هل يتطابق المظهر و الجوهر
هذا السؤال ورد على خاطري، عند قراءة قول الله تعالى (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ...)أية 4 سورة المنافقين،قول جلّ ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: وإذا رأيت هؤلاء المنافقين يا محمد تعجبك أجسامهم لاستواء خلقها وحسن صورها(وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ) يقول جلّ ثناؤه: وإن يتكلموا تسمع كلامهم يشبه منطقهم منطق الناس (كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ) يقول كأن هؤلاء المنافقين خُشُب مسنَّدة لا خير عندهم ولا فقه لهم ولا علم، وإنما هم صور بلا أحلام، وأشباح بلا عقول. و حاولت أن ابحث عن أجابه له فمنذ القدم، انشغل العقل الإنساني بسؤال عميق: هل يعكس ظاهر الإنسان باطنه؟ وهل يُمكن أن نكتفي بالحكم على ما نراه؟ يتردد هذا السؤال في كل تفاصيل الحياة: من العلاقات الشخصية، إلى السياسة، والدين، والفن. فهل المظهر مرآة حقيقية للجوهر؟ أم أن وراء الابتسامات أقنعة، وخلف الكلمات نوايا أخرى؟ هل العلاقة بين المظهر و الجوهر علاقة تطابقية أم ماذا؟
المظهر والجوهر ثنائية الإنسان الأزلية ،المظهر هو العنوان، والجوهر هو النص.وقد يحدث أن يتوافقا، فتُزهِر الروح وتتشكل في هيئة صافية صادقة، وقد يفترقا، فيكون الإنسان قناعًا جميلًا يخفي قلبًا أضناه الزيف.قال أفلاطون ذات تأمل: "ليس كل ما تراه العين يُعبّر عن الحقيقة، فالحق ساكن في العالم الأعلى، لا في ظل الأشياء."وهكذا، منذ نشأة الفكر، نشأت الفجوة بين الظاهر والباطن، وأخذ الفلاسفة يتساءلون:هل ما نراه هو ما يكون؟ أم أن وراء الألوان ستائر كثيفة من الوهم؟
في ضوء الهدي الرباني،جاءت الرسالات السماوية لتوقظ القلوب من خداع الصور.قال سيد الخلق ﷺ:"إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم."كأنما يُنادي هذا الحديث فينا: لا تغترّوا بالبريق، فالمعدن الأصيل لا يُقاس بلمعانه، بل بصلابته في مواطن الحق. وقد تُغريك أناقة رجلٍ في ملبسه، لكنك إن اقتربت من صلاته، وصدق لسانه، وانكسار قلبه، عرفت حقيقته.وقد يُعرض عن فقير بثوبٍ مرقع، لكن في جوفه حكمة، وفي سجوده طهارة لا يدركها الأغنياء.
مرآة النفس في علم النفس،الإنسان المتصالح مع ذاته، مَن لا يلبس أقنعة، ولا يُجيد التلوّن، هو ذلك الذي يتطابق ظاهره مع باطنه،يتكلم بلسان قلبه، ويمشي بثبات نيته، ولا يُخفي خلف ابتسامته جرحًا للآخرين. أما من امتهن الزيف، فهو يُراوغ الحياة، ويعيش في صراع دائم بين ما يُظهره للناس، وما يبيت في أعماقه من تناقض. ومضة من الحياة،في كل يوم، تمر بنا أرواح تمشي على الأرض، بعضها كالحديقة: مظهرها بسيط، لكنك إن دخلت وجدت عبق الياسمين،وبعضها كالقصر المُزخرف، تبهرك من بعيد، فإذا اقتربت وجدت الجدران خاوية إلا من صدى الريح.ليتنا نعيد ضبط بوصلتنا...فننظر إلى الإنسان لا بما يملك، بل بما يُبطن،لا بما يلبس، بل بما يزرع في القلوب من أثر.فالمظهر قد يُخدع به الناس،أما الجوهر... فهناك رب لا تخفى عليه السرائر.فيا أيها الإنسان، اجعل ظاهرك ترجمانًا لجوهرك، واجعل قلبك مرآتك الحقيقية، تجد فيك إنسانًا تهابه الأقنعة وتخشاه الزيف.
عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: مرَّ رجلٌ على النبيِّ ﷺ، فقال لرجلٍ عنده جالسٍ: ما رأيُك في هذا؟ فقال: رجلٌ من أشرافِ الناسِ، هذا واللهِ حَرِيٌّ إن خطب أن يُنكَح، وإن شفع أن يُشفَّع.فسكت رسولُ الله ﷺ، ثم مرَّ رجلٌ آخر، فقال: ما رأيُك في هذا؟ فقال: يا رسولَ الله، هذا رجلٌ من فقراء المسلمين، هذا حَرِيٌّ إن خطب ألا يُنكَح، وإن شفع ألا يُشفَّع، وإن قال ألا يُستمع لقوله.فقال رسول الله ﷺ: هذا خيرٌ من مِلءِ الأرض من مثلِ هذا. رواه البخاري (رقم 5091)،الحديث هو حديث نبوي عظيم يُبيِّن فيه النبي ﷺ كيف أن الناس يحكمون على الظاهر، بينما الله يحكم على القلوب والأعمال. و هذا أن دل فأنما يدل على انخداع الإنسان بالمظاهر، فليس بالضرورة أن يدل المظهر عن المخبر.
و في حديث أخرعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "رُبَّ أشعثَ أغبرَ مدفوعٍ بالأبوابِ، لو أقسمَ على اللهِ لأبرَّه."رواه مسلم (2622) وأخرجه ابن ماجه وأحمد وغيرهم."رُبَّ": تفيد التقليل أو التكثير، أي "كثيرًا ما يكون"."أشعث أغبر": أي شعره غير مرتب، وثيابه مغبرة، لا يهتم بمظهره."مدفوع بالأبواب": أي لا يُؤبه له، ولا يُستقبل باحترام، يُهان عند أبواب الناس."لو أقسم على الله لأبره": أي لو دعا الله بقسم، استجاب الله له وأبرّ قسمه. المعنى: قد يكون الإنسان في نظر الناس مهمل الهيئة، فقيرًا، مغمورًا، لكن عند الله له مقامٌ رفيع بسبب إيمانه الصادق، وتقواه، وإخلاصه. حتى إن دعاءه لا يُرد، وإن أقسم على الله أن يفعل شيئًا، فإن الله يحقّق له ما طلب. دروس مستفادة: لا تغتر بالمظاهر: فالله يرفع من يشاء بصدق الإيمان لا بحسن الثياب.التواضع سبيل الرفعة: فالعبرة بالقلوب، لا بالهيئات.للصالحين مكانة عظيمة: قد لا تعرفهم الأرض، لكن السماء تعرفهم.الدعاء الصادق له أثر عظيم: خاصة ممن صفا قلبه وصدق توكله على ربه. أمثلة من الواقع النبوي:البراء بن مالك رضي الله عنه، قيل فيه:"كان إذا أقسم على الله أبره"، وقد دعا في معارك كثيرة فاستجاب الله له.أويس القرني، كان رجلًا بسيطًا من أهل اليمن، لا يُعرف في الأرض، لكن النبي ﷺ أوصى عمر بن الخطاب أن يطلب منه الدعاء، لأنه من أولياء الله الخفيين. :قد لا تجد لك مكانًا بين الناس، لكن ابحث عن مكانك عند الله.فربّ عبدٍ مغمور في الأرض، مشهور في السماء بدعائه وصدقه وخشيته.
فيا سائلاً: هل يتطابق المظهر والجوهر؟الجواب لا يُختصر في نعم أو لا، بل في تأملٍ عميق لحقيقة الإنسان،حيث تتكشّف الأرواح لا في المرايا، بل في المواقف، وفي صدق القول، وفي أثر الفعل حين يخلو من الرقيب. فقد يلمع الظاهر بطلاءٍ زائف، ويمكث الجوهر تحت ركامٍ من النسيان، لكنه لا يموت. الحق أن الصدق لا يُخفى، وإن طال زمن الخداع، والنقاء يُشرق، وإن حجبه غبار المظهر. فاجعل قلبك نورك، ونيّتك زادك، وسيرتك مرآتك.ولا تبحث عن تصفيق الناس، بل عن رضا ربّ الناس، فإن صدقك الله، لم يضرك أن تُخفى عن أعين الخلق،وإن فضّلك الله، فلا يُنقصك أن يُخطئ الناس حكمهم عليك.فالمظهر قد يرفعك ساعة... لكن الجوهر يرفعك عند الله دهرًا.وشتّان بين من يُلمّع ذاته في مرآة الناس، ومن يصقل روحه في خلوة الصدق مع الله.
و الله الموفق
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق