المال والجسد ووسائل التواصل: كيف تغيّر كل شيء؟
في الماضي، كان المال مجرد وسيلة نشتري بها الطعام، نسكن بها بيتًا، ونعيش حياة كريمة. لكن مع الوقت تغيّر الوضع. صار المال الغاية نفسها، وأصبح الكثيرون يقيسون قيمة الإنسان بما يملك، لا بما يقدمه من علم أو أخلاق أو إنسانية. هذه الحالة يصفها بعض الباحثين بـ "سعار المال"؛ أي الجري وراء المال بلا توقف، كمن يركض خلف سراب لا نهاية له.
خذ مثلًا: كم من شاب يترك دراسته أو مهنته التي يحبها، فقط ليبحث عن وظيفة تجلب له مالًا أسرع؟ وكم من إنسان يغامر بمبادئه أو بوقته أو حتى بصحته، في سبيل جمع المال؟ هذا هو "سعار المال" في أبسط صوره.
وسائل التواصل: من مساحة للترفيه إلى سوق مفتوح
حين ظهرت مواقع مثل فيسبوك وإنستغرام وتيك توك، كان الهدف الأساسي هو التواصل: نتحدث مع أصدقائنا، نشارك صورنا وأخبارنا. لكن شيئًا فشيئًا تحولت هذه المواقع إلى سوق ضخم. كل ما نكتبه أو نصوره صار مادة تجذب الإعلانات. المنصة لا تهتم إن كان المحتوى نافعًا أو تافهًا، المهم أن يحصد مشاهدات ويثير التفاعل.
ولاحظنا أن المحتويات الأكثر انتشارًا ليست دائمًا الأجود، بل الأكثر "إثارة" للانتباه، حتى لو كانت سطحية أو ضد القيم. فالمنصة تكافئ من يجذب المشاهدين، لا من يقدم محتوى عميقًا.
الجسد الأنثوي: من رمز ثقافي إلى سلعة رقمية
منذ زمن بعيد، استخدم الإعلان صور النساء للتسويق، لأن الجسد الأنثوي يجذب النظر ويؤثر في المستهلك. لكن الجديد اليوم أن هذا الاستخدام لم يعد بيد الشركات فقط. بل أصبحت بعض الفتيات على إنستغرام أو تيك توك يوظفن صور أجسادهن في بناء "الشهرة"، وجذب المتابعين، ثم تحويل هذه الشهرة إلى مصدر دخل من خلال الإعلانات أو عقود الرعاية.
بكلمات أبسط: الجسد صار وسيلة اقتصادية. مثلما تبيع شركة هاتفًا أو سيارة، هناك من يبيع صورته أو حضوره الجسدي على المنصات من أجل المكاسب.
قصة: فتاة والمرآة الرقمية
فتاة في بداية العشرينات، تحب التصوير وتشارك صورها على إنستغرام. في البداية كان الأمر مجرد متعة، تلتقط صورًا مع صديقاتها أو في الأماكن التي تزورها. لكن شيئًا فشيئًا، بدأت تلاحظ أن الصور التي تُظهر فيها جسدها بشكل أوضح تحصد إعجابات أكثر بكثير من الصور العادية.
مع مرور الوقت، صارت تركز على الملابس الضيقة أو زوايا التصوير التي تُبرز جسدها. وبعد أشهر، وصل عدد متابعيها إلى عشرات الآلاف. لم يتوقف الأمر عند الإعجابات، بل بدأت تأتيها عروض من شركات صغيرة لتعلن عن منتجاتها مقابل مبلغ مالي.
الفتاة شعرت في البداية بسعادة كبيرة، فقد تحوّل حسابها إلى مصدر دخل. لكن شيئًا في داخلها تغيّر: صارت تنظر للمرآة بقلق دائم: هل أبدو نحيفة بما يكفي؟ هل بشرتي مثالية؟ بدأت تقارن نفسها بالفتيات الأخريات على المنصة، وتشعر أحيانًا أنها أقل جمالًا منهن. والأخطر أنها أصبحت تفكر في جسدها ليس كجزء من ذاتها، بل كـ وسيلة للتسويق. هذه القصة ليست استثناء، بل انعكاس لآلاف القصص المشابهة حول العالم. فهي تكشف كيف يتداخل المال مع الجسد والفضاء الرقمي ليصنع واقعًا جديدًا قد يغيّر نظرة الإنسان إلى نفسه.
أين المشكلة الحقيقية؟
عندما يجتمع سعار المال مع منطق السوق في مواقع التواصل، ويُستخدم الجسد الأنثوي كأداة للربح، فنحن أمام معادلة خطيرة: المال لم يعد وسيلة للعيش فقط، بل صار الهدف. مواقع التواصل لم تعد للمرح، بل صارت تجارة كبرى. الجسد لم يعد قيمة إنسانية، بل سلعة تُباع وتُشترى. وهكذا يتغير شكل حياتنا دون أن نشعر: قيمنا، علاقاتنا، وحتى صورتنا عن أنفسنا.
ما نراه اليوم على الشاشات الصغيرة ليس مجرد "ترفيه" أو "تواصل اجتماعي". إنه عالم جديد يغيّر طريقة تفكيرنا ونظرتنا لأنفسنا وللآخرين. والسؤال: هل سنترك المال والمنصات الرقمية تقود حياتنا بهذا الشكل، أم سنضع نحن حدودًا تضمن بقاء القيم والإنسانية في الصدارة؟