السبت، 4 أكتوبر 2025

براءة بالتكنولوجيا.. حينما فشلت الأدلة الرقمية في إدانة المتهم

 

مكتب حسام الدين عبد السلام 
المحامي 
لدي محكمة النقض و المحكمة الادارية العليا 
و المحكمة الدستورية العليا 
الحكم الصادر من محكمة القاهرة الاقتصادية – الدائرة الثالثة جنح مستأنف – بجلسة 12/9/2022 يُعتبر نموذجًا غنيًا للتحليل القضائي، سواء من زاوية التكييف القانوني للاتهامات، أو من زاوية التدليل القضائي على مدى توافر أركان الجرائم، أو من زاوية ترجيح الأصل العام (البراءة) على أساس يقيني لا ظني.سأحلله وأؤصله كما يلي:

أولاً: التكييف القانوني للتهم
  المتهم أُسندت إليه مجموعة من الاتهامات: التحرش الجنسي بالمجني عليهن، وذلك عبر تطبيقات التواصل (واتساب/مكالمات هاتفية). سند الاتهام: المادتان 306 مكرر (أ) و 306 مكرر (ب) عقوبات. تعمد المضايقة بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات. سند الاتهام: المادة 76/2 من قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003.

التأصيل:
   المادتان (306 مكرر أ، ب) أضيفتا لمواجهة جرائم التحرش، وتوسع المشرع في صورها لتشمل القول أو الفعل أو الإشارة، بالوسائل التقليدية أو الإلكترونية. المادة 76 من قانون الاتصالات لم تحصر "الإزعاج"، بل اعتبرت كل قول أو فعل متعمد يضيق به صدر المجني عليه جريمة إذا وقعت باستخدام وسيلة اتصال.

ثانياً: الإشكاليات المطروحة أمام المحكمة
   إشكالية الدليل الفني: النيابة قدمت محادثات وصور منسوبة للمتهم. المحكمة رأت أن المحادثات لا تحمل طابعًا جنسيًا قاطعًا.الصور محل الاتهام لم تُقدم من المصدر الأصلي (هاتف المجني عليها) بل منقولة عبر صديقة، ففقدت حجيتها.
   إشكالية التراخي في الإبلاغ: المحكمة لاحظت أن المجني عليها الأولى تراخت سنوات قبل تقديم البلاغ (2017–2018 حتى 2020)، فاهتزت ثقة المحكمة في جدية البلاغ.
   إشكالية التناقض والغموض: أقوال المجني عليها متعارضة مع مضمون الرسائل.اعتراف المتهم أمام النيابة ("قد أكون أرسلت صورًا") غير محدد وظني، لا يرقى لدليل إدانة.
   أصل البراءة: المحكمة استندت إلى قاعدة أن الأصل في الإنسان البراءة، وأن الإدانة لا تقوم إلا على دليل جازم قاطع لا يدع مجالًا للشك.

ثالثاً: ما انتهت إليه المحكمة
   براءة المتهم من تهمة التحرش الجنسي الأولى (المادة 306 مكرر ب). لعدم توافر أركان الجريمة (غياب العبارات ذات الطابع الجنسي الصريح، وعدم ثبوت الصور). استبعاد أقوال المجني عليها لعدم الاطمئنان إليها بسبب: عدم تقديم الهاتف للفحص.طول الفترة بين الواقعة والبلاغ. كونها اعتمدت على نسخ منقولة لا أصل لها. استبعاد أقوال المتهم الملتبسة ("ممكن أكون أرسلت صور") لأنها غير جازمة. وبالتالي، رأت المحكمة أن الحكم الابتدائي (3 سنوات حبس) أخطأ في تطبيق القانون، فقضت بـ إلغائه وبراءة المتهم استنادًا للمادة 304/1 إجراءات جنائية.

رابعاً: المبادئ القانونية المستفادة
   الأصل في المحاكمات الجنائية هو البراءة، ولا يُدان المتهم إلا بدليل يقيني لا يشوبه ظن أو احتمال. الأدلة الرقمية (محادثات – صور – مقاطع) لا يُعتد بها إلا إذا جاءت من مصدرها الأصلي وخضعت للفحص الفني المباشر.تراخي المجني عليه في الإبلاغ يُضعف الثقة في روايته، خاصة في الجرائم ذات الطبيعة الوقتية (كالتحرش). الأقوال المرسلة أو الاعترافات الغامضة لا تُعتبر دليلًا كافيًا. القاضي الجنائي حر في تكوين عقيدته، لكن يجب أن يبني حكمه على أدلة واضحة ومتماسكة.

خامساً: الدروس المستفادة
   على المشرّع أن يضع قواعد أوضح لضبط الأدلة الإلكترونية، حتى لا تضيع حقوق الضحايا في قضايا التحرش والابتزاز. على الضحايا المبادرة بالإبلاغ فور وقوع الفعل، حتى لا يؤثر التراخي على جدية الشكوى. الحكم يوازن بين حماية الحريات الفردية (عدم الإدانة بغير دليل يقيني) وبين الحرص على مواجهة جرائم التحرش، وهو ما يعكس توازن القضاء بين العدالة الجنائية والشرعية الإجرائية. 

   إن الحكم الصادر من محكمة القاهرة الاقتصادية – الدائرة الثالثة جنح مستأنف – بجلسة 12/9/2022 يجسد بوضوح فلسفة العدالة الجنائية في أسمى صورها، حيث أعاد التأكيد على أن الأصل في الإنسان البراءة، وأن الإدانة لا تقوم إلا على دليل جازم يقيني لا يشوبه شك أو ظن.
   
   فمن خلال استبعاد الأدلة الرقمية غير المستمدة من مصدرها الأصلي، وعدم الاطمئنان إلى الأقوال المتناقضة أو المرسلة، وترجيح قاعدة اليقين على مجرد الافتراض، رسخ القضاء مبدأ أن الحرية الفردية لا تُمس إلا ببينة قاطعة، وأن العدالة الجنائية لا تنحاز إلى طرف على حساب آخر، بل تنحاز إلى ميزان الحق واليقين.

   ويبرز هذا الحكم كنموذج مهم يوازن بين حماية المجتمع من جرائم التحرش الإلكتروني، وبين ضمانات المحاكمة العادلة، مما يجعله محطة قضائية بارزة، ودعوة للمشرع لتشديد الضوابط الإجرائية والفنية للأدلة الرقمية، بما يحفظ للضحايا حقوقهم دون المساس بقاعدة البراءة.
----------------

باسم الشعب
محكمة القاهرة الاقتصادية
الدائرة الثالثة جنح مستأنف
بالجلسة المنعقدة علناً بسراى المحكمة يوم الأثنين الموافق 12/9/2022

برئاسة السيد المستشار / عمرو عبد القادر صبرى رئيس المحكمة
وعضوية السيد المستشارين / أحمد رفعت مهنى الرئيس بالمحكمة
/ محمد محمد حسن غيته الرئيس بالمحكمة
وبحضور السيد/ طارق سلام وكيل النيابة
وبحضور السيد / محمد على علام امين الســــر
اصدرت الحكم الآتى
فى الجنحة رقم 570 لسنة 2020 جنح مستأنف ورقم 887 لسنة 2020 جنح اقتصادى
ضــد
– ********

(((المحكمة)))

 

بعد تلاوة تقرير التلخيص وسماع المرافعة الشفوية ومطالعة الأوراق والمداولة قانوناً:

حيث ان وقائع الدعوى قد سبق وأن أحاط بها الحكم المستأنف الصادر فى القضية رقم 887 لسنة 2020 جنح اقتصادية القاهرة بجلسة 29/12/2020 ومن ثم تحيل إليه المحكمة فى ذلك الشأن منعاً للتكرار الا انها توجز منه بالقدر الكافى فى أن النيابة العامة قد اسندت للمتهم / ********.

لانه فى غضون الفترة مابين عامى 2016 و 2020 بدائرة قسم شرطة المقطم – محافظة القاهرة.

1- تحرش جنسيا بالمجنى عليها الأولى / ******** بان تعرض لها باتيان أمور وايحاءات وتلميحات جنسية واباحية ، بأن ارسل اليها عبر احدى وسائل الاتصالات اللاسلكية – هاتف نقال مستخدما تطبيق التواصل الاجتماعى – واتس اب – عبارات وصور ذات طبيعة جنسية ، تضمنت تصريحا وتلميحا بالامور المشار اليها ، وقد اتى الافعال بقصد الحصول على منفعة جنسية ، على النحو المبين تفصيلا بالتحقيقات.

2- تعمد مضايقة المجنى عليها المار ذكرها بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات ، بأن اتى الافعال المبينة بالوصف عاليه على النحو المبين تفصيلا بالتحقيقات .

3- تعرض للمجنى عليها الثانية/ ******** ، بإتيان ايحاءات وتلميحات جنسية واباحية وذلك اثناء مكالمة هاتفية بينهما اتى خلالها ايحاءات وتلميحات ذات طبيعة جنسية ، على النحو المبين تفصيلا بالتحقيقات .

4- تعمد مضايقة المجنى عليها المار ذكرها بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات ، بأن اتى الأفعال محل الاتهام السابق وأضاف عليها بتكرار اتصاله تليفونيا وتواصله الكترونيا مع المجنى عليها المذكورة دون رضائها ودون مقتضى على النحو المبين تفصيلا بالتحقيقات .

وطلبت عقابه بالمواد 306 مكرر ( أ ) / فقرة 1 ، 2 والمادة 306 ب / 1 من قانون العقوبات ، والمادة 76 / بند 2 من قانون تنظيم الاتصالات الصادر بالقانون رقم 10 لسنة 2003.
حيث يخلص وجيز الواقعة حسبما طالعتها المحكمة بالاوراق والتى توجزها بالقدر اللازم ما يكفى للاحاطة بها وبمضمونها والتى تخلص فيما جاء بتقرير ادارة البيان والتوجيه والتواصل الاجتماعى بمكتب النائب العام والذى اثبت به تصدر المدعو << ******** >> موقعى التواصل الاجتماعى تويتر ، انستغرام خلال الأيام القليلة الماضية بداية من يوم 1/7/2020، حيث تداول عنه تعديه على عدد كبير من الفتيات بالاغتصاب ، والابتزاز والتحرش بهن جنسيا ولفظيا ، وكان أول من تداول الحديث عن المدعو/ ******** ، حساب باسم من يدعى ******** – المقيم بنيويورك – بالولايات المتحدة الامريكية – لتصل الى نحو اكثر من 50 رسالة من عدة فتيات منهم أطفال – دون أن تفصح اى منهن عن شخصيتها – تضمنت روايات عما تعرضن اليه من اعتداء وتحرش واغتصاب من قبل المشكو فى حقه، انشئت صفحة عبر تطبيق (( انستغرام))، خصيصا لتلك الشهادات والروايات التى تدلى بهن الفتيات حول ماتعرضن له من المشكو فى حقه ، واسم الصفحة (( assault police )) وغير معلوم من أنشأها، ولكن المدعو / ******** كان يدعمها ويوجه الفتيات المتضررات من المشكو فى حقه إليها .
ومما تداول حول المشكو فى حقه بمواقع التواصل انه يبلغ من العمر 22 عام ، وانه من عائلة ثرية وكان يدرس بمدارس دولية بالقاهرة منها ( المدرسة الامريكية الدولية ) ودخل الجامعة الامريكية بالقاهرة عام 2016 ولكن لم يكمل دراسته فيها ، وسافر إلى أسبانيا ليلتحق هناك بجامعة ببرشلونة – تسمى Eu Business school Barcelona – لعلوم الادارة خلال عام 2018 ، ويفترض استمرار دراسته فيها حتى يوم 3/7/2020 م ، حيث انه وفق المتداول ايضا ان الجامعة الأخيرة اعلنت فى ذلك التاريخ فصله بعد اعلان احدى الطالبات فيها تحرشه بها .
وذكر بمواقع التواصل الاجتماعى ان المشكو فى حقه كان يقيم بمدينة (*****) ثم انتقل للاقامة بمجمع (******) السكنى فى المقطم، كما تداول البعض ان له اقارب يعملون بالمخابرات العامة وبقطاع الامن الوطنى ، وان والده يعمل الرئيس التنفيذى لشركة ((********)) وان تلك الشركة تتبع المخابرات العامة.

وتداول عن المدرسة الامريكية الدولية انها كانت على علم بأفعال المشكو فى حقه وما يقوم به خلال تواجده بالمدرسة عامى 2014 ، 2015 وانها بعد تحريها عن الامر تأكدت من صحة التعديات التى ارتكبها فى حق الفتيات فاكتفت بالتنبيه عليه دون عقابه ، وطلبت من الفتيات المتضررات وقتها عدم ارسال صورهن لأى أحد عبر مواقع التواصل الاجتماعى ، مما وصفه البعض انه تستر من المدرسة على المذكور ، وان موقفها لايختلف كثيرا عن موقف الجامعة الأمريكية وادارة المجمع السكنى محل إقامته.

 

وكانت من بين الروايات التى تداولت حول الموضوع بتطبيقى (( تويتر )) و (( انستغرام )) مايلى:
** ذكرت إحدى الفتيات من الجامعة الأمريكية أن (( ******** )) تحرش بها وابتزها جنسيا ، فطرد لذلك من الجامعة عام 2018 ، وذلك على خلاف ما أعلنته الجامعة الأمريكية يوم 3/7/2020 فى بيانها والتى نفت فيه ذلك ، وأوضحت أن ما يثار بمواقع التواصل الاجتماعي حول انتماء المشكو فى حقه لها غير صحيح ، وانه تركها منذ عام 2018 ، وجدير بالذكر أن عدد من الفتيات الطالبات بالجامعة أعلن عبر مواقع التواصل أن المشكو فى حقه دعى طالبات بالجامعة للمشاركة بإحدى المشروعات بداخلها ، وذلك وسيلة منه لاستدراجهن تمهيدا لابتزازهن وتهديدهن الممارسة الرذيلة معه ، وأضافت الفتيات انه بناء على شكوى قدمت ضد المذكور لإدارة الجامعة ، اتخذت الأخيرة سبيلا لفصله منها دون الافصاح عن سبب ذلك ، حرصا على مستقبله وإمكانية التحاقه بجامعات أخرى وعلى صعيد آخر قررت نحو مائة طالبة بالجامعة الامريكية بالقاهرة بمواقع التواصل بتحرش المشكو فى حقه بهن وتهديدهن بإبلاغ أهليتهم بممارسته الرذيلة معهن ، ونشر صور فاضحة معدلة لهن ، وأذاعت بعضهن تسجيلات صوتية نسبتها للمشكو فى حقه وهو يهددهن خلالها عبر الصفحة المسماة ( assault police ) ، وبتطبيق تويتر ، كما تداول تصوير المشكو فى حقه مقاطع مصورة للفتيات أثناء مواقعته لهن ، وإطلاع اصدقائه عليها ، كما دونت فتاة فى مجموعة الكترونية تسمى ( Rate AUC professors ) عبر تطبيق (( واتس آب )) أن المشكو فى حقه تحرش بها واثنين من صديقاتها ، ثم قيل لاحقا أنه يعانى من مشاكل شخصية وهدد ذويه بالانتحار إذا وجهوا إليه أى اتهامات أخرى ، ثم ترك الجامعة ليسافر الى أسبانيا دون أن يكمل دراسته .

** بعد انتشار تفاعلا – (( هاشتاج )) – للمطالبة بمحاسبة المشكو فى حقه ، تبين أن اسمه مشهورا عند عدد كبيرمن الفتيات اللاتى روين الحوادث التى تعرضت لها بسببه ، والتى كان أغلبها يدور حول تعرضهن إما للاغتصاب ، او الابتزاز الجنسى ، او التهديد الجنسى ، أو التحرش من قبل المذكور ، حيث ذكرت فتاة عبر تطبيق تويتر أن المشكو فى حقه تحرش بها وشقيقتها لما كانا يبلغان نحو أربعة عشر عاما ، وهددهما بنشر صور فاضحة معدلة لهما إذا لم يستجيبا لمطالبة بممارسة الرذيلة معه ، وقالت أخرى عبر تطبيق (( تويتر )) أنه تحرش بها وطاردها وحاول تهديدها وامتد الأمر إلى أن حاول تهديدها بإعلامه أهلها بممارسة الرذيلة معها على خلاف الحقيقة الإجبارها على الانصياع لما يطلبه منها .

** كما تداولت قصة فتاة اغتصبها المشكو فى حقه فى النادى الرياضى (( gym )) بالمجمع السكنى محل إقامته ((******)) وسط استغاثات منها ليطلق سراحها، وعندما سمعها الأمن الخاص بالمجمع دفع المشكو فى حقه إليهم بعض من المال مقابل سكوتهم ، واكدت الفتاة أنها عانت من تلك الواقعة التى حدثت خلال عام 2018 والتى لم تفصح عنها خوفا منه ، وقررت السفر إلى بيروت بعد إصابتها بالبواسير وشرخ بالحوض من جراء تعدى المشكو فى حقه عليها ، ولكنها عادت الآن إلى القاهرة.

** كما قررت إحدى الفتيات أن المشكو فى حقه واقع صديقتها عنوة ، وآخرى قررت أنه واقعها رغما عنها وأن ذراعها لازال متكدما من آثار المقاومة ، وأضافت أنه هددها بإبلاغ أهلها أنها مارست الجنس .

** كما اشار شخص آخر أنه شهد المذكور فى مدينة الرحاب بالقاهرة الجديدة وهو يحاول الاعتداء على فتاة داخل سيارته، وقرر الشاهد أنه قام بكسر نافذة السيارة ولكم المذكور فى وجهه مما أسفر عنه نزيف الأنف وصعوبة فى التنفس، ما أعطى الشاهد والمجنى عليها بعض الوقت للمغادرة سريعا.

** وقررت فتاة أنها كانت فى حوالى الرابعة عشر من عمرها حينما تعرفت على (********) وأن الأخير حاول التقرب منها مستخدما أساليب الإبتزاز العاطفى ، كان يهددها بالإقدام على الانتحار إذا ما رفضت الارتباط به ، وانه حاول تقبيلها وممارسة بعض الافعال الجنسية معاها اثناء اول لقاء لهما ، كما حاول الاعتداء عليها جنسيا فيما بعد فى منزل أحد اصدقائهم ولكن الفتاة سارعت بالمغادرة ، وظل المذكور يهددها لمدة عامين بمقطع فيديو زعم ان الاصدقاء قاموا بتصويره لهما فى وضع حميم ، وأضافت انه شهر بها عدة مرات وسط زملائهم .

** كما قررت فتاتين فى الخامسة عشر من عمرها فى ذاك الحين انه هتك عرضهما وأفادت إحداهما انه تتبعها أثناء شراء بعض الحاجات على مقربة من أقرانها وقبلها رغما عنها وتحرش بجسدها وأنها حاولت أن تفلت من قبضته لتستنجد بأصدقائها ولكنه تتبعها وأخبرهم أنهم كانوا يتحدثون سويا .

والملفت للانتباه أن الذى دفع الفتيات للمطالبة بمعاقبته بعد مضى كل تلك الفترة من تاريخ الاعتداءات الواقعة عليهن منه ، هو اتهامه وفقا الروايتهن بالتحرش بفتيات فى أسبانيا أثناء دراسته بجامعة هناك حاليا .

وتداول أن ذوى المشكو فى حقه قرروا رفع قضية على أول فتاة شهرت به – (( لم يذكر اسمها )) – باعتبار انهم من عائلة لها أقارب بقطاع الأمن الوطنى والمخابرات المصرية .

هذا وقد تفاعلت بعض الشخصيات العامة والمؤسسسات مع الواقعة مطالبة بالتحقيق فيها عبر مواقع التواصل الاجتماعى على النحو الوارد بالتقرير ، كما عرض التقرير روابط للحسابات التى تضطلع بنشر بعض المعلومات عن المشكو فى حقه ومعلومات عن ضحاياه ومافعله بهن بتطبيق (( انستغرام )) وفقا للثابت بالتقرير .

 وبناء على ماتقدم باشرت النيابة العامة التحقيقات :
وأرفق بالاوراق المحضر المؤرخ 4/7/2020 والمحرر بمعرفة العقيد / *** ، مفتش مباحث فرقة جنوب والذى اثبت بمحضره وباقواله بجلسة تحقيق النيابة العامة 4/7/2020 قيامه بضبط المتهم ******** ومواجهته اقر بقيامه بتهديد وابتزاز العديد من الفتيات واكراههن على ممارسة الاعمال المنافية للآداب وفى حالة عدم الانصياع له سوف يقوم بالتشهير بهن بمواقع التواصل الاجتماعى والاضرار بسمعتهن وسمعة ذويهم واقر بقيامه بابتزاز ومساومة المجنى عليهما ******** ، ******** وباقى المجنى عليهن الواردة أسمائهم بالاوراق
وبجلسة التحقيق المؤرخة 26/8/2020 ادلى العقيد / **** باقوالة امام النيابة العامة مقررا قيامه باجراء تحريات المباحث الجنائية حول الواقعة والتى توصلت الى قيام المتهم ******** بارتكاب الوقائع المنسوبة اليه من اغتصاب وهتك عرض المجنى عليهن وتهديدهن بالتشهير بهن على مواقع التواصل الاجتماعى وابلاغ اهليهما وابتزازهن فى مقابل الاستمرار معه بعلاقات جنسية ، واضاف مجرى التحريات ان المتهم كان على صلة ومعرفة بالمجنى عليها / ******** لكونها زميلته بالجامعة الامريكية وكان على علاقة عاطفية بها ثم انفصلت عنه فقام بتهديدها بإبلاغ والدها بسوء سمعتها على خلاف الحقيقة اذا لم تستمر معه فضلا عن قيامه بارسال رسائل الى المجنى عليها انفة البيان عبر احد مواقع التواصل الاجتماعى لاستكمال علاقتها معه.

كما أضاف مجرى التحريات عن وجود علاقة عائلية بين والدة المتهم ووالدة المجنى عليها / ******** حيث تقوم والدة المتهم برعاية ومساعدة والدة المجنى عليها المريضة وقد استغل المتهم تلك العلاقة وقام بالتحرش جنسيا بالمجنى عليها عبر تطبيق الواتس اب بارسال صورا جنسية لها طالبا منها ممارسة الجنس معه الا ان المجنى عليها رفضت ذلك رفضا تاما بطريقة أدبية خشية من انقطاع علاقة والدتها بوالدة المتهم ، كما توصلت تحرياته الى صحة ماقدمته المجنى عليها من اسطوانة مدمجة بها محتوى مرئي ( فيديو ) ثابت به المحادثات بينهما وبين المتهم وصحة صدور تلك الرسائل من المتهم.

وبسؤال المجنى عليها / ******** بتحقيقات النيابة العامة قررت وجود علاقة بين والدتها ووالدة المتهم منذ فترة زمنية كبيرة وانها كانت تتلقى معه دروسا فى اللغة العربية بمنزله حتى نشأت علاقة صداقة بينهما الا انه قام بالحديث معها فى حدوث اتصال جسدى وتخييرها بين التقبيل والجنس الفموى وقام بارسال صورا خارجة من هاتفه رقم ******** اليها عبر تطبيق الواتس اب ، وأضافت انها خشيت من ابلاغ والدتها بالامر خشية من انقطاع علاقتها بوالدة المتهم والتى تقوم بمساعدتها.

وبسؤال المجنى عليها/ ******** بتحقيقات النيابة العامة قررت انها تعرفت على المتهم عن طريق الانترنت ( تطبيق الانستغرام) وتبادلا فيما بينهما رسائل التعارف العادية حتى علمت من احدى صديقاتها كانت زميلة المتهم بالمدرسة انه قام بالتحرش بالعديد من الفتيات بالمدرسة وانه مشهور بذلك الامر فقامت بالابتعاد عنه وعدم التواصل معه فقام بملاحقتها بالرسائل وفى الجامعة وقام بالتشهير بها امام زملائها كما هددها بالاتصال بوالدها وابلاغه بالامر كما هددها بالانتحار فى حال قطع علاقتها به وهو ماسبب لها ضررا نفسيا وحالات من ضيق التنفس وأضافت ان هاتف المتهم يحمل رقم ********

وبسؤال المدعوة / ******** بتحقيقات النيابة العامة قررت انها المعالجة النفسية للمجنى عليها / ******** وقررت ان المجنى عليها قد قررت لها بالجلسات انها تمر بتجربة صعبة ومتوترة لقيام المتهم / ******** بملاحقتها طالبا إقامة علاقة جنسية معها ويقوم بمطاردتها بحرم الجامعة وتهديدها لرفضها إقامة علاقة معه بشكل واضح وصريح وان هذا الامر سبب لها مشاكل نفسية وحالة توتر وقلق شديد تصل فى بعض الاحيان الى صعوبة التنفس.
وبسؤال المدعوة / ******** بتحقيقات النيابة العامة قررت لها وجود علاقة بينهما وبين المتهم والذى حاول استدراجها لاقامة علاقة جنسية معها الا انها رفضت ذلك فقام بملاحقتها والضغط عليها وأضافت فى معرض شهادتها رؤيتها للمتهم حال قيامه بالتعرض للمجنى عليها واستيقافها مهددا اياها بالانتحار فى حالة قطع علاقتها به الا ان الاخيرة بدأت فى الانهيار والبكاء فقامت الشاهدة واحدى صديقتها بنهر المتهم والتصدى له ، واضافت ان المتهم له وقائع عديدة انتشرت على جروب الجامعة الامريكية وان الطلبة على علم بالوقائع الخاصة به والمتورط بها .
وباستجواب المتهم / ******** بتحقيقات النيابة العامة انكر مانسب اليه من اتهامات بشأن المجنى عليهن ******** ، ******** ، الا انه قرر وجود علاقة بينهما وأضاف نسبة الرسائل الثابتة بالقرص المدمج المرفق بالاوراق اليه وأضاف انه المستخدم والحائز للهاتف رقم ********

وحيث ارفق بالاوراق الحرز رقم 158 لسنة 2020 خزانة والذى تم سلخه من الجناية رقم 7864 لسنة 2020 المقطم والمقدم من المجنى عليها / ******** واطلعت محكمة اول درجة على الحرز وتبين انه عبارة عن أسطوانة مدمجة تحوى مقطع فيديو يحتوى على محادثة على تطبيق الواتس اب من الهاتف رقم ******** باللغة الانجليزية والتى تم تفريغها وترجمتها بمعرفة مكتب التعاون الدولى – مكتب النائب العام.

وحيث اورى تقرير مكتب التعاون الدولى – مكتب النائب العام بشأن الحرز انف البيان والثابت به انه بالاطلاع على محتوى الأسطوانة المدمجة المرفقة تبين انها تحتوى على مقطع فيديو لمحادثة على تطبيق الواتس اب من الهاتف رقم ******** وتبين من خلال الرسائل وجود محادثة من هاتف المتهم انف البيان وبين المدعوة ( ******** ) استخلصت منها المحكمة الاخيرة عبارات صادرة من هاتف المتهم ( انا بدور على بنت تكون بتاعتى – بالمناسبة احنا هننسجم – انت فى الساحل – ياخرة – انا عايز اعتذر وابدا اتكلم معاكى كاصحاب ممكن نخرج النهاردة – ليه مش عايزة تعرفينى طيب احنا ممكن نبقى اصحاب لو بس تسمحيلى انا لطيف – مش زى المرة اللى فاتت ) .

وحيث قدم المتهم الى المحاكمة الجنائية امام محكمة اول درجة بمقتضى نصوص ومواد القيد والوصف انفة البيان ومثل المتهم رفقة الحراسة اللازمة وهيئة الدفاع الخاصة به ، والمحكمة الاخيرة سالته عن الاتهامات المسندة اليه فانكر ما اسند اليه ، وطلب دفاع المتهم وقف الجنحة تعليقيا لحين الفصل فى الجناية رقم 7864 لسنة 2020 وطلب التصريح بارفاق المستندات المنوه عنها بمذكرة دفاعه كما مثلت المدعية بالحق المدني/ ******** بوكيل عنها وقدم مذكرة بدفاعه والمحكمة امهلت الدفاع لجلسة 14/12/2020 للمرافعة النهائية والمذكرات الختامية ولارفاق صورة رسمية طبق الاصل من المحضر رقم 50 احوال المرفق بالجناية رقم 7864 لسنة 2020 جنايات المقطم وصورة رسمية طبق الاصل من مرفقات المحضر رقم 72 لسنة 2020 جنح اقتصادية المعادى وبجلسة المرافعة الاخيرة مثل المتهم رفقة الحراسة اللازمة كما مثلت المدعية بالحق المدني/ ******** بوكيل عنها وصمم على الطلبات الواردة بمذكرة دفاعه وطلب الحاضر مع المتهم البراءة وقدم مذكرتى دفاع صمم على ماورد بهما من دفاع ودفوع وقدم حافظة مستندات.

وبجلسة 29- 12-2020 قضت محكمة اول درجة حضوريا : بحبس المتهم / ******** لمدة ثلاث سنوات مع الشغل والنفاذ والزمته المصاريف الجنائية. وأحالة الدعوى المدنية الى المحكمة المدنية المختصة وأبقت الفصل فى مصاريفها لحين صدور حكم منه للخصومة.
وحيث لم يرتضى المحكوم عليه بالقضاء الاخير فطعن عليه بالاستئناف الماثل بموجب تقرير استئناف مؤرخ 29-12- 2020 وحدد لنظره جلسة 11-1-2021 امام هذه المحكمة وبالجلسة الاخيرة حضر المتهم من محبسه ومعه وكيله وطلب الاخير فض الحرز المرسل من محكمة الجنايات لارفاقه بالقضية الماثلة وبجلسة 8-2-2021 قضت المحكمة وقبل الفصل فى الشكل والموضوع بندب احد الخبراء بوزارة الاتصالات لتفريغ محتويات الاسطوانة المدمجة وترجمتها على النحو المبين تفصيلا بالقضاء الاخير والمحكمة تحيل اليه بشأن ذلك وبجلسة 10-5-2021 قررت المحكمة العدول عن الحكم الصادر فى 8-2-2021 وقضت المحكمة وقبل الفصل فى الشكل والموضوع بندب احد الخبراء المختصين بالادارة العامة لمباحث المعلومات والانترنت تكون مأموريته كما هو مبين تفصيلا بالقضاء الاخير والمحكمة تحيل اليه بشأن الرسائل الواردة بالاسطوانة محل الفحص وارفق به مرفقات طالعته المحكمة .

وبجلسة 12-6-2022 حضر المتهم من محبسه ومعه وكيله ودفع الاخير ببطلان الحكم المستأنف وبعدم جواز نظر الدعوى لسابقة الفصل فيها بالحكم فى الجناية رقم 7864 لسنة 2020 جنايات المقطم وبانقضاء الدعوى الجنائية بالتقادم لمرور ثلاث سنوات قبل تقديم الشكوى وبدأ التحقيق وببطلان القبض على المتهم واحتجازه واستجوابه بمعرفة محرر الضبط وبطلان شهادة من اجراها وعدم التعويل على التحريات واقوال مجريها لعدم اختصاصه فنيا وبطلان الاقرار المنسوب للمتهم بمحضر الضبط والتحقيقات الاول لكونه وليد القبض الباطل وخلو الاوراق من دليل ادانة لعدم فحص هاتفى المجنى عليهما وبطلان الاستدلال بتقرير ادارة البيان والتوجيه بمكتب النائب العام وتقرير المشاهدة وخلو قرار النائب العام بشأن انشاء الادارة المذكورة وتنظيم عملها من منحها سلطة تتعلق بتحقيق الادلة الجنائية كما طعن بالتزوير المادى على كافة الاوراق المقدمة من المجنى عليها الاولى لاصطناعها وانقطاع صلة المتهم بها وبالدليل الفنى الخاص بفحصها وانتفاء اركان التهم فى حق المتهم وبطلان تقرير ترجمة المحادثات وتناقض الدليل القولى للشاهدتين مع اقوال المجنى عليها الثانية وكيدية الاتهام وتلفيقه ولتحرير محضر من المتهم برقم 50 احوال وقدم مذكرة طلب فيها قبول الاستئناف شكلا وفى الموضوع بالغاء الحكم المستأنف والقضاء مجددا بانقضاء الدعوى الجنائية بالتقادم المسقط واحتياطيا براءة المتهم وصمم فيها على دفاعه ودفوعه كما قدم ثلاث حوافظ مستندات طالعتهم المحكمة وبتلك الجلسة قررت المحكمة حجز الاستئناف للحكم ليصدر بجلسة اليوم وحيث انه عن شكل الاستئناف فلما كان الحكم المستأنف قد صدر بتاريخ 29-12-2020 وقد قرر المستأنف بالاستئناف بموجب تقرير استئناف مؤرخ 29-12-2020 اى خلال الميعاد المقرر قانونا بنص المادة 406 من قانون الاجراءات الجنائية وقد استوفى الاستئناف اوضاعه الشكلية المقررة قانونا ومن ثم فهو مقبول شكلا .

وحيث انه عن موضوع الاستئناف فلما كان من المستقر عليه قانونا وقضاءا تعليقا على مواد الاتهام المقدم بها المتهم للمحاكمة الجنائية وبشأن المادة 306 مكرر أ التى وضعها المشرع عقب تعديلها الاخير بالقانون رقم 11 لسنة 2011 ثم بالقانون رقم 50 لسنة 2014 لمواجهة ظاهرة معاكسة الفتيات والسيدات ثم الى تجريم الفعل ايا كان جنس المجنى عليه وذلك باتيان امور او ايماءات او تليمحات جنسية او اباحية سواء بالاشارة او بالقول او بالفعل باية وسيلة بما فى ذلك وسائل الاتصالات السلكية واللاسلكية وشددت العقوبة فى حالة تكرار الفعل من الجانى من خلال ملاحقة وتتبع المجنى عليه .

اما بشأن المادة 306 مكررب فقد استخدم المشرع لفظ التحرش الجنسى فى المادة الاخيرة وهو يعنى اثارة المرأة واغراؤها للايقاع بها جنسيا وهو اى قول اوفعل يحمل دلالات جنسية سواء وقع على انثى او ذكر .

والتحرش الجنسى قد يكون شفويا كالتعليقات الجنسية المشينة كالنكات او الإلحاح فى طلب لقاء او تواصل بالحديث وقد يكون بالنظرات الموحية او الايماءات او التلميحات الجسدية كما يكون بسلوك مادى كالمس او التحسس.

وهذه الجريمة تاخذ صور متعددة منها اجهزة الاتصالات الحديثة كالاتصال بالمجنى عليه والتلفظ بعبارات والفاظ تخدش الحياء او ارسالها على هاتفه المحمول عبر رسالة صوتية او مكتوبة او من خلال اى برنامج من برامج الاتصال والدردشة مثل – واتس اب – او ماشابه او عبر البريد الصوتى الالكترونى .

او ارسال صور مخلة او رسوم او رموز تحمل دلالات جنسية تخدش الحياء .

اما بشأن المادة 76 من قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003 فان تلك الجريمة لاتقتصر على الازعاج فقط بل يتسع الى كل قول او فعل تعمدة الجانى يضيق به صدر المجنى عليه وايا كان نوع اجهزة الاتصالات المستعملة او الوسيلة المستخدمة بها .

ولما كان من المقرر قضاءا ان اصل البراءة يعتبر قاعدة اساسية فى النظام الاتهامى لاترخص فيها ترفضها حقائق الأشياء وتقتضيها الشرعية الإجرائية وحماية الفرد فى مواجهة صور التحكم والتسلط والتحامل بما يحول دون اعتبار واقعة تقوم بها الجريمة ثابتة بغير دليل جاد قاطع يبلغ مبلغ الجزم واليقين ولايدع مجالا لشبهة انتفاء التهمة او الشك فيها ودون ذلك لاينهدم أصل البراءة وكان من المقرر أنه من اللازم فى أصول الاستدلال أن يكون الدليل الذى يعول عليه الحكم مؤديا إلى مارتبه عليه من نتائج فى غير تعسف فى الاستنتاج ولاتنافر فى حكم العقل والمنطق وكان البين من مطالعة الأوراق ومستنداتها ان النيابة العامة قد اتهمت المستأنف بالاتهامات المشار اليها مسبقا باسباب هذا القضاء .

وحيث انه وبشأن التهمة الاولى المسندة للمستأنف وهى تحرشه حنسيا بالمجنى عليها الاولى / ******** بان تعرض لها باتيان امور وايحاءات وتلميحات جنسية واباحية ، بأن ارسل اليها عبر احدى وسائل الاتصالات اللاسلكية – هاتف نقال مستخدما تطبيق التواصل الاجتماعى – واتس اب – عبارات وصور ذات طبيعة جنسية ، تضمنت تصريحا وتلميحا بالامور المشار اليها ، وقد اتى تلك الافعال بقصد الحصول على منفعة جنسية .

فان المحكمة الراهنة لم يثبت لها على وجه الجزم واليقين ثبوتها فى حق الاخير لكون العبارات والالفاظ والحديث الذى استندت اليه النيابة العامة فى اسناد الاتهام للمستأنف والمبين تفصيلا بتقرير الفحص الفنى الاخير الصادر من الادارة العامة لتكنولجيا المعلومات بوزارة الداخلية والمعد بمعرفة مقدم مهندس خالد الجمل رئيس وحدة الدعم الفنى والدائر بين كلا من المستأنف والمجنى عليها ******** على تطبيق الواتس اب فانه لايحمل عبارات او تلميحات او ايحاءات جنسية وان الحديث بينهما جاء فى حدود نطاق الزمالة والعلاقة العائلية بينهما. كما قررت المجنى عليها ذاتها والمتهم بوجود علاقة زمالة وعلاقة عائلية بينهما.

ومن ثم تنتفى اركان الجريمة المؤثمة بالمادة 306 مكرر ب من قانون العقوبات فى حق المتهم ولاينال من ذلك الصور الاباحية التى قدمتها المجنى عليها بالعريضة المقدمة منها للنيابة العامة بتاريخ 6-7-2020 .

لكونها قد قررت بتحقيقات النيابة العامة بالتاريخ الاخير انها قامت بعمل نسخة من الصور الجنسية المرسلة من المتهم لها على حد قولها وارسالها لصديقتها ثم قامت بحذفها من هاتفها وعندما ابلغت عن الواقعة طلبت من الاخيرة ارسالها مرة اخرى لارفاقها ببلاغها والمحكمة لاتطمئن لاقوال المجنى عليها بشان ذلك ولا فيما قررته بالتحقيقات من طلب المتهم منها اتصال جسدى لكونها لم تقدم على ذلك دليلا سوى المحادثات المشار اليها مسبقا والتى تحصل عليها المحقق وتم فحصها وفقا لما تقدم والتى لاتثبت صحة ماقررته المجنى عليها . مضافا الى ذلك ان المجنى عليها رفضت تقديم هاتفها للفحص الفنى لاثبات ما ابلغت به وقررته بتحقيقات النيابة العامة والحاصل فى الفترة من يونية 2017 حتى 28 مارس 2018 ومن ثم يكون قد مضى فترة طويلة من وقت حدوث الوقائع حتى تاريخ الابلاغ عنها فى 6-7-2020 مما يجعل المحكمة لا تطمئن لاقوال المجنى عليها لتراخيها فى الابلاغ .

ولا يتبقى فى الاوراق سوى الحديث على موقع الواتس اب والذى لم يثبت معه للمحكمة انه يتضمن امور جنسية تكفى لادانة المتهم بشأن تلك التهمة.

وكذلك ماقرره المتهم بتحقيقات النيابة العامة عند مواجهته بارسال صور اباحية للمجنى عليها فقرر بامكانية ذلك والمحكمة لاتأخذ بذلك القول للمتهم امام النيابة العامة ولاتطمئن اليه لكون ماقرره المتهم لم يكن جازما بشأن قيامه بذلك من عدمه ( حيث قد قرر باقواله بانه من الممكن ارسال تلك الصور ) كما انه غير محدد وليس واضح لالبس فيه وشابه الغموض حيث لم يبين المتهم ماهية تلك الصور التى ارسلها للمجنى عليها تحديدا وماتحتويه وعددها ولم يتم مواجهته بالصور المرفقة باوراق الدعوى المقدمة من المجنى عليها ليقر عما اذا كانت هى ذات الصور التى ارسلها من عدمه. ومن ثم فان المحكمة تستبعد ما قرره المتهم بشأن ذلك لعدم وضوحه وصراحته وغموضه وفقا لما تقدم ولكون ما جاء بأقوال المتهم على النحو المبين سلفا هو قولا ظنيا لا يرقى لمستوى الدليل المعتبر قانونا الذى يمكن ان تطمئن اليه المحكمة نحو إدانة المتهم .

ولما كان الحكم المستأنف قد خالف هذا النظر الامر الذى تقضى معه على المحكمة والحال كذلك بالغائه والقضاء مجددا ببراءة المستأنف عن تلك التهمة عملا بنص المادة 304 / 1 من قانون الاجراءات الجنائية على نحو ماسيرد بمنطوق هذا القضاء .

وحيث انه عن التهمة الثانية المسندة للمتهم وهى تعمده مضايقة المجنى عليها ******** .

فانه لما كان ماتقدم وكان البين للمحكمة من مطالعتها الصور المطبوعة للمحادثات بين المتهم والشاكية والمرفقة بتقرير الفحص الفنى وما ورد بها من عبارات انها تشير الى وجود حوار بين الشاكية والمستأنف على موقع الواتس اب ووجود علاقة بينهما وهى ( زمالة دراسة وعلاقة عائلية ) وانهما تبادلا الحديث بشأن علاقتهما قديما وحاليا ، ويشير سياق العبارات الى انها قد تمت برضاء الطرفين ( المستأنف والمجنى عليها ) وذلك استنادا لما جاء بحديث المجنى عليها وسوالها عن حالة المتهم وكذلك عبارة – معلش كنت بتكلم فى التليفون كان فى حاجة – وهو ماينفى عن هذه المحادثات المرسلة من المستأنف على تطبيق الواتس اب الركن المادى لجريمة تعمد المضايقة او الازعاج والتى تفترض صدور افعال منه تجاه المجنى عليها باستخدام وسيلة من وسائل الاتصال على غير ارادة الاخيرة ودون موافتها ، اإجراء حديث بين الطرفين بإرادة حرة من الشاكية فلا يتحقق به الركن المادى للجريمة المشار اليها ، ولاينال مما تقدم ما اثبته العقيد وائل الشموتى مفتش مباحث بالادارة العامة لمباحث القاهرة بمحضره المؤرخ 4-7-2020 من انه تمكن من ضبط المتهم وبمواجهته اقر له بقيامه بتهديد وابتزاز العديد من الفتيات واكراههن على ممارسة الاعمال المنافية فى حالة عدم الانصياع له وانه سوف يقوم بالتشهير بهم على مواقع التواصل الاجتماعى وذلك لكون المحكمة لا تطمئن لاقواله بتحقيقات النيابة العامة وتحرياته التى اجراها والتى توصلت الى ان المتهم تحرش جنسيا بالمجنى عليها رفضت ذلك .

لكون تلك التحريات ماهى الا رأى لمجريها يحتمل الصدق او الكذب وتلزم احد سواة ولاتكفى بمفرها لحمل الاتهامين المشار اليهما مسبقا .

اما بشأن ما جاء بتقرير ادارة البيان والتوجيه والتواصل الاجتماعى بالنيابة العامة فهو مجرد رصد وتحليل لما ينشر بمواقع التواصل الاجتماعى المتعددة وذلك لعرضها واتخاذ مايلزم قانونا بشأنها وإذ خالف الحكم المستأنف هذا النظر وقضى بإدانة المستأنف مما أسند إليه عن هذه التهمة .

على نحو ما سيرد بمنطوق هذا القضاء .
وحيث انه عن موضوع التهمة المسندة للمتهم وهى تعرضه للمجنى عليها الثانية/ ******** ، باتيان ايحاءات وتلميحات جنسية واباحية، وذلك أثناء مكالمة هاتفية بينهما اتى خلالها ايحاءات وتلميحات ذات طبيعة جنسية.

فان المحكمة لم يثبت لها على وجه الجزم واليقين ارتكاب المتهم لتلك التهمة لكون ذلك الاتهام قد جاء دون سند او دليل يصح الاستناد اليه فى توجيه ذلك الاتهام للمتهم ولم تتضمن الاوراق سوى بلاغ المجنى عليها الاخيرة المقدم للنيابة العامة المؤرخ 7-7-2020 والذى ابلغت فيه بانه فى غضون عام 2016 تعرفت على المتهم ثم حاول الاقتراب منها وملاحقتها داخل الجامعة التى يدرس بها كل منهما وكان ذلك فى غضون عام 2017 وعقب ذلك وفى عام 2018 دون فى منشور على صفحة الجامعة بالفيس بوك ان المتهم تحرش بفتاة وتم ازالة المنشور ومن حوالى عشرة ايام قبل تحرير بلاغها ارسل لها رسالة من حساب غير معروف لديها ( على تطبيق الانستجرام ) يذكرها فيه بما حدث عام 2016 ويعرضها للارهاب النفسى وتبينت بعد ذلك ان الحساب الخاص بالمتهم وعليه قامت بنشر منشورات تحذير من المتهم لكونه متحرش على وسائل التواصل الاجتماعى .

وقررت بشهادتها امام النيابة العامة بتاريخ 11-7-2020 بمضمون ما جاء ببلاغها واضافت بان وسيلة التواصل بينها وبين المتهم كانت عن طريق الواتس اب والفيس بوك والانستجرام وانها لاتتذكر عما اذا كانت دارت بينهما احاديث او ارسال صور جنسية من عدمه وان المحادثات بينها وبين المتهم بعضها حذف وبعضها ستقدمه بمعرفة وكيلها وادعت مدنيا بمبلغ 100000 جنيه على سبيل التعويض المدنى المؤقت وقدمت حافظة مستندات طويت على صور ضوئية لمحادثات بينها وبين شقيقة المتهم وكذلك صورة ضوئية من محادثة بينها وبين المتهم مترجمة للاتى

( انا جيت على المكان ده فى الساحل الشمالى وودانى 4 سنين ورا )
والمحكمة لاتطمئن لبلاغ وشهادة المجنى عليها لكونها قد جاءت مرسلة لايساندها دليل بالاوراق حيث انها لم تقدم هاتفها للفحص الفنى وكذلك لتراخيها فى الابلاغ وفقا لما تقدم. وان بلاغها جاء لاحقا لبلاغ المتهم ضدها فى المحضر رقم 50 احوال بتاريخ 1-7-2020 بالادارة العامة لتكنولجيا المعلومات بالاساءة والتشهير بسمعته . كما ان الرسالة المقدمة منها والتى نسبتها للمتهم لايستفاد منها ارتكاب المتهم للتهمة المسندة اليه بالرغم من عدم فحص المستندات المقدمة منها بمعرفة المختصين قانونا. كما ان المحكمة لا تطمئن لشهادة كلا من ******** و********.

أما بشأن ما اثبته محرر محضر ضبط المتهم بمحضره المؤرخ 4-7-2020 من اقرار المتهم تحديدا فى حق كل من المجنى عليهن المثبت اسمائهن بالمحضر الاخير . وكذلك بشأن ما اثبته الاخير بمحضر تحرياته وما شهد به بتحقيقات النيابة العامة من ان المتهم ارسل للمجنى عليها رسائل لمقابلتها لاستئناف العلاقة العاطفية بينهما عبر مواقع التواصل الاجتماعى وذلك لكون تلك التحريات لاتعدو الا ان تكون رأى لمجريها يحتمل الصدق او الكذب
ولا تلزم احد سواة ولا تكفى بمفردها لحمل الاتهام مضافا الى ذلك الى ان ماورد بالتحريات لايتحقق به الركن المادى للجريمة المسندة الى المتهم .

الامر الذى تكون معه الاوراق قد خلت من دليل يقينى معتبر يصلح لادانة المتهم بشأن تلك التهمة ولما كان الحكم المستأنف قد خالف هذا النظر الامر الذى تقضى معه المحكمة والحال كذلك بالغائه والقضاء مجددا ببراءة المتهم مما اسند اليه من اتهام عملا بنص المادة 304 / 1 من قانون الاجراءات الجنائية على نحو ماسيرد به منطوق هذا القضاء.

وحيث انه عن الاتهام المسند للمتهم وهو تعمده مضايقة المجنى عليها ******** بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات، بان اتى الافعال محل التهمة السابقة وأضاف عليها بتكرار اتصاله تليفونيا وتواصله الكترونيا مع المجنى عليها المذكورة دون رضائها ودون مقتضى .

فان المحكمة لم يتبين لها ارتكاب المتهم لتلك التهمة لكون الاوراق قد خلت مما يثبت ارتكابه عمدا اقوال او افعال لمضايقة وازعاج المجنى عليها ولما كانت المحكمة قد انتهت فى قضائها السابق لبراءة المتهم من تهمة تعرضه للمجنى عليها وللاسباب المشار اليها مسبقا.

الامر الذى تنتفى معه اركان تلك التهمة فى حقه ولما كان الحكم المستأنف قد خالف هذا النظر الامر الذى تقضى معه المحكمة والحال كذلك بإلغائه والقضاء مجددا ببراءة المتهم من تلك التهمة عملا بنص المادة 304 / 1 من قانون الاجراءات الجنائية وذلك على نحو ماسيرد بمنطوق هذا القضاء.

فلهذه الاأسباب

حكمت المحكمة / حضورياً: – بقبول الإستئناف شكلاً وفى الموضوع بإلغاء الحكم المستأنف والقضاء مجددا ببراءة المستأنف مما اسند اليه من اتهامات.

أمين السر                                                                                                                                                       رئيس المحكمة



الخميس، 2 أكتوبر 2025

حماية الحياة الخاصة من جرائم الابتزاز الإلكتروني: تعليق على حكم محكمة جنايات أسيوط في ضوء قانون العقوبات وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات

 

مكتب حسام الدين عبد السلام 
المحامي 
لدي محكمة النقض و المحكمة الادارية العليا 
و المحكمة الدستورية العليا 
المقدمة

صدر حكم محكمة جنايات أسيوط برئاسة السيد المستشار/ أحمد أحمد عمران في قضية هزّت الرأي العام المحلي، تتعلق بابتزاز إلكتروني واعتداء على حرمة الحياة الخاصة عبر الإنترنت. وتأتي أهمية هذا الحكم من كونه يكرّس حماية الخصوصية الرقمية، ويوضح كيفية تكييف الجرائم الإلكترونية المستحدثة في ضوء القوانين المصرية، وهو ما يجعله مرجعًا مهمًا في فقه القضاء الجنائي.

عرض موجز للوقائع والإجراءات
     تتحصل الواقعة في أن المتهم، بعد فسخ خطبته بالمجني عليها، أنشأ صفحة وهمية على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" تحت مسمى "فضيحة..."، ونشر عليها صورًا شخصية حصل عليها أثناء فترة الخطبة، كما أرسل تهديدات للمجني عليها وشقيقتها لإجبارها على إعادة الشبكة والهدايا.
   باشرت النيابة التحقيقات وأحالت المتهم إلى محكمة الجنايات، التي استمعت لأقوال الشهود، واطلعت على تقارير الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات، واعتمدت على التحريات والاعتراف الجزئي. دفع الدفاع بكيدية الاتهام وبطلان الاستجواب وعدم جدية التحريات، إلا أن المحكمة رفضت هذه الدفوع.

التكييف القانوني
   اعتبرت المحكمة أن الأفعال المسندة للمتهم تشكل عدة جرائم:
     - تهديد وابتزاز (م 327 عقوبات).
     - انتهاك حرمة الحياة الخاصة (م 309 مكرر عقوبات + م 25 قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات 175/2018).
      - إساءة استعمال وسائل الاتصال (م 70، 76 قانون الاتصالات 10/2003).
      - إنشاء حساب وهمي وانتحال شخصية الغير (م 24 قانون 175/2018).
   وبتطبيق المادة 32 عقوبات، اعتبرت المحكمة هذه الأفعال جريمة واحدة بالعقوبة الأشد لارتباطها بوحدة الغرض.

المبادئ القانونية التي أقرها الحكم
  - امتداد حماية الحياة الخاصة إلى العالم الرقمي: نشر الصور دون رضا المجني عليها انتهاك صريح للخصوصية.
  - تجريم الحسابات الوهمية: انتحال هوية عبر الإنترنت جريمة قائمة بذاتها.
  - الابتزاز الإلكتروني يدخل ضمن التهديد الجنائي: تطبيق نصوص قانون العقوبات على الأفعال الإلكترونية.
  - قيمة الأدلة الرقمية: اعتراف بالتقارير الفنية كعنصر إثبات جوهري.
  - مبدأ وحدة الغرض: اعتبار الجرائم المرتبطة جريمة واحدة بالعقوبة الأشد.
  - استقلال المحكمة في تقدير الأدلة: جدية التحريات مسألة موضوعية تخضع لقناعتها.
  - استعمال الرأفة: النزول بالعقوبة استنادًا للمادة 17 عقوبات.
  - جبر الضرر المدني: إلزام المتهم بالتعويض المؤقت للمجني عليها.

الدروس المستفادة
 - تكامل تشريعي: ضرورة الجمع بين نصوص العقوبات العامة والقوانين الخاصة لمواجهة الجرائم الإلكترونية.
 - رسالة ردع: الابتزاز الإلكتروني خطر اجتماعي يتطلب أحكامًا رادعة، رغم أن العقوبة هنا خُففت للرأفة.
 - أهمية الخبرة الفنية: التحريات الإلكترونية والتقارير الرقمية باتت حجر الأساس في قضايا تكنولوجيا المعلومات.
 - حماية حقوق الضحايا: التعويض المدني المؤقت يرسخ حق المتضررين في جبر الضرر النفسي والاجتماعي.النتيجة والحكم

قضت المحكمة:
 - بحبس المتهم مع الشغل 3 أشهر.
 - مصادرة الجهاز المستخدم ومحو التسجيلات.
 - إلزامه بالمصاريف الجنائية ومبلغ 10001 جنيه تعويضًا مؤقتًا للمجني عليها.

   الحكم يمثل نقلة مهمة في فقه القضاء المصري تجاه الجرائم الإلكترونية، حيث أكد أن الخصوصية الرقمية امتداد طبيعي للحق في الحياة الخاصة، وأن القضاء قادر على استيعاب صور الإجرام المستحدثة من خلال المواءمة بين النصوص العامة والخاصة. ومع ذلك، يثير الحكم تساؤلًا حول مدى كفاية العقوبات المخففة في مواجهة خطورة الابتزاز الإلكتروني، الأمر الذي يستدعي مراجعة السياسة العقابية لتحقيق التوازن بين الردع العام وحماية المجتمع من جهة، ومراعاة ظروف المتهم من جهة أخرى.
--------------

باسم الشعب
محكمة جنايات أسيوط
المشكلة علنا برئاسة السيد المستشار / أحمد احمد عمران رئيس المحكمة
وعضوية السيدين المستشارين / محمود الشربيني محمود الرئيس بالمحكمة
محمد سيف النص محمد نائب الرئيس /
المستشارين بمحكمة استئناف أسيوط
والســــــيد / محمود محمود امين وكيل النيابة
والســــــيد / محمد فاروق هاشم أمين السر
أصدرت الحكم اﻷتي
في قضية النيابة العامة رقم 25815 لسنة 2019 ج ديروط والمقيدة برقم 6103 لسنة 2019 ك شمال أسيوط
ضــــــد
**********

لم يحضر المتهم وحضر عنه محاميان بتوكلات خاصه
وحضر للدفاع عن المتهم
خاصه مودعه
وحضر للدفاع عن المدعيين بالحق المدني اﻷستاذ /********المحامي الموكل
-:بعد تلاوة أمر الإحالة وسماع طلبات النيابة العامة واإطلاع علي الأوراق والمرافعة الشفوية والمداولة قانونا
حيث تهمت النيابة العامة المذكور بعالية الوصف الوارد بأمر اﻹحالة
و طلبت معاقبته بالمواد الواردة بأمر الإحالة
وبجالسات المحاكمة نظرت الدعوي علي الوجه المبين تفصيلا بمحضر الجلسة

” المحكمــــة “

بعد تلاوة أمر اﻹحالة وسماع طلبات النيابة العامة ودفاع المتهم وسماع المرافعة الشفوية والاطلاع علي اﻷوراق والمداولة قانوناً من حيث أن الواقعة حسبما استقر في يقين المحكمة و اطمأن إليه ضميرها و ارتاح له وجدانها مستخلصة من سائر أوراق الدعوي و ما تم فيها من تحقيقات ودار بشأنها بجلسات المحاكمة تتحصل في أن المجني عليها كانت تربطها بالمتهم علاقة خطبة استمرت بينهما لمدة قاربت العشرة أشهر ثم انفصمت عراها في غضون شهر يونيو 2019 , و علي أثر حدوث خلاف فيما بين الطرفين حول استرداد الشبكة قام المتهم بتاريخ 2019/8/20 بإنشاء صفحة علي موقع التواصل الاجتماعي (فيس بوك ) أسمها (فضيحة *** ) و استغل بعض الصور الشخصية التي كانت المجني عليها قد أرسلتها له إبان فترة الخطبة و كذا صور أخري نقلها من المجني عليها بأن وضعها علي تلك الصفحة , و قام بإرسالها الدعوي شقيقة المجني عليها مهدداً إياها باستمرار في نشر تلك الصور مالم تمتثل المجني عليها لطلبه في رد الشبكة و الهدايا التي كان قد قدمها لها إبان فترة الخطبة

وحيث أن الواقعة علي النحو المتقدم قد استقام الدليل علي ثبوتها و صحة إسنادها للمتهم مما شهد به بتحقيقات النيابة العامة كل من/ ****** المقدم ***********

رئيس مباحث فرع شمال الصعيد لتكنولوجيا المعلومات , و ما ثبت بتقرير الفحص الفني للإدارة العامة لتكنولوجيا  المعلومات

فقد شهدت ******** بأنها كانت تربطها بالمتهم علاقة خطبة استمرت بينهما لمدة عشرة أشهر تقريباً ثم انفصمت في غضون شهر يونيو 2019 , وحاول المتهم استعادة تلك العلاقة دون جدوي . و عقب ذلك بحوالي شهر ونصف قام المتهم بإنشاء صفحة علي موقع التواصل الاجتماعي (فيس بوك ) أسمها (فضيحة ***** ) و استغل بعض الصور الشخصية التي كانت المجني عليها قد أرسلتها له إبان فترة الخطبة و صور أخريتحصل ليها من هاتفها بعد أن سلمته إياه ﻹصلاحه بأن قام بنشرها علي تلك الصفحة , و قام بإرسال طلبات إضافة لتللك الصفحة إلي معارفها و أقربائها للإضرار بسمعتها

و شهدت ********** بأنها فوجئت بإرسال طلب صداقة لها من إحدي الصفحات بموقع التواصل الاجتماعي (فيس بوك) تحمل اسم (فضيحة ********* ) و محمل علي تلك الصفحة صور شخصية لها ولشقيقتها الشاهدة الأولي ولوالدتهما , وقام المتهم بتهديدها بفضح شقيقتها

و شهد المقدم ************ بأنه علي أثر إبلاغ المجني عليها بالواقعة أجري تحرياته السرية بشأنها و التي أسفرت عن أن المتهم كانت تربطه علاقة خطبة بالمجني عليها و إنفصمت تلك العلاقة علي أثر خلافات دبت فيما بينهما , فقام المتهم علي أثر ذلك بإنشاء صفحة علي موقع التواصل الاجتماعي باسم فضيحة ******* , وضع به صوراً خاصة للمجني عليها وشقيقتها , وقام بإرسال عبارات تهديد للأخيرة . وأضاف أنه نفاذاً ﻹذن النيابة العامة بضبط المتهم و تفتيش مسكنه و اﻷجهزة المتواجدة به فقد انتقل إلي مسكنه الكائن بناحية ساو التابعة لمركز شرطة ديروط و تمكن من ضبطه و بمواجهته أقر بارتكابه للواقعة لامتناع المجني عليها عن رد الشبكة و هدايا أخري بلغت قيمتها مائة وعشرين ألف جنيه

و ثبت بتقرير الفحص الفني للإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات
بتتبع الرقم التعريفي للحساب محل البلاغ تبين أنه مرتبط بخط التليفون الأرضي **** باسم *******(والد المتهم ) , وأن المتهم هو مستخدم خدمة الانترنت بفحص الحساب المسمي (فضيحة ***** ) بعد أن قدم المتهم كلمة السر له تم العثور علي لرسائل المرسلة للشاهدة الثانية متضمنة التهديد بنشر صور المجني عليها إذا لم تقم بإرجاع بعض الأشياء

و حيث استوجبت النيابة العامة المتهم فاعتصم باﻷنكار، وبجلسات المحكمة مثل بوكيل عنه محام بموجب توكيل خاص , و التمس الدفاع الحاضر عنه القضاء ببراءته تأسيساً علي خلو اﻷوراق من دليل يقيني علي ارتكابه للواقعة , و عدم جدية التحريات , وكيدية الاتهام وتلفيقه , وقدم مذكرة بدفاعه وثلاث حوافظ مستندات طالعتهم المحكمة . و بجلسة 2020/9/12 قررت المحكمة حجز الدعوي للحكم ليصدر فيها بجلسة 2020/11/9 و بالجلسة الأخيرة قررت المحكمة إعادة الدعوي للمرافعة بجلسة 2021/1/10 لتغير تشكيل الدائرة و بجلسة 2021/1/10 مثل المتهم بوكيل عنه محام بموجب توكيل خاص ,كما مثلت كل من بوكيل عنهما محام , وادعيتا مدنياً قبل المتهم بمبلغ عشرة آلاف وواحد جنيه علي سبيل التعويض المدني المؤقت , و سددتا رسم الدعوي المدنية , والتمس الدفاع الحاضر عن المتهم القضاء ببراءته تأسيساً علي بطلان اجراء استجواب شاهد الإثبات الثالث للمتهم لمخالفته نص المادة 124 من قانون الإجراءات الجنائية و المادة 54 / 3,2 من دستور جمهورية مصر العربية الصادر عام 2014 , وخلو اﻷوراق من دليل يقيني علي ارتكاب المتهم للواقعة , و عدم جدية التحريات , و كيدية الاتهام وتلفيفه , و قدم مذكرة بدفاعه طالعتها المحكمة . وبذات الجلسة قررت المحكمة حجز الدعوي للحكم ليصدر فيها بجلسة
. اليوم

وحيث أنه عن الدفع ببطلان استجواب الشاهد الثالث للمتهم فمن المقرر بنص المادة 1/29 من قانون الإجراءات الجنائية أن ” لمأموري الضبط القضائي أثناء جمع الاستدلالات أن يسمعوا أقوال من يكون لديهم معلومات عن الوقائعمنها الجنائية ومرتكبيها , وأن يسألوا المتهم عن ذلك , ولهم أن يستعينوا بالأطباء وغيرهم من أهل الخبرة ويطلبوا رأيهم شفهياً أو بالكتابة ” كما أنه من المقرر قانوناً أن لمأمور الضبط القضائي أن يسأل المتهم عن التهمة المسندة إليه وأن يثبت في محضره مايجيب به المتهم بما في ذلك اعترافه بالتهمة و يكون هذا المحضر عنصراّ من عناصر الدعوي للمحكمة أن تستند إلي ما ورد به مادام قد عرض مع باقي أوراق الدعوي , علي بساط البحث في الجلسة ولها أن تعول علي ما تضمنه محضر جمع الاستدلالات من اعتراف مادامت قد اطمأنت إليه . وكان ما قام به الشاهد الثالث حال ضبط المتهم

لا يعدو سؤالاً للمتهم عما نسب إليه وما أسفرت عنه التحريات , دون أن يتعدي ذلك إلي استجوابه وفقاً للمفهوم القانوني للاستجواب , فمن ثم يضحي ذلك الدفع علي غير سند تطرحه المحكمة

و عن الدفع بعدم جدية التحريات , فمن المقرر قانوناً أن تقدير جدية التحريات م المسائل الموضوعية التي يوكل اﻷمر فيها لمحكمة الموضوع , وللمحكمة متي اقتنعت بسلامة هذه التحريات وصحتها أن تعول في تكوين عقيدتها علي ما جاء بها باعتبارها معززة لما ساقته من أدلة . و كانت المحكمة تطمئن إلي جدية التحريات التي أجراها المقدم حازم طه عبدالعزيز لما بان لها من كونها متفقة مع وقائع الدعوي وماديتها حسبما استخلصتها المحكمة , وعنت شخص المتهم وجاءت كافية , فمن ثم يضحي ذلك الدفع علي غير سند خليقاً بالرفض

وحيث أن المحكمة وقد اطمأنتﻷدلة الثبوت في الدعوي , فإنها تلتفت عما أثاره دفاع المتهم من أوجه دفاع موضوعية أخري ما قصد بها إلا التشكيك في أدلة الدعوي التي اطنأنت إليها المحكمة

:وبناء علي ما تقدم , يكون قد وقر في وجدان المحكمة ويقينها أن المتهم ***************
في يوم 2019/8/20 بدائرة مركز ****8 – محافظة أسيوط
أذاع واستعمل الصور الشخصية الخاصة بالمجني عليها ********* , وكان ذلك بإنشاء صفحة علي موقع التواصل الاجتماعي (فيس بوك ) ونشر تلك الصور عليه , و إرسالها لشقيقتها ******* عن طريق موقع التواصل الاجتماعي (الماسنجر) بغير رضاء المجني عليها , وصاحب ذلك الاستعمال للصور تهديد كتابي بإفشائها و نشر المزيذ ﻹرغام  المجني عليها وحملها علي إعادة المشغولات الذهبية والهدايا التي كان قد قدمها إليها أثناء خطبتهما

.نقل صوراً شخصية للمجني عليها *********** في مكان خاص إلي هاتفه المحمول علي النحو المبين باﻷوراق

.تعمد إزعاج المجني عليهما ************ بإساءة استعمال أجهزة الاتصال

اصطنع حساباً خاصاً علي موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك زوراً للمجني عليها ****** حيث أسماه فضيحة ***** و ******** استخدم ذلك الحساب الخاص المصطنع في أمر يسيئ للمجني عليها وهو نشر صورها الشخصية عليه , والتهديد بنشر المزيد من الصور عليه

انتهك حرمة الحياة الخاصة للمجني عليها ******, و أرسل إليها العديد من الرسائل الإلكترونية دون موافقتها , و ذلك بأن أرسل إليها عبارات تعديد وصور خاصة بشقيقتها ***********منتهكاً ذلك خصوصيتهما دون رضاها

الأمر الذي يتعين معه إدانتع عملاً بالمادة 2/304 من قانون الإجراءات الجنائية , وعاقبته بالمواد 309 مكرر /1بند (ب)40 , 309 مكرر (أ) / 4,2,1 . 1/327 من قانون العقوبات , والمواد 70 , 2/76 من القانون 10 لسنة ئ 2003 . والمادتين 24 /1,2 , 25 من القانون 175 لسنة 2018

و حيث أن الجرائم المسندة إلي المتهم قد وقعت لغرض إجرامي واحد , وارتبطت ببعضها ارتباطاً لا يقبل التجزئة , فمن ثم تعين اعتبارها جريمة واحدة , والقضاء بالعقوبة المقررة ﻷشدها وهي الجريمة الواردة بالوصف رقم (1) عملاً بنص
. المادة 2/32 من قانون الإجراءات الجنائية

وحيث أنه بالنظر لظروف الواقعة فإن المحكمة تأخذ المتهم بقسط من الرأفة عملاً بالحق المخول لها بنص المادة 17 من
. قانون العقوبات , ومن ثم تنزل بالعقوبة إلي القدر الوارد بالمنطوق

. وحيث أنه عن المصاريف الجنائية , فالمحكمة تلزم بها المتهم عملاً بالمادة 313 إجراءات جنائية

وحيث أنه عن الدعوي المدنية التبعية , فلما كانت المحكمة قد انتهت إلي القضاء بإدانة المتهم , وكان من مؤدي ذلك ثبوت ركن الخطأ في جانبه وقد ترتب علي ذلك الخطأ ضرراً حاق بالمدعيتين بالحق المدني , وارتبط ذلك الضرر بخطأ المتهم برابطة السببية , فمن ثم تقضي المحكمة بإلزام المتهم بأن يؤدي للمدعيتين بالحق المدني مبلغ التعويض المدني
. المطالب به عملاُ بنص المادة 1/309 من قانون الإجراءات الجنائية

و حيث أنه عن مصاريف الدعوي المدنية شاملاً مقابل أتعاب المحاماة , فالمحكمة تلزم بها المتهم عملاً بنص المادتين 1/320 من قانون الإجراءات الجنائية , 1/187 من قانون المحاماة رقم 17 لسنة 1983 المستبدلة بالقانون 10 لسنة 2002

فلهذة الاسباب

-:وبعد الاطلاع علي المواد سالفة الذكر

حكمت المحكمة حضوريا بمعاقبة ********* بالحبس مع الشغل لمدة ثلاثة اشهر عما اسند اليه ومصادرة الجهاز المضبوط ومحو التسجيلات المتحصلة عن الجريمه والزمته بالمصاريف الجنائية وبان يؤدي للمدعيتين بالحق المدني مبلغ عشرة الاف وواحد من الجنيهات علي سبيل التعويض المدني المؤقت والزمته بمصاريف الدعوي  الجنائية ومبلغ مائة جنيه مقابل اتعاب المحاماه

صدر هذا الحكم وتلي علناً بجلسة اليوم الاثنين 24 رجب لسنة 1442 هـ الموافق 8 مارس 2021 م

 اللهم أجعل هذا العمل في ميزان حسناتنا.

الأحد، 28 سبتمبر 2025

براءة باليقين لا بالظن: قراءة تلسكوبية في حكم التمويل الاستهلاكي

 براءة باليقين لا بالظن: قراءة تلسكوبية في حكم التمويل الاستهلاكي                 

مكتب حسام الدين عبد السلام 
المحامي 
لدي محكمة النقض و المحكمة الادارية العليا 
و المحكمة الدستورية العليا 
في عالم يزداد فيه الاعتماد على التمويل الاستهلاكي كوسيلة لتيسير حياة الأفراد ودعم الأسواق، تبرز النزاعات القانونية كاختبار حقيقي لمدى صلابة هذا النظام. الحكم الصادر عن محكمة القاهرة الاقتصادية في فبراير 2024 لم يكن مجرد براءة عابرة لمتهم، بل كان بمثابة رسالة عميقة تحمل دلالات أبعد من حدود هذه القضية. وعبر عدسة التفكير التليسكوبي، يمكن أن نقرأ هذا الحكم على أكثر من مستوى: من الوقائع المباشرة إلى الإطار القانوني، ومن الدروس الاجتماعية إلى الإشارات الاستراتيجية لمستقبل التمويل الاستهلاكي في مصر.تحليل الحكم بمنطق التفكير التليسكوبي (التدرج من القريب إلى البعيد):

* المستوى الأول (المدى القريب – الوقائع المباشرة):
 
     النيابة العامة أسندت للمتهم تهمة الغش والتدليس للامتناع عن سداد التزاماته بموجب عقد تمويل استهلاكي. المستند الأساسي هو محضر جمع الاستدلالات وتوكيل عن الشركة المجني عليها. لم يقدم أمام المحكمة دليل يقيني على واقعة شراء سلعة أو تقسيط أو الامتناع عن السداد. المتهم لم يحضر رغم إعلانه، ومع ذلك لا يمنع ذلك المحكمة من بحث الدليل. النتيجة: المحكمة لم تطمئن إلى صحة الاتهام فقضت بالبراءة غيابياً.

* المستوى الثاني (المدى المتوسط – البنية القانونية والإجرائية):
  
    المحكمة استندت إلى مواد: المادة 302 إجراءات جنائية: حرية القاضي في تكوين عقيدته. المادة 304/1 إجراءات جنائية: البراءة إذا لم تثبت الواقعة أو لم يكن هناك نص يجرمها. استشهدت المحكمة بأحكام النقض (1979، 1966، 1997، 1992) لترسيخ قاعدة: الحكم الجنائي يبنى على اليقين لا الظن. الأصل هو الشك يفسر لصالح المتهم. توازن الأدلة: أدلة النيابة = أقوال مرسلة، أدلة النفي = فراغ، لكن الشك لصالح المتهم.

* المستوى الثالث (المدى البعيد – الأبعاد الفكرية والاجتماعية):
   
   القضية تكشف ثغرة في نظام التمويل الاستهلاكي: الاعتماد الزائد على محاضر إدارية دون مستندات مالية أو سجلات دقيقة. الشركات الممولة بحاجة لتوثيق التعاملات إلكترونيًا وسجلات سداد/تعثر واضحة.

   التفكير التلسكوبي يكشف أن: هذا الحكم قد يكون له أثر على مستقبل التقاضي في قضايا التمويل الاستهلاكي: المحاكم لن تقضي إلا بأدلة مالية موضوعية (فواتير، إيصالات، كشوف حساب). على المشرّع أو الجهات الرقابية إعادة النظر في آليات الإثبات بهذه العقود.

* المستوى الرابع (المدى الاستراتيجي – الرسالة العامة):
 
     رسالة القضاء: العدالة لا تُبنى على الشكوك أو أقوال مرسلة. رسالة للمجتمع: ضرورة توثيق المعاملات المالية بوسائل رسمية لتفادي النزاعات. رسالة للشركات: توثيق العلاقة التعاقدية ليس ترفًا، بل شرط لحماية الحقوق. رسالة للمتهمين: مجرد الاتهام لا يكفي، اليقين هو الفيصل.

المبادئ القانونية المستخلصة من الحكم

1- حرية القاضي الجنائي في تكوين عقيدته، القاضي يحكم وفق العقيدة التي تتكون لديه بكامل حريته من الأدلة المطروحة في الجلسة.المصدر: المادة 302 إجراءات جنائية (المعدل بالقانون 37 لسنة 1972).

2- وجوب البراءة عند غياب الدليل أو النص،إذا كانت الواقعة غير ثابتة أو لم يجرمها القانون، تقضي المحكمة بالبراءة. المصدر: المادة 304/1 إجراءات جنائية.

3- عدم إلزام القاضي ببيان الواقعة في حكم البراءة، القاضي غير ملزم ببيان الواقعة أو الإشارة إلى النصوص القانونية إذا قضى بالبراءة ورفض الدعوى المدنية.المصدر: طعن 951 لسنة 49 ق – جلسة 3/12/1979.

4- الأصل في المحاكمات الجنائية هو اقتناع القاضي،لا يجوز إلزام القاضي بالأخذ بدليل بعينه إلا إذا قيده القانون صراحة. المصدر: طعن 1318 لسنة 36 ق – جلسة 5/12/1966.

5- الأحكام الجنائية تُبنى على الجزم واليقين، لا يجوز أن تُبنى الأحكام على الظن أو الاحتمال أو اعتبارات مجردة. المصدر: طعن 515 لسنة 46 ق – جلسة 6/2/1997.

6- البراءة واجبة عند الشك أو عدم كفاية الأدلة، إذا تشككت المحكمة في صحة التهمة أو لم تجد أدلة كافية، فالبراءة هي الحكم العادل.المصدر: طعن 6831 لسنة 59 ق – جلسة 16/11/1992.

 الخلاصة التلسكوبية:
   الحكم يظهر أن المدى القريب (غياب الأدلة) أدى إلى البراءة، لكن في المدى البعيد يفتح النقاش حول إصلاح التشريعات ونظم الإثبات في التمويل الاستهلاكي. إذن: القرار القضائي هنا ليس فقط براءة فرد، بل تنبيه تشريعي ومؤسسي لمجال اقتصادي كامل.
______________
باسم الشعب
محكمة القاهرة الاقتصادية
الدائرة الثالثة جنح اقتصادية
حكـم
بجلسة الجنح المنعقدة علنا بسراى المحكمة صباح يوم الثلاثاء الموافق 2024/2/2
برئاسة السيد اﻷستاذ /ابراهــيم صالــح رئـــيس المحكمــــــة
وعضوية اﻷستاذ الدكتور /نائــل غانـــم رئيــــس محكــــمة
وعضوية اﻷستـــاذ /علي عــــواد رئيــــس محكــــمة
وعضوية اﻷستـــاذ / إيهاب أبو حســاب وكـــــيل النـــيابـة
و بحضـور السيـــــد / عماد رمضــان أمـــــــين الســــر
((في الجنحة رقم 630 لسنة 2024 جنح اقتصادية القاهرة ))
ضـــــد
• ………متهم
((((( المحكمة )))))

-:بعد ومطالعة الأوراق و المداولة قانونا
……. /حيث أسندت النيابة العامة للمتهم، لانه في تاريخ 2022/3/17 وبتاريخ لاحق عليه بدائرة قسم شرطة الزيتون محافظة القاهرة استخدم الغش والتدليس في سبيل الامتناع عن تنفيذ التزاماته المالية المقررة بموجب عقد تمويل المبرم وفقا لأحكام القانون مع إحدى جهات التمويل الاستهلاكى وهي شركة حالا للتمويل الاستهلاكى وذلك علي النحو المبين بالأوراق وطالبة عقابه بالمواد 10 ، 28 مكرر/1 من القانون رقم 18 لسنة 2020 المعدل بالقانون 158 لسنة 2022 بشأن قانون تنظيم نشاط التمويل الاستهلاكي.
حيث تخلص الواقعة فيما جاء بمحضر جمع الاستدلالات المؤرخ في 2023/12/12 المحرر بمعرفة/….. بصفته وكيلا عن شركة حالا للتمويل الاستهلاكى بموجب التوكيل الرسمي رقم ۱۱۰۹۸/ أ لسنة ۲۰۲۳ توثيق العبور لتضرره شركته من…… لحصوله علي تمويل مالي بمبلغ اربعة وعشرون ألف جنيها وامتنع عن تنفيذ التزاماته المالية وقدم صورة ضوئية
 من عقد التمويل سندا لذلك و حيث قدمت نيابة الشئون الاقتصادية و غسل الأموال الأوراق للمحكمة الراهنة و تداولت الجنحة بالجلسات وفقا لما هو ثابت بمحاضر الجلسات لم يمثل خلالها المتهم بشخصهما و بوكيل عنه قانونا رغم اعلانه الامر الذي يجوز الحكم في غيبته عملًا بنص المادة 1/238 من قانون الإجراءات الجنائية فقررت المحكمة حجز الدعوي لجلسة اليوم.
وحيث إنه عن موضوع الجنحة فانه ولما كان من المقرر قانوناً بنص المادة ۳۰۲ من قانون الإجراءات الجنائية المعدلة
القانون رقم 37 لسنة 1972 أن يحكم القاضى في الدعوى حسب العقيدة التى تكونت لديه بكامل حريته ، ومع ذلك لا يجوز له أن يبنى حكمه على أى دليل لم يطرح أمامه في الجلسة كان من المقرر قانوناً بنص المادة 304 / 1 من قانون الإجراءات الجنائية انه ” إذا كانت الواقعة غير ثابتة أو كان“القانون لا يعاقب عليها ، تحكم المحكمة ببراءة المتهم ويفرج عنه إن كان محبوساً من أجل هذه الواقعة وحدها ومن المقرر بقضاء النقض على انه ” إن القاضي الجنائي عملا بمفهوم المادة 310 من قانون الإجراءات الجنائية ، ملزما قانونا بيان الواقعة الجنائية التي قضى فيها بالبراءة كما انه غير ملزم ببيانها إذا قضى بالبراءة ورفض دعوى التعويض المقامة من المدعى المدني وحسبه أن يكون حكمة مسببا كافيا وممتنعا كما أن هذه المادة لا توجب الإشارةإلى نص مادة القانون الذي حكم بموجبه إلا في الحكم بالإدانة – فإذا كان الحكم قد صدر بالبراءة ورفض الدعوى المدنية فانه لا يلزم بطبيعة الحال الإشارة إلى مواد الاتهام (طعن 951 لسنة 49 ق جلسة 1979/12/3)
ومن المقرر ايضا “والأصل في المحاكمات الجنائية هي باقتناع القاضي بناءا على الأدلة المطروحة عليه بإدانة المتهم أو
” ببراءته ولا يصح مطالبته بالأخذ بدليل بعينه أو بقرينه خاصة فيما عدا الأحوال التي قيده فيها القانون( طعن رقم 1318 لسنة 36 ق جلسة 1966/12/5 )
وحيث إنه من المستقر عليه بقضاء النقض أنه ” من المقرر أن الأحكام الجنائية تبني علي الجزم واليقين من الواقع
“الذي يثبته الدليل المعتبر ولا تؤسس علي الظن والاحتمال من الفروض والاعتبارات المجردة
( الطعن رقم 515 لسنة 46 ق – جلسة 1997/2/6 )
ومن المقرر ايضا أن ” لمحكمة الموضوع أن تقضى بالبراءة متى تشككت في صحة إسناد التهمة إلى المتهم أو لعدم
“كفاية أدلة الثبوت عليه( الطعن رقم 6831 سنة 59 تاريخ الجلسة 16 /11 /1992 )
وحيث إنه ولما كان ما تقدم وترتيبا عليه وكانت المحكمة قد طالعت أوراق الدعوى عن بصر وبصيرة وأحاطت بظروفها وبأدلة الثبوت التي قام عليها الاتهام ووازنت بينها وبين أدلة النفي فداخلها الريبة في صحة عناصر الإثبات ولم تطمئن اليها، أية ذلك ان الأوراق جاءت خالية من ثمة دليل يقيني يمكن للمحكمة الوقوف عليه للتأكد من صحة ما تدعيه الشركة المجني عليها سوي ما جاء بمحضر جمع الاستدلالات بأقوال وكيل الشركة من اقوال مرسلة غير مدعمه دليل لا سيما انه لا يوجد بالاوراق ما يفيد القيام بشراء ثمة سلع أو ثمة اقساط مستحقة وكذا ما يفيد الامتناع عن السداد لتلك الاقساط ولما كانت الاحكام الجنائية تبني علي الجزم واليقين لا الشك والتخمين وهو الأمر الذي تتشكك معه المحكمة في صحة إسناد التهمة المسندة للمتهم وهو ما تقضي معه ببراءته مما نسب إليه من إتهام عملاً بنص المادة 1/304. من قانون الإجراءات الجنائية علي النحو الذي سيرد بالمنطوق

فلــــــهذه الأسبــــاب
حكمت المحكمة غيابيا / ببراءة المتهم من الاتهام المنسوب إليهم

الأربعاء، 24 سبتمبر 2025

تنازع النفس بين المبادئ والوضع الراهن: معالجة بمنطق التفكير التلسكوبي

                            تنازع النفس بين المبادئ والوضع الراهن: معالجة بمنطق التفكير التلسكوبي

   مواقف حياتية أعيشها يومياً أحب أن أشارك القارئ بها للعبرة و الأستفادة لواقع نعايشه ، و أغلب ظنى أنه يلمس كبد الحقيقة ،بادئ ذي بدء يعيش الإنسان في رحلته الوجودية صراعًا داخليًا متكررًا، يتأرجح فيه بين المبادئ التي تمثل الثبات على الحق، والضمير الحي، والالتزام بالقيم، وبين الوضع الراهن الذي يفرض نفسه بمصالحه العاجلة وضغوطه الواقعية ومكاسبه السريعة. هذا الصراع ليس عارضًا ولا طارئًا، بل هو جزء من طبيعة الحياة الإنسانية، إذ خلق الله الإنسان ليُبتلى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ) (البلد: 4).
  
  من هنا، فإن التعامل مع هذا التنازع يتطلب عقلية واسعة المدى، لا تكتفي بالنظر إلى اللحظة الراهنة، بل تستعمل ما يمكن أن نطلق عليه التفكير التلسكوبي: أي التفكير الذي يمدّ البصر إلى المدى البعيد، ليكشف العواقب الكامنة خلف المظاهر المؤقتة.
---
أولًا: طبيعة التنازع بين المبادئ والوضع الراهن
   1- المبادئ: المبادئ تمثل القيم الكبرى التي يرتكز عليها الإنسان: الصدق، الأمانة، العدل، الحرية، الكرامة، والإيمان. التمسك بها يعني في الغالب مواجهة صعوبات أولية: ضغوط اجتماعية، خسائر مالية، حرمان من فرص عاجلة. لكنها تمنح صاحبها راحة ضمير، وثبات نفس، وقوة في المدى البعيد.
2- الوضع الراهن: الوضع الراهن يميل إلى تقديم حلول سريعة ومكاسب آنية، لكنه مشروط بالتنازل أو الانحناء للظروف. قد يبدو الانصياع له مريحًا أو رابحًا في لحظته، لكنه في جوهره انتصار وقتي وزائف، سرعان ما يعقبه ندم أو انكسار داخلي.

ثانيًا: التفكير التلسكوبي كمنهج للمعالجة
   التفكير التلسكوبي يعني تجاوز حدود اللحظة الراهنة، والنظر إلى النتائج على المدى المتوسط والبعيد. في المدى القريب: قد يبدو الموقف المبدئي خاسرًا، وقد يظهر الواقع هو الغالب. في المدى البعيد: يتضح أن الواقع الراهن يتلاشى، بينما المبادئ تصمد وتبني التاريخ.مثال قرآني: يوسف عليه السلام ،عاش يوسف عليه السلام هذا الصراع بجلاء. حين دعته امرأة العزيز للفاحشة، كان الوضع الراهن مغريًا: مكاسب عاجلة من جاه ومتعة وسلطة. لكنه اختار المبادئ قائلاً: (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) (يوسف: 33). فبدا خاسرًا في اللحظة، لكنه ربح العاقبة: خرج من السجن عزيزًا على مصر، وأصبح رمزًا للعفة والصبر، وبقي أثره خالدًا.

   مثال من التاريخ الإسلامي: الإمام أحمد بن حنبل،  في محنة القول بخلق القرآن، تعرض الإمام أحمد لضغوط رهيبة من السلطة، وكان الوضع الراهن يفرض الانصياع. لكنه ثبت على مبدئه، فدخل السجن وتعرض للجلد. النتيجة التلسكوبية: بقي الإمام أحمد رمزًا للثبات، وأصبح لقبه "إمام أهل السنة"، بينما ذاب ذكر من أرادوا إكراهه.

   مثال عالمي معاصر: نيلسون مانديلاـ، في جنوب أفريقيا، خُيّر مانديلا بين الحرية مقابل التخلي عن مبدأ مقاومة الفصل العنصري، أو السجن الطويل. اختار المبادئ، فقضى 27 عامًا خلف القضبان، لكنه خرج ليصبح رئيسًا، وقاد بلاده إلى الحرية.

ثالثًا: عواقب الانحياز لكل خيار
   1- الانصياع للوضع الراهن:  مكاسب عاجلة (مال، منصب، راحة).  لكنه يعقبه: فقدان الثقة، كسر الضمير، محو الاسم من ذاكرة التاريخ.
2- الثبات على المبادئ: صبر ومعاناة أولية.  لكن النتيجة: احترام الناس، خلود الاسم، وطمأنينة النفس. قال تعالى: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) (الرعد: 17). الوضع الراهن هو "الزبد"، أما المبادئ فهي ما "يمكث في الأرض".

رابعًا: البعد النفسي والروحي للتفكير التلسكوبي
    النفس الأمارة: تميل إلى إغراء اللحظة الراهنة ومكاسبها. النفس اللوامة: توقظ صاحبها حين يرى آثار تنازله. النفس المطمئنة: هي التي تختار المبادئ وتدرك عاقبتها، فتحيا بالطمأنينة. القرآن يقدم هذا التدرج النفسي كرحلة، ويشير إلى أن الفوز هو لنفسٍ التزمت المبدأ: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً) (الفجر: 27-28).

خامسًا: اقتباسات ملهمة
  -"قد ينتصر الواقعُ اليوم، لكن الغدَ للمبادئ؛ فالثبات يكتب التاريخ، والتنازل يكتب الندم." "أيهما تفضّل أن يغلب في حياتك: مكاسب عاجلة تزول مع الزمن، أم مبدأ ثابت يخلّد اسمك وضميرك؟"،  "الوضع الراهن يموت في يومه، أما المبدأ فيحيا بأهله عبر الأزمان."

سادسًا: نحو معادلة تلخص الصراع
   يمكن اختصار هذا التنازع في معادلة تلسكوبية: انصياع للوضع الراهن  فمكاسب عاجلة ثم ندم وانكسار ثم خسارة في الدنيا والآخرة. ثبات على المبادئ فصبر وتضحيات  فاحترام وطمأنينة ثم خلود ورفعة.
 
   إن التنازع بين المبادئ والوضع الراهن سنة من سنن الحياة، وهو المحك الذي يختبر به الله ضمائر عباده. التفكير التلسكوبي يكشف أن المكاسب العاجلة للوضع الراهن سراب، بينما المبادئ هي الحقيقة الباقية. يوسف عليه السلام، الإمام أحمد، ومانديلا وغيرهم شواهد حية على أن المبدأ قد يخسر الجولة الأولى، لكنه ينتصر في النزال الأخير.
 سؤال للقارئ:
   إذا كان التاريخ والآخرة كلاهما يشهدان بأن المبادئ هي الباقية، فهل ترضى أن تكون أسير اللحظة الراهنة، أم صانعًا لمستقبل خالده بالثبات على المبدأ؟
و الى الله ترجع الأمور

القراءة بين الإجبار والاختيار: رؤية قرآنية وحضارية

 القراءة بين الإجبار والاختيار: رؤية قرآنية وحضارية

   ليس من المصادفة أن يكون أول فعل أمر نزل في القرآن الكريم هو: ﴿اقْرَأْ﴾ (العلق: 1). فقد أراد الوحي أن يؤسس منذ اللحظة الأولى لمعنى محوري: أن القراءة والعلم هما مفتاح الإنسان للكرامة والاستخلاف وبناء الحضارة. فالقراءة لم تأتِ في النص القرآني كتوجيه ثقافي عابر، بل كمنهج حياة وقانون حضارة، من أخذ به ارتفع، ومن أعرض عنه تراجع.

أولًا: التأصيل القرآني للقراءة

    أول أمر في الوحي: جاء الأمر الإلهي بالقراءة مرتبطًا باسم الله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، ليؤكد أن المعرفة الحقيقية لا تنفصل عن الإيمان، وأن العلم يجب أن يكون منضبطًا بالقيم الإلهية.

  تكريم آدم بالعلم: قال تعالى:﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (البقرة: 31).فالعلم كان هو الفارق بين آدم والملائكة، وبه استحق مقام الاستخلاف.

  الارتقاء بالعلم: نصت الآية الكريمة:﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة: 11)، فبيّنت أن التفاضل بين البشر مرهون بالعلم، لا بالنسب ولا بالمال.

 حرية الاختيار: رغم الأمر الإلهي، أقرّ القرآن قاعدة عامة: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة: 256). فالقراءة لا تُثمر بالإجبار، وإنما تتحقق بالوعي والاقتناع.

ثانيًا: القراءة بين الإجبار والاختيار

  الإجبار: قد يُجبر الإنسان على الجلوس في قاعة درس أو حمل كتاب، لكن هذه صورة ظاهرية لا تُنتج معرفة حقيقية. الاختيار: القراءة المثمرة هي التي تنبع من إرادة داخلية ورغبة صادقة في التعلم والفهم، وهو ما يؤسس للعقل الناقد والمجتمع الواعي.

ثالثًا: القراءة وصناعة النهضة عبر التاريخ

1- في الحضارات القديمة

  الإسلامية: جعل المسلمون الأوائل القراءة أساسًا لحضارتهم، فأنشؤوا المكتبات الكبرى (بيت الحكمة ببغداد، دار العلم بالقاهرة)، وقادوا العالم في الطب والفلك والرياضيات والفلسفة.

  اليونان والرومان: ورثوا علوم الفلسفة والسياسة والقانون عبر القراءة والترجمة.

  الصينيون: ابتكروا الورق والطباعة، فساهموا في نشر المعرفة وحماية حضارتهم.

2- في العصر الحديث

  أوروبا: نهضت من عصور الظلام بفضل الطباعة وانتشار القراءة، فدخلت عصر النهضة.

  اليابان: بعد القرن التاسع عشر، جعلت التعليم إلزاميًا، فتحولت خلال عقود إلى قوة صناعية كبرى.

 كوريا الجنوبية: بعد الحرب الكورية (1950م) انتقلت من الفقر المدقع إلى مصاف الدول المتقدمة بفضل محو الأمية وتبني القراءة.

رابعًا: دراسات حالة (Case Studies)

  اليابان: بعد دمار الحرب العالمية الثانية، وضعت خطة إلزامية للتعليم، فارتفعت نسبة القراءة، وتحولت سريعًا إلى دولة صناعية رائدة.

 كوريا الجنوبية: استثمرت في التعليم، واعتبرت القراءة أساس النهضة، حتى أصبحت من أكثر الدول استثمارًا في البحث العلمي.

  سنغافورة: بلا موارد طبيعية، لكنها تبنت سياسة "أمة قارئة"، فتحولت إلى مركز تجاري عالمي.

  ماليزيا: حملة "ماليزيا أمة قارئة" (1995م) ساهمت في رفع مستوى الثقافة وتنمية الاقتصاد.

  العالم العربي: رغم الثروات الهائلة، إلا أن ضعف سياسات القراءة جعل الفرد العربي لا يقرأ إلا دقائق معدودة سنويًا مقارنة بمئات الساعات في الغرب والشرق الآسيوي.

خامسًا: المعادلة الحضارية للقراءة

  يمكن صياغة العلاقة في معادلة مبسطة: قراءة + علم = وعي ثم نهضة ثم حضارة.

بينما:

 إعراض عن القراءة = جهل ثم تخلف ثم تراجع حضاري.

  يتضح أن القراءة في ضوء القرآن الكريم ليست مجرد عادة ثقافية، بل تشريع حضاري وأساس للاستخلاف. فبالعلم والقراءة فُضّل آدم، وبالأمر الإلهي "اقرأ" افتُتح الوحي، وبرفع العلماء درجات اكتمل شرف الإنسان. والتاريخ شاهد: أمم قرأت فنهضت، وأمم أعرضت فتراجعت، وكأن "اقرأ" هي قانون الحضارة البشرية.

 إذا كان الله قد افتتح رسالته الخالدة بكلمة "اقرأ"، فهل يُعقل أن تكتب أمة لا تقرأ لنفسها مستقبلًا مشرقًا؟

الثلاثاء، 23 سبتمبر 2025

العلاقة بين الذكر والأنثى: رؤية تلسكوبية في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية

        العلاقة بين الذكر والأنثى: رؤية تلسكوبية في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية 
                                 
  في يومنا هذا ، أصبح الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي من أقوى أدوات التأثير على الوعي الجمعي والسلوك الاجتماعي. وما يثير القلق اليوم هو الطريقة التي يسهم بها البعض في خلق حالة من النزاع أو التنافس بين الذكر والأنثى، سواء في البرامج التلفزيونية أو الحملات الرقمية أو عبر المنشورات والصور المبالغ فيها على وسائل التواصل الاجتماعي. هذه الصور النمطية أحيانًا تزرع شعورًا بالاختلاف والصراع، بينما الإسلام يضع أسسًا متينة للشراكة والتكامل بين الجنسين.
  وبالنظر من منظور التفكير التلسكوبي، نبدأ بالنصوص الجزئية ثم نوسع العدسة لنرى الصورة الكلية التي رسمها الوحي لهذه العلاقة، مستكشفين الأبعاد المختلفة: الكرامة الإنسانية، الشراكة، الرحمة، وتكامل الأدوار.

 وحدة الأصل والكرامة الإنسانية
أ. الوحدة في الخلق: القرآن الكريم يؤكد أن الأصل في الإنسان واحد، وأن الذكر والأنثى خُلقا من نفس واحدة:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء:1]،﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾ [الروم:20]، هذه الآيات تؤكد أن كل البشر، رجالاً ونساءً، ينحدرون من أصل واحد، مما يلغى أي فكرة عن تفوق بين الجنسين، ويؤكد كرامة كل فرد.

ب. المساواة في الجزاء والعمل الصالح :معيار التفاضل هو التقوى والعمل الصالح،﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:13]، ﴿إِنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى﴾ [آل عمران:195]، وهذا يعكس أن الجزاء عند الله مساوٍ للجميع، وأن العلاقة بين الذكر والأنثى هي تكاملية وليست صراعًا على الأفضلية.

2. السنة النبوية: شراكة ورحمة
   النبي ﷺ أكد على أن المرأة شقيقة الرجل ومتكاملة معه: «إنما النساء شقائق الرجال» [رواه أبو داود والترمذي]،
«خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» [رواه الترمذي]، «استوصوا بالنساء خيرًا، فإن المرأة خُلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرت، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرًا» [رواه البخاري ومسلم]، كما وردت أحاديث تؤكد الرحمة والعدل في المعاملة: «النساء مثل الحرير، اللين معهن قوة» [رواه البيهقي]، «ألا لا ضرر ولا ضرار» [رواه ابن ماجه]، هذه النصوص تدعم فكرة أن العلاقة بين الجنسين رحيمة، عادلة، وشراكة متكاملة.

3. توزيع الأدوار لا التمييز
أ. القوامة مسؤولية، لا سيادة: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِن أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:34]، القوامة هنا مسؤولية وليست تفوقًا أو سيادة مطلقة، تكليف بالإنفاق والحماية والعدل، وليس استعلاءً.

ب. الأمومة، التربية، والمشاركة المجتمعية: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ [التوبة:71]،﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:19]، المرأة مسؤولة عن رعاية الأسرة والتربية، لكنها أيضًا شريك فاعل في المجتمع والعمل العام، ويجب أن يُحترم دورها.

4. من وراء خلق النزاع وتشويه الصورة
أ. الإعلام التجاري والتسليعي: يركز على الدراما والنزاعات الأسرية لزيادة نسب المشاهدة والربح من الإعلانات. يسهم في تضخيم الخلافات بين الجنسين بشكل مبالغ فيه.

ب. بعض القوى الاجتماعية والسياسية :تسعى إلى تضليل الرأي العام وإضعاف التماسك الأسري والمجتمعي. الهدف: تشتيت المجتمع وخلق أزمات غير حقيقية.

ج. المنصات الرقمية: تنتشر القصص الجزئية بسرعة، وغالبًا ما يتم تعميمها بشكل خاطئ. الخوارزميات تعطي أولوية للمحتوى المثير، ما يشوه صورة العلاقة بين الرجل والمرأة.

د. المكاسب: ربحية إعلامية وتجارية. تأثير اجتماعي وسياسي لإضعاف التضامن الاجتماعي. تشويه القيم الدينية والأخلاقية، وزرع شعور بالاختلاف المستمر بين الجنسين.

5. الرؤية التلسكوبية: من الأسرة إلى الأمة
أ. العدسة الضيقة: الأسرة: العلاقة داخل البيت تقوم على المودة والرحمة، ويكمل كل طرف الآخر في التربية والإنفاق والتوجيه الروحي.
ب. العدسة المتوسطة: المجتمع: التعاون بين الجنسين ضروري لتحقيق التنمية والنهضة، مع احترام الحقوق والواجبات.
ج. العدسة الواسعة: الأمة: الأمة تنهض وتستقر عندما يُفهم التكامل بين الذكر والأنثى بعيدا عن الأكاذيب الإعلامية والأجندات المضللة. العدالة والرحمة والمسؤولية المشتركة أساس بناء مجتمع متوازن.

6. الربط بالنصوص القرآنية والسنة
   ﴿وَلَا تَقْفُوا مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:36]،﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ [النساء:119]،الحديث: «الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة…» [رواه البخاري ومسلم]، هذه النصوص تحث على الوعي والتمييز بين الحقيقة والزيف، وفهم العلاقات الإنسانية كما أرادها الإسلام.

7. الخلاصة التلسكوبية
  خلق النزاع بين الذكر والأنثى اليوم غالبًا له مصالح إعلامية وتجارية وسياسية. الإسلام يقدم رؤية متكاملة تقوم على المساواة، التكامل، الرحمة، والمسؤولية المشتركة. تطبيق الرؤية التلسكوبية يساعد على تمييز الحقيقة من الصورة المزيفة، وإعادة فهم العلاقة بين الجنسين كما رسمها الوحي، لتصبح شراكة حقيقية تبني المجتمع والأمة.
  معادلة العلاقة التلسكوبية الإسلامية: العدل + الرحمة + المسؤولية المشتركة = شراكة راقية تنهض بالمجتمع والأمة.

   إن العلاقة بين الذكر والأنثى في الإسلام ليست مجالًا للصراع أو التنافس على التفوق، بل هي رحلة تكاملية قائمة على الكرامة الإنسانية والمسؤولية المشتركة والشراكة في بناء المجتمع والأمة. ومن خلال العدسة التلسكوبية، نرى أن كل تفصيل صغير داخل الأسرة يتصل بصورة أوسع في المجتمع، ليبلغ أثره الأكبر على الأمة بأكملها، حيث تتحقق التنمية والنهضة عندما يتعاون الرجال والنساء بروح من العدالة والرحمة والمودة.
   أما ما نراه اليوم من تضخيم للخلافات عبر الإعلام والمنصات الرقمية أو بعض القوى التي تسعى لتشويه الصورة، فهو تعبير عن مصالح مادية وسياسية وأجندات بعيدة عن القيم الإسلامية، هدفها زرع الانقسام والاختلاف، واستغلال الخلاف لتحقيق الربح أو التأثير الاجتماعي والسياسي.
   لذلك، فإن الفهم الصحيح للعلاقة بين الجنسين وفق القرآن الكريم والسنة النبوية، والتمسك بمبادئ العدل + الرحمة + المسؤولية المشتركة، هو السلاح الحقيقي لمواجهة التشويه الإعلامي والتلاعب الاجتماعي، واستعادة الصورة الصحيحة لشراكة حقيقية، تبني مجتمعًا متوازنًا وأمة قوية، تحترم الإنسان في ذكوره وإناثه، وتحقق النهوض الشامل الذي دعا إليه الإسلام.
  إذا خلق الله الرجال والنساء من نفس واحدة، وأراد لهما شراكة متكاملة قائمة على الرحمة والعدل، فكيف نسمح لنزاع مفتعل أن يفرق بينهما ويشوّه صورتهما في أعيننا؟"


خُلُقُ الأَنَاةِ: فَضِيلَةُ الصَّبْرِ وَحِكْمَةُ التَّأَنِّي فِي زَمَنِ العَجَلَةِ

خُلُقُ الأَنَاةِ: رِحْلَةُ العَقْلِ فِي نَيْلِ الحِكْمَةِ وَسَكِينَةِ الرُّوحِ مقدمة: حقيقة الأناة وغايتها الإنسانية    يعيش الإنسان المعاصر...