مجتمعات تتجاور… ولا تلتقي
عن التفكك الاجتماعي خلف وهج التواصل الرقمي
بقلم: حسام الدين عبد السلام
في مساء عادي، تجتمع أسرة حول مائدة العشاء. لا صوت يعلو سوى رنين الإشعارات، ولا حركة سوى انحناء الرؤوس نحو شاشات مضيئة. الجميع حاضر، لكن لا أحد "موجود". هكذا يبدو التفكك الاجتماعي في زمن التواصل؛ غير صاخب، وغير مدوٍّ، لكنه قاتل بصمت. لقد علّمتنا الحياة أن الشقوق لا تبدأ من السقف، بل من الجدار الداخلي… من المناطق التي لا نراها إلا بعد أن يتداعى البناء.تحت أنقاض اللايكات في تعليق لأحد الاصدقاء في أحد مواقع التواصل الاجتماعى ، أثار موضوع اليوم شغفى الى الكتابة فيه ،قراءة تلسكوبية في ملامح مجتمع يتبدد بهدوء، لم تكن الضوضاء هي ما يلفت الانتباه، بل السكون...،ذلك الصمت الذي صار يعلو على موائد العائلات، في الفصول، في المجالس، وحتى في قاعات الانتظار. وجوه منحنية إلى الأسفل، أنامل تنقر على شاشات، أعين تتابع حيوات الآخرين بنهم، بينما تتآكل الحوارات، وتبهت الروابط، وتبرد العلاقات الحية.
لقد تغير المشهد دون إعلان، ولم يعد "التقارب" مرادفًا للوصال، ولا "المشاركة" تعني التآلف. شيءٌ ما انكسر في البناء الاجتماعي، لا تُرى شظاياه، لكنها تنغرس في بنية العلاقات على نحو خفي. من كان يتوقع أن يكون الأكثر اتصالًا هو الأشد وحدة؟، وأن تكون العلاقات الرقمية – التي عُدَّت إنجازًا إنسانيًا – سببًا في انفراط العقد الاجتماعي؟.
لكنَّ هذا ما حدث... لا فجأة، بل بالتدريج.
تشقق الداخل… لا الخارج
لم تكن الكارثة في انهيار الأسر، بل في تآكل نسيجها من الداخل، حين صار الأب يعيش مع أولاده في بيت واحد، لكنهم يعيشون في مجرات رقمية متباعدة. يُحدّث أحدهم العالمَ يوميًا، ويعجز عن النظر في عين والدته. تبادل "الصور" حلّ محل تبادل الأحاديث. وباتت "اللايكات" بديلاً عن المشاعر. ما حدث لم يكن عزوفًا اجتماعيًا فجائيًا، بل كان انسحابًا تدريجيًا أمام سطوة عالم افتراضي يخلق بدائل لكل شيء: للرفقة، للانتماء، للهوية، للانتصار. وكلما تعاظم الشعور بالانتماء لتلك العوالم المتوهجة، خفَّ الحبل الرابط بالانتماءات الأصيلة: العائلة، الحيّ، الوطن، الجماعة، الرسالة.
تحت أنقاض اللايكات
ما عادت العلاقات تُبنى بالكلمة، ولا تُصان بالمجالسة، بل بالصورة والرمز والرد اللحظي. لم تعد للذاكرة طقوسها، ولا للألفة مجراها الطبيعي. استُبدل كل شيء... حتى الضحك الجماعي أصبح يُؤدّى على شكل "إيموجي". في البداية، بدت مواقع التواصل كنافذة مفتوحة على العالم. لكن دون أن نشعر، صارت بابًا خلفيًا يُسرب منا المعنى، والقرب، والصدق.صارت حواراتنا تُختزل في رموز، وصداقاتنا تقاس بعدد المتابعين، لا بعمق المواقف.
الانتماء المُعلّب
في دهاليز تلك المواقع، أُعيد تشكيل مفهوم "الانتماء".صار الانتماء إلى مجموعة رقمية، أو وسم، أو ترند، أهم من الانتماء إلى عائلة أو جماعة واقعية. صار الشاب يعرف "اليوتيوبر" أكثر مما يعرف عمّه، ويتفاعل مع منشورات الغرباء أكثر مما يتبادل الكلمات مع أخته. تحولنا – دون انتباه – من كائنات اجتماعية بالفطرة، إلى كائنات تفاعلية مشروطة. وهكذا تسلل التفكك… لا كقنبلة، بل كقطرات ماء تنحت جدار الزمن.
حين تتهشم البنية... ولا يشعر بها أحد
لا يظهر التصدع واضحًا. فما زالت المناسبات تُقام، وما زالت الأسر تتجمّع، لكن الروح غائبة. ما عاد أحد ينصت للآخر، لأن الكل مشغول بما يُبَث من هناك. المجتمع، بتدرجاته المختلفة، صار متزامنًا ظاهريًا ومنعزلاً واقعيًا. تآكلت الجلسات الحميمة، ونُسيت الحكايات، وغابت الطقوس الأسرية. وبات أقصى أشكال التواصل هو رسالة صوتية مجتزأة، أو صورة مشفوعة بفلتر يُجمل الغياب.
المجتمع: صورة بلا حرارة
اللقاءات صارت نادرة، والرحم أُهملت، والحوارات اختنقت في ازدحام الثرثرة الرقمية. نسمع كثيرًا عن حالات انفصال عاطفي داخل بيت واحد، عن صداقات تنهار عند أول صمت، عن جيل لا يعرف كيف يُعبّر عن نفسه وجهًا لوجه. هذه ليست أعراضًا طارئة، بل إشارات على تحوّل عميق في البنية الاجتماعية. تحوّل يفتت العلاقات إلى فتات غير مرئي، لكنه محسوس بشدة في أروقة العيادات النفسية، في غرف المراهقين، في نظرات الكبار حين يشتاقون لزمن لم يكن فيه "الحضور" عملةً نادرة.
الخرائط القديمة لم تعد تنفع
ما عادت النصائح التقليدية تنفع: "اقرأ كتابًا"، "اخرج مع أصدقائك"، "أغلق الهاتف ساعة"...،كلها محاولات طيبة لكنها تعالج السلوك لا المنطق العميق الذي أعاد صياغة العلاقة بين الإنسان والآخرين.ما نحتاجه ليس إعادة ضبط الوقت، بل إعادة ضبط المعنى.معنى التواصل، ومعنى العلاقة، ومعنى الذات في وسط الجماعة.
من حافة الظاهرة إلى عمقها
كل هذا لا يعود فقط إلى سلوكيات الأفراد، بل إلى أن نمط التفكير الاجتماعي نفسه أعيد تشكيله. الوقت، المعنى، العلاقات، صارت جميعها تُقاس بمؤشرات رقمية، لا بقيمة التجربة. صار الفرد يُعطي "الأولوية للمرئي لا للمعيشي"، وللمثير لا للثابت. في هذه البيئة، تصبح العلاقات الاجتماعية عبئًا ثقيلًا، لأنها لا تضمن إشباعًا فوريًا ولا ردود فعل لحظية. فيُستبدل بها "الخفيف"، "السهل"، "السريع".
النتيجة: مجتمعات بلا حرارة
مجتمعات متجاورة مكانيًا، لكن متباعدة شعوريًا. تنتشر فيها مظاهر الانفصال العاطفي، وسهولة الانفصال الزوجي، وتقلص دوائر الصداقة العميقة. يزداد القلق والاغتراب، ويغيب الحِوار الحقيقي. وتتنامى مشاعر التبلد، كأن الإنسان صار "يشاهد حياته من الخارج".كيف نستعيد دفء العلاقات؟
لا بالرفض الكلي لمواقع التواصل، ولا بإنكار الواقع الرقمي. بل بالوعي العميق بأن ما يُسمى تواصلاً قد يكون أحيانًا أكثر أشكال القطيعة تمويهًا.فلنبدأ من التفاصيل: دعوة عشاء بلا هواتف.جلسة مع الأبناء يكون فيها الإنصات هو البطل. مبادرة صادقة لزيارة وجه قديم نسيَ كيف يُزار. مشروع جماعي واقعي، يعيد تعريف فكرة "العمل معًا". تخصيص وقت للناس… لا للشاشات.كل خطوة كهذه ليست مجرد تصرف اجتماعي، بل إعلان رمزي أن الإنسان لا يُختزل في إشارة ولا في شاشة.
إشارات النجاة
لكن ليس كل ما خفي مميت. فكما أن التفكك يحدث في صمت، يمكن للترابط أن يُستعاد بذات الهدوء.بمراجعة صغيرة: لقاء بلا هاتف. جلسة حوار أسبوعية بلا مقاطعة. قرار بعدم فتح الهاتف على مائدة الطعام. مبادرة صادقة بإعادة بناء دائرة حقيقية من الناس. عودة لسؤال: من أنا؟ من عائلتي؟ من أصدقائي الحقيقيين؟ من أحتاج أن أقترب منه لا أن أُتابعه؟
الخروج من المتاهة
ليست المشكلة في مواقع التواصل ذاتها، بل في تخلينا عن "الوعي البيني"، عن إدراك المسافة بين الأنا والآخر، بين الظاهر والجوهر، بين الإشارة والعلاقة. إن المجتمع لا ينهار بضربة، بل بتفريطٍ متكرر في التفاصيل الصغيرة. لكنَّ إعادة البناء تبدأ أيضًا من تلك التفاصيل.حين نختار أن نرى مَن أمامنا لا مَن على الشاشة. وحين نعيد تعريف "التواصل"... لا بالعدد، بل بالعمق.
الختام... أو بداية الحضور
ما يحدث اليوم ليس فقط تراجعًا في العلاقات، بل اختبارٌ حضاري لقدرتنا على البقاء كجماعات حقيقية، لا كجزر معزولة بموجات ويفي. وإن أردنا ألا يأتي يوم نصير فيه غرباء داخل بيوتنا، فلنعد تعريف الحضور.ولنحرس إنسانيتنا من الذوبان في ضوء الشاشة. فلعلنا حينها لا نكتفي بأن نكون معًا… بل نعود لأن نكون لبعضنا. و الله من وراء القصد معين.