الاثنين، 12 أكتوبر 2026

أمانة العقل وشهادة الجوارح

 قراءة قرآنية في آية "ولا تقفُ ما ليسَ لكَ بهِ عِلْمٌ"

مقدمة: أزمة المعرفة في عصر السيال المعلوماتي

   يعيش الإنسان المعاصر في خضمّ ثورة معرفية غير مسبوقة، تُقصف فيها العقول يومياً بآلاف الشائعات، والتحليلات العشوائية، والمعلومات غير الممحصة. وفي ظل هذه الفوضى الفكرية التي تختلط فيها الحقيقة بالوهم، واليقين بالظن، تتجلى عظائم الهدايات القرآنية لتضع للأنظمة المعرفية والإنسانية ضوابط محكمة تعصم العقل البشري من التردي في أودية الجهالة والانحراف.

   تأتي الآية الكريمة من سورة الإسراء: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36]، لتشكل الميثاق الإلهي الأساسي للتحري العلمي، والنزاهة الفكرية، والمسؤولية الأخلاقية. إنها ليست مجرد نهيٍ عابر عن القول بغير علم، بل هي دستور معرفي متكامل يربط بين نبل الغاية المعرفية وجلال المسؤولية الأخروية أمام الخالق سبحانه وتعالى.

أولاً: التحليل اللغوي والدلالي لقوله تعالى: {وَلَا تَقْفُ}

1. المعنى اللغوي لـ "القافية" والاتباع

   في لسان العرب، أصل المادة اللغوية (ق-ف-و) يدور حول الاتباع والقصّ. يُقال: "قَفَا أثَرَه" أي تَبِعَه وتَقَصَّاه، ومنه سُمِّيَت "قَافِيَةُ الشِّعْرِ" لأنها تتبع أخواتها في القافية والتفعيلة، و"القَائِفُ" هو الذي يتبع الآثار ليَعرف أصحابها.وعليه، فإن قوله تعالى {وَلَا تَقْفُ} يعني: لا تتبع، ولا تَقُل، ولا تَعْتَقِد، ولا تَعْمَل بما لا علم لك به يقينًا.

2. الاتساع الدلالي للنص القرآني

   عبر المفسرون عن هذه الكلمة الجامعة بعبارات متكاملة تتسع لجميع مجالات النشاط البشري: قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "لا تَقُل"، أي لا تقل رأيتُ ولم تَرَ، أو سمعتُ ولم تَسْمَع. وقال قتادة: "لا تَقُل رأيتُ ولم تَرَ، وسمعتُ ولم تَسْمَع، وعلمتُ ولم تَعْلَم؛ فإن الله تعالى سائلك عن ذلك كله".وقال القرطبي: "هذا يَعُمّ الأقوال والأفعال،والاعتقادات؛ فلا يجوز للإنسان أن يتبع الظن أو الرجم بالغيب".

   إن النهي هنا نهيٌ جازم يستغرق كل أنواع الخوض غير المَبْنِي على علم صحيح ومُسْتَنَدٍ سليم، بدءًا من الشهادة بالباطل، ومرورًا برمْيِ المحصنات، وانتهاءً بالإفتاء في دين الله بغير علم، أو التكهن في العلوم الدنيوية والتخصصات الدقيقة دون امتلاك أدواتها.

ثانياً: شروط المعرفة الصحيحة والفهم السليم في المفهوم القرآني

   لا يكتفي القرآن الكريم بإنكار الاتباع الأعمى، بل يؤسس لمفهوم "العلم الصحيح المستند إلى فهم سليم". فالعلم في الإسلام ليس مجرد تجميع للبيانات والمعلومات، بل هو استبصار قائم على قواعد متينة:

1. إسقاط الظن والتخمين من مرتبة اليقين

   حذّر القرآن الكريم في غير موضع من اتخاذ الظن بديلًا عن الحقيقة، فقال تعالى: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [النجم: 28]. فالبناء على الظنون والتخرصات يبدأ بشبهة في الذهن، وينتهي بجريمة في الواقع، سواء كانت جريمة اجتماعية كظن السوء، أو جريمة فكرية كالقول على الله بلا علم.

2. التحري والتثبت (المنهج النقدي)

   يمتد الهدي القرآني في التأسيس للنزاهة المعرفية عبر قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6]. الفهم السليم يتطلب تصفية الموارد المعرفية، والتأكد من صحة المصادر، وعدم الاستسلام للترويج الإعلامي أو الشائعات التي تضر بالمجتمع وتماسكه.

3. احترام التخصص وأهل الذكر

   من أركان الفهم السليم ألا يقحم المرء نفسه فيما لا يحسنه، وقد أرسى القرآن قاعدة المرجعية العلمية: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]. فالخوض في المسائل الفقهية، أو الطب، أو القانون، أو الهندسة، دون امتلاك أدوات التخصص هو نوع من "قَفْوِ ما ليس للمرء به علم".

ثالثاً: أدوات المعرفة وتوزيع المسؤولية (السمع، البصر، الفؤاد)

   ختمت الآية الكريمة بتقرير حقيقة إيمانية وتربوية مذهلة: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}.تتوزع منافذ المعرفة وأدوات العقل في المفهوم القرآني على ثلاثة محاور رئيسية: السمع: وهو النافذة الأولى للتلقي، والاستماع للآيات والأدلة والموعظة.البصر: وهو النافذة للملاحظة، والتفكر في آفاق الكون، ومعاينة الحقائق.الفؤاد (العقل والقلب): وهو المركز الرئيسي للتجميع، والتحليل، والتمييز بين النافع والضار، وتشكيل الإرادة والاعتقاد.

كيف تكون الجوارح مسؤولة يوم القيامة؟

   إن هذه الأدوات المعرفية ليست سدى، بل هي عارية واستئمان إلهي، وسوف تُسأل يوم القيامة عن الدور الذي مارسته في الحياة الدنيا: هل سُخِّر السمع لإصغاء الحق وتدبره، أم لاستماع الغيبة والتجسس والأباطيل؟ هل سُخِّر البصر لتدبر آيات الله والنظر النافع، أم للتطلع إلى المحرمات والبحث عن عورات الناس؟ هل استُعمل الفؤاد في التدبر والتفكر الصادق، أم شُحن بالغل والضغينة وتكلف ما لا يعلم والاستكبار عن الحق؟

   يقول الإمام الطبري: "إن الله سائل هذه الجوارح عما عملت؛ فيسأل السمع عما سمع، والبصر عما نظر إليه، والفؤاد عما عقد عليه وتيقنه". بل إن القرآن يخبرنا أن هذه الجوارح ستشهد على صاحبها إن هو انحرف بها عن وظيفتها الأصلية: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النور: 24].

رابعاً: أبعاد المسؤولية المعرفية في الواقع المعاصر

   إن التزام هذا النهج القرآني ليس مجرد ترف فكري، بل هو ضرورة حتمية لإقامة مجتمع متماسك وعادل، ويتجلى ذلك في مختلف نواحي الحياة: في المجال الفكري والديني: تجنب الإفتاء بغير علم، والتكفير، والابتداع، والجرأة على أحكام الشريعة، والالتزام بالتثبت واستفتاء أهل الذكر والتأدب مع النصوص والعلماء. في المجال الاجتماعي: تجنب تناقل الشائعات والخوض في أعراض الناس وظن السوء، والتمسك بحفظ اللسان وإحسان الظن والستر والتثبت قبل نقل الأخبار. في المجال العلمي والمهني: اجتناب ادعاء المعرفة وممارسة المهن دون مؤهل، والتأكيد على الأمانة العلمية والتخصص والنزاهة المهنية والاعتراف بالعجز عند الجهل. في المجال الرقمي والإعلامي: الحد من إعادة نشر الشائعات والتضليل، والالتزام بالتحقق من المصادر وتحمل المسؤولية الأخلاقية عن كل كلمة ومشاركة عبر المنصات الحديثة.

خاتمة: نحو مجتمع يعظم الأمانة المعرفية

   تتجسد في آية سورة الإسراء {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} العظمة التشريعية والأخلاقية للإسلام؛ فهي تصون الإنسان من الوقوع في فخ التجهيل والافتراء، وتحمي المجتمع من طوفان الشائعات والأوهام. إن مدركات الإنسان من سمع وبصر وفؤاد ليست أجهزة مجانية للتسلية أو العبث، بل هي أدوات المعرفة المقدسة التي سيمثل بها العبد بين يدي خالقه يسأله عن كل حرف سمعه، وكل منظر شاهده، وكل اعتقاد وقر في قلبه.

   وقد قيل قديمًا: "من قال لا أعلم فقد أفتى"; لأن الاعتراف بالجهل هو أول خطوات العلم. وحريٌّ بنا في هذا العصر أن نعيد للكلمة حُرمتها، وللمعرفة أمانتها، وأن نجعل من هذا النص القرآني حسيبًا على أنفسنا قبل أن نُحاسب، ونحافظ على حواسنا لتكون لنا شاهدة بالخير، لا شاهدة علينا بالعدوان والجهالة يوم القيامة. هذا بلاغ للناس لعل الله ينفعنا به.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

دلالة الاقتران بين الحكمة والعلم في رحاب سورة الانعام

في دلالة الاقتران بين الحكمة والعلم مقدمة:     تتجلى في القرآن الكريم لطائف بيانية ودقائق عقدية تُبهر الألباب وتفتح أمام العقل البشري آفاقاً...