الأربعاء، 24 سبتمبر 2025

تنازع النفس بين المبادئ والوضع الراهن: معالجة بمنطق التفكير التلسكوبي

                            تنازع النفس بين المبادئ والوضع الراهن: معالجة بمنطق التفكير التلسكوبي

   مواقف حياتية أعيشها يومياً أحب أن أشارك القارئ بها للعبرة و الأستفادة لواقع نعايشه ، و أغلب ظنى أنه يلمس كبد الحقيقة ،بادئ ذي بدء يعيش الإنسان في رحلته الوجودية صراعًا داخليًا متكررًا، يتأرجح فيه بين المبادئ التي تمثل الثبات على الحق، والضمير الحي، والالتزام بالقيم، وبين الوضع الراهن الذي يفرض نفسه بمصالحه العاجلة وضغوطه الواقعية ومكاسبه السريعة. هذا الصراع ليس عارضًا ولا طارئًا، بل هو جزء من طبيعة الحياة الإنسانية، إذ خلق الله الإنسان ليُبتلى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ) (البلد: 4).
  
  من هنا، فإن التعامل مع هذا التنازع يتطلب عقلية واسعة المدى، لا تكتفي بالنظر إلى اللحظة الراهنة، بل تستعمل ما يمكن أن نطلق عليه التفكير التلسكوبي: أي التفكير الذي يمدّ البصر إلى المدى البعيد، ليكشف العواقب الكامنة خلف المظاهر المؤقتة.
---
أولًا: طبيعة التنازع بين المبادئ والوضع الراهن
   1- المبادئ: المبادئ تمثل القيم الكبرى التي يرتكز عليها الإنسان: الصدق، الأمانة، العدل، الحرية، الكرامة، والإيمان. التمسك بها يعني في الغالب مواجهة صعوبات أولية: ضغوط اجتماعية، خسائر مالية، حرمان من فرص عاجلة. لكنها تمنح صاحبها راحة ضمير، وثبات نفس، وقوة في المدى البعيد.
2- الوضع الراهن: الوضع الراهن يميل إلى تقديم حلول سريعة ومكاسب آنية، لكنه مشروط بالتنازل أو الانحناء للظروف. قد يبدو الانصياع له مريحًا أو رابحًا في لحظته، لكنه في جوهره انتصار وقتي وزائف، سرعان ما يعقبه ندم أو انكسار داخلي.

ثانيًا: التفكير التلسكوبي كمنهج للمعالجة
   التفكير التلسكوبي يعني تجاوز حدود اللحظة الراهنة، والنظر إلى النتائج على المدى المتوسط والبعيد. في المدى القريب: قد يبدو الموقف المبدئي خاسرًا، وقد يظهر الواقع هو الغالب. في المدى البعيد: يتضح أن الواقع الراهن يتلاشى، بينما المبادئ تصمد وتبني التاريخ.مثال قرآني: يوسف عليه السلام ،عاش يوسف عليه السلام هذا الصراع بجلاء. حين دعته امرأة العزيز للفاحشة، كان الوضع الراهن مغريًا: مكاسب عاجلة من جاه ومتعة وسلطة. لكنه اختار المبادئ قائلاً: (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) (يوسف: 33). فبدا خاسرًا في اللحظة، لكنه ربح العاقبة: خرج من السجن عزيزًا على مصر، وأصبح رمزًا للعفة والصبر، وبقي أثره خالدًا.

   مثال من التاريخ الإسلامي: الإمام أحمد بن حنبل،  في محنة القول بخلق القرآن، تعرض الإمام أحمد لضغوط رهيبة من السلطة، وكان الوضع الراهن يفرض الانصياع. لكنه ثبت على مبدئه، فدخل السجن وتعرض للجلد. النتيجة التلسكوبية: بقي الإمام أحمد رمزًا للثبات، وأصبح لقبه "إمام أهل السنة"، بينما ذاب ذكر من أرادوا إكراهه.

   مثال عالمي معاصر: نيلسون مانديلاـ، في جنوب أفريقيا، خُيّر مانديلا بين الحرية مقابل التخلي عن مبدأ مقاومة الفصل العنصري، أو السجن الطويل. اختار المبادئ، فقضى 27 عامًا خلف القضبان، لكنه خرج ليصبح رئيسًا، وقاد بلاده إلى الحرية.

ثالثًا: عواقب الانحياز لكل خيار
   1- الانصياع للوضع الراهن:  مكاسب عاجلة (مال، منصب، راحة).  لكنه يعقبه: فقدان الثقة، كسر الضمير، محو الاسم من ذاكرة التاريخ.
2- الثبات على المبادئ: صبر ومعاناة أولية.  لكن النتيجة: احترام الناس، خلود الاسم، وطمأنينة النفس. قال تعالى: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) (الرعد: 17). الوضع الراهن هو "الزبد"، أما المبادئ فهي ما "يمكث في الأرض".

رابعًا: البعد النفسي والروحي للتفكير التلسكوبي
    النفس الأمارة: تميل إلى إغراء اللحظة الراهنة ومكاسبها. النفس اللوامة: توقظ صاحبها حين يرى آثار تنازله. النفس المطمئنة: هي التي تختار المبادئ وتدرك عاقبتها، فتحيا بالطمأنينة. القرآن يقدم هذا التدرج النفسي كرحلة، ويشير إلى أن الفوز هو لنفسٍ التزمت المبدأ: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً) (الفجر: 27-28).

خامسًا: اقتباسات ملهمة
  -"قد ينتصر الواقعُ اليوم، لكن الغدَ للمبادئ؛ فالثبات يكتب التاريخ، والتنازل يكتب الندم." "أيهما تفضّل أن يغلب في حياتك: مكاسب عاجلة تزول مع الزمن، أم مبدأ ثابت يخلّد اسمك وضميرك؟"،  "الوضع الراهن يموت في يومه، أما المبدأ فيحيا بأهله عبر الأزمان."

سادسًا: نحو معادلة تلخص الصراع
   يمكن اختصار هذا التنازع في معادلة تلسكوبية: انصياع للوضع الراهن  فمكاسب عاجلة ثم ندم وانكسار ثم خسارة في الدنيا والآخرة. ثبات على المبادئ فصبر وتضحيات  فاحترام وطمأنينة ثم خلود ورفعة.
 
   إن التنازع بين المبادئ والوضع الراهن سنة من سنن الحياة، وهو المحك الذي يختبر به الله ضمائر عباده. التفكير التلسكوبي يكشف أن المكاسب العاجلة للوضع الراهن سراب، بينما المبادئ هي الحقيقة الباقية. يوسف عليه السلام، الإمام أحمد، ومانديلا وغيرهم شواهد حية على أن المبدأ قد يخسر الجولة الأولى، لكنه ينتصر في النزال الأخير.
 سؤال للقارئ:
   إذا كان التاريخ والآخرة كلاهما يشهدان بأن المبادئ هي الباقية، فهل ترضى أن تكون أسير اللحظة الراهنة، أم صانعًا لمستقبل خالده بالثبات على المبدأ؟
و الى الله ترجع الأمور

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

خُلُقُ الأَنَاةِ: فَضِيلَةُ الصَّبْرِ وَحِكْمَةُ التَّأَنِّي فِي زَمَنِ العَجَلَةِ

خُلُقُ الأَنَاةِ: رِحْلَةُ العَقْلِ فِي نَيْلِ الحِكْمَةِ وَسَكِينَةِ الرُّوحِ مقدمة: حقيقة الأناة وغايتها الإنسانية    يعيش الإنسان المعاصر...