معركة الحصن الأخير: لماذا تستهدف الدوائر الغربية أحكام الأسرة في الشريعة الإسلامية؟
مقدمة: في تفكيك ظاهرة "الاستهداف"
لم يكن النقاش حول الشريعة الإسلامية في الدوائر الأكاديمية والسياسية الغربية يوماً نقاشاً معرفياً مجرداً، بل كان دائماً محركاً لسياسات وتوجهات استراتيجية تتداخل فيها الأيديولوجيا بالاقتصاد والجغرافيا السياسية. وفي العقود الأخيرة، تبلور هذا الاهتمام في تركيز مكثف وشديد المنهجية على "أحكام الأسرة" أو ما يُعرف في القوانين الوضعية بـ "الأحوال الشخصية".
إن فهم أسباب هذا التركيز يتطلب تجاوز النظرة السطحية التي تختزل الأمر في "الدفاع عن حقوق المرأة" أو "نشر قيم الحداثة"، والغوص في عمق فلسفة القانون، وصراع المرجعيات، وحتمية الهيمنة الثقافية التي تسعى العولمة لتكريسها. فالأسرة في الإسلام ليست مجرد وحدة اجتماعية استهلاكية، بل هي النواة الصلبة التي يقوم عليها بناء الأمة بأسرها.
أولاً: صراع المرجعيات وفلسفة القانون (المتعالي في مواجهة المادي)
لا يمكن فهم جذور الاستهداف الغربي لأحكام الأسرة دون إدراك الفجوة المعرفية (الابستمولوجية) بين المنظومتين الإسلامية والغربية:
المنظومة الغربية الحديثة: تنطلق من الفلسفة الفردية (Individualism) والمادية، حيث "الفرد" هو مركز الكون، وحريته الشخصية المطلقة هي القيمة العليا التي تتقدم على أي اعتبار جماعي أو أخلاقي. القانون في هذه الرؤية هو نتاج "العقد الاجتماعي" الوضعي، وهو مرن وقابل للتعديل المستمر صعوداً وهبوطاً وفقاً لأهواء الأغلبية السياسية أو التحولات المادية للمجتمع. بناءً على ذلك، تحولت الأسرة في الغرب من مؤسسة مقدسة إلى "عقد مدني نفعي" مؤقت، يمكن فضه لأدنى سبب، وتساوت فيه العلاقات الفطرية بالعلاقات الشاذة تحت لافتة "الحرية الفردية".
المنظومة الإسلامية: تنطلق من "المركزية الإلهية" والوحي الثابت. الأسرة هنا ليست مجرد ترتيب اجتماعي، بل هي مؤسسة تعبدية، وصفتها النصوص القرآنية بـ "الميثاق الغليظ". القوانين التي تحكمها (من زواج، وطلاق، وميراث، ونفقات، وولايّة) هي أحكام قطعية الثبوت والدلالة في معظمها، مستمدة من عليم خبير بما يصلح النفس البشرية.
هذا الثبوت والقدسية يشكلان "مقاومة تشريعية" صلبة أمام التنميط الغربي للعالم. فالغرب يرى في وجود منظومة تشريعية دولية خارجة عن هيمنة نموذجه المادي تحدياً صريحاً لـ "عالمية" قيمه، وبالتالي يصبح تفكيك هذه المرجعية الدينية واستبدالها بالمرجعية العلمانية الوضعية هدفاً استراتيجياً لتوحيد "السوق الثقافي العالمي".
ثانياً: أحكام الأسرة بوصفها "الحصن التشريعي الأخير"
من الناحية التاريخية والسياسية، تعرضت الأمة الإسلامية خلال القرنين الماضيين لموجات عاتية من التغريب وتقنين القوانين الوضعية. لقد نجحت الضغوط الاستعمارية، ثم النخب المحلية المتغربة، في إزاحة الشريعة الإسلامية عن مساحات واسعة من الحياة العامة: أُقصيت الشريعة عن المعاملات المالية والاقتصادية لصالح القوانين التجارية الغربية (الرأسمالية).أُقصيت عن المجالات السياسية والدستورية وصياغة نظم الحكم.نحيت في الجوانب الجنائية واستُبدلت بالقوانين العقابية الفرنسية أو الإنجليزية.
أمام هذا التراجع الشامل، تراجعت الشريعة إلى "الخط الدفاعي الأخير"، وهو قانون الأحوال الشخصية. بقيت الأسرة المسلمة هي البقعة الوحيدة التي يمارس فيها المسلم حياته وفقاً لأمر الله تبارك وتعالى بشكل مباشر ومؤسسي. يدرك المخطط الاستراتيجي الغربي أن بقاء هذا الحصن يعني بقاء "الذات الحضارية" للمسلمين حية؛ فالطفل الذي ينشأ في أسرة محكومة بأحكام الإسلام (بر الوالدين، قوامة الرعاية، صلة الرحم، الميراث الشرعي) يكتسب حصانة نفسية وفكرية تمنعه من الذوبان الكامل في المنظومة العولمية. ومن هنا، فإن استهداف أحكام الأسرة هو محاولة لهدم هذا الحصن الأخير لإعلان الهزيمة التشريعية الكاملة للمجتمعات الإسلامية.
ثالثاً: التفكيك البنيوي للأدوار الفطرية (مبدأ التكامل ضد الندية)
يقوم التشريع الإسلامي للأسرة على مبدأ التكامل الوظيفي الفطري بين الرجل والمرأة؛ حيث خُصّ كل طرف بحقوق وواجبات تتوافق مع طبيعته الخِلقية والنفسية، بما يضمن استقرار السفينة الأسرية. فالرجل ملزم بالإنفاق الكامل والقوامة التي تعني (الحماية والرعاية والمسؤولية القانونية والمالية)، في حين تضطلع المرأة بدور الأمومة والحضانة وبناء الإنسان من الداخل، مع احتفاظها بذمتها المالية المستقلة تماماً.
في المقابل، تسعى الأيديولوجيات الغربية الحديثة (وخاصة النسوية الراديكالية المعولمة) إلى فرض مفهوم "المساواة المماثلة" (Gender Equality) التي تلغي الفروق الفطرية: تفكيك القوامة: يُنظر إلى قوامة الرجل في الخطاب الغربي على أنها "سلطة أبوية قمعية" يجب تجريمها، رغم أنها في الإسلام تكليف ومسؤولية عظمى وليست تشريفاً. إلغاء الولاية: السعي لرفع ولاية الآباء والمحارم عن المرأة والشباب الصغار، مما يسهل عزل الفرد عن حاضنته الاجتماعية وجعله مكشوفاً أمام ثقافة الاستهلاك والتحلل. الندية الشرسة: تحويل العلاقة الزوجية من علاقة سكن ومودة ورحمة إلى علاقة صراع مادي وندية قانونية، حيث يتربص كل طرف بالآخر، وهو ما أدى في الغرب -ويؤدي في مجتمعاتنا عند تطبيقه- إلى ارتفاع جنوني في نسب الطلاق، وعزوف الشباب عن الزواج، وتشتت الأطفال.
رابعاً: البعد الديموغرافي والجغرافيا السياسية لـ "الهندسة الاجتماعية"
لا يمكن فصل الهجوم على أحكام الأسرة عن المخاوف الغربية المتعلقة بـ الكتلة البشرية. يعيش الغرب اليوم ما يسميه علماؤه "الشتاء الديموغرافي"؛ حيث تعاني المجتمعات الغربية من شيخوخة حادة وانخفاض حاد في معدلات المواليد نتيجة لتفكك الأسرة التقليدية واكتفاء الأفراد بـ "الحياة الاستهلاكية الفردية" أو العلاقات العابرة دون إنجاب.
في المقابل، يمثل العالم الإسلامي خزانًا بشريًا فتيًا ومتدفقًا. هذا النمو الديموغرافي ليس ناتجاً عن وفرة مادية، بل عن ثقافة تشريعية ودينية تحث على النكاح، وتعتبر الإنجاب امتداداً عظمى للأمة، وتحرم الإجهاض وتجرم العلاقات خارج الزواج وتنبذ الشذوذ.
لذلك، يسعى الغرب عبر منظومة الأمم المتحدة، ومصطلحات "الصحة الإنجابية والجنسية" الفضفاضة، إلى اختراق القوانين الشرعية لتمرير سياسات تحديد النسل، وتقنين العلاقات خارج إطار الزواج، ورفع الغطاء التشريعي والأخلاقي عن الأسرة التقليدية. الهدف هنا هو "هندسة اجتماعية" تؤدي إلى كبح النمو السكاني للمسلمين وتوهين قوتهم البشرية، عبر نقل "أمراض التفكك الاجتماعي" التي يعاني منها الغرب إلى قلب العالم الإسلامي.
خامساً: أدوات وآليات الاختراق والفرض القسري
إن استهداف أحكام الأسرة لا يتم بالوعظ والإقناع، بل يتم عبر آليات "الهيمنة الناعمة والصلبة" التي تملكها القوى الغربية:
الاتفاقيات الدولية الملزمة: مثل اتفاقية "سيداو" (CEDAW) ومخرجات مؤتمرات السكان (كمؤتمر القاهرة وبكين). هذه المواثيق تُصاغ بذكاء لتكون لها سلطة تعلو على القوانين الوطنية، وتطالب الدول الموقعة بإلغاء أي تشريعات (بما فيها المستمدة من الدين) تتعارض مع رؤيتها الفردية.
التمويل المشروط والضغط الاقتصادي: ربط المساعدات الدولية، أو القروض، أو التقييمات الحقوقية للدول بمدى استجابتها لـ "تطوير" وتعديل قوانين الأحوال الشخصية المحلية.
صناعة النخب المحلية (الوكلاء الثقافيون): تمويل وتدريب جمعيات ومؤسسات محلية داخل الدول الإسلامية تحت مسمى "منظمات المجتمع المدني" و"حقوق المرأة"، لتتولى هي رفع الدعاوى القضائية، وشن الحملات الإعلامية، والمطالبة بتغيير القوانين الشرعية (مثل المطالبة بالمساواة في الميراث، أو إلغاء الطلاق الغيابي، أو تجريم الولاية). هذا الأسلوب يجعل المعركة تبدو وكأنها "مطالب داخلية" بينما هي في الحقيقة صدى لأجندات خارجية وممولة بالكامل.
خاتمة: الوعي بالمعركة كخطوة أولى للمواجهة
في الختام، يتضح أن أحكام الأسرة في الشريعة الإسلامية ليست مجرد نصوص فقهية فرعية تنظم الطلاق والزواج، بل هي الجدار الاستراتيجي السميك الذي يحمي المجتمعات المسلمة من السقوط الفكري والذوبان الحضاري.
إن استهداف الغرب لهذه الأحكام هو استهداف لمنظومة الوعي والهوية، ومحاولة لإعادة صياغة الإنسان المسلم ليكون "ترساً" في آلة العولمة المادية، منزوع الجذور، ومقطوع الصلة بالوحي. وبناءً على ذلك، فإن الدفاع عن هذه الأحكام، وتطوير الآليات الفقهية والقانونية لحل المشكلات الأسرية المعاصرة من داخل المنظومة الإسلامية نفسها لا من خارجها، هو واجب الوقت وضرورة استراتيجية لحفظ بقاء الأمة وخصوصيتها الحضارية.
رؤية صحيحة وواضحة للتوعية وكيفية المواجهة
ردحذف