الأحد، 18 أكتوبر 2026

قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم؟

قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم:

 سلوكيات دونالد ترامب وتجاوزاته الساخرة

   يتألق القرآن الكريم دائماً ببيانه المعجزة الذي يلخص السلوك الإنساني عبر العصور بدقة مذهلة، ومن أبرز الآيات التي تجسد طبيعة النفوس المريضة والمأزومة قوله تعالى: {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} [آل عمران: 118]. هذه الآية الكريمة ليست مجرد وصف تاريخي لمواقف الكارهين والمتربصين عبر الزمن، بل هي مرآة دائمة لكشف الحقائق وسقوط الأقنعة. وحين نسقط هذا المعنى القراني العميق على الواقع السياسي المعاصر، وتحديداً على بعض الشخصيات المثيرة للجدل مثل الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب وما يصدر عنه وبعض أتباعه من تصريحات مشينة أو إسقاطات ساخرة مست سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فإننا نجد أنفسنا أمام نموذج صارخ لتجلي الحقد الدفين الذي تفضحه زلات الألسنة وسقطات الخطاب العلني.

أولاً: السياق القرآني ومعنى "بدء البغضاء"

   لكي نفهم عمق التعبير القرآني، يجب أن ندرك أن البغضاء الكامنة في الصدور تشبه النار تحت الرماد؛ قد يتمكن صاحبها لفترة من الزمن من إخفائها أو تجميلها خلف الدبلوماسية المصطنعة أو المصالح السياسية العابرة، غير أن طبيعة الحقد الحقيقي تجعله غير قادر على الاستمرار في التمثيل طويلاً. لا بد للحظة فارقة أن تأتي، أو لانفعال أن يتفلت، فتندفع الكلمات كاشفة عن المستور.

   هذا ما نلاحظه بوضوح في الخطاب الشعبوي اليميني المتطرف في الغرب، والذي يجد في استهداف الرموز الإسلامية المقدسة - وفي مقدمتها النبي محمد صلى الله عليه وسلم - وسيلة رخيصة لتحقيق مكاسب انتخابية سريعة، أو مداعبة غرائز الكراهية لدى قواعد شعبوية جاهلة. وهنا تتجلى الآية الكريمة بكل وضوح: ما يظهر على الألسنة وفي الخطابات الانتخابية والمنابر الإعلامية ليس سوى الطرف الظاهر من جبل جليد ضخم من العداء والكراهية المتأصلة في الصدور.

ثانياً: دونالد ترامب والخطاب الشعبوي القائم على الإثارة

   لم يكن دونالد ترامب، طوال مسيرته السياسية والإعلامية، شخصية تقليدية تلتزم بالقواعد الدبلوماسية أو المعايير الأخلاقية الرفيعة في الخطاب العام. لقد اعتمد بشكل أساسي على منهج "التسطيح والتهكم وإثارة الغرائز"، متجاوزاً كل الخطوط الحمراء المتعلقة باحترام العقائد والمشاعر الدينية للملايين حول العالم.

   عندما يلجأ سياسي بحجم رئيس سابق لأكبر قوة في العالم إلى السخرية أو التلميح المهين تجاه شخص النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه لا يرتكب مجرد خطأ بروتوكولي أو زلة لسان، بل يعبر عن عقلية استعلائية متأصلة تنظر إلى الآخرين بدونية. إن هذه الممارسات الساخرة تسقط تماماً قناع "الحضارة والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان" الذي لطالما تغنت به الإدارات الغربية، لتكشف عن وجه مظلم يغذي الإسلاموفوبيا ويشرعن العنصرية المقيتة.

ثالثاً: السخرية من النبي محمد صلى الله عليه وسلم: الوجه الحقيقي للعجز المعرفي

   إن محاولات النيل من السيرة العطرة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم عبر السخرية أو الكاريكاتير أو التصريحات الرخيصة، ليست دليلاً على قوة أو جرأة، بل هي دليل قاطع على الإفلاس المعرفي والعجز الأخلاقي. فالإنسان الذي يفتقر إلى الحجة والمنطق، والذي يعجز عن مناقشة الأفكار والقيم، يلجأ حتماً إلى السخرية والتطاول كوسيلة دفاعية لإخفاء جهله وضعفه.

   النبي محمد صلى الله عليه وسلم، في التاريخ الإنساني، ليس مجرد شخصية عابرة، بل هو قائد أمة امتد أثره لأكثر من أربعة عشر قرناً، وشكل وجدان وعقول مليارات البشر بمنظومة أخلاقية وقيمية سامية. ولذلك، فإن أي محاولة بائسة للسخرية منه من قبل شخصيات مثل ترامب أو غيره لا تنقص من قدره شيئاً، بل تزيد من إبراز حقارة الهدف ووضاعة الوسيلة. وكما قال الشاعر:

وما ضر بحر الفرات أن خاض غبار فيه بعض الكلابِ

   إن هذه السخرية تكشف بوضوح عن مصداقية الآية الكريمة، حيث تعجز الصدور عن كتمان غيظها وبغضها، فتندفع الأفواه لتنطق بما تكنه الضمائر من حقد وكراهية لكل ما هو إسلامي وعربي.

رابعاً: آليات التوظيف السياسي للكراهية والإسلاموفوبيا

   لماذا يلجأ زعماء الشعبوية مثل ترامب إلى هذا النهج العدائي؟ الإجابة تكمن في طبيعة اللعبة السياسية الحديثة التي تعتمد على استقطاب الأصوات عبر إيجاد "عدو وهمي" أو تخويف المجتمع من الآخر. صناعة العدو الوهمي: يحتاج الشعبويون دائماً إلى شماعة يعلقون عليها أزمات مجتمعاتهم الاقتصادية والاجتماعية. وتوفير "فزاعة الإسلام والمسلمين" يمنحهم مادة دسمة لإلهاء الشارع الغربي عن المشاكل الحقيقية للبطالة والتضخم والانقسام المجتمعي. استجداء العصبيات البدائية: السخرية من الرموز المقدسة تلامس أوتار العصبية القومية والدينية المتطرفة، وهي تضمن لمرشح مثل ترامب ولاء الفئات المتشددة التي ترفض التعددية الثقافية والدينية. الاستخفاف بالآخر: ينطلق الخطاب المتعجرف من افتراض مسبق بأن الرد سيكون ضعيفاً أو غير مؤثر، مما يجعله يتمادى في إهاناته دون حساب لعواقب جرح مشاعر أمة كاملة.

خامساً: رد الفعل الواجب: بين الانفعال العشوائي والوعي الرصيد

   إن مواجهة هذه الإسقاطات الساخرة والخطابات العدائية تتطلب منا كأمة إسلامية وعربية وقفة تأمل واعية، بعيداً عن ردود الفعل الانفعالية المؤقتة التي تخبو بمجرد انتهاء الحدث.

أولاً: بناء القوة الشاملة: إن الكارهين لا يحترمون إلا الأقوياء. إن النهوض العلمي والاقتصادي والحضاري للأمة الإسلامية هو الرد الأبلغ والأقوى على كل من تسول له نفسه التطاول على رموزها.

ثانياً: التعريف الموضوعي بالنبي الكريم: بدلاً من الاكتفاء بالتنديد والغضب، يجب تكثيف الجهود لنشر السيرة النبوية العطرة بمختلف لغات العالم بطريقة عقلانية وإنسانية تجذب القلوب والعقول، وتكذب الأكاذيب والصور النمطية التي يروج لها المغرضون.

ثالثاً: كشف زيف الخطاب الغربی: فضح الممارسات المزدوجة التي ترفع شعارات "حرية التعبير" حين يتعلق الأمر بإهانة مقدسات الآخرين، بينما تفرض قوانين صارمة وعقوبات جنائية حين يتعلق الأمر بمقدسات تخص جهات أخرى.

خاتمة

   ستظل الآية الكريمة {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} بوصلة حقيقية لقراءة النوايا وسبر أغوار النفوس المأزومة. ودونالد ترامب وغيره ممن يمارسون سغف السخرية والتطاول على مقام النبوة الشريف، ليسوا سوى حلقة في سلسلة طويلة من الحاقدين الذين ذهب التاريخ بأسمائهم إلى مزابل الذكر، بينما بقي ذكر النبي محمد صلى الله عليه وسلم مرفوعاً عزيزاً خالداً في أرجاء الأرض إلى يوم الدين. وكما قيل دائماً: النجوم لا تضرها نباح الكلاب، ومقام المصطفى أسمى وأعظم من أن تنال منه ألسنة البغضاء والكراهية.و ما ابستين منكم ببعيد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

دلالة الاقتران بين الحكمة والعلم في رحاب سورة الانعام

في دلالة الاقتران بين الحكمة والعلم مقدمة:     تتجلى في القرآن الكريم لطائف بيانية ودقائق عقدية تُبهر الألباب وتفتح أمام العقل البشري آفاقاً...