حقيقة مثالب الاعلان الالكتروني في قانون الاجراءات الجنائية الجديد
تحول منظومة الإعلانات القضائية نحو الرقمنة في قانون الإجراءات الجنائية الجديد (القانون رقم 174 لسنة 2025) يُعد قفزة تشريعية تهدف إلى إنهاء ظاهرة التهرب من الاستلام وتلاعب بعض المحضرين بعبارات مثل "لم يُستدل على العنوان". ومع ذلك، فإن إسقاط هذه الآلية المستحدثة على أرض الواقع العملي والضمانات الدستورية للمحاكمة المنصفة يكشف عن "مثالب" وثغرات قانونية وتقنية جوهرية قد تهدد حقوق الدفاع.
فيما يلي تحليل موضوعي لأبرز مثالب الإعلان الإلكتروني في القانون الجديد:
1. حجية العلم اليقيني وحتمية بطلان الإعلان
من المستقر عليه فقهًا وقضاءً أن الغاية من الإعلان هي "اتصال علم المعلن إليه بالدعوى علمًا يقينيًا أو ظنيًا قاطعًا". الإعلان عبر الهاتف المحمول أو البريد الإلكتروني المربوط بالرقم القومي (مخرجات المادة 72) يواجه إشكاليات حادة:
معضلة الحيازة الفعلية للوسيلة: القانون يفترض علم المتهم بمجرد إرسال الرسالة إلى وسيلة الاتصال المسجلة برقم هويته. في الواقع العملي، قد يكون الخط الهاتفي مغلقًا، أو منتهي الصلاحية، أو في حوزة شخص آخر، أو قد يكون البريد الإلكتروني مخترقًا أو غير مفعّل من الأساس لدى فئات واسعة من المواطنين.
غياب العائد التقني بالاستلام الفعلي: في المواد المدنية والتجارية، يمكن للمنصات الرقمية إثبات "وصول" الإعلان وتنزيله. أما في المواد الجنائية التي تتعلق بالحرية، فإن مجرد "الإرسال" التقني لا يعني حتمية "العلم"، مما يفتح بابًا واسعًا للمحاكمات الغيابية دون علم حقيقي للمتهم.
2. قرينة "صحة الإعلان" بإيداعه قلم الكتاب
نص القانون على أنه إذا امتنع الشخص عن تقديم بياناته، أو أدخل بيانات غير صحيحة، أو غيّرها دون إخطار النيابة، يُعتبر الإعلان في قلم الكتاب صحيحًا ومنتجًا لآثاره: الأثر المترتب: هذا النص ينقل عبء الإثبات والالتزام بالكامل على عاتق المواطن (حتى لو كان مجنيًا عليه أو مسؤولًا مدنيًا).المثلب القانوني: اعتبار الإعلان في قلم الكتاب بمثابة "إعلان صحيح" يرتب بدء مواعيد الطعن والمحاكمة، وهو ما قد يؤدي إلى صدور أحكام نهائية أو سقوط مدد الطعن بالاستئناف أو النقض دون أن يتصل علم الشخص بالدعوى إطلاقًا، وهو ما يصطدم بمبدأ "افتراض البراءة" وضمانات المحاكمة العادلة.
3. الفجوة الرقمية وأزمة الأمية التكنولوجية
المشرّع عند صياغته للنص افترض وجود "مواطن رقمي" يتعامل مع البريد الإلكتروني والرسائل النصية الرسمية بشكل يومي ومنتظم:
الواقع الديموغرافي: هناك نسبة ليست بالقليلة من المجتمع، خاصة في القرى والنجوع أو بين كبار السن، تعاني من أمية تكنولوجية كاملة، أو لا تمتلك هواتف ذكية تمكنها من قراءة الإشعارات القضائية وفهم طبيعتها الخطيرة. غياب البديل الموازي الإلزامي: كان من الأوفق عدم الاكتفاء بالإعلان الإلكتروني كبديل كامل، بل جعله مسارًا موازيًا أو تاليًا للإعلان الورقي التقليدي لضمان السلامة القانونية للإجراء.
4. الإشكاليات التقنية ومخاطر الأمن السيبراني
الاعتماد على الأنظمة الإلكترونية يطرح تساؤلات قانونية وفنية لم يحسمها النص الإجرائي بشكل قاطع:
الأعطال الفنية وانقطاع الخدمة: في حال إرسال الإعلان وتأخر وصوله بسبب مشاكل في شبكات الاتصالات أو خوادم (Servers) وزارة العدل أو النيابة العامة، كيف سيثبت المتهم أن عدم علمه كان لسبب تقني خارج عن إرادته؟
الهجمات السيبرانية والتزوير الرقمي: فتح الباب للإعلانات عبر المحمول والبريد الإلكتروني قد يستغله محترفو النصب الإلكتروني عبر إرسال رسائل وهمية ("فيشينج") تحت غطاء جهات قضائية، مما يسبب ارتباكاً للمواطنين ويهدد الأمن القانوني.
خلاصة الرأي القانوني:
على الرغم من أن الإعلان الإلكتروني يستهدف تسريع وتيرة التقاضي ومواجهة التهرب، إلا أن تطبيقه في المجال الجنائي - حيث تُسلب الحريات - دون ربطه بـ "تأكيد برمجى قاطع يفيد بفتح الرسالة وقراءتها من صاحب الشأن" أو إيجاد آلية مرنة لإثبات القوة القاهرة تقنيًا، يمثل ثغرة إجرائية كبرى قد تؤدي إلى تزايد الأحكام الغيابية، ومن ثم زيادة تدفق طلبات "إعادة الإجراءات" أمام المحاكم، ليتحول التيسير إلى عبء إجرائي جديد.هذه بعض ابعاد الموضوع و لمن لديه وجهة نظر تركها في التعليقات للإفادة