ثمار اللسان
اللسان، ذلك العضو الصغير في حجمه، العظيم في أثره، هو مرآة العقل، ورسول القلب،ومفتاح الخير أو الشر. به تُستجلب رحمة الله، وتُستدر النعم، وتُرفع الدرجات، أو – والعياذ بالله – تُكتب السيئات، وتُهوى به الأرواح في دركات الهلاك.
إنه اللسان، صاحب الكلمة التي قد تُحيي أو تُميت، تُصلح أو تُفسد، تُبشّر أو تُنفّر، تُقرّب إلى الجنة أو تُزحلق إلى النار. وقد جعل الله له من القوة ما يجعل أثره لا يُقاس بطوله ولا بصوته، بل بما يحمل من صدق أو كذب، خير أو شر، حكمة أو سفه. ومن هنا، كان لزامًا على العاقل أن يعرف ثمار لسانه، وأن يحسن غرس كلماته، حتى لا يندم يوم تُعرض الصحائف، وتُنشر الدفاتر، ويُقال: "ما يلفظ من قولٍ إلا لديه رقيب عتيد.".
ثمار اللسان كثيرة ومتنوعة، لأن اللسان أداة عظيمة في الخير والشر، فإذا استُعمل في الخير أثمر ثمارًا طيبة، وإن استُعمل في الشر جلب على صاحبه الويلات. وفيما يلي بيان لأهم ثمار اللسان الطيب:
ثمار اللسان في الخير:
ذكر الله تعالى : من أعظم ثمار اللسان، كالتسبيح، والتهليل، والتحميد، والتكبير، والاستغفار. قال ﷺ: "لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله". تلاوة القرآن الكريم: كلام الله على اللسان نور في الدنيا والآخرة. قال ﷺ: "من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها...". الدعاء والتضرع إلى الله، اللسان أداة الدعاء والابتهال، والله يحب أن يُسأل. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: نصيحة صادقة تُخرج من القلب إلى القلب. النطق بالصدق وقول الحق: اللسان الصادق يرفع صاحبه عند الله وعند الناس. الإصلاح بين الناس: بالكلمة الطيبة التي تزرع السلام والمحبة. العلم والتعليم: نشر العلم باللسان من أعظم أبواب الأجر والثواب. الكلمة الطيبة:قال تعالى: "وقولوا للناس حسنًا".وقال ﷺ: "الكلمة الطيبة صدقة". الشهادة بالحق:اللسان يشهد بالحق ولا يكتمه، وهذا من علامات الإيمان.
ثمار اللسان في الشر (لمن أساء استخدامه):
الكذب والافتراء:من أكبر أبواب الإثم، ويهدي إلى الفجور.الغيبة والنميمة :تُهدم العلاقات، وتُغضب الله. السب والشتم :قلة أدب وسقوط من أعين الخلق والخالق. المراء والجدال بغير علم :يورث القسوة والبعد عن الحق. الاستهزاء والسخرية :دليل على ضعف الإيمان وخبث الطبع. اللسان إما أن يكون سُبُلاً إلى الجنان أو مزالق إلى النيران. قال ابن القيم: "اللسان صغير جرمه، عظيم جرمه، فلا ينجو من شرّه إلا من رزقه الله حسن استعماله."
هنا نفهم و نعي قول الله تعالي في كتابه الحكيم في سورة إبراهيم، آية 24: "أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25)"، أذا ما تأملنا هذه الاية بنجد أن "كلمة طيبة": هي كل قول فيه توحيد، وذكر، وصدق، ونصح، ورحمة. "كشجرة طيبة": قوية الجذور، ثابتة، تنمو في السماء، لا تزول ولا تذبل. "تؤتي أكلها كل حين": ثمرتها لا تنقطع، كما أن أثر الكلمة الطيبة باقٍ، يُثمر في القلوب، ويؤتي أُكله في الدنيا والآخرة. "بإذن ربها": أي أن الخير كلّه مرهون بتوفيق الله، فلا ثمرة لكلمة إلا إن خرجت من نية صادقة، وقلبٍ مؤمن. هذه الآية هي أصل هذا المعنى الجليل، أن الكلمة الطيبة ليست مجرد صوت، بل غرسٌ في الأرض، وامتدادٌ إلى السماء، وثمرٌ لا ينفد.
قال الله تعالى في تتمة الآية بسورة إبراهيم: "وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ" (سورة إبراهيم، الآية 26)، بتأمل هذه الآية نجد النقيض"كلمة خبيثة": تشمل كل قول فيه شرك، كذب، غيبة، نميمة، سب، أو فتنة. "كشجرة خبيثة": لا أصل لها، ولا ظل، ولا ثمر، بل نتنة الطعم، مُهلكة للزرع والنفس. "اجتثت من فوق الأرض": أي اقتُلعت من غير رجعة، فهي لا جذور لها، ولا تنمو، ولا تبقى. "ما لها من قرار": لا ثبات لها في القلوب، ولا وزن لها في الميزان، ولا مأوى لها في الأرض ولا في السماء.
وهكذا يتبيّن لنا أن اللسان، وإن صغر حجمه، فهو ميزان القلب، ولسان الحال، ومصدر البناء أو الهدم في حياة الإنسان. هو بين فكيك، لكنه قد يرفعك إلى منازل الصالحين، أو يهوي بك إلى دركات الغافلين. فيه تُبنى الصداقات أو تُكسر، تُصان الأعراض أو تُهدر، تُكتب الحسنات أو تُسجل السيئات. إنّ كل كلمة نلفظها ليست عبثًا، بل هي بذرة: فإن كانت طيبة، أنبتت حبًّا، وصدقة، وهدىً، وثناءً، وذكْرًا في الملأ الأعلى. وإن كانت خبيثة، أثمرت ندمًا، ووزرًا، وخطيئة، وحسراتٍ لا تنقضي. فلنحذر كلماتنا، كما نحذر خطواتنا، ولنزن أحرفنا بميزان التقوى، كما نزن أفعالنا بميزان الحكمة، فإن اللسان لا تُصلحه الأقفال، بل يُصلحه الإيمان، ولا يُهذّبه الصمت فقط، بل تُهذّبه صحبة الذكر، ومجالسة الصادقين، ومراقبة العليم الخبير.قال رسول الله ﷺ: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت."
فاجعل لسانك طريقًا إلى الجنة، لا مطيّة إلى النار، وازرع به ما تُحب أن تحصده حين لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلبٍ سليم ولسانٍ سليم.
و الله الموفق
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق