الحساب المبلغ عنه بوسيلة اتصال محدّدة، انتهت المحكمة إلى تأييد الحكم الابتدائي بالبراءة لعدم بلوغ الدليل حد اليقين القضائي.

أولًا: وقائع الدعوى بإيجاز

    أُسند إلى المتهم قيامه باصطناع حساب بموقع "فيسبوك" منتحلاً صفة شركة خاصة، ونشر عبارات مسيئة أضرت بسمعة الشركة ومركزها المالي. وقدمت النيابة العامة الدعوى استنادًا إلى قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، وقانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003. غير أن محكمة أول درجة قضت بالبراءة، فطعنت النيابة بالاستئناف.

ثانيًا: الأساس القانوني الذي استندت إليه المحكمة

    أكدت المحكمة الاستئنافية على القواعد الآتية: يقين القاضي الجنائي أساس الإدانة ولا تقوم الأحكام الجنائية إلا على الجزم واليقين المستخلص من أدلة معتبرة، لا على الظن أو الاحتمال. الشك يفسر لصالح المتهم يكفي أن يتولد لدى المحكمة أدنى شك في صحة الإسناد لتقضي بالبراءة. حرية قاضي الموضوع في تكوين العقيدة المحكمة غير ملزمة بذكر كل الوقائع، وإنما فقط ما بنت عليه عقيدتها.

    مشروعية الإحالة لأسباب حكم أول درجة عند التأييد ، يجوز للمحكمة الاستئنافية تبني أسباب حكم أول درجة دون إعادة تفصيلها. وأضافت المحكمة أنها تشككت في ثبوت النسبة، وأن أوراق الدعوى خلت مما يغير هذا الاقتناع، فكان لزامًا رفض الاستئناف وتأييد البراءة.

دروس مستفادة من الحكم

    الدليل الفني ليس كافيًا بذاته للإدانة، ربط الحساب بجهاز أو خط اتصال لا يثبت بالضرورة نسبته الفعلية للمتهم من حيث الاستخدام والنية. عبء الإثبات الجنائي أعلى بكثير في قضايا التقنية، حيث تتداخل احتمالات الاستخدام، والانتحال، والوكلاء التقنيين، والمستخدمين الثانويين.

    مبدأ الشك في الجرائم الإلكترونية لا يقلّ صرامة عنه في باقي الجرائم، رغم طبيعة الجريمة الحديثة، ظل المعيار الإجرائي التقليدي هو الحاكم.

    أهمية إحكام سلاسل الأدلة الرقمية، البراءات في الجرائم الإلكترونية غالبًا بسبب الفجوة في تتبع “المستخدم الفعلي” لا “الأداة المستخدمة”.

خاتمة

    يكتسب هذا الحكم أهميته من كونه يُعيد ضبط بوصلة التعامل مع الجرائم الرقمية؛ مؤكّدًا أن التطور التقني لا يلغي أصول المحاكمة الجنائية العادلة، وأن قرينة البراءة واليقين في الإدانة لا تتنازل عنهما المحكمة حتى في قضايا الفضاء الإلكتروني. إنه حكم يرسّخ توازناً دقيقًا بين مكافحة الجريمة المعلوماتية وضمانات العدالة الجنائية.

-------------------

الدعوى رقم 706 لسنة 2021 جنح مستأنف اقتصادية القاهرة

باسم الشعب

محكمة القاهرة الاقتصادية

الدائرة الأولى جنح مستأنف

بالجلسة المنعقدة علنا بسراي المحكمة يوم الأربعاء الموافق 8/ 12/ 2021

برئاسة السيد المستشار/ أدهم فهيم يحيى فهيم رئيس المحكمة

وعضوية السيد المستشار/ وليد زكي أبو الحسن الرئيس بالمحكمة،وعضوية السيدة المستشارة/ حنان جمال دحروج الرئيس بالمحكمة،وبحضور السيد/ محمد نور الدين وكيل النيابةوبحضور السيد/ محمد علي علام أمين السر

أصدرت الحكم الآتي

– في الجنحة رقم 706 لسنة 2021 جنح مستأنف ورقم 1032 لسنة 2021 جنح اقتصادي –

الوقائع

حيث أن وقائع الدعوى سبق وأن أحاط بها الحكم المستأنف الصادر بجلسة 14/ 7/ 2021 ومن ثم تحيل إليه المحكمة في ذلك الشأن منعا للتكرار وتوجز منه بالقدر الكافي لربط السياق في أن النيابة العامة قدمت المتهم/ ………….. للمحاكمة الجنائية.لأنه في 5/ 3/ 2020 وبتاريخ سابق عليه بدائرة قسم شرطة ثاني الشيخ زايد محافظة الجيزة. – اصطنع حسابا خاصا …………….. على برنامج التواصل الاجتماعي فيس بوك ونسبه زورا إلى شركة ………… لمديرها ……………….. على النحو المبين بالأوراق. – استخدم وسائل غير مشروعة لإجراء الاتصالات بأن ارتكب الجريمة محل الاتهام الأول على النحو الثابت بالأوراق. وطلبت معاقبته بالمواد 1، 24/ 1 من القانون 175 لسنة 2018 في شأن جرائم تقنية المعلومات والمواد 1، 70، 76/ 2 من القانون 10 لسنة 2003 بشأن تنظيم الاتصالات.

    وحيث تخلص الواقعة حسبما استقر في عقيدة المحكمة واطمأن إليه وجدانها من مطالعة أوراقها وما دار بشأنها بجلسات المحاكمة فيما قرره الشاكي …………. المدير التنفيذي لشركة …………… بمحضر جمع الاستدلالات المؤرخ في 5/ 3/ 2020 والثابت به تضرره من قيام شخص مجهول بانتحال صفة الشركة الخاصة به على الحساب المسمى (……………) واستخدام عبارات تسيء للشركة ومجلس إدارتها مما ألحق بها خسائر مادية وحيث قدم صورة من سجل تجاري يحمل رقم …………. أفراد صادر لشركة ………. لصاحبها ……….. يعمل بنشاط أعمال التوصيف والتحليل والتصميم للبرمجيات منشأ بتاريخ 5/ 1/ 2015.

وبفحص الواقعة بمعرفة الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات ثبت أن الحساب المبلغ عنه صادر من جهاز مرتبط بخط التليفون الأرضي رقم …………. وأن المستخدم الفعلي له هو المدعو ………..

وبجلسة 14/ 7/ 2021 قضت محكمة أول درجة حضوريا ببراءة المتهم/ …………. – مما أسند إليه من اتهام.

وحيث لم ترتض النيابة العامة ذلك القضاء فطعنت عليه بالاستئناف الماثل بموجب تقرير استئناف مؤرخ 25/ 7/ 2021 للثبوت.

    وبالجلسة المحددة لنظر الاستئناف حضر المستأنف ضده بشخصه ومعه محام ودفع بانتفاء أركان الجريمة وقدم خمس حوافظ مستندات طويت علي صورة ضوئيه من صحيفة الاستثمار الخاصة بشركه ………….. ومن السجل التجاري للشركة وصورة من شاشة فيس بوك تبين تاريخ إنشاء الصفحة في شهر ديسمبر 2013 طالعتها المحكمة وألمت بها ومذكرة بدفاعه وطلب تأييد الحكم المستأنف فقررت المحكمة حجز الاستئناف للحكم بجلسة اليوم.

حيثيات الحكم

    بعد تلاوة تقرير التلخيص وسماع طلبات النيابة العامة والمرافعة الشفوية ومطالعة الأوراق والمداولة قانونا:-وحيث أنه عن شكل الاستئناف ولما كان قد أقيم مستوفيا أوضاعه وشرائطه الشكلية المقررة قانونا ومن ثم فهو مقبول شكلا.

    وحيث أنه عن الموضوع وكان من المقرر أن القاضي الجنائي يحكم في الدعوى حسب العقيدة التي تكونت لديه بكامل حريته وأنه يكفي أن يتشكك القاضي في صحة إسناد التهمة كي يقضي له بالبراءة إذ المرجح في ذلك إلى ما يطمئن إليه في تقدير الدليل مادام الظاهر من الحكم أنه أحاط بالدعوى عن بصر وبصيرة وأقام قضاءه على أسباب تحمله.

    كما أنه من المقرر قانونا أن الأحكام الجنائية يجب أن تبنى على الجزم واليقين من الوقائع الذي يثبته الدليل المعتبر ولا تؤسس على الظن والاحتمال من الفروض والاعتبارات المجردة. كما أن المحكمة غير ملزمة بالتحدث في حكمها إلا عن الأدلة ذات الأثر في تكوين عقيدتها وأن إغفال بعض الوقائع يفيد ضمنا إطراحها لها اطمئنانا إلى ما أثبته من الوقائع والأدلة التي اعتمدت عليها في حكمها.

    وكان من المقرر قضاء أن المحكمة الاستئنافية إذا ما رأت تأييد الحكم المستأنف للأسباب التي بني عليها فليس في القانون ما يلزمها أن تذكر تلك الأسباب في حكمها بل يكفي أن تحيل عليها إذ الإحالة على الأسباب تقوم مقام إيرادها وتدل على أن المحكمة اعتبرتها صادرة منها.

    ولما كانت المحكمة تتشكك في ثبوت الاتهام قبل المستأنف ضده، وكانت محكمة أول درجة قد قضت ببراءة المستأنف ضده وساقت للتدليل على التشكيك في ثبوت التهمة في حقه أسبابا سائغة لها أصلها بالأوراق تكفي لحمل قضائها ومن ثم فإن هذه المحكمة تعتنق أسباب ذلك الحكم وتأخذ بهما مكملة لأسباب حكمها، وكانت الأوراق جاءت خلوا مما يمكن أن يغير من اقتناع المحكمة الأمر الذي يتعين معه رفض الاستئناف موضوعا وتأييد الحكم المستأنف.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة/ حضوريا:- بقبول الاستئناف شكلا وفي الموضوع برفضه وتأييد الحكم المستأنف

خُلُقُ الأَنَاةِ: فَضِيلَةُ الصَّبْرِ وَحِكْمَةُ التَّأَنِّي فِي زَمَنِ العَجَلَةِ

خُلُقُ الأَنَاةِ: رِحْلَةُ العَقْلِ فِي نَيْلِ الحِكْمَةِ وَسَكِينَةِ الرُّوحِ مقدمة: حقيقة الأناة وغايتها الإنسانية    يعيش الإنسان المعاصر...