الاثنين، 15 سبتمبر 2025

معايير قياس جدية الاتهام: من فحص الشكل إلى بناء الاستراتيجية الدفاعية

 معايير قياس جدية الاتهام: من فحص الشكل إلى بناء الاستراتيجية الدفاعية

   إهداء الى من طرق مهنة المحاماة وهو في اول خطواته العملية في هذا الطريق الشاق ،القضية الجنائية لا تُقاس بظاهرها ولا بما تحمله الأوراق من عبارات، بل تُقرأ طبقة بعد أخرى، بدءًا من تفاصيل الإجراءات الدقيقة، مرورًا بجوهر الأدلة، وانتهاءً بالتحليل الكلي الذي يكشف مدى انسجام الملف مع الواقع والمنطق.

  ومحامي الدفاع لا يواجه مجرد اتهام، بل يزن التوازن بين القانون والدليل والإجراء. لذلك تأتي الحاجة إلى بناء إطار عملي يحدد للمحامي ما إذا كان الاتهام جادًا يستحق المواجهة بأدوات قوية، أم أنه ضعيف يمكن إسقاطه بدفوع شكلية أو موضوعية.

Check List لقياس جدية الاتهام

أولًا: الشكل والإجراءات

☐ هل صدر إذن القبض/التفتيش من سلطة مختصة؟

☐ هل وُجدت حالة تلبس صحيحة أم مجرد ادعاء؟

☐ هل عُرض المتهم على النيابة خلال 24 ساعة؟

☐ هل تجدد الحبس الاحتياطي في المواعيد القانونية؟

☐ هل أُخطر الدفاع وحضر التحقيقات؟

☐ هل محضر جمع الاستدلالات موقع ومؤرخ؟

ثانيًا: الأدلة والموضوع

☐ هل تحقق الركن المادي للجريمة؟ )الفعل المجرّم).

☐ هل تحقق الركن المعنوي )القصد أو الخطأ الجنائي(؟

☐ هل توجد علاقة سببية واضحة بين المتهم والفعل؟

☐ هل هناك دليل مادي مباشر أم مجرد قرائن؟

☐ هل الشهادات متسقة أم بها تناقضات؟

☐ هل التقرير الفني أو الخبير مؤيد لباقي الأدلة؟

ثالثًا: السوابق القضائية

☐ هل سبق لمحكمة النقض أو الإدارية العليا إسقاط اتهام مشابه؟

☐ هل توجد أحكام سابقة تشترط دليلًا أقوى مما هو موجود؟

☐ هل هناك اتجاه قضائي بعدم الاعتداد بمثل هذا الدليل؟

رابعًا: التحليل الواقعي

☐ هل القصة التي تسردها النيابة منطقية ومترابطة؟

☐ هل للمتهم مصلحة حقيقية أو دافع قوي لارتكاب الجريمة؟

☐ هل للخصم أو المبلغ خصومة شخصية مع المتهم؟

☐ هل المتهم فاعل أصلي أم مجرد تابع زُج باسمه؟

☐ هل هناك أوراق أو مستندات رسمية تنقض رواية الاتهام؟

خامسًا: فرص الدفاع

☐ هل هناك شهود نفي يمكن تقديمهم؟

☐ هل يمكن الدفع ببطلان الإجراء (قبض/تفتيش/إعلان(؟

☐ هل يمكن الطعن في الدليل الفني أو طلب خبير استشاري؟

☐ هل يوجد عذر قانوني أو سبب إباحة دفاع شرعي، إذن، تفويض؟

النتيجة:

 إذا توافرت الإجراءات + الأدلة + المنطق + تأييد قضائي =الاتهام جاد وقوي.

 إذا سقط واحد أو أكثر من هذه العناصر = الاتهام ضعيف ويمكن إسقاطه بدفاع جيد.

التوصيات

   - عدم الاكتفاء بالشكل: فحص الإجراءات يجب أن يتبعه اختبار صرامة الأدلة، وإلا تحوّل الدفاع إلى معركة شكلية قصيرة العمر.

 - التدرج في التقييم: البدء من أبسط التفاصيل (إذن التفتيش، توقيع المحضر) وصولًا إلى أعقدها (القصد الجنائي والسببية).

 - المقارنة القضائية: لا بد من استحضار اتجاهات المحاكم العليا باعتبارها المقياس النهائي لجدية الاتهام.

 - التحليل المنطقي للوقائع: قوة الملف لا تُقاس بعدد أوراقه بل بترابط روايته.

 - إعادة صياغة الدفاع: تحويل النقاط الضعيفة في ملف الاتهام إلى مدخل للهجوم المضاد، كإبراز التناقضات أو الطعن في التقرير الفني.

 - أداة عملية للمراجعة: الاعتماد على قائمة قياس الجدية كوسيلة سريعة قبل رسم الاستراتيجية الكاملة.

   إن قياس جدية الاتهام ليس عملية عشوائية، بل هو مسار متدرج يمر بمراحل تبدأ من الإجراء وتنتهي بالجوهر. وما يميز المحامي الناجح ليس مجرد معرفته بالقانون، بل قدرته على رؤية الترابط بين الأجزاء الصغيرة والصورة الكلية، ليحدد متى يكون الدفاع صراعًا على الشكل، ومتى يتحول إلى تفكيك لبنية الاتهام ذاتها. وبهذا النهج يمكن الوصول إلى دفاع متماسك، متدرج، قادر على مواجهة أقوى الملفات وإسقاط أضعفها. نرجوا منكم الدعاء .

الله الموفق

السبت، 13 سبتمبر 2025

قانون التدرج في الانحراف: قراءة موسعة في التطبيقات الاقتصادية المعاصرة

قانون التدرج في الانحراف: قراءة موسعة في التطبيقات الاقتصادية المعاصرة

    الاقتصاد ليس مجرد أرقام ومعاملات مالية، بل هو شبكة معقدة من العلاقات البشرية والقانونية والأخلاقية. ومن ثم فإن أي خلل في هذه الشبكة يبدأ عادة بخطوة صغيرة قد يستهين بها الأفراد أو المؤسسات، لكنها سرعان ما تتوسع لتتحول إلى أزمة طاحنة. هذه القاعدة ليست مجرد انطباع، بل يمكن تفسيرها من خلال ما يُعرف بـ قانون التدرج في الانحراف، الذي يؤكد أن الانهيارات المالية والاقتصادية لا تنشأ فجأة، بل تتطور تدريجيًا من ثغرات صغيرة أو مخالفات طفيفة.

   وقد أثبتت التجارب التاريخية والمعاصرة أن الشركات والدول التي لم تتعامل بجدية مع الانحرافات الصغيرة دفعت أثمانًا باهظة لاحقًا، سواء في شكل خسائر مالية، أو فقدان للثقة، أو انهيار كامل لمؤسساتها. والمقال الحالي يحاول أن يقدم قراءة موسعة لتطبيقات هذا القانون في المجال الاقتصادي، مستعرضًا أبرز الأمثلة العملية، ومحللًا آليات التدرج، ثم مقدمًا توصيات عملية للوقاية والعلاج.

أولًا: ملامح قانون التدرج في الانحراف الاقتصادي

   قانون التدرج في الانحراف يقوم على ثلاث ركائز: الخطوة الصغيرة: البداية غالبًا تكون في صورة انحراف طفيف؛ ثغرة محاسبية، بند عقدي غامض، تجاهل إشارة من السوق. الاعتياد والتوسع: مع مرور الوقت يتحول هذا الانحراف الصغير إلى ممارسة اعتيادية داخل المؤسسة أو المجتمع الاقتصادي. الانفجار الكبير: تتراكم التجاوزات حتى تصل إلى نقطة الانهيار، وقد تأخذ شكل فضيحة مالية، أزمة ديون، أو نزاع تحكيمي دولي. هذه الركائز يمكن إسقاطها على مجالات متعددة: الشركات الخاصة، المؤسسات العامة، الاقتصادات الوطنية، وحتى المنظمات العالمية.

ثانيًا: التطبيقات العملية للقانون في الاقتصاد

1- الانحراف المحاسبي: من الأرقام الصغيرة إلى الانهيار الكامل، نموذج شركة إنرون (Enron)، البداية: السماح ببعض المرونة "المؤقتة" في تسجيل الخسائر كأرباح مستقبلية. التدرج: توسعت الممارسات حتى أصبحت تقارير مالية وهمية تخفي مليارات من الديون. الانهيار: عام 2001 انهارت الشركة، وخسر المستثمرون أكثر من 60 مليار دولار، وانهارت شركة التدقيق "آرثر أندرسن". الدلالة: انحراف محاسبي صغير إذا تُرِك دون ضبط يتحول إلى فضيحة تهز أسس الاقتصاد العالمي.

2- الانحراف الاستراتيجي: تجاهل إشارات السوق، نموذج شركة نوكيا (Nokia)، البداية: الاستهانة المبكرة بظهور الهواتف الذكية واعتمادها على الإنترنت. التدرج: التمسك بأنظمة تشغيل قديمة رغم فقدان جاذبيتها للمستهلك. الانهيار: خلال أقل من 10 سنوات، فقدت الشركة ريادتها، وبيعت لقسم الهواتف في مايكروسوفت. الدلالة: الانحراف عن الاستجابة للتغيرات الصغيرة في السوق يقود إلى فقدان المكانة العالمية.

3- الانحراف العقدي: الثغرات الصغيرة في عقود الاستثمار، نموذج: قضايا التحكيم الخاصة بأحد المطارات في مصر،البداية: بنود بسيطة في عقود الاستثمار لم تُدقق قانونيًا بما يكفي. التدرج: تراكمت الخلافات بين الدولة والمستثمرين نتيجة تفسير البنود بشكل متباين. الانفجار: تحولت النزاعات إلى قضايا تحكيم دولي كلفت الدولة ملايين الدولارات. الدلالة: الإهمال في التفاصيل القانونية الصغيرة يفتح الباب لخسائر استراتيجية ضخمة.

4- الانحراف الأخلاقي في استغلال البيانات، نموذج شركة ميتا (فيسبوك سابقًا)،البداية: تساهل في السماح للتطبيقات الخارجية بالوصول إلى بيانات المستخدمين. التدرج: تحولت البيانات إلى سلعة تُباع وتُستغل سياسيًا وتجاريًا. الانفجار: فضيحة "كامبريدج أناليتيكا" 2018، وغرامات بالمليارات، وتراجع ثقة المستخدمين عالميًا.الدلالة: الاستهانة بحقوق الأفراد يقود إلى أزمات قانونية ومالية خانقة.

5- الانحراف الضريبي والعقود المحلية،نموذج: أحد شركات المقاولات المصرية، البداية: من المحتمل بعدتعديل ضريبة القيمة المضافة من 5% إلى 14%. التدرج: أن تقوم بعض الشركات ان تلجأ إلى إخفاء فواتير أو تضخيم أخرى لتقليل الأعباء الضريبية.الانفجار: نزاعات قضائية بين الدولة والمقاولين، وتأخر إنجاز مشاريع قومية.الدلالة: التلاعب الضريبي البسيط يهدد الثقة بين الدولة والقطاع الخاص.

6- الانحراف المالي العالمي، نموذج: الأزمة المالية العالمية 2008، البداية: تساهل البنوك الأمريكية في منح قروض عقارية لمقترضين غير مؤهلين (Subprime). التدرج: تغليف هذه القروض في منتجات مالية معقدة وتداولها عالميًا. الانفجار: انهيار بنك ليمان براذرز وأزمة مالية عالمية كلفت العالم تريليونات الدولارات. الدلالة: الانحراف الصغير في المعايير المصرفية يتحول إلى أزمة عالمية.

ثالثًا: آليات التدرج في الانحراف الاقتصادي:

   - التطبيع التدريجي: كل خطوة خاطئة تصبح مقبولة أكثر مع التكرار.

   - الضغط المؤسسي: الموظفون يُجبرون على اتباع العرف السائد حتى لو كان منحرفًا.

   - التبرير الفكري: تقديم ذرائع مثل "الجميع يفعل ذلك" أو "مصلحة السوق تقتضي".

   - التحول إلى منظومة: بعد أن يبدأ الانحراف فرديًا، يتحول إلى ثقافة مؤسسية يصعب اقتلاعها.

رابعًا: انعكاسات القانون على الاقتصاد العربي والعالمي

   في الاقتصادات النامية: غالبًا تبدأ الانحرافات من ضعف التشريعات أو الرقابة. في الاقتصادات المتقدمة: تبدأ الانحرافات من تعقيد المنتجات المالية وصعوبة فهمها. العالم العربي: قضايا التحكيم، التهرب الضريبي، والفساد الإداري أمثلة حية على أثر التدرج في الانحراف.

خامسًا: الوقاية والعلاج

  - الشفافية المبكرة: التعامل مع الانحرافات الصغيرة كقضايا كبيرة قبل أن تتضخم.

  - أنظمة إنذار مبكر: استخدام التكنولوجيا لمراقبة العمليات المالية والعقود.

  - المساءلة الصارمة: معاقبة الانحرافات مهما كانت بسيطة لردع التوسع.

  - التربية الاقتصادية: ترسيخ ثقافة النزاهة والالتزام بالقانون في المؤسسات.

  - إصلاح الهياكل: تعديل اللوائح باستمرار لسد الثغرات قبل استغلالها.

   إن "قانون التدرج في الانحراف" ليس مجرد نظرية أخلاقية، بل حقيقة اقتصادية تتجلى يوميًا في الأسواق المحلية والعالمية. كل أزمة كبرى تبدأ بخطوة صغيرة تم التغاضي عنها. وكل خسارة فادحة كانت في أصلها ثغرة بسيطة لم تُعالج في وقتها. ومن ثم، فإن أفضل وسيلة لحماية الاقتصاد ليست فقط في مواجهة الأزمات بعد وقوعها، بل في رصد بذور الانحراف مبكرًا، وقطع الطريق أمامها قبل أن تتحول إلى منظومة.

  التوصية الذهبية: لا تستهِن بالخطوة الصغيرة؛ فهي الشرارة التي قد تُحرق اقتصادًا بأكمله. 

الله الموفق

الأربعاء، 10 سبتمبر 2025

حكم محكمة النقض في جريمة ازدراء الأديان عبر وسائل التواصل الاجتماعي

 حكم محكمة النقض في جريمة ازدراء الأديان عبر وسائل التواصل الاجتماعي

 دراسة تحليلية بمنهج متدرج

   القضايا الجنائية المرتبطة بازدراء الأديان عبر وسائل التواصل الاجتماعي تبدو في ظاهرها نزاعًا فرديًا محدودًا، لكنها في حقيقتها تكشف طبقات أعمق تمتد من حدود الفعل المجرَّم إلى مساحات أوسع تشمل النصوص القانونية، ثم الفلسفة القضائية، وصولًا إلى البعد التشريعي والمجتمعي.

  ومن هذا المنظور، فإن الحكم الصادر عن محكمة النقض في الطعن رقم 14149 لسنة 92 ق جنائي لا يُقرأ بوصفه مجرد إدانة لشخص نشر عبارات مسيئة عبر الإنترنت، بل بوصفه نقطة انطلاق لرحلة تحليلية متدرجة: تبدأ من تفاصيل الواقعة، ثم تتسع إلى الأحكام القانونية المطبقة، وتتجاوزها إلى المبادئ الدستورية والحقوقية، قبل أن تنفتح على التوصيات التشريعية والانعكاسات الاجتماعية.

  بهذا النهج يتضح أن الحكم ليس معزولًا عن محيطه، بل هو حلقة في مسار مستمر يؤكد أن الحرية مسؤولية، وأن التعبير عن الرأي لا يمكن أن ينفصل عن مقتضيات حماية السلم العام والوحدة الوطنية.

ملخص الوقائع

  المتهم أنشأ حسابًا على موقع للتواصل الاجتماعي استخدمه لنشر عبارات اعتبرتها النيابة العامة مسيئة للإسلام والمسيحية، متضمنة مساسًا بمقام النبوة، الأمر الذي رأت فيه جريمة ازدراء أديان وإضرارًا بالوحدة الوطنية. محكمة أول درجة قضت بحبسه خمس سنوات مع الشغل والنفاذ وتغريمه، ثم أيّدت المحكمة الاستئنافية الحكم. وعند الطعن بالنقض، دفع الدفاع بعيوب في التسبيب والتحريات والإجراءات، وبانتهاك حرية الاعتقاد، غير أن محكمة النقض رفضت الطعن موضوعًا بعد أن رأت أن الحكم الابتدائي والاستئنافي قد استوفيا العناصر القانونية للجرائم، مع تصحيح العقوبة بإلغاء الغرامة.

التحليل القانوني

  الحكم يُظهر منهجًا متدرجًا في معالجة القضية: التوازن بين الحرية والمسؤولية: الدستور يكفل حرية الاعتقاد، لكن لا يبيح امتهان الأديان أو السخرية من رموزها. جدية التحريات: أكدت المحكمة أن الخطأ في بعض تفاصيل التحريات (مثل المهنة) لا يبطلها طالما أدت إلى كشف الحقيقة. سلطة محكمة الموضوع: النقض شددت على أن تقدير القصد الجنائي وقوة الدليل من مسائل موضوعية لا رقابة لها عليها. تفسير المادة 98 (و) عقوبات: الركن المادي يتمثل في الترويج لفكر متطرف، والمعنوي في نية إثارة الفتنة أو الازدراء، ويُستدل على النية من الوقائع. مفهوم وحدة الجرائم: المحكمة اعتبرت الأفعال المتعددة جريمة واحدة وطبّقت المادة 32 عقوبات.

  النظام الإجرائي للدفع بعدم الدستورية: الدفع يجب إبداؤه أمام محكمة الموضوع لا لأول مرة أمام النقض.الوصف القانوني: تغيير الوصف القانوني لا يعيب الحكم إذا لم تتغير الواقعة المادية محل المحاكمة.

التأصيل القانوني بالنصوص

قانون العقوبات:

المادة 98 (و): تجريم استغلال الدين في الترويج لأفكار متطرفة بقصد إثارة الفتنة أو ازدراء الأديان.

المادة 161/1: حماية الشعائر الدينية من التعرض أو السخرية.

المادة 171/5: تجريم نشر ما من شأنه تكدير السلم العام.

المادة 32: معاقبة الجريمة الأشد عند تعدد الأفعال المرتبطة.

قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018

المادة 1: نطاق تطبيق القانون على الأفعال المرتكبة عبر الإنترنت.

المادة 12: تجريم إنشاء أو إدارة حساب بغرض ارتكاب جريمة.

المادة 25: تجريم الاعتداء على القيم الأسرية عبر الإنترنت.

المادة 27: تجريم استخدام المواقع في ارتكاب الجرائم.

قانون المحكمة الدستورية العليا رقم 48 لسنة 1979

المادة 25: اختصاص المحكمة الدستورية وحدها بنظر الطعون الدستورية.

المادة 29: وجوب إبداء الدفع بعدم الدستورية أمام محكمة الموضوع أولًا.

قانون الإجراءات الجنائية

المادة 277: للمحكمة سلطة تقدير من ترى لزوم سماع شهادته من الشهود.

التوصيات العملية

للمحامين: وجوب إثارة الدفوع الجوهرية أمام محكمة الموضوع في حينها، وصياغة أسباب الطعن بدقة ووضوح.

للنيابة العامة: إحكام صياغة قرارات الإحالة وتوثيق التحريات الفنية والتقنية.

للقضاة: تدعيم الأحكام بتسبيب كافٍ يوضح توافر أركان الجرائم.

للمشرّع: إعادة صياغة المادة 98 (و) لتحديد أوضح للفصل بين حرية التعبير والازدراء، وتحديث التشريعات لمواكبة الجرائم الإلكترونية.

للمجتمع: تعزيز التوعية بالاستخدام المسؤول لوسائل التواصل، ودعم خطاب ديني وفكري وسطي.

  إن هذا الحكم لم يتوقف عند واقعة فردية لمتهم أنشأ حسابًا على موقع للتواصل الاجتماعي وبثّ من خلاله عبارات مسيئة، بل شكّل مدخلًا لإبراز منهج قضائي متكامل يوازن بين الحرية والمسؤولية. فمن الواقعة المحدودة انتقلنا إلى النصوص القانونية التي ضبطت السلوك، ثم إلى الفلسفة القضائية التي تفسّر النصوص وتطبّقها، وصولًا إلى الأبعاد التشريعية والفكرية والاجتماعية التي تعكس أثر الحكم على المجتمع كله.

  وبذلك نرى أن القضية ليست مجرد إدانة لشخص، وإنما هي تأكيد على أن النظام القانوني المصري قادر على استيعاب التحديات الرقمية الجديدة، وضبط الحدود بين الحق في التعبير وحماية القيم الدينية والوحدة الوطنية. فالحرية هنا لا تُقرأ في فراغ، بل في سياق أوسع يربط بين الفرد والنص والمجتمع والدولة، ليكشف أن العدالة ليست لحظة عابرة، بل مسار متدرج تتسع دائرته ليشمل الجميع.

---------------------------

طعن رقم 14149 لسنة 92 ق نقض جنائي

باسم الشعب

محكمة النقض

الدائرة الجنائية

دائرة الأحد (ب)

المؤلفة برئاسة السيد القاضي / محمد عبد العال نائب رئيس المحكمة

وعضوية السادة القضاة / صلاح محمد أحمد و توفيق سليم

أحمد عبد السلام نواب رئيس المحكمة

عبد الرحمن بجاتو

وحضور رئيس النيابة العامة لدى محكمة النقض السيد / مصطفى الوكيل.

وأمين السر السيد / نجيب لبيب محمد.

في الجلسة العلنية المنعقدة بمقر المحكمة بدار القضاء العالي بمدينة القاهرة.

في يوم الأحد 15 من شعبان سنة 1445 هـ الموافق 25 من فبراير سنة 2024 م.

أصدرت الحكم الآتي:

في الطعن المقيد بجدول المحكمة برقم 14149 لسنة 92 القضائية

اتهمت النيابة العامة الطاعن في قضية الجنحة الاقتصادية رقم ….. لسنة ….. جنح اقتصادية …. بأنه في يوم 12/11/2020 بدائرة مركز … – محافظة ….

1- ازدرى أديان سماوية (الدين الإسلامي والمسيحي) ذلك بان روج بالكتابة عبر حسابه الخاص المسمى (…..) على موقع التواصل الاجتماعي (….) عبر شبكة المعلومات الدولية (الانترنت) بعبارات نالت من مقام النبوة الشريف ومقام رسول الله عيسى عليه السلام بما كان من شأنه إثارة الفتن وازدراء تلك الأديان والإضرار بالوحدة الوطنية على النحو المبين بالأوراق.

2- تعدى على الدين الإسلامي والتي تؤدى شعائره علنا وذلك بتدوين عبارات عبر حسابه الخاص المار بيانه نالت من مقام النبوة الشريف.

3 – اعتدى على مبادئ وقيم المجتمع المصري بأن نشر عن طريق شبكة المعلومات الدولية محتوى مسيء محل الاتهام الأول على النحو المبين بالتحقيقات.

4- استخدم حسابا خاصا على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) المنشأ عبر شبكة المعلومات الدولية (الانترنت) بهدف ارتكابه للجرائم المار بيانها على النحو المبين بالتحقيقات.

ومحكمة جنح …. الاقتصادية، قضت حضوريا بتاريخ 31 من ديسمبر سنة 2020، عملا بالمواد 98/ و، 161/1، 171/5 من قانون العقوبات والمواد 1، 12، 25، 27 من القانون رقم 175 لسنة 2018 بشأن مكافحة الجرائم الإلكترونية – بعد تعديل وصف التهمة بإضافة تهمة بث دعايات مثيرة من شأنها تكدير الأمن العام والحاق الضرر بالمصلحة العامة، وإعمال المادة 32 من قانون العقوبات. بمعاقبته بالحبس خمس سنوات مع الشغل والنفاذ، وبتغريمه مبلغ ألف جنيه.

فاستأنف المحكوم عليه هذا الحكم.

ومحكمة …. الاقتصادية – بهيئة استئنافية – قضت حضوريا بتاريخ 7 من مارس سنة 2021، بقبول الاستئناف شكلا، وفي الموضوع برفضه، وتأييد الحكم المستأنف.

فطعن المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض بتاريخ 18 من إبريل سنة 2021.

وأودعت مذكرة بأسباب الطعن بالنقض بتاريخ 4 من مايو سنة 2021 عن المحكوم عليه موقعا عليها من الأستاذ/ ……… المحامي.

وبجلسة المحاكمة سمعت المرافعة على ما هو مبين بمحضر الجلسة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد القاضي المقرر وبعد سماع المرافعة والمداولة قانونا.

حيث إن الطعن قد استوفى الشكل المقرر في القانون.

حيث إن الطاعن ينعى على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجرائم استغلال الدين في الترويج بالكتابة لأفكار متطرفة بقصد إثارة الفتنة وازدراء الأديان السماوية والإضرار بالوحدة الوطنية،

وإنشاء وإدارة صفحة وحساب خاص على مواقع التواصل الاجتماعي (……) واستخدامه في ارتكاب جرائم الاعتداء على المبادئ والقيم الأسرية في المجتمع المصري والتعدي علي الأديان السماوية التي تؤدي شعائرها علنا وإذاعة بيانات كاذبة من شأنها تكدير الأمن العام وإلحاق الضرر بالمصلحة العامة ، قد شابه القصور في التسبيب ، والفساد في الاستدلال ، والإخلال بحق الدفاع، ذلك بأنه أكتفي بالإحالة إلي حكم أول درجة رغم خلوه من الأسباب ومن أركان الجرائم التي دانه بها ولم يستظهر العبارات والأفعال التي ارتكبها الطاعن ، ودانه بجريمتي التعدي علي مبادئ وقيم المجتمع المصري وإدارة حساب خاص بهدف استخدامه في ارتكاب ما أسند اليه من جرائم رغم مخالفتهما لأحكام الدستور لإهدار الحكم مبدأ حرية الاعتقاد ، ورد الحكم بما لا يصلح ردا علي دفعه ببطلان الإذن بالتفتيش لعدم جدية التحريات بدلالة خطأها في مهنة الطاعن ، وخلو الأوراق من شكاوي للموطنين خلافا لما ورد بها ، وعول علي تقرير الفحص الفني رغم الدفع بقصوره لعدم استخدام التقنيات الحديثة ، ولم تستجب محكمة أول درجة لطلبات الطاعن ، ولم تتح له فرصة لإبداء دفاعه ، ملتفتا عما أثاره من أوجه دفاع جوهرية ، وعدلت وصف التهمة بإضافة تهمة إذاعة أخبار كاذبة دون تنيه الدفاع ، وأخيرا لم تستجب المحكمة الاستئنافية لطلب سماع مجري التحريات،كل ذلك مما يعيب الحكم بما يستوجب نقضه.

ومن حيث إن الحكم الابتدائي المؤيد لأسبابه والمكمل بالحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجرائم التي دان الطاعن بها وأورد على ثبوتها في حقه أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها، وجاء استعراض المحكمة لأدلة الدعوى على نحو يدل على أنها محصتها التمحيص الكافي وألمت بها إلماما شاملا يفيد أنها قامت بما ينبغي عليها من تدقيق البحث لتعرف الحقيقة، ومتى كان مجموع ما أورده الحكم كافيا في تفهم الواقعة بأركانها وظروفها حسبما استخلصتها المحكمة – كما هو الحال في الدعوى الراهنة- فإن ذلك يكون محققا لحكم القانون وبه يبرأ الحكم مما رماه به الطاعن من القصور في التسبيب ومن ثم كان هذا المنعى غير سديد. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن المحكمة الاستئنافية إذا ما رأت تأييد الحكم المستأنف للأسباب التي بني عليها فليس في القانون ما يلزمها أن تذكر تلك الأسباب في حكمها بل يكفي أن تحيل عليها، إذ الإحالة على الأسباب تقوم مقام إيرادها وتدل على أن المحكمة قد اعتبرتها كأنها صادرة منها، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن في هذا الشأن يكون غير مقبول. لما كان ذلك، وكان الحكم قد حدد في بيان كاف العبارات والأفعال التي قارفها الطاعن بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجرائم التي دانه بها، إذ أثبت قيام الطاعن بإنشاء حساب علي موقع …. بوك باسم ” ………… ” ويقوم بإدارته ونشر منشورات تحتوي على أفكار إلحادية واسقاطات وسخرية من الأديان السماوية مما يشكل جريمة ازدراء الأديان وذلك من خلال استخدامه لأجهزة الحاسب الآلي وتأيد ذلك مما ثبت بتقرير فحص الصفحة الشخصية للطاعن وإقراره بارتكاب الواقعة وما توصلت إليه التحريات، فإن النعي على الحكم في هذا الصدد يكون غير سديد. لما كان ذلك ، وكانت جريمة استغلال الدين في الترويج لأفكار متطرفة المنصوص عليها في المادة 98 (و) من قانون العقوبات تتطلب لتوافرها ركنا ماديا هو الترويج أو التحبيذ بأية وسيلة لأفكار متطرفة تحت ستار مموه أو مضلل من الدين وآخر معنويا بأن تتجه إرادة الجاني لا إلى مباشرة النشاط الإجرامي – وهو الترويج أو التحبيذ – فحسب، وإنما يجب أن تتوافر لديه أيضا إرادة تحقيق واقعة غير مشروعة وهي إثارة الفتنة أو تحقير أو ازدراء أحد الأديان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها أو الإضرار بالوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعي ، وكان أمر توافر القصد الجنائي هو من المسائل التي لا تنظرها محكمة النقض بل تقدرها محكمة الموضوع على ضوء الوقائع والظروف المطروحة أمامها. ولا يشترط لذلك أن تذكر المحكمة صراحة بالحكم سوء نية المتهم بل يكفي أن يكون في عبارة الحكم ما يدل على ذلك. وحيث إن الحكم المطعون فيه أوضح ما يؤدي إلى توافر هذا الركن إذ أثبت أن الطاعن تناول الترويج لأفكار إلحادية تزدري الأديان السماوية والذات الألهية واستخدم ألفاظا مشينة نحو مقدسات الدين الاسلامي والمسيحي ومعتقداتهما فإذا ما عاقبته المحكمة على ما ارتكبه طبقا للمادة 98 (و) عقوبات تكون قد طبقت القانون تطبيقا سليما ، ويكون الحكم بإثباته ما صدر من الطاعن من العبارات البذيئة والأفعال والقضاء في موضوع الدعوى بإدانته الرد الكافي من عدم توافر القصد الجنائي لدى الطاعن .لما كان ذلك ، وكان الثابت من مدونات الحكم المطعون فيه أنه اعتبر الجرائم المسندة إلى الطاعن جريمة واحدة وعاقبه بالعقوبة المقررة لأشدها، فإنه لا مصلحة له فيما يثيره بشأن جريمتي التعدي على مبادئ وقيم المجتمع المصري ، وإدارة حساب خاص بهدف استخدامه في ارتكاب ما أسند إليه من جرائم ، ما دامت المحكمة قد دانته بجريمة استغلال الدين في الترويج لأفكار متطرفة بقصد إثارة الفتنة وتحقير وازدراء الدين الإسلامي والمسيحي والإضرار بالوحدة الوطنية وأوقعت عليه عقوبتها عملا بالمادة 32 من قانون العقوبات بوصفها الجريمة الأشد. لما كان ذلك، وكانت المادة 25 من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون 48 لسنة 1979 قد اختصت تلك المحكمة دون غيرها بالفصل في دستورية القوانين واللوائح وكان النص في المادة 29 من هذا القانون على أن: (تتولى المحكمة الرقابة القضائية على دستورية القوانين على الوجه التالي(أ).. (ب) إذا دفع أحد الخصوم أثناء نظر دعوى أمام إحدى المحاكم بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة ورأت المحكمة أن الدفع جدي أجلت نظر الدعوى وحددت لمن آثار الدفع ميعادا لا يجاوز ثلاثة أشهر لرفع الدعوى بذلك أمام المحكمة الدستورية العليا فإذا لم ترفع الدعوى في الميعاد أعتبر الدفع كأن لم يكن) ومفاد ذلك أن الدفع بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة غير متعلق بالنظام العام ومن ثم فلا يجوز لصاحب الشأن إثارته أمام محكمة النقض ما لم يكن قد أبداه أمام محكمة الموضوع وكان البين من محاضر جلسات المحاكمة أن الطاعن أو المدافع عنه لم يدفع أيهما بعدم دستورية المادة 98/و من قانون العقوبات فإن النعي على الحكم في هذا الصدد يكون غير مقبول.هذا فضلا عن أنه وإن كانت حرية الاعتقاد مكفولة بمقتضى الدستور، إلا أن هذا لا يبيح لمن يجادل في أصول دين من الأديان أن يمتهن حرمته أو يحط من قدره أو يزدريه عن عمد منه، فإذا ما تبين أنه كان يبتغي بالجدل الذي أثاره المساس بحرمه الدين والسخرية منه، فليس له أن يحتمي من ذلك بحرية الاعتقاد. لما كان ذلك، وكان تقدير جدية التحريات وكفايتها لإصدار الأمر بالتفتيش هو من المسائل الموضوعية التي يوكل الأمر فيها إلى سلطة التحقيق تحت إشراف محكمة الموضوع، ومتى كانت المحكمة قد اقتنعت بتوافر مسوغات إصدار هذا الأمر فلا يجوز المجادلة في ذلك أمام محكمة النقض، وكان مجرد الخطأ في بيان مهنة المتهم أو في محضر التحريات لا يقدح بذاته في جدية التحري، فإن النعي على الحكم في هذا الشأن لا يكون له محل. لما كان ذلك، وكان ما يثيره الطاعن في شأن خلو الأوراق من شكاوي للمواطنين خلافا لما ورد بالتحريات مردودا بما هو مقرر من أنه لا عبرة بكيفية تشكي المواطنين من الواقعة وإنما العبرة بما اطمأنت إليه المحكمة مما استخلصته من التحقيقات، فإن النعي على الحكم في هذا الخصوص ينحل إلى جدل موضوعي في تقدير المحكمة لأدلة الدعوى ومصادرتها في عقيدتها مما لا تجوز إثارته أمام محكمة النقض. لما كان ذلك، وكان مرجع الأمر في تقدير آراء الخبراء والفصل فيما يوجه إلى تقاريرهم من اعتراضات إلى محكمة الموضوع التي لها كامل الحرية في تقدير القوة التدليلية لتلك التقارير والأخذ بما ترتاح إليه منها لتعلق هذا الأمر بسلطتها في تقدير الدليل وأنها لا تلتزم بالرد على الطعون الموجهة إلى تقارير الخبراء ما دامت قد أخذت بما جاء بها لأن مؤدى ذلك أنها لم تجد في تلك الطعون ما يستحق التفاتها إليه ومن ثم فإن ما يعيبه الطاعن على الحكم من عدم رده على المطاعن الموجهة إلى التقرير الذي عول عليه في قضائه لا يكون له محل.لما كان ذلك ، وكان الطاعن لا يدعي أن المحكمة منعت محاميه من الاستطراد في دفاعه فلا محل للنعي عليها إن هو أمسك عن ذلك ، لما هو مقرر من أن سكوت الطاعن أو المدافع عنه لا يصح أن يبنى عليه طعن ما دامت المحكمة لم تمنعه من مباشرة حقه في الدفاع. ومن ثم فإن النعي على الحكم في هذا الصدد يكون في غير محله. لما كان ذلك، وكان من المقرر أنه يجب لقبول وجه الطعن أن يكون واضحا محددا، وكان الطاعن لم يكشف في أسباب طعنه عن أوجه الدفاع الجوهرية التي ينعي على الحكم عدم الرد عليها حتى يتضح مدى أهميتها في الدعوى وهل تحوي دفاعا جوهريا مما يتعين على المحكمة أن تعرض له وترد عليه أم أنه من قبيل الدفاع الموضوعي الذي يكفي القضاء بالإدانة أخذا بأدلة الثبوت التي اطمأنت إليها المحكمة ردا عليها بل ساق قوله في هذا الصدد مرسلا مجهلا، فإن هذا الوجه من الطعن لا يكون مقبولا. لما كان ذلك وكان الأصل أن المحكمة لا تتقيد بالوصف القانوني الذي تسبغه النيابة العامة على الفعل المسند إلى المتهم, بل هي مكلفة بتمحيص الواقعة المطروحة أمامها بجميع كيوفها وأوصافها وأن تطبق عليها نصوص القانون تطبيقا صحيحا دون حاجة إلى لفت نظر الدفاع إلى ذلك ما دام أن الواقعة المادية التي اتخذتها المحكمة أساسا للتغيير الذي أدخلته على الوصف القانوني المعطى لها من النيابة هي بذاتها الواقعة المبينة بأمر الإحالة والتي كانت مطروحة بالجلسة ودارت عليها المرافعة دون أن تضيف إليها شيئا وكان من المقرر أيضا أن تعديل محكمة أول درجة لوصف التهمة بإسناد واقعة جديدة إلى المتهم تكون مع الواقعة المنسوبة إليه – حتى ولو لم تلفت نظر الدفاع عن التهمة- لا يترتب عليه بطلان الحكم الصادر من المحكمة الاستئنافية ما دام أن المتهم حين استأنف الحكم كان على علم بهذا التعديل بما يتيح له إبداء دفاعه على أساسه – كما هو الحال في الدعوى – فإن نعي الطاعن على الحكم في هذا الشأن بالبطلان يكون لا محل له. هذا فضلا عن أنه لا جدوي من النعي علي الحكم في هذا الشأن ما دامت المحكمة قد أعملت في حق الطاعن المادة 32/2 من قانون العقوبات وعاقبته بالعقوبة المقررة لجريمة إزدراء الاديان بوصفها الجريمة ذات الوصف الاشد. لما كان ذلك، وكان البين من مطالعة مدونات الحكم المطعون فيه في مقام اطراح المحكمة لطلب الطاعن في مناقشة مجري التحريات ، أنها قد استعملت حقها المقرر في نص المادة 277 من قانون الإجراءات الجنائية والمعدلة في نص المادة الأولى من القانون رقم 11 لسنة 2017 والمعمول به اعتبارا من الأول من مايو من نفس السنة وفق ما جاء بالمادة التاسعة منه – والذي جرت إجراءات المحاكمة في ظل سريان أحكامه – والذي يخول للمحكمة تقدير من لا ترى لزوم لسماع شهادته، وقد انتهت بأسباب سائغة إلى رفض طلب الدفاع في هذا الصدد وذلك بما يتفق وحقها المقرر في القانون، فإن ما ينعاه الطاعن على الحكم المطعون فيه من دعوى الإخلال بحق الدفاع يكون غير سديد. لما كان ما تقدم، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعينا رفضه موضوعا.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة: بقبول الطعن شكلا وفى الموضوع بتصحيح الحكم المطعون فيه بإلغاء ما قضى به من عقوبة الغرامة ورفض الطعن ف


الثلاثاء، 9 سبتمبر 2025

بين الكلمة والجرم: قراءة تليسكوبية في حكم التشهير الإلكتروني أمام المحكمة الاقتصادية

بين الكلمة والجرم: قراءة تليسكوبية في حكم التشهير الإلكتروني أمام المحكمة الاقتصادية

   لم تعد الجرائم مقصورة على الأفعال المادية الملموسة، بل انتقلت إلى الفضاء الإلكتروني حيث تتحول الكلمات والصور إلى أدوات أذى تصل إلى ملايين الناس في لحظة. حكم محكمة القاهرة الاقتصادية في الجنحة رقم 1634 لسنة 2021 يعكس كيف يتعامل القضاء مع جرائم التشهير والإزعاج عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ويكشف عن توازن دقيق بين حماية حرية التعبير وضمان صون الكرامة الإنسانية.

ملخص الوقائع بلغة مبسطة:

   المتهم أنشأ حسابًا على "فيسبوك" ونشر من خلاله صورًا ورقم هاتف المجني عليه مصحوبة بعبارات سبّ وتشهير. النيابة العامة وجهت له اتهامات بالسب العلني، وإساءة استعمال أجهزة الاتصالات، وإدارة حساب لتحقيق هذه الأفعال. تقرير فني من الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات أثبت ارتباط الحساب برقم هاتف يخص المتهم. المتهم أنكر الاتهامات، لكنه لم يحضر جلسات المحاكمة رغم إعلانه قانونًا. لمدعي بالحق المدني طالب بتعويض 100 ألف جنيه.المحكمة: أدانت المتهم في جريمتي السب والإزعاج عبر وسائل الاتصالات. غرّمته 10,000 جنيه جنائيًا.حكمت بتعويض مدني مؤقت 10,000 جنيه للمجني عليه. برّأته من تهمة استخدام الحساب لإدارة نشاط إجرامي خاص، لعدم توافر شروط المادة 27 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات.

 التحليل بمنهج التفكير التليسكوبي:

   منهج التفكير التليسكوبي يقوم على تجزئة الظاهرة إلى تفاصيل دقيقة ثم ربطها بالصورة الكبرى:

التفاصيل الصغيرة (العدسة المكبرة): المتهم استخدم صورة ورقم هاتف المجني عليه هنا انتهاك مباشر للخصوصية. فعل السب عبر "بوست" على فيسبوك هنا عنصر العلانية متحقق. تقرير فني يربط الحساب بالهاتف هنا دليل تقني قوي.إنكار المتهم + غيابه عن المحاكمة هنا موقف دفاعي ضعيف.

الصورة الكبرى (المشهد العام): السلوك الإلكتروني الفردي (نشر منشور) يمكن أن يتحول إلى جريمة مكتملة الأركان. القانون المصري يواكب التطورات التكنولوجية عبر قوانين مثل: قانون الاتصالات 2003 وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات 2018. المحكمة توازن بين نصوص العقوبات والقواعد العامة (مبدأ الجريمة الأشد في المادة 32 عقوبات). تفعيل حق المتضرر في التعويض المدني بجانب العقوبة الجنائية و هنا تأكيد على البعد الإنساني والحقوقي للقضاء.

 الدروس المستفادة: القانون يحمي الكرامة الإنسانية حتى في العالم الافتراضي، فالمساس بالسمعة الإلكترونية جريمة لا تقل خطورة عن الاعتداء المادي. الدليل الفني الرقمي أصبح عنصرًا حاسمًا في إدانة أو تبرئة المتهمين في قضايا الإنترنت. غياب المتهم عن المحاكمة يضعف موقفه ويجعل الحكم غالبًا غيابيًا بالإدانة. تطبيق مبدأ الجريمة الأشد يضمن عدم المبالغة في العقوبة رغم تعدد النصوص. التفريق بين الحساب الشخصي والحساب المخصص للجريمة مهم لتحديد نطاق تطبيق قانون مكافحة الجرائم المعلوماتية.

الخاتمة: هذا الحكم يجسد كيف يواجه القضاء المصري تحديات الفضاء الإلكتروني بمنهج قانوني دقيق يجمع بين الجزاء الجنائي والتعويض المدني. القراءة التليسكوبية تكشف أن التفاصيل الصغيرة (بوست، صورة، رقم هاتف) قد تتضخم لتشكل جريمة تمس السمعة والكرامة. وفي النهاية، يظل الدرس الأكبر أن الكلمة في العصر الرقمي تحمل وزنًا قد يساوي أو يفوق الفعل المادي، وعلى الجميع إدراك أن الحرية لا تنفصل عن المسؤولية.

التوصيات

التوعية القانونية للمستخدمين، نشر ثقافة قانونية مبسطة حول مسؤولية النشر على مواقع التواصل، حتى يدرك كل شخص أن كلمة أو صورة قد تضعه تحت طائلة القانون. تفعيل دور التكنولوجيا الوقائيةوتطوير آليات تقنية لرصد ومنع المحتوى المسيء (فلترة – تحذير قبل النشر)، مما يقلل من انتشار جرائم السب والتشهير. تعزيز الأدلة الرقمية،دعم الجهات القضائية والفنية بوسائل أكثر تطورًا للتحقق من ملكية الحسابات وربطها بالمستخدمين، لتقوية حجية الدليل الفني أمام القضاء. التوسع في العقوبات البديلة والتفكير في إدخال عقوبات بديلة (مثل الخدمة المجتمعية أو برامج إعادة التأهيل الإلكتروني) بجانب الغرامات، خاصة في الجرائم غير الجسيمة. تشجيع الحلول الودية المبكرة بفتح قنوات للتصالح والوساطة الإلكترونية بين الأطراف المتنازعة، لتقليل الضغط على المحاكم وحل النزاعات بسرعة. إعادة النظر في نصوص قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات و تعديل بعض المواد بما يحدد بشكل أوضح الفرق بين الاستخدام الشخصي للحساب والاستخدام الإجرامي المنظم، منعًا للبس. توسيع دور المؤسسات التعليمية والإعلامية بتضمين مناهج تعليمية وحملات توعية عن أخلاقيات استخدام الإنترنت، وغرس قيم الاحترام والمسؤولية الرقمية.

--------------------

باسم الشعب

محكمة القاهرة الاقتصادية

الدائرة الثانية جنح اقتصادية

حكم

بجلسة الجنح المنعقدة علناً يسر اي المحكمة صباح يوم الخميس الموافق 2021/9/30

برئاسة السيد اﻷستاذ / شريف عماد الدين البيلي رئيس المحكمة

و عضوية اﻷستاذ / إبراهيم اسامة دسوقي رئيس محكمة

و عضوية اﻷستاذ / عمرو عبد الرسول طنطاوي رئيس محكمة

و عضوية اﻷستاذ / نور الدين عبد الفضيل وكيل النيابة

و بحضور الـســـيد /احمد شعبان أمين السر


** صدر الحكم الآتي **

((في الجنحة رقم 1634 لسنة 2021 جنح اقتصادية القاهرة ))

ضــــــــد

*********** ……. متهم –

((( المحكمة )))

بعد الإطلاع علي اﻷوراق و المداولة قانوناً .حيث أن النيابة العامة قدمت المتهم / ********** الي المحاكمة الجنائية .ﻷنه في 28/10/2020 و بتاريخ سابق عليه بدائرة ****** – محافظة القاهرة* سب المجني عليه / *******بطريقة العلانية بأن نشر علي صفحته الخاصة علي موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك و المسماة عبارات تتضمن خدشاً لاعتباره و ذلك علي النحو المبين بتقرير الفحص الفني ” ********** ” المرفق و علي النحو المبين باﻷوراق *تعمد ازعاج المجني عليها سالفة الذكر بإساءتة لاستخدام اجهزة الاتصالات و ذلك بارتكاب الجريمة محل الاتهام السابق علي المبين بالاوراق .* ادار و استخدم حساباً خاصاً علي شبكة معلوماتية يهدف الى ارتكاب الجريمتين محل الاتهامين السابقين علي االنحوالمبين باﻷوراق .

و طلبت عقابه بالمواد 166 مكرر , 3/171 , 306 من قانون العقوبات و المادتين 70 ,2/76 من قانون تنظيم اﻷتصالات رقم 10 لسنة 2003 و المادة 27 من القانون 175 لسنة 2018 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات .

علي سند مما أثبت بالمحضر المحرر بمعرفة الرائد / ****** بالادارة العامة لتكونلوجيا المعلومات المؤرخ في 23/11/2020 بشأن بلاغ الشاكي / ******** لتضرره من قيامم المدعو /********** مستخد الحساب المسمي ( samy farouk ) علي موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك لقيامه بنشر مشاركات تتضمن صورتة الشخصية و رقم هاتفه المحمول مصحوبه بعبارات اساءة و تشهسر للشاكي مما اصابه بأضرار ادبية و مادية جسيمة و طلب اتخاذ اللازم قانونا .

و بفحص البلاغ فنياً:-بتتبع الحساب المسمي (******* )،( *********** ) تبين انه اسُتخدم للاتصال بالشبكة المعلوماتية عن طريق هاتف رقم و إن المسخدم الفعلي للخط هو المدعو / ******** و المقيم*********** و بسؤال المشكو في حقة بأستيفاء النيابة العامة قرر بأن الهاتف رقم ******** ملك له و انه المستخدم لهذا الهاتف المحمول الا انه اعتصم بالانكار بشأن قيامة بارتكاب الواقعة و نفي صلته بالحساب المسمي (******* ).

وحيث قدمت نيابة الشئون المالية و التجارية اﻷوراق لهده المحكمة و كلفت المتهم بالحضور الا انه لم يمثل رغم اعلانها قانوناً و مثل المدعي بالحق المدني بشخصة و معة محام و ادعي مدنياً بمبلغ مائة الف جنيه علي سبيل التعويض المدني المؤقت و طلب اجل للاعلان بالدعوي المدينة و سداد الرسم و بجلسة 9/9/2021 مثل المدعي بالحق المدني بشخصة و قدم اعلان بالدعوي المدنية ومذكرة بدفاعة و حافظة مستندات طالعتهما المحكمة و المت بهما و قررت المحكمة حجز الدعوي للحكم لجلسة اليوم .

و حيث ان المتهم قد أعلن بالطريق القانوني بالجلسة المحددة لنظر محاكمته إلا أنه لم يمثل بشخصه أو بوكيل عنه اﻷمر الذي يكون معه الحكم الصادر قبله غيابياً عملاً بنص المادة 1/238 من قانون الإجراءات الجنائية المعدلة بالقرار بقانون رقم 170 لسنة 1981 . كما قضت بأن ” حق المحكمة في إسباغ القيد و الوصف الصحيح علي الواقعة دون لفت نظر الدفاع مادامت الوقعة-المادية التي تتخدها أساساً لوصفها هي بذاتها الواقعة الواردة بأمر الإحالة ”( نقض جلسة 25 4/1977 – طعن 54 لسنة 47 ق )

و لما كان ما تقدم , و كان من حق المحكمة – بل من واجبه – إسباغ القيد و الوصف الصحيحين علي الواقعة دون لفت نظر الدفاع مادامت الواقعة المادية التي تتخذها أساساً لوصفها هي بذاتها الواردة بورقة التكليف بالحضور , الامر الذي تري معة المحكمة تعديل القيد بأضافة الماده 308 مكرر /2,1 من قانون العقوبات الي مواد القيد و كان هذا التعديل في غيبة المتهم لكونه لا يحمل ثمة تشديد للعقوبة .

حيث أنه و عن موضوع الجنحة و عن الاتهامين الاول و التاني المنسوبيين للمتهم : فإن المحكمة تمهد لقضائها بما هو مقرر بنص الماده 166 مكرر من قانون العقوبات علي أنه ” كل من تسبب عمداً في إزعاج غيره بإساءة استعمال أجهزة المواصلات التليفونية يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز سنة و بغرامة لاتزيد علي مائة جنية أو بإحدي هاتين العقوبتين ” .

و نصت المادة 306 من ذات القانون علي أنه ” كل سب لا يشتمل علي إسناد واقعة معينة بل يتضمن بأي وجه من الوجوه خدشاً للشرف أو الاعتبار يعاقب عليه في اﻷحوال المبينة بالمادة 171 بغرامة لا تقل عن ألفي جنية ولا تزيد علي عشرة آلاف جنيه ”، ونصت المادة 308 مكرر /2,1 من ذات القانون علي أنه ” كل من قذف غيره بطريق التليفون يعاقب بالعقوبات المنصوص عليها في المادة 303 ”،و كل من وجه إلي غيره بالطريق المشار إليه بالفقرة السابقة سباً لا يشتمل علي إسناد واقعة معينة بل يتضمن بأي وجه من الوجوه خدشاً للشرف أو الاعتبار يعاقب بالعقوبة المنصوص عليها في المادة 306 .

و كان من المقرر بنص المادة 70 من قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003 أن : ” مع عدم الإخلال بأية عقوبة أشد منصوص عليها في قانون العقوبات أو في أي قانون أخر يعاقب علي الجرائم المنصوص عليها في المواد التالية بالعقوبات المقررة فيها ”، كما أنه من المقرر بنص المادة 76/2 من ذات القانون علي أنه : ” مع عدم الإخلال باالحق في التعويض المناسب , يعاقب بالحبس و الغرامة لا تقل عن خمسامائة جنيه ولا تجاوز عشرين ألف جنيه أو بإحدي هاتين العقوبتين كل من : …. 2- تعتمد إزعاج أو مضايقة غيره بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات ”

و لما كان من المستقر عليه فقهاً أن : ( الفقرة الثانية من المادة 76 من القانون جرمت فعل الإزعاج العمدي أو المضايقة المعتمدة للغير عن طريق إساءة استعمال أجهزة الاتصلات و المقصود بالإزعاج أو المضايقة هنا هو أن يقوم أحد اﻷشخاص باستعمال أجهزة الاتصالات بطريقة يزعج بها الطرف الآخر أو يضايقه و جرم المشرع هذا الفعل إذا ما وقع عن طريق أي جهاز اتصالات سواء كان التليفون أو جهاز الحاسب الآلي المستقبل للبيانات و المعلومات أو البريد الإلكتروني أو الرسائل الإلكترونية أو الإنترنت أو الاتصال التليفزيوني أو غيره من وسائل الاتصالات اﻷخري فأي إزعاج أو مضايقة تتم عبر جميع هذه اﻷجهزة يشكل جريمة طبقاً للمادة 76 في ففقرتها الثانية من قانون الاتصالات فمن يقوم بإرسال رسائل عبر شبكة الإنترنت أو علي التليفون المحمول تتضمن إزعاجا أو مضايقة لمستقبلها يكون مرتكباً لهذه الجريمة و علي القاضي تحديد ما إذاا كان الفعل المرتكب يشكل إزعاجا أو مضايقة للملتقي من عدمه فهي مسألة موضوعية تختلف من حالة إلي حالة أخري .

( شرح مبادئ و أحكام قوانين الاتصالات للمستشار الدكتور /عمر الشريف الطبعة الأولي 2008 ص 124 )

و أن جرائم الاتصالات هي جرائم عمدية تتطب ان يتوافر في كل منها ركن مادي و ركن معنوي يتمثل اﻷول في مقارفة المتهم ﻷي فعل من اﻷفعال التي تشكل النشاط الإجرامي محل الركن المادي للجرائم المنصوص عليها في قاون الاتصالات , و يتمثل الثاني في أن يتوافر في حق كل متهم الركن المعنوي للجريمة بعنصرية العلم و الارادة بأن يكون عالماً بمباشرة النشاط الاجرامي محل الركن المادي و أن تتجه إرادته ال تحقيق ذلك

( يراجع المستشار /مصطفي معوض – المسشار /أكرم أبو حساب, الموسوعة الجنائية للتشريعات الاقتصادية , الجزء الثاني , الطبعة اﻷولي خاصة بنادي القضاة , عام 2009 ,ص 397 )

– حيث أنه من المستقر عليه بقضاء النقض أن : ” لمحكمة الموضوع أن تكون عقيدتها مما تطمئن إليه من أدلة و عناصر في الدعوي مباشرة كانت أو غير مباشرة و أن تأخذ من أي بينة أو قرينة ترتاح إليها دليلا لحكمها ﻷن تقدير الدليل موكول لها و متي اقتنعت به و اطمأنت إليه فلا معقب عليها في ذلك ” ( الطعن رقم 955 س 40 ق جلسة 4/10 /1970 ). كما أنه من المقرر بقضاء محكمة النقض أنه : ” لمحكمة الموضوع أن تستمد اقتناعها بثبوت الجريمة من أي دليل تطمئن إليه طالما أن هذا الدليل له مأخذه الصحيح من اﻷوراق ” .( الطعن رقم 2250 لسنة 63 قضائية جلسة 28/10 /1997).

حيث أنه و لما كان ما تقدم و كانت المحكمة بمطالعتها ﻷوراق الجنحة قد إطمئن و جدانها لصحة نسبة الإتهامين للمتهم و آية ذلك ما جاء بأقوال المجني عليه /***** لتضرره من قيام المدعو **** مستخدم الحساب الرسمي ( ***** ) علي موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك لقيامه بنشر مشاركات تتضمن صورتة الشخصية و رقم هاتفه المحمول مصحوبه بعبارات اساءة وتشهير للشاكي مما اصابه بأضرا ادبية و مادية جسيمة و ما ثبت بتقرير الادارة العامة لتكنولوجيا المعلومات من انة بتتبع الحساب المسمي ( *********) تبين انة اسُتخدم للاتصال بالشبكة المعلوماتية عن طريق هاتف رقم ( ******** ) و ان المستخدم الفعلي للخط هو المتهم / ********* فضلاً عن انه هو مال و مستخدم الهاتف رقم************** و الذي ثبت من تقرير الفحص الفني من ان الهاتف مربوط علي الحساب مرتكب الواقعة الأمر الذي يستقر معه بيقين ووجدان المحكمة ثبوت الاتهامات في حق المتهم و هي قيامه بسب المجني عليه بإرسال الرسائل سالفة البيان و التي تضمنت عبارات السب المشار اليها سلفاً بما يمثل الركن المعنوي لجريمة السب المؤثمة بالمواد 306 ,308 مكرر /2,1 من قانون العقوبات , و كذلك ثبوت قيام المتهم بتعمد إزعاج المجني عليه و مضايقته بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات علي النحو السالف بيانه و هو ما يمثل االركن المادي للجريمة و تعمده القيام بذلك و اتجاه إراداته إلي تحقيقه مما يتحقق معه الركن المعنوي لجريمة الإزعاج بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات المؤثمة بالمادة 2/76 من القانون 10 لسنة 2003 و أن الفعل المادي الذي أتي به المتهم قد شكل الجرائم سالفة البيان سيما وان الهاتف المرتبط بة الحساب تبين انة بأسم المتهم .

_ بيد أن المحكمه اذ تنوه الي أنه من المقرر بنص المادة 32 من قانون العقوبات أنه ” إذا كون الفعل الواحد جرائم متعددة وجب اعتبار الجريمة التي عقوبتها أشد و الحكم بعقوبتها دون غيرها ” . و من المستقر عليه بقضاء النقض أن ” حكم تعدد الجرائم الناتجة عن فعل واحد هو اعتبار المتهم إنما قصد ارتكاب الجريمة اﻷشد عقوبة فقط دون الجريمة أو الجرائم اﻷخف , فلا تصح مؤاخذة المتهم إلا علي جريمة واحدة هي اﻷشد عقوبة(نقض جلسة 6/6/1938 , مجموعة القواعد القانونية , ج 4 , رقم 334 , ص 256 ).

و لما كان ما تقدم , و كان فعل المتهم قد شكل أكثر من جريمة علي النحو الوارد بالقيد و الوصف بما لازمه و جوب اعتبار الجريمة اﻷشد عقوبة فقط و هي الواردة بالمادة 76 من القانون 10 لسنة 2003 و الحكم بعقوبتها دون غيرها , اﻷمر يتعين معه عقابه بمادةة الاتهام سالفة البيان و عملاً بنص المادة 304 /2 من قانون الإجراءات الجائية حسبما سيرد بمنطوق ذلك القضاء .

و حيث انة عن الاتهام الثاني المنسوب للمتهم : فلماكان من المقرر بنص الماده 304 من قانون الإجراءات الجنائية أن : ” إذا كانت الواقعة غير ثابتة أو كان القانون لا يعاقب عليها تحكم المحكمة ببراءة المتهم و يفرج عنه إن كان محبوساً من أجل هذه الواقعة وحدها “. و كان من المقرر بقضاء النقض علي انه : ” ان القاضي الجنائي يحكم في الدعوي حسب العقيدة التي تكونت لديه بكامل حريته(نقض 1979/12/6 مجموعة اﻷحكام س 30 – ص 902 – قانون الإجراءات الجنائية معلقاً علي نصوصها- المستشار حسن علام – طبعة نادي القضاة 1991 ص 499)

وكان من المقرر بقضاء النقض علي أنه : ” أن المادة 302 من قانون الإجراءات الجنائية قد نصت علي أن يحكم القاضي في الدعوي حسب العقيدة التي تكونت لديه بكامل حريته و أن يكفي أن يتشكك القاضي في صحة إسناد التهمة كي يقضي له بالبراءة إذا المرجع في ذلك إلي ما يطمئن إليه في تقدير الدليل ما دام الظاهر من الحكم أنه أأحاط بالدعوي عن بصر و بصيرة و أقام قضاءه علي أسباب تحمله ”(الطعن رقم 6852 لسنة 59 جلسة 14/1/1996 سنة المكتب الفني 47 )، ولما كان من المقرر بقضاء النقض علي أنه : ” وجوب إقامة أحكام الإدانة في المواد الجنائية علي الجزم و اليقين لا علي الظن و الاحتمال “.(الطعن رقم 3690 س 58 جلسة 1988/9/7 )،” و حيث أنه منالمقرر بقضاء محكمة النقض أنه : ” عدم التزام المحكمة بالرد علي كل دليل عند القضاء بالبراءة(الطعن رقم 12 س 58 جلسة 1988/11/24 ).

وحيث أنه من المقرر بقضاء محمة النقض أنه : ” و لما كان يكفي في المحكمة الجنائية أن يتشكك القاضي في صحة إسناد التهمة إلي المتهم لكي يقضي له بالبراءة إذ أن مرجع ذلك إلي ما يطمئن إليه في تقرير الدليل ما دام أن الظاهر من الحكم أنه أحاط بالدعوي عن بصر و بصيرة , و كان يبيبن من الحكم المطعون فيه أن المحكمة لم تقضي بالبراءة إلا بعد أن أحاطت بالدعوي و ألمت بها و اﻷدلة المقدمة فيها و انتهت بعد أن وازنت اﻷدلة إلي عدم ثبوت التهمة في حق الطاعن فإن ما تنعاه النيابة العامة علي الحكم في هذا الصدد يعد نعياً تقدير الدليل و هو ما لا تجوز المجادلة فيه أمام محكمة النقض ”(الطعن رقم 1262 سنة 36 ق . جلسة 1966/11/9 )

و حيث أنه و لما كان المقرر في قضاء محكمة النقض أن : “اﻷصل أن القاضي الجنائي حر في أن يستمد اقتناعه من أي دليل يطمئن إليه طالما أن لهذا الدليل مأخذه الصحيح من اﻷوراق و أن يأخذ في هذا الشأن بأقوال متهم في ححق نفسه و في حق غيره من المتهمين و أن عدل عنها بعد ذلك ما دام قد اطمأن إليها .”(الفقرة رقم 1 من الطعن رقم 7618 سنة قضائية 62 مكتب فني 45 تاريخ الجلسة 1994/4/5 صفحة رقم 473 – جزء رقم 1 )

– حيث أنه و لما كان ما تقدم و كانت المحكمة بمطالعتها ﻷوراق الجنحة عن بصر و بصيرة و موازنتها ﻷدلة الثبوت و النفي بها قد خالج وجدانها الشك في صحة نسبة هذا الاتهام للمتهم و آيه ذلك أن المحكمة من مطالعتها للأوراق تبين ان الحساب المرسل مه الرسائل المستخدم في ارتكاب الوقائع المثارة بالاوراق هو حساب شخصي للمتهم و ليس حساباً انشئ خصيصاً ﻷرتكاب تلك الجرائم و هو ما تطلبتة المادة 27 من القانون 175 لسنة 2019 الخاص بمكافحة جرائم تقنية المعلومات اﻷمر الذي تتري معه المحكمة و الحال كذلك القضاء ببراءة المتهم من ذلك اﻷتهام اعمالا لنص المادة 1/304 من قانون الاجراءات الجنائية علي نحو ما سيرد بالمنطوق

وحيث أنه عن المصروفات الجنائية فالمحكمة تلزم بها المتهم بوصفه المحكوم عليه عملا بنص المادة 313 من قانون الإجراءات الجنائية .

و حيث أنه عن الدعوي المدنية فإنه لما كانت المحكمة قد انتهت في الدعوي الجنائية إلي وقع الجريمة و ثبوتها في حق المتهم و كان ركن الخطأ أساس مشترك بين الدعويين المدنية و الجنائية و كان الضرر المطلوب التعويض عنه ناشئاً مباشرة عن الجريمة موضوع الدعوي الجنائية و أن المدعي بالحق المدني قد ناله ضرر من جرائها و كان الثابت أنه لولا خطأ المتهم الذي انتهت المحكمة إلي إدانته عنه لما وقع الضرر بالمدعي بالحق المدني و كان المبلغ المطلوب موقوتاً لتلك الأضرار فمن ثم تقضي المحكمة للمدعي بالحق المدني بتعويض بمبلغ عشرة الاف جنيه علي سبيل التعويض المدني المؤقت قبل المتهم مع إلزامه بمصاريف الدعوي المدنية شاملة أتعاب المحاماة عملاً بالمادتين 320 إجراءات ,187 محاماة المستبدلة بالقانون 10 لسنة 2002 .

فلهذه اﻷسباب

حكمت المحكمة : غيابياً

اولاً : بتغريم المتهم/ ********* مبلغ عشرة الاف جنية عن الاتهامين الاول و الثاني للارتباط و ألزمته بأن يؤدي للمدعي بالحق المدني مبلغ عشرة الاف جنية علي سبيل التعويض المدني المؤقت مع الزامه بمصاريف الدعويين المدنية و الجنائية ..

ثانياً : ببراءة المتهم من الاتهام الثالت المسند اليه .


الخميس، 4 سبتمبر 2025

لست بالخب ولا الخب يغريني: بين الحكمة والخلُق

 لست بالخب ولا الخب يغريني: بين الحكمة والخلُق

   الحكمة تجد أصلها عن العرب ، و من قراء السيرة و التاريخ الخاص بالصحابي الجليل عمر بن الخطاب رضى الله عنه يتعلم كثيرا ، فهو نبع لا ينضب ماؤه ، و هنا نبدء البيان من خلال مقولة لم أجد له عمق من الاقوال مثلها فهى فريدة في نوعيها ، و كيف لا؟ و هو قد نزل القراءن الكريم مؤيد راية في اكثر من اية من ايات الذكر الحكيم .فكان ما كان يردد هذه المقولة .

   تُعَدُّ مقولة «لستُ بالخب ولا الخب يغريني» واحدةً من أبلغ العبارات المأثورة في التراث العربي والإسلامي، وقد وردت في حديث نبوي شريف جاء فيه: «المؤمن لا يكون لعّانًا ولا طعانًا ولا فاحشًا ولا بذيئًا، ولا يكون الخب، ولا الخب يغرّه»، وفي روايات أخرى «لستُ بالخب، ولا الخب يغريني».

   وهذه المقولة تجمع بين اختصار اللفظ وعمق المعنى، فهي تلخص فلسفة متكاملة في التعامل مع الحياة والناس: التوازن بين الذكاء والفطنة من ناحية، وبين الاستقامة والصدق من ناحية أخرى. فهي لا تدعو إلى السذاجة والطيبة المفرطة التي تجعل صاحبها فريسة للمخادعين، كما لا تبيح أن يتحول الإنسان إلى ماكر مخادع يضر بالآخرين.

  إنها صياغة رائعة لقانون أخلاقي يُجسّد جوهر الوسطية الإسلامية: فطنة بلا خبث، وذكاء بلا مكر، ودهاء بلا خيانة.

أولاً: التحليل اللغوي والدلالي للمقولة

   الخب: في اللغة العربية يعني الماكر، المخادع، الداهية الذي يتقن فنون الكيد والخداع. لا يغريني: أي لا يخدعني ولا يستميلني إلى باطله. وبالتالي، المعنى الكامل للمقولة هو: لستُ مخادعاً ولا أسمح للمخادع أن يخدعني.

  وهذا التوازن اللغوي في تركيب الجملة يضفي عليها قوة بلاغية: فهي من طرف واحد تنفي السلوك المذموم، ومن الطرف الآخر تنفي الضعف أمامه. أي أن الإنسان الكامل الخُلُق هو من يجمع بين البراءة من المكر وبين القدرة على كشفه ومقاومته.

ثانياً: البعد الأخلاقي والإنساني

   من الناحية الأخلاقية، تضع المقولة قاعدة ذهبية للسلوك الإنساني:

   النزاهة الشخصية: المؤمن لا يتقن أساليب الخداع ولا يمارسها، لأنه يعلم أن الكذب والمكر يهدمان الثقة بين الناس ويمزقان نسيج المجتمع.

  اليقظة والوعي: في المقابل، لا ينخدع بالمخادعين ولا يسمح لأحد أن يستغله، لأنه يستخدم عقله وفطنته في التمييز بين الحق والباطل.

  الاعتدال: ليست دعوة إلى المثالية الحالمة التي تنأى عن الواقع، بل هي دعوة إلى الاعتدال بين السذاجة والدهاء المذموم. إنها تربية للإنسان على أن يعيش بسلام داخلي، فلا يحمل في قلبه خبثاً للآخرين، وفي الوقت نفسه يمتلك حصانة فكرية وأخلاقية تحميه من أن يقع ضحية لألاعيب الخبثاء.

ثالثاً: البعد الديني والشرعي

   الإسلام دين يوازن بين العقل والقلب، وبين الفطرة السليمة والحكمة العملية. وهذه المقولة تجسد ذلك التوازن: القرآن الكريم حذّر من أهل الخداع فقال: «يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ» (النساء: 142)، فبيّن أن المكر وإن نجح مؤقتاً فهو مردود على صاحبه. السنة النبوية جاءت لتربي المؤمن على الصدق والوضوح، ومع ذلك حثت على الحذر وعدم الاستسلام للسذاجة: فقد قال ﷺ: «لا يُلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين». إذن المقولة تعكس منهج الإسلام في بناء شخصية المؤمن: صادق، واضح، لكنه يقظ، لا يتكرر خداعه ولا تنطلي عليه الحيل.

رابعاً: البعد الاجتماعي

  في الحياة الاجتماعية، تظهر أهمية هذه المقولة بجلاء: في العلاقات الأسرية: الزوج أو الزوجة يجب أن يكونا صادقين غير مخادعين، لكن مع وعي كامل يجنبهما الوقوع فريسة للاستغلال أو الكذب. في العمل والعلاقات المهنية: الموظف أو التاجر النزيه لا يغش ولا يخدع، لكنه لا يسمح أن يُستغل من زملائه أو شركائه. في الصداقات: الصديق الحق لا يخون ولا يغدر، لكنه أيضاً لا يُخدع بسهولة بالوعود الزائفة أو الكلمات المنمقة. وهكذا تخلق المقولة مجتمعاً متماسكاً قائماً على الثقة المتبادلة، لكن دون أن يُتاح للمخادعين أن يسيطروا على البسطاء.

خامساً: البعد السياسي

   السياسة ميدان يظهر فيه الخداع والمكر بأوضح صوره، وهنا تكمن عبقرية المقولة: الحاكم العادل ليس بالمخادع لشعبه، لكنه أيضاً ليس بالساذج الذي تُخدعه المؤامرات. الشعوب الواعية ليست بالمخادعة، لكنها لا تسمح لأصحاب النفوذ أن يخدعوها بالشعارات أو الوعود الكاذبة.

  على المستوى الدولي، المقولة تصلح أساساً للتعامل بين الدول: لا غش، لكن يقظة ضد أي محاولة استغلال أو استعمار جديد.

سادساً: البعد الفلسفي والنفسي

   من الناحية الفلسفية، يمكن اعتبار هذه المقولة تعبيراً عن "التوازن الأخلاقي" الذي يشبه نظرية الفضيلة عند أرسطو: الفضيلة هي الوسط بين رذيلتين. فالمؤمن ليس بالساذج (تفريط) ولا بالمخادع (إفراط)، بل في الوسط: فطن نزيه.

   أما من الناحية النفسية، فهي تربي الإنسان على الثقة بالنفس: فهو لا يحتاج إلى الخداع ليحقق أهدافه، كما أنه يثق في قدرته على مواجهة أي محاولة خداع. هذه الحالة النفسية تمنحه راحة البال لأنه يعيش بوجه واحد، وقوة داخلية لأنه لا يخشى أن يُخدع بسهولة.

الدروس المستفادة

   الاستقامة طريق قوة: النزاهة ليست ضعفاً بل قوة مضاعفة، لأن الإنسان النزيه يعيش بوضوح وصراحة. الفطنة حصن من الاستغلال: من لا يستخدم عقله وفطنته قد يقع فريسة لأصحاب المكر، أما اليقظ فيفشل خططهم. التوازن أساس النجاح: النجاح في الحياة لا يقوم على المكر وحده ولا على الطيبة وحدها، بل على المزيج المتوازن بين النقاء والذكاء. المقولة صالحة لكل زمان ومكان: فهي ليست مجرد عبارة تراثية بل منهج حياة يصلح للفرد، الأسرة، المجتمع، والدولة.

خاتمة

   إن مقولة «لستُ بالخب ولا الخب يغريني» ليست مجرد كلمات عابرة، بل هي قاعدة ذهبية لبناء الإنسان الحر المستقيم، الذي يعيش بنزاهة لكنه يحمي نفسه من الخداع. هي دعوة لأن نكون صادقين في أقوالنا وأفعالنا، يقظين في تعاملاتنا، متوازنين بين الطيبة والوعي. ولو استوعب الناس هذه القاعدة لقلَّت الصراعات، ولعاش المجتمع في أجواء من الثقة والعدل، لأن المؤمن الصادق اليقظ هو حجر الأساس في بناء الحضارات. ولعل جوهر الحكمة يتجلى في أن القوة الحقيقية ليست في المكر والخداع، بل في أن تكون نزيهاً واعياً، صادقاً فطناً. وهذا هو المعنى العميق لمقولة: «لست بالخب ولا الخب يغريني».

  إذا كنتَ تستطيع أن تختار لنفسك طريقًا واحدًا في الحياة: أن تعيش مخادعًا تنتصر بمكرك، أو صادقًا واعيًا لا يخدعك أحد… فأي الطريقين تختار، ولماذا؟

الله ولى التوفيق


الثلاثاء، 2 سبتمبر 2025

بين حرمة الخصوصية وعلانية الأحكام: درس النقض في حماية الحريات الرقمية

                     
                         بين حرمة الخصوصية وعلانية الأحكام: درس النقض في حماية الحريات الرقمي         
   
        الحمد لله باسم الشعب، تصدر محكمة النقض أحكامها لتضع النقاط على الحروف في القضايا التي تمس الحريات الشخصية وحقوق الأفراد في عصر التكنولوجيا. الحكم محل الدراسة يمثل محطة فاصلة بين حق الفرد في الخصوصية و حق المجتمع في الاطلاع على أحكام القضاء الصادرة باسم الشعب، وهو ما يطرح تساؤلات عميقة حول الحدود الفاصلة بين الحرية الرقمية والتجاوز القانوني.  
تلخيص الوقائع تليسكوبيًا:
 البداية: متهم نشر عبر حسابه على "فيس بوك" صورة من حكم قضائي صادر ضد أحد الأشخاص مع تعليق ناقد.النيابة: اتهمته بانتهاك خصوصية المجني عليه وفق المادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات.الأحكام السابقة:محكمة أول درجة: براءة.الاستئناف: إدانة وغرامة 50 ألف جنيه.المعارضة: تأييد الحكم بالغرامة.الطعن بالنقض: المحامي دفع بخطأ التكييف القانوني، إذ أن نشر حكم قضائي علني لا يُعد انتهاكًا للحياة الخاصة. محكمة النقض: أكدت أن الحكم القضائي صادر باسم الشعب ومتداول علنًا، وبالتالي لا يُعتبر مساسًا بالخصوصية، فقضت بــ نقض الحكم وبراءة المتهم.

 الدروس المستفادة (بتلسكوبية التحليل):
   تمييز جوهري بين العلني والخاص: ما يصدر باسم الشعب من أحكام قضائية هو علني بطبيعته، ولا يدخل ضمن "الحياة الخاصة". الخصوصية مرتبطة بالأسرار أو الوقائع الشخصية غير المتاحة للجمهور.
   ضبط استخدام المادة 25 من قانون الجرائم الإلكترونية: النص يجرم انتهاك الخصوصية، لكنه لا ينطبق على نشر وقائع عامة أو أحكام قضائية.ضرورة منع التوسع في تفسير النصوص الجنائية حتى لا تُستخدم كأداة لتقييد الحريات.
   رسالة لمحاكم الموضوع: واجبها التدقيق في التكييف القانوني قبل إصدار الإدانة. الرقابة من محكمة النقض تضمن تصحيح الانحراف في فهم النصوص.
  التوازن بين الحقوق:حماية الكرامة والخصوصية لا تعني مصادرة الحق في تداول المعلومات العامة.حرية الرأي والشفافية القضائية ركيزتان من ركائز العدالة.بعد عملي للمجتمع الرقمي:على مستخدمي السوشيال ميديا التفرقة بين النقد المشروع (بناء على معلومات علنية) و الاعتداء غير المشروع (إفشاء أسرار خاصة). يساهم هذا الحكم في رسم حدود أوضح لما هو "حرية تعبير" وما هو "جريمة معلوماتية".

   يُبرز حكم محكمة النقض محل الدراسة أن العدالة ليست فقط تطبيقًا للنصوص، بل هي ضبط لموازين الحقوق والحريات. ففي زمن أصبحت فيه المعلومة تنتقل بسرعة البرق عبر المنصات الرقمية، تبقى المحاكم صمام الأمان الذي يمنع الخلط بين النقد المشروع و الاعتداء غير المشروع.

  لقد أكدت المحكمة أن الخصوصية لا تمتد إلى ما هو علني ومتاح للجميع مثل الأحكام القضائية الصادرة باسم الشعب، وهو ما يرسخ مبدأ الشفافية ويصون في الوقت ذاته الكرامة الإنسانية.

  إن الدرس الأكبر هو أن القانون الرقمي يجب أن يُفسر بميزان دقيق؛ فلا يُستخدم كقيد على الحريات العامة، ولا يُفرغ من مضمونه في حماية الحياة الخاصة. وهكذا يظل دور محكمة النقض هو الحارس الأمين لحدود العدالة، يرسم الخط الفاصل بين الحق والباطل، بين الخصوصية والعلانية، وبين حرية التعبير والانتهاك.
-----------------------------
طعن رقم 764 لسنة 93 ق نقض جنائي
باسم الشعب
محكمة النقض
الدائرة الجنائية
الثلاثاء( هـ )
المؤلفة برئاسة السيد المستشار / عبد الرسول طنطاوي نائب رئيس المحكمة
وعضوية السادة المستشارين / محمد زغلول هاشم النوبي
محمد فراج نواب رئيس المحكمة
ومحمد جبر
وحضور رئيس النيابة العامة لدى محكمة النقض السيد / مينا منسي .
وأمين السر السيد / وليد رسلان .
في الجلسة العلنية المنعقدة بمقر المحكمة بدار القضاء العالي بمدينة القاهرة .
في يوم الثلاثاء 6 من ذي القعدة سنة 1445 هـ الموافق 14 من مايو سنة 2024 م .
أصدرت الحكم الآتي:
في الطعن المقيد بجدول المحكمة برقم 764 لسنة 93 القضائية

اتهمت النيابة العامة الطاعن في القضية رقم ….. لسنة ….. جنح ……الاقتصادية المقيدة برقم …… لسنة ….. جنح مستأنف…… الاقتصادية . بأنه في يوم 22 من فبراير سنة 2021 بدائرة قسم ……- محافظة……. .
– نشر منشورات عن طريق حسابه الشخصي المسمى (…….) على موقع التواصل الاجتماعي” فيس بوك ” معلومات وأخبار خاصة بالمجني عليه / ……….دون رضاه والتي من شأنها انتهاك خصوصيته وذلك على النحو المبين تفصيلا بالأوراق .
وأحالته إلى محكمة جنح ……..الاقتصادية ، وطلبت عقابه بالمادة 25 من القانون رقم 175 لسنة 2018 بشأن تقنية المعلومات .
والمحكمة المذكورة – محكمة جنح ……الاقتصادية – قضت غيابيا بجلسة 30 من أكتوبر سنة 2021 ، ببراءة المتهم من التهمة المنسوبة إليه .
فاستأنفت النيابة العامة هذا الحكم وقيد استئنافها برقم … لسنة ..جنح مستأنف …..الاقتصادية .
ومحكمة……. الاقتصادية – بهيئة استئنافية – قضت غيابيا بجلسة 14 من مارس سنة 2022 ، بقبول الاستئناف المقام من النيابة العامة شكلا وفي الموضوع وبإجماع الآراء بإلغاء الحكم المستأنف والقضاء مجددا بتغريم المتهم خمسين ألف جنيه عما أسند إليه وألزمته بالمصاريف الجنائية .
فعارض المحكوم عليه استئنافيا في هذا الحكم .
والمحكمة المذكورة محكمة ….الاقتصادية – بهيئة استئنافية – قضت حضوريا بجلسة 11 من أكتوبر سنة 2022 ، بقبول المعارضة الاستئنافية شكلا وفي الموضوع وبإجماع آراء هيئة المحكمة برفضه وتأييد الحكم المعارض فيه وألزمت المعارض بالمصاريف .
فقرر الأستاذ / ………المحامي – بصفته وكيلا عن المحكوم عليه – بالطعن في هذا الحكم بطريق النقض في 5 من ديسمبر سنة 2022
وأودعت مذكرة بأسباب طعنه بذات التاريخ موقع عليها من ذات الأستاذ المحامي المقرر بالطعن
وبجلسة اليوم سمعت المرافعة على ما هو مبين بمحاضرها
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد المستشار المقرر ، والمرافعة ، وبعد المداولة قانونًا :

حيث إن الطعن استوفى الشكل المقرر في القانون .
حيث إن مما ينعاه الطاعن على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجريمة نشر أخبار ومعلومات تنتهك خصوصية المجني عليه دون رضاه عن طريق الشبكة المعلوماتية ، قد اعتوره الخطأ في تطبيق القانون وتأويله ، ذلك أنه اعتبر الأفعال المنسوبة للطاعن مؤثمة بالمادة رقم 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الصادر بالقانون رقم 175 لسنة 2018 رغم انتفائها في حقه ، مما يعيب الحكم ويستوجب نقضه .
وحيث إن الحكم الاستئنافي المعارض فيه المؤيد لأسبابه بالحكم المطعون فيه حصل واقعة الدعوى في قوله ” إن النيابة العامة قدمت المتهم ……..للمحاكمة الجنائية بوصف أنه في 22/2/2021 بدائرة قسم…. محافظة ….نشر منشورات عن طريق حسابه الشخصي المسمى (…….) على موقع التواصل الاجتماعي ” فيس بوك ” معلومات وأخبار خاصة بالمجني عليه / ………دون رضاه والتي من شأنها انتهاك خصوصيته وذلك على النحو المبين بالأوراق . وذلك على سند مما أبلغ به المجني عليه المذكور بمحضر جمع الاستدلالات المحرر بمعرفة العقيد …….- الضابط بإدارة تكنولوجيا المعلومات – بتاريخ 30/10/2021 من قيام المتهم مستخدم الحساب المسمى (……..) على موقع “فيس بوك” بنشر مشاركات على المجموعة المُسماة (نادي……..) تتضمن عبارات سب وقذف وإساءة لسمعته مما تسبب له في أضرار مادية ومعنوية ، وبفحص الواقعة بمعرفة قسم المساعدات الفنية بالإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات تبين أنه بتتبع الحساب مرتكب الواقعة تبين أنه مرتبط بالهاتف رقم ……… المستخدم بمعرفة المتهم المقيم …… …………وأرفق صور ضوئية من المنشور محل الشكوى من على حساب المتهم على تطبيق “فيس بوك” والذي تضمن نشره صورة ضوئية من حكم صادر ضد المجني عليه بالحبس لمدة ستة أشهر وكفالة 500 جنيه أتبعها تعليقه بعبارة ” صورة من حكم أول درجة بحبس ……نائب رئيس مجلس إدارة نادي…… ستة أشهر وكفالة 500 جنيه – أنا رأي الشخصي مش حلو الكلام ده خالص في حق نادينا والشوشرة على النادي …. ” . لما كان ذلك ، وكانت المادة 25 من القانون رقم 175 لسنة 2018 في شأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات والتي دين الطاعن بمقتضاها قد نصت على أنه ” يُعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ، وبغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تجاوز مائة ألف جنيه ، أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من اعتدى على أي من المبادئ أو القيم الأسرية في المجتمع المصري أو أنتهك حرمة الحياة الخاصة ، أو أرسل بكثافة العديد من الرسائل الإلكترونية لشخص معين دون موافقته ، أو منح بيانات شخصيته إلى نظام أو موقع إلكتروني لترويج السلع والخدمات دون موافقته ، أو نشر عن طريق الشبكة المعلوماتية أو بإحدى وسائل تقنية المعلومات معلومات أو أخبارًا أو صورًا وما في حكمها تنتهك خصوصية أي شخص دون رضاه ، سواء كانت المعلومات المنشورة صحيحة أو غير صحيحة ” . وكان من المقرر أنه وإن كان المرجع في تعرف حقيقة المعلومات والأخبار ومدى تعلقها بالحياة الخاصة للمجني عليه وانتهاكها لخصوصيته دون رضاه ، وهو بما يطمئن إليه قاضي الموضوع في تحصيله لفهم الواقع في الدعوى ، إلا أن حد ذلك ألا يخطئ في تطبيق القانون على الواقعة كما صار إثباتها في الحكم أو يمنح دلالة المعلومات والأخبار بما يحيلها عن معناها ، كما أن تحري حقيقة تلك الأخبار ومدى تعلقها بالحياة الخاصة للمجني عليه هو من التكييف القانوني الذي يخضع لرقابة محكمة النقض باعتبارها الجهة التي تهيمن على الاستخلاص المنطقي الذي يتأدى إليه الحكم من مقدماته المسلمة . لما كان ذلك ، وكان ما تضمنه المنشور المنسوب إلى الطاعن كتابته ووضعه على موقع الفيس بوك فضلًا عن إنه قد صادف واقعة صدر بشأنها حكم قضائي صادر باسم الشعب ومتاح للكافة مطالعته ، ليس من شأنه أن يمس الحياة الخاصة للمجني عليه أو ينتهك خصوصيته دون رضاه ، ومن ثم فهو لا يقع تحت نص المادة 25 من القانون رقم 175 لسنة 2018 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات ، فإن الحكم المطعون فيه وقد خالف هذا النظر وقضى بمعاقبة الطاعن عن تلك الجريمة ودانه بمقتضاها يكون قد بني على خطأ في تأويل القانون ، مما يتعين معه على المحكمة نقض الحكم المطعون فيه والقضاء ببراءة الطاعن منها عملًا بالمادة 304 من قانون الإجراءات الجنائية
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة : بقبول الطعن شكلًا وفي الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه وبراءة الطاعن مما أسند إليه.


خُلُقُ الأَنَاةِ: فَضِيلَةُ الصَّبْرِ وَحِكْمَةُ التَّأَنِّي فِي زَمَنِ العَجَلَةِ

خُلُقُ الأَنَاةِ: رِحْلَةُ العَقْلِ فِي نَيْلِ الحِكْمَةِ وَسَكِينَةِ الرُّوحِ مقدمة: حقيقة الأناة وغايتها الإنسانية    يعيش الإنسان المعاصر...