أبناؤنا.. بين مطرقة القالب الموروث وسندان الوعي المفقود
مقدمة: أزمة التوقعات والبحث عن التوازن
ينشأ الإنسان في هذه الحياة وفي ذهن محيطه – وعائلته على وجه الخصوص – سيناريو مُحكم ومُعد سلفاً لحياته، كأنما وُلد ليكون امتداداً لخيارات الآخرين لا كياناً مستقلاً بذاته. وغالباً ما تبدأ هذه المعضلة منذ اللحظات الأولى لاستقبال المولود؛ حيث تُنسج حوله أحلام وتوقعات وافتراضات تبدأ بالتخصص الدراسي، ولا تنتهي بنمط الحياة وشكل العلاقات.وحين نتدبر واقع التربية والنشأة في مجتمعاتنا المعاصرة، نصطدم بإشكال عميق يختزله عنوان هذا المقال: «أبناؤنا كما أرادوا لهم، لا كما نريد لهم».
فالمقصود بعبارة "كما أرادوا لهم" ليس بالضرورة رغبة الأهل الخالصة بحسن تربيتهم، بل هي المنظومة الثقافية والتعليمية والاجتماعية السائدة التي ترسم للطفل قالباً نمطياً جاهزاً وتحاول صهره فيه بالقوة، بينما تتوارى إرادة الأهل الحقيقية القائمة على الفهم والاحتواء. لكن هنا يبرز السؤال الجوهري الأهم في العملية التربوية: هل يمتلك الأبناء بالفعل الوعي الكافي والنضج العقلي الذي يؤهلهم لاتخاذ قرارات مصيرية بصورة مستقلة؟ أم أن تدخل الأهل هو ضرورة لحمايتهم من اندفاع الشباب وقصور الخبرة؟
أولاً: إشكالية الوعي والنضج عند الأبناء
إن الحديث عن منح الأبناء حرية الاختيار المطلقة يصطدم غالباً بحقيقة طبيعية ونفسية لا يمكن تغافلها، وهي أن عقل الشاب في مراحل النمو المبكرة (خاصة مرحلتي المراهقة وبداية الشباب) يتسم بما يلي:
قصور الخبرة التراكمية: لا يزال عقل الشاب في مرحلة تشكل وتطوير لمفهوم "المخاطرة والأثر بعيد المدى". فالرغبات في هذه المرحلة غالباً ما تكون محكومة بالشغف اللحظي أو الانبهار بالتقاليع العابرة والصيحات السائدة، دون دراسة واقعية لمتطلبات سوق العمل أو متطلبات الحياة المستقبلية.
التأثر الشديد بالتأطير الخارجي: كثيراً ما يظن الأبناء أن خياراتهم نابعة من "وعي حر وشخصي"، بينما هي في الحقيقة نتيجة تأثر حاد بمواقع التواصل الاجتماعي، أو رغبة ضامرة في تقليد الأقران، أو هروب غير مدروس من التحديات الصعبة.
التداخل بين الشغف والهواية: يخلط الكثير من النشء بين "الهواية" التي يمارسها المرء للتسلية، وبين "المهنة" التي تتطلب استمراراً وانضباطاً وتحملاً للمشاق. وهنا يكون دور الأهل محورياً لمنع الابن من التضحية بمستقبله لأجل شغف مؤقت يمكن ممارسته كجانب إضافي في الحياة.
من هنا، فإن افتراض أن الابن يملك "الوعي الكامل" بمجرد بلوغه سن معينة هو افتراض وهمي، يوقع التربية في فخ التفريط واللامبالاة تحت شعار الحرية.
ثانياً: الوهم المجتمعي وصناعة "النموذج المثالي"
على الجانب الآخر، فإن عدم اكتمال نضج الابن لا يعني بحال من الأحوال سلب إرادته بالكامل وإقحامه في قالب نمطي جاهز يصنعه المجتمع. فالأهل في كثير من الأحيان لا يمارسون التوجيه العاقل، بل يمارسون ضغطاً مجتمعياً يستند إلى "النموذج المثالي":المجموع المرتفع كمقياس وحيد للذكاء والنجاح.الإجبار على كليات ومعاهد معينة نكاية أو مباهاة أمام الأقارب والمحيط. فرض مسارات وظيفية تقليدية دون النظر إلى قدرات الابن ونمط تفكيره.وحين ينشأ الطفل في بيئة تفرض عليه هذه المنظومة الصارمة، فإنه يُحرم تدريجياً من فرصة "تطوير وعيه الخاص"؛ إذ كيف سينضج عقل لم يُسمح له يوماً بالمفاضلة بين الاختيارات، ولم يُتح له تجربة الخطأ والصواب في نطاق آمن؟
ثالثاً: الاغتراب النفسي وظاهرة الشغف الزائف
حين يُجبر الشاب على العيش في دور لم يختاره، تبدأ مأساة "الاغتراب النفسي". ولكن في المقابل، حين يُترك للشاب المتخبط كامل الحرية دون توجيه، نصل إلى ظاهرة "الشغف الزائف" والضياع.
تتعدد مظاهر هذه الأزمة بين الاتجاهين: انفصام الإنجاز: أن ينجح الشاب في التخصص الذي فرضه عليه أهله، ولكنه يعيش بحالة جفاف روحي واحتراق نفسي، لأنه يدرك أنه يحقق أحلام غيره لا أحلامه. التخبط والهروب: أن يرفض الشاب مسار أهله باسم "الحرية"، ولكنه يكتشف بعد سنوات أنه لم يكن يملك رؤية حقيقية، فيتنقل بين المسارات دون تراكم خبرة أو تحقيق نجاح ملموس. فقدان البوصلة الداخلية: غياب الحوار القائم على رفع مستوى الوعي يجعل الابن إما تابعاً أعمى لوالديه أو تابعاً أعمى للمؤثرين والمجتمعات الافتراضية.
رابعاً: التوجيه القائم على الشراكة لا الامتلاك
إن مخرج هذه المعضلة لا يكمن في إعطاء الحرية المطلقة لوعي لم ينضج بعد، ولا في فرض الوصاية الكلية التي تلغي شخصية الابن، بل يكمن في الانتقال من مفهوم "الامتلاك والفرض" إلى مفهوم "الشراكة والتوجيه الرشيد". الابن ليس صفحة بيضاء يكتب عليها الوالدان ما يشاءان، وليس كائناً معصوماً يدرك مصلحته المطلقة بمفرده. إن دور المربي الحقيقي يكمن في: صناعة الوعي بدلاً من فرض القرار: بدلاً من أن تقول لابنك "ادرس كذا"، اجلس معه، وناقش ميزات التخصص وسلبياته، واعرض عليه واقع سوق العمل، وساعده على اكتشاف نقاط قوته وضعفه. الاختبار والمحاكاة: قبل الإقدام على قرار مصيري، وُجّه الابن لتجربة المجال الذي يحبه عبر دورات تدريبية أو احتكاك عملي بسيط ليتأكد هل شغفه حقيقي أم مجرد انبهار ظاهري.حجم المخاطرة المسموح به: السماح للابن باتخاذ القرارات التي تكون نتائج الفشل فيها مقدورة ومستوعبة، ليتعلم تحمل المسؤولية وينضج عقله تدريجياً.
خامساً: نحو عقد تربوي جديد: التكامل بين خبرة الكبار وشغف الصغار
لكي نبني جيلاً قوياً ومتوازناً، يجب أن نؤسس لعلاقة قائمة على العقلانية والتكامل: الإنصات الاكتشافي: أن ينصت الأهل لابنهم ليس بداعي الرد والتعقيب، بل بغرض فهم ميوله الحقيقية ورصد مستوى نضجه العقلي.التمييز بين الرغبة والقدرة: قد يمتلك الابن الوعي والشغف في مجال ما، ولكن قدراته الذهنية أو الجسدية لا تسعفه؛ وهنا يأتي دور الأهل في مساعدته على توجيه شغفه بما يتوافق مع قدراته الحقيقية. تقبل فكرة الاختلاف الجيلي: العالم يتغير بسرعة مذهلة، والوظائف والمسارات التي كانت سائدة في الماضي قد لا تكون هي الأنسب للمستقبل. وبالتالي، يجب على الأهل تحديث معارفهم وعدم قياس مستجدات اليوم بمسطرة الأمس. بناء الشخصية المسؤولية: النضج العقلي والوعي لا يهبطان على الشاب فجأة عند سن الثامنة عشرة، بل هما حصيلة تدريب يومي متدرج على اتخاذ القرار وتحمل تبعاته منذ الصغر.
خاتمة: حرية مسؤولة وتوجيه حكيم
إن غاية التربية العظمى ليست إعادة إنتاج نسخ مكررة من الآباء، ولا ترك الأبناء للمجهول بدعوى الحرية، بل هي الوصول بالشاب إلى "الاستقلال المسؤول"؛ أن يمتلك الوعي الكافي والقدرة على التفكير النقدي واتخاذ القرار، مع استناده إلى حكمة الأهل وخبرتهم كمرجعية وأمان.
حين نساعد أبناءنا على بناء وعيهم بأنفسهم، ونوجه شغفهم بحكمة دون إلغاء لشخصياتهم، فإننا ننقذهم من قوالب المجتمع البالية ومن اندفاع الشباب غير المحسوب. وبذلك فقط، نخرج إلى العالم إنساناً مكتمل النضج، يفكر بعقله، ويتحمل مسؤولية حياته، ويصنع مستقبله بثبات وإخلاص.
سؤال للمناقشة: كيف يمكن للأسر برأيك التمييز بدقة بين الشغف الحقيقي لدى الابن وبين الرغبة العابرة التي تحتاج إلى تصحيح وتوجيه؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق