الأربعاء، 9 أبريل 2025

التدافع سنة الله في الأرض

 التدافع سنة الله في الأرض 

   إن المشاهد في الواقع الذي نحياه و ما يدور من احدث في العالم مؤلمة، في محاولة منا للبحث عن تفسير له وجدت حسب ما اتفق لدي أن الذي يقف من خلفها سنة من سنن الله في الأرض من أعظم المفاتيح لفهم حركة الحياة، و هى  سنة التدافع والصراع بين الحق والباطل، والخير والشر، والعدل والظلم. تعال نغوص معًا في عمق هذا المفهوم الراقي.ورد عند بعض الصوفية والحكماء كابن عطاء الله السكندري وغيره، كقولهم:"الظالم سيف الله، ينتقم به، ثم ينتقم منه." أي: أن الله قد يُمهل الظالم، ويستعمله كأداة في سنة الابتلاء والتدافع، لكن في النهاية ينتقم منه لأنه ظالم، فلا يكون الظلم مقبولًا ولا مباركًا، وإنما وسيلة مؤقتة لحكمة عليا. 

   تقوم سنن الله في الكون على أسس ثابتة لا تتبدل، تحقق بها العدل وتحفظ بها حياة البشر من الانهيار الأخلاقي والاجتماعي والسياسي. ومن هذه السنن الإلهية التي أشار إليها القرآن الكريم صراحة، سنة التدافع، التي تفسر جزءًا كبيرًا من الصراعات البشرية، وتُظهر حكمة الله في تسيير شؤون العالم.

   سنة التدافع ليست دعوة للفوضى، بل هي قانون إلهي لضمان التوازن والاستقامة في الأرض. وهي تدعو الإنسان لأن يكون فاعلًا لا متواكلًا، مقاومًا لا مستسلِمًا، ساعيًا للخير ومدافعًا عن الحق. فمن فهم هذه السنة وأدركها، علِم أن مسيرة الإصلاح لا تكون بلا ثمن، وأنه لا يمكن أن يُهزم الباطل إلا بقوة حق واعية وصابرة.

أولًا: مفهوم التدافع:

   التدافع لغةً: هو التزاحم والدفع المتبادل. أما اصطلاحًا: فهو الصراع أو التفاعل بين القوى المتعارضة في المجتمع، سواء كانت هذه القوى فكرية أو أخلاقية أو سياسية أو مادية. ويُعد التدافع من السنن الإلهية الثابتة، التي تتجلى في قوله تعالى: "ولولا دفعُ اللهِ الناسَ بعضهم ببعضٍ لفسدت الأرض، ولكن الله ذو فضل على العالمين"(البقرة: 251)و في قوله تعالى : "ولولا دفعُ اللهِ الناسَ بعضهم ببعضٍ لهُدِّمت صوامعُ وبيعٌ وصلواتٌ ومساجدُ يُذكر فيها اسمُ الله كثيرًا"(سورة الحج: 40)

   ما معنى "التدافع" في سنة الله؟ التدافع هو: الصراع أو الدفع المتبادل بين قوى مختلفة، بعضها يسعى للحق والعدل، وبعضها يسعى للباطل والفساد، وكل طرف يحاول دفع الآخر عن موضعه أو تقليص تأثيره. وهو سنة كونية وإلهية، أي: قانون إلهي ثابت يجري في التاريخ والحياة، ولا يتغير.

ثانيًا: المقاصد الإلهية من سنة التدافع:

   المعنى والمقصد من هذه السنة: منع الفساد:التدافع يمنع سيطرة الباطل الكامل.لولا أن هناك من يقاوم الظلم، لعمّ الفساد الأرض. إبقاء الحياة حية: التدافع يحفظ التوازن.لا تموت القيم لأن هناك من يدافع عنها.إظهار معادن البشر: في ساحات التدافع يظهر من هو صادق، ومن هو متلون، ومن هو خائن.التمكين لا يأتي بسهولة: لا يمكن أن يأتي الحق لينتصر بلا اختبار أو صراع. التدافع يهيّئ النفوس للنصر. بمكننا القول في نقاط محددة أن مقاصده:

1. منع الفساد والانهيار الأخلاقي: سنة التدافع تحول دون سيطرة الفساد المطلق، وتحفظ للمجتمعات توازنها، لأن وجود قوة مضادة للظلم أو الانحراف تُجبر أهل الباطل على التراجع أو التخفيف من طغيانهم.

2. اختبار للناس وتمييز للصفوف: الصراع يكشف معادن البشر، ويميز بين الصادق والمنافق، وبين الثابت والمتلون، فيتحقق الابتلاء والتمحيص، كما قال تعالى:"أحسب الناس أن يُتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يُفتنون؟"(العنكبوت: 2)

3. تحقيق النهوض الحضاري: لا تقوم حضارة إلا في بيئة حافزة على التغيير، وسنة التدافع تُولِّد هذا التحفيز المستمر للارتقاء والتقدم في الفكر والعمل.

ثالثًا: صور التدافع في الواقع:

تدافع بين الحق والباطل: كما في قضايا الاحتلال والعدالة الدولية. تدافع بين العدل والظلم: داخل الأنظمة السياسية أو القضاء.تدافع بين الإيمان والكفر: في الأديان، والثقافات، والرسالات السماوية. تدافع داخلي في النفس البشرية: بين الهوى والضمير، بين الشهوة والفضيلة.

رابعًا: أساليب التدافع المشروع:

   ليس التدافع مقصورًا على العنف أو الحرب، بل له صور متعددة، منها: التدافع بالحجة والفكر: كما في المناظرات والمجالات الأكاديمية. التدافع السياسي: عبر الانتخابات والأنظمة الديمقراطية. التدافع الإعلامي: في ساحة الكلمة والرأي العام.التدافع بالجهاد المشروع: إذا تعذرت السبل السلمية وكان هنالك عدوان.

خامسًا: السنة في سياقها العالمي والواقعي:

   تتجلى سنة التدافع اليوم في مواقف مثل: مقاومة الشعوب للاحتلال.الوقوف في وجه الأنظمة الفاسدة. الدفاع عن القيم الإنسانية في وجه المادية المتطرفة. وما يحدث في فلسطين مثال حيٌّ على هذه السنة الربانية، حيث يستمر الصراع بين الظالم والمظلوم، ويظهر فيه الإصرار على الحقوق رغم الظلم العالمي.

سادساً- التدافع في السنة النبوية: 

   مواقف النبوة في مقاومة الباطل جاءت الأحاديث النبوية لتجسد كيف يكون ذلك الدفع واقعًا معاشًا في حياة المسلمين، ضمن مسؤوليتهم الأخلاقية والدينية. التدافع كمبدأ إيماني واجب عن النبي ﷺ قال:"من رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان."(رواه مسلم) ، هذا الحديث يضع مراتب ثلاثًا للتغيير، ويوضح أن كل مسلم مسؤول عن مقاومة المنكر بحسب طاقته. إنه شكل واضح من أشكال التدافع، يبدأ من الفعل، ثم الكلمة، ثم الموقف القلبي، وهو أقلّ درجات التأثير.

   التدافع بالكلمة الجريئة : قال رسول الله ﷺ: "أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر."(رواه النسائي وأحمد وصححه الألباني) ، إنّ الكلمة الصادقة أمام الحاكم الظالم نوع من الجهاد، وهي أرقى صور التدافع السلمي التي لا تحمل سلاحًا، لكنها قد تُزلزل عروش الظالمين. ويكفي أن نعلم أن الكلمة في الإسلام تُعدّ سلاحًا فتاكًا إن وُضعت في موضعها الصحيح.

   الاستمرارية في نصرة الحق : قال النبي ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك."(رواه البخاري ومسلم)، يبين الحديث أن معركة الحق والباطل مستمرة إلى قيام الساعة، وأن هناك من اختار أن يحمل راية الحق، ولا ينتظر النصر الآني، بل يعمل ضمن سياق التدافع الطويل.

   الصمت عن المنكر مشاركة في الإثم : وإن كان حديث: "الساكت عن الحق شيطان أخرس" فيه ضعف من حيث السند، فإن معناه مؤيد بالأحاديث الصحيحة التي تحذر من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن ذلك يؤدي إلى تفشي الباطل دون مقاومة، فتختل سنة التدافع في الأرض.

  حديث السفينة... أروع تمثيل للتدافع الجماعي عن النبي ﷺ: "مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة..." (رواه البخاري) ، يضرب النبي ﷺ بهذا الحديث مثالًا مجازيًا بليغًا عن مجتمع يسكن سفينة واحدة، فبعضهم يريد خرقها ليسهل عليه الوصول للماء. إن سكت الآخرون، غرق الجميع، وإن منعوهم، نجا الجميع. هذا هو جوهر التدافع: المنع الجماعي للفساد حفاظًا على سلامة الجميع.

  نخلص من ذلك التدافع سنة حياة، والوقوف في وجه الباطل ليس خيارًا، بل ضرورة فطرية ودينية وتاريخية.فإن لم تكن في صف الحق، فأنت من حيث لا تدري تعزز صف الباطل. 

 و الله الموفق 





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

خُلُقُ الأَنَاةِ: فَضِيلَةُ الصَّبْرِ وَحِكْمَةُ التَّأَنِّي فِي زَمَنِ العَجَلَةِ

خُلُقُ الأَنَاةِ: رِحْلَةُ العَقْلِ فِي نَيْلِ الحِكْمَةِ وَسَكِينَةِ الرُّوحِ مقدمة: حقيقة الأناة وغايتها الإنسانية    يعيش الإنسان المعاصر...