الجمعة، 4 أبريل 2025

هل التفكر فرض عين ام فرض كفاية

 هل التفكر فرض عين أم فرض كفاية

   هل التفكر فرض عين أم فرض كفاية؟ هذا السؤال هام جداً و يطرح نفسه من خلال أيات القران الكريم، و لكي نقف على حقيقة الأمر لابد لنا من تحديد المقصود بالتفكر أولًا حتى نقف بعد ذلك على حقيقة الأمر فيه، لأنة إذا كان فرض عين فتاركه  آثما شرعًا، أما إذا كان فرض كفاية فأنه  إذا قام به البعض سقط عن الآخرين.  

   فما المقصود بالتفكر؟ للتفكر معنى لُغَوي  و معنى اصطلاحي، لغوياُ :التفكر مأخوذ من "فَكَرَ يفكر تفكيرًا وتفكرًا"، وهو إعمال العقل في الشيء بقصد الفهم أو الوصول إلى نتيجة أو حقيقة الأمر فيه. و اصطلاحًا (شرعًا): التفكر هو: إعمال العقل والقلب في تدبر الأمور والآيات، بقصد إدراك الحكمة والعبرة، والوصول إلى معرفة الله، وتعظيمه، والخشية منه.

   المقصود بالتفكر في القران الكريم و السنة النبوية الشريفة و الأدلة عليه: ماذا يُقصد بـ"التفكر" في القرآن الكريم؟

   التفكر في القرآن يشير إلى: تأمل الإنسان في الآيات الكونية والشرعية، بهدف الوصول إلى: الإيمان بالله تعالى، معرفة عظمته وقدرته، الاعتراف بوحدانيته، إدراك حكمة الله في الخلق والتشريع، وبلوغ مرتبة الخشية واليقين و أمثلة من التفكر في القرآن: التفكر في خلق السماوات والأرض: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ... لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ... الَّذِينَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾(آل عمران: 190–191)، التفكر في النفس البشرية:﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾(الذاريات: 21)، التفكر في سنن الله في الأمم السابقة:﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم﴾(الروم: 9)، التفكر في آيات الله القرآنية:﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾(ص: 29).

   ماذا يُقصد بـ"التفكر" في السنة النبوية؟

   التفكر في السنة يعني: توجيه القلب والعقل للتأمل في خلق الله وآياته، واستحضار المعاني الإيمانية والروحية من ذلك، دون التجرؤ على ذات الله أو محاولة تصورها. أمثلة من السنة: قول النبي ﷺ: "تفكروا في خلق الله، ولا تفكروا في ذات الله"(رواه أبو نعيم والبيهقي وحسنه العلماء) ، المعنى: التفكر المأذون هو في آثار صنع الله، لا في ذاته العلية التي لا تُدرك بالعقول. كان ﷺ يقوم الليل ويتفكر: في حديث ابن عباس: "فاستيقظ رسول الله ﷺ فجلس يمسح النوم عن وجهه وقرأ العشر آيات من آخر سورة آل عمران، ثم قام فتوضأ وصلى"(رواه البخاري ومسلم)  أي: بدأ بتفكر في الآيات قبل الصلاة. وضع القران الكريم و السنة النبوية الشريفة حدود و معالم و مجالات التفكر، لان الإنسان لا يملك بعقله المحدود في التفكر في ذات الله ، و ما يمر على الإنسان من خواطر في  هذا الاتجاه ما هو  إلا من وسوسة الشيطان ـ فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، لان عقل الإنسان بكافة إمكاناته لا تدرك ذلك فمَا لا يدرك  الخير في تركه و عدم مقاربته من الأساس .

   مجالات التفكر إذن مجالات التفكر في القرآن والسنة: خلق السماوات والأرض،تعاقب الليل والنهار – مواقع النجوم النفس البشرية،العقل – السمع – البصر – القلب ، المخلوقات الجبال – البحر – الحيوانات،التاريخ والسنن مصير الأقوام السابقة، آيات القرآن أوامر – نواهي – قصص الأنبياء. و يقف عند ذات الله بقولة تعالى(قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ (1) ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ (2) لَمۡ يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ (3) وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ (4)) سورة الإخلاص.

   التفكر له مكانة عظيمة في القرآن الكريم والسنة النبوية، بل يمكن القول إن التفكر في خلق الله وآياته هو من الأمور الواجبة على المسلم، ولكن وجوبه ليس بمعنى "الفرض الفقهي" (مثل الصلاة والزكاة)، وإنما هو فرض قلبي وعقلي وأخلاقي من أجل تحصيل الإيمان الحقيقي والخشوع، وفهم مقاصد الشريعة، ومعرفة الله تعالى.

   هل التفكر "فرض"؟

إذا كان المقصود بالفَرض: ما يُثاب على فعله ويعاقب على تركه، فالعلماء لا يعدون التفكر من الفرائض الفقهية. لكن من حيث الواجب العقلي والقلبي، فإن التفكر: فرض كفاية على الأمة لتقوم بالحجة وتنهض بالعلم والدعوة. وقد يكون فرض عين على الفرد إذا كان التفكر يؤدي به إلى تقوية الإيمان، أو دفع وساوس، أو تدبر معاني التوحيد.التفكر عبادة عظيمة، أمر بها الله في كتابه، ومدح أهلها، وذم الغافلين عنها. هي من أسباب زيادة الإيمان، ومعرفة الله، والخشية منه.  وإن لم تكن "فرضًا فقهيًا" بالمعنى التقني، إلا أنها من أصول السير إلى الله ومنازل أهل الإيمان.

    ما نوعه؟

  هل هو فرض عين  أم فرض كفاية؟  التفكر من حيث النوع والمقصد ينقسم إلى قسمين رئيسيين: تفكر يُؤدي إلى معرفة الله والإيمان به وتوحيده ، هذا النوع من التفكر يُعتبر فرض عين على كل مكلف. لأن الله تعالى أمر عباده أن يؤمنوا به عن علم وبصيرة، وليس عن تقليد أعمى، ومن ذلك:﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ (يوسف: 108)، فالإنسان مأمور أن ينظر في: آيات الكون (الليل، النهار، الشمس، القمر، خلق النفس، إلخ)، آيات القرآن  حتى يصل إلى الإيمان الحق بوجود الله وربوبيته وألوهيته.  فهذا التفكر فرض عين، لأن العقيدة لا تصح إلا بالعلم والتفكر، لا بالتقليد المحض.

   تفكر يُراد به التدبر والتأمل في خلق الله والكون والأنفس والسنن الكونية : هذا النوع فيه تفصيل:  إن قام به بعض المسلمين في الأمة: من العلماء، والمصلحين، والمفكرين، والدعاة. وأظهروا من خلاله براهين التوحيد، أو كشفوا سنن الله في الخلق ، فهو حينئذ فرض كفاية: إذا قام به البعض سقط عن الباقين. وإن تركه الجميع:  أثموا كلهم، لأن فيه تضييعًا لباب عظيم من أبواب العبادة والعلم والدعوة. هذا و بالله التوفيق 




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

خُلُقُ الأَنَاةِ: فَضِيلَةُ الصَّبْرِ وَحِكْمَةُ التَّأَنِّي فِي زَمَنِ العَجَلَةِ

خُلُقُ الأَنَاةِ: رِحْلَةُ العَقْلِ فِي نَيْلِ الحِكْمَةِ وَسَكِينَةِ الرُّوحِ مقدمة: حقيقة الأناة وغايتها الإنسانية    يعيش الإنسان المعاصر...