صراع المال والحق
متى يصبح المجني عليه متهمًا؟!
بقلم: حسام الدين عبد السلام
المحامي بالنقض
متى يُقبَض على صاحب الحق بدلًا من الجاني؟
ومتى يتحول السعي إلى العدالة من طريق للإنصاف إلى فخٍ لفقدان الحرية؟
بهذا السؤال الاستنكاري المؤلم تبدأ واقعة لا يمكن التعامل معها باعتبارها خطأً عابرًا، بعدما جرى القبض على المجني عليه والزجّ باسمه في حصر الأحكام بدلًا من المتهم الصادر ضده حكم واجب النفاذ، في مشهد يكشف خللًا عميقًا في منظومة يُفترض أنها وُجدت لحماية الحقوق لا لمصادرتها.
انقلاب الأدوار… حين تختل بوصلة العدالة
القاعدة القانونية المستقرة أن العقوبة شخصية، لا تُنفَّذ إلا على من صدر ضده الحكم.لكن حين يُستبدل اسم المحكوم عليه الحقيقي باسم المجني عليه، فإننا لا نكون أمام خلل إجرائي بسيط، بل أمام انقلاب في منطق العدالة: الجاني ينجو، والمجني عليه يُقيَّد، والقانون يُستخدم على غير مقصده.وهنا لا يعود السؤال: كيف وقع الخطأ؟،بل يصبح السؤال الأشد خطورة: من سمح له أن يستمر؟
من الإهمال إلى الانحراف
قد تبدأ الحكاية بتشابه أسماء أو تقصير في تدقيق البيانات، لكن الخطأ يفقد براءته فور الإصرار عليه. فالقبض على غير المحكوم عليه، ثم الاستمرار في احتجازه رغم وضوح الحقيقة، هو جريمة مكتملة الأركان، لا يُغيّر من وصفها أي غطاء إداري. وفي هذه المساحة الرمادية بين النص والتطبيق، يظهر المال لاعبًا خفيًا، يفتح الأبواب المغلقة، ويدفع بالضعيف إلى الواجهة، ليكون هو “الاسم الأسهل” بدلًا من صاحب الحكم الحقيقي.
المال في مواجهة الحق
هذه الواقعة تعيد طرح السؤال الجوهري: هل العدالة تُدار بالقانون… أم بالقدرة على الدفع؟،حين يُنفَّذ الحكم على المجني عليه بدلًا من المحكوم عليه، فإن الرسالة التي تصل للمجتمع خطيرة:أن الحق وحده لا يكفي،وأن الأمان ليس لمن يملك الحقيقة، بل لمن يملك النفوذ. وهكذا لا تُهزم العدالة في قضية واحدة، بل تُهزم الثقة العامة في العدالة ذاتها.
القبض بلا سند… اعتداء لا إجراء
الحرية الشخصية ليست تفصيلًا إجرائيًا، بل أصلًا دستوريًا. والقبض على غير المحكوم عليه يمثل اعتداءً صريحًا على هذا الأصل، وانتهاكًا مباشرًا لمبدأ شخصية العقوبة وسيادة القانون.وكل من:أمر بالقبض،أو نفّذ دون تحقق،أو استمر في الاحتجاز رغم ثبوت الخطأ، يتحمل مسؤولية قانونية كاملة، لأن القانون لا يُهان فقط حين يُخالف، بل حين يُستخدم لتبرير الظلم.
الأثر الصامت للظلم
أخطر ما في هذه الوقائع ليس ما يُدوَّن في المحاضر، بل ما يُزرع في النفوس. حين يُقبض على المجني عليه، يتعلم الناس درسًا قاسيًا:أن الصمت أأمن من المطالبة بالحق،وأن الابتعاد عن القانون أحيانًا أضمن من الاقتراب منه.وهذا هو الانتصار الحقيقي للظلم:أن يُقنع الضحايا بعدم الاعتراض.
والحل… كيف يُستعاد الحق ويُغلق باب العبث بالعدالة؟
إذا كانت المشكلة واضحة، فالحل لا يكون بالشعارات، بل بمسار قانوني ومؤسسي صارم.
أولًا: الحل القانوني العاجل
وقف التنفيذ فورًا متى ثبت أن المقبوض عليه ليس هو المحكوم عليه.التظلم العاجل من إجراءات التنفيذ. الإفراج الفوري دون قيد أو شرط.
ثانيًا: الحل القانوني اللاحق
تحقيق إداري وجنائي شامل.دعوى تعويض عن الحبس دون وجه حق.محو الاسم من حصر الأحكام وإعادة الاعتبار.
ثالثًا: الحل المؤسسي
تطابق إلزامي بين الاسم والرقم القومي وصورة الحكم.ربط إلكتروني كامل للأحكام.تجريم الإهمال الجسيم في التنفيذ.
رابعًا: الحل المجتمعي والإعلامي
كسر الصمت، لأن الصمت شريك في الظلم.
خاتمة
ليست هذه الواقعة شأنًا فرديًا، بل جرس إنذار. فإذا أصبح المجني عليه متهمًا،وصار المحكوم عليه حرًا، فالسؤال الذي لا يجوز تجاهله: هل ما زال الحق وحده كافيًا لحماية صاحبه؟، أما آن للعدالة أن تثأر لنفسها؟
و الله المستعان