من واقع الحياة العملية في ممارسة المحاماة أمام القضاء الجنائي و الافتصادي يؤدي بنا الى التسليم بأن جل الجرائم تعتمد في اثباتها الى دليل قولي يعاضدده دليل فني و لهذا تعتبر منظومة الإثبات في القضاء الجنائي من أدق الأنظمة القانونية وأكثرها حسمًا؛ نظرًا لارتباطها المباشر بحريات الأفراد وحقوقهم. ولا يقوم الحكم الجنائي على الرجم بالظن أو التخمين، بل على اليقين والاطمئنان الذي يستقره القاضي من واقع الأدلة المطروحة أمامه. وفي هذا السياق، يتصدر الإثبات أداتان رئيسيتان: الدليل القولي والدليل الفني.
إن فهم طبيعة العلاقة بين هذين الدليلين، ومدى اتساقهما أو تناقضهما، يُعد الركيزة الأساسية التي تبنى عليها أحكام الإدانة أو البراءة في المحاكمات الجنائية. و هذا ما نستعرضه مع القارئ في النقاط التالية لنرسم الاطار العام لهذه العلاقة.
أولاً: مفهوم الدليل القولي والدليل الفني
1. الدليل القولي (الشهادة والإقرار)
يقصد بالدليل القولي كل ما يصدر عن الإرادة البشرية الشفهية أو المكتوبة ويعبر عن واقعة جنائية. ويشمل ذلك: شهادة الشهود: أقوال الأشخاص الذين شاهدوا أجزاءً من الجريمة أو عاينوا ملابساتها. إقرار أو اعتراف المتهم: أقوال المتهم على نفسه بارتكاب الفعل الإجرامي. أقوال المجني عليه: الرواية التي يقدمها الضحية حول كيفية وقوع الاعتداء وشخصية الفاعل.ويتميز الدليل القولي بطابعه الشخصي؛ إذ يخضع للانطباعات والتذكر والتحيز، ويعتمد بالكامل على الأمانة والقدرة الاستيعابية للشاهد أو المقر.
2. الدليل الفني (الخبرة الجنائية والتقرير الطبي)
أما الدليل الفني فهو المخرج العلمي المادي الذي يقدمه الخبراء والمختصون للمحكمة لتفسير جانب معين يخرج عن اختصاص القاضي العادي. ويشمل: التقارير الطبية الشرعية: لتحديد سبب الوفاة، وتاريخ حدوثها، وطبيعة الإصابات (قطعية، نارية، رضية) والأداة المستخدمة. تقارير المعامل الجنائية: مثل أدلة البصمات، والبصمة الوراثية(DNA) وتحليل السموم المقارن.المعاينات الفنية والتقنية: كتحليل مقاطع الفيديو، والتسجيلات الصوتية، والتحليلات الرقمية الجنائية.ويتميز الدليل الفني بالموضوعية والتجرد؛ إذ ينصب على الآثار المادية التي خلفتها الجريمة ولا يتأثر بالانفعالات أو الهوى.
ثانياً: طبيعة العلاقة التكاملية بين الدليلين
لا يتنافر الدليل القولي مع الدليل الفني في الأصل، بل يعملان في إطار تعاضدي وتكاملي لتشكيل "عقيدة المحكمة": [ الدليل القولي ] <---> [ سلطة التقدير للقاضي ] <---> [ الدليل الفني ]
(رواية أطراف الواقعة) (التوفيق الملائم) (الحقيقة المادية/العلمية)
إثبات المادية وتجسيد الرواية: يقدم الدليل القولي الرواية والقصة الإنسانية للواقعة (من، ومتى، ولماذا)، بينما يأتي الدليل الفني ليؤكد مدى امكانية حدوث هذه الرواية من الناحية المادية والعلمية (كيف). استكمال النقص: قد لا يستطيع الشاهد تحديد الآلية الدقيقة للإصابة أو توقيت الوفاة بالدقائق، فيأتي التقرير الطبي الشرعي ليسد الفراغ العلمي. وفي المقابل، قد يثبت التقرير الطبي وجود سمّ في الجثة، لكنه لا يستطيع تحديد من وضع هذا السم؛ وهنا يبرز دور الدليل القولي لتحديد الفاعل ورابطة السببية.
ثالثاً: القواعد الحاكمة للتناقض بين الدليل القولي والفني
تضع محكمة النقض والقضاء الجنائي المقارن ضوابط دقيقة لمعالجة حالات التعارض بين ما يُقال في التحقيقات وما يثبت بالتقرير الفني:
1. قاعدة الملاءمة والتوفيق (عدم التناقض الجوهري)
استقرت المبادئ القضائية على أنه لا يلزم أن تتطابق أقوال الشهود كلياً مع مضمون التقرير الفني بالتفصيل. فجسم الإنسان متحرك وغير ثابت وقت الاعتداء، والشهود يصفون الأحداث خاطفة الحركة من زوايا مختلفة. يكفي أن يكون جماع الدليل القولي غير متناقض مع جوهر الدليل الفني تناقضاً يستعصي على التوفيق.
مثال: إذا شهد الشاهد بأن المتهم ضرب المجني عليه "على رأسه من جهة اليمين"، وجاء التقرير الطبي لبيان أن الجرح يقع في "منتصف الرأس مائلاً لليمين قليلاً"، فهذا اختلاف يسير تتسع له التقديرات ولا يعد تناقضاً يستوجب إهدار الشهادة.
2. التناقض المستعصي على التوفيق (موجب للبراءة أو بطلان التسبيب)
إذا جاء الدليل القولي مصادماً ومنافياً بشكل مطلق للحقائق المادية والمختبرية التي قطع بها الدليل الفني، فإن هذا التعارض يُعد تناقضاً جوهرياً يُسقط حجية الدليل القولي: إذا أدلى المجني عليه بأنه أُصيب بـ "طعنة بسكين حاد"، وأثبت التقرير الطبي الشرعي أن الإصابة "رضية ناتجة عن التصاق بسطح خشن أو آلة صلبة كدمية".
إذا زعم الشاهد أنه شاهد الجريمة تتم عبر إطلاق النار من مسافة قريبة جداً (تترك آثار حرق وبارود)، وأثبت التقرير المادي والطب الشرعي أن المقذوف أُطلق من مسافة بعيدة تجاوزت أمتاراً عدة.
في هذه الحالات، لا يجوز للمحكمة أن تجزم بالإدانة بناءً على الدليل القولي المتناقض دون أن تعلل كيف قامت بالتوفيق بين الدليلين، أو تستدعي الخبير الفني لرفع هذا التناقض. وإن هي أخذت بالدليلين معاً رغم تناقضهما الجوهري الصريح، كان حكمها مشوباً بالقصور في التسبيب والفساد في الاستدلال.
رابعاً: مبدأ عقيدة القاضي وحرية التقدير
يطبق القضاء الجنائي مبدأ "حرية القاضي الجنائي في الاقتناع"، وهو ما يضع الدليلين القولي والفني تحت سلطة تقديرية واحدة: نوع الدليل السلطة التقديرية للقاضي الجنائي،الدليل القولي القاضي له مطلق الحرية في تجزئة أقوال الشاهد؛ فيأخذ بما يقتنع به منها ويطرح ما يتطرق إليه الشك.الدليل الفني يُعد رأي الخبير الفني عنصراً من عناصر الإثبات يخضع لتقدير القاضي؛ فالقاضي هو الخبير الأعلى في الدعوى، ولا يُلزم برأي الخبير إذا رأى فيه عيباً أو شكاً، بشرط أن يسبّب استبعاده بأسباب سائغة.
ومع ذلك، فإن تقدير القاضي ليس تحكمياً؛ إذ لا يجوز له طرح دليل فني قطعي جازم (كالبصمة الوراثية DNA التي تنفي النسب أو الاتصال المادي) بالاعتماد فقط على شهادة ظنية لا تصل للقطع، لأن اليقين لا يزول بالشك.
خامساً: تطبيقات وحالات عملية
تتجسد العلاقة العملية بين الدليلين في ساحات المحاكم من خلال صور متعددة: دفع الدفاع بالتناقض: يُعد الدفع بتناقض الدليل القولي مع الدليل الفني من الدفوع الموضوعية الجوهرية. وإذا طُرح هذا الدفع بجدية وكان للتناقض أثره في وجه الحق في الدعوى، وجب على المحكمة التحقيق فيه (كأن تستدعي الطبيب الشرعي أو تعيد أوراق الدعوى للجنة ثلاثية).
حالة غياب الدليل الفني: قد تغيب الأدلة الفنية بسبب اندراس الآثار أو مرور الوقت (مثل تأخر البلاغ في جرائم الضرب بسيط الأثر)؛ هنا يمكن للقاضي بناء حكمه على الدليل القولي وحده إذا اطمأن إليه وجدانه واستقر لديه صحة الواقعة.
حالة غياب الدليل القولي: قد تقع الجريمة في غيبة من الشهود، وهنا يقدم الدليل الفني الجنائي بالاشتراك مع القرائن المادية السند الوحيد للإدانة (مثل وجود البصمات والمقاطع المصورة التي تثبت التواجد والاعتداء).
خاتمة
ختاماً، يمكن القول إن العلاقة بين الدليل القولي والدليل الفني في القضاء الجنائي هي علاقة تكاملية وتوازنية؛ فلا يُغني أحدهما عن الآخر في بناء الحقيقة القضائية. يُمثل الدليل القولي روح الواقعة وسياقها الإنساني، بينما يُشكل الدليل الفني جسدها المادي المحقق.
ويظل القاضي الجنائي -بفضل مبدأ الإقتناع الذاتي والتسبيب السائغ- هو المهندس الذي يربط بين هذين المعطيين، حريصاً على ألا يبنى أحدهما على هدم الآخر، لضمان وصول العدالة إلى غايتها الأسمى وهي إحقاق الحق وصيانة حريات الأفراد. هذا كتاباً يضع الاطار العام لدفع من الدفوع القانونية الجوهرية في معظم الجرائم و يعد سببا جوهريا من أسباب الطعن بالنقض و سبب من اسباب البراءة في كثير من القضايا اذا اقسط حقه من البيان في معرض الدفاع أمام الفضاء الجنائي .