الاستجواب المدني أمام القضاء المصري: دراسة تحليلية لأحكام محكمة النقض بين سلطة المحكمة وضمانات الدفاع
بقلم- حسام الدين عبد السلام المحام بالنقض
في عالم التقاضي المدني، تتعدد وسائل الإثبات وتتباين درجات قوتها ومرونتها، إلا أن الاستجواب يظل من أكثر الوسائل تمايزًا؛ لما يحمله من طابع المواجهة المباشرة، ولما قد يسفر عنه من إقرار صريح أو إنكارٍ ضمني يكشف ملامح الحقيقة.
ورغم أن الاستجواب ليس من الوسائل التي تُفرض على المحكمة، إلا أن تجاهله دون مبرر قانوني قد يُعد إخلالًا جسيمًا بحق الدفاع وسببًا جوهريًا لنقض الحكم، خاصة متى تعلّق بطلب جوهري من الخصم بشأن واقعة أساسية في النزاع.
وقد اضطلعت محكمة النقض المصرية بدور بالغ الأهمية في رسم الحدود الفاصلة بين السلطة التقديرية للمحكمة في قبول أو رفض الاستجواب، وبين حق الخصم في الدفاع الذي يكفله الدستور وأصول التقاضي السليم.
وفي هذا البحث، نسلّط الضوء على الطبيعة القانونية للاستجواب المدني، ونرصد أبرز المبادئ القضائية التي أرستها محكمة النقض في شأنه، ونحللها تحليلًا منهجيًا يكشف عن فلسفة القضاء في تحقيق التوازن بين مرونة الإجراءات القضائية وضمانات العدالة.
و من واقع الحياة العملية ان هذا الطريق ، هو أقصر الطرق للعدالة الناجزة ، و كم من القضايا كسبتها بفضل الله بهذا الطريق .
أولًا: تعريف الاستجواب وطبيعته القانونية
الاستجواب هو إجراء قانوني يهدف إلى مواجهة الخصم بوقائع الدعوى بقصد حمله على الاعتراف بها أو توضيح موقفه منها. ويُعد من وسائل الإثبات المنصوص عليها في قانون الإثبات المدني. وقد أرست محكمة النقض مبدأً مفاده أن الاستجواب خاضع للسلطة التقديرية للمحكمة، إذ جاء في حكمها: "الاستجواب وسيلة من وسائل الإثبات، للمحكمة سلطة تقديرية في إجرائه أو عدم إجرائه بحسب ما تراه لازمًا للفصل في الدعوى." الطعن رقم 217 لسنة 47 ق – جلسة 29/11/1981 – المكتب الفني 32 – صـ 2072.
ثانيًا: شروط الاستجواب وضوابطه
لا يُقبل الاستجواب إلا بتوافر مجموعة من الشروط، منها: أن تكون الواقعة محل الاستجواب متعلقة بالدعوى وجوهر النزاع. أن تكون الواقعة غير ثابتة بدليل كتابي قاطع. أن يُطلب الاستجواب قبل إقفال باب المرافعة. أن يكون الخصم حاضرًا أو مُمثَّلًا تمثيلًا قانونيًا. وقد أوضحت محكمة النقض أن: "لا يجوز توجيه الاستجواب بشأن وقائع ثبتت بدليل كتابي قاطع، إذ لا محل حينئذ لهذا الإجراء." الطعن رقم 1124 لسنة 50 ق – جلسة 15/5/1984 – المكتب الفني 35 – صـ 1324.
ثالثًا: سلطة المحكمة في إجراء الاستجواب أو رفضه
الاستجواب لا يُعد حقًا للخصم، بل يخضع لتقدير المحكمة التي قد ترى أنه غير منتج أو غير ضروري. غير أن المحكمة إذا قررت إجراء الاستجواب ثم عدلت عنه دون مبرر، تعرّض حكمها للطعن.وقد قضت محكمة النقض: "إذا قررت المحكمة إجراء استجواب ثم عدلت عنه دون أن تبين أسباب هذا العدول، فإن حكمها يكون مشوبًا بالقصور." الطعن رقم 314 لسنة 49 ق – جلسة 10/3/1983 – المكتب الفني 34 – صـ 597.
رابعًا: حجية أقوال الخصم أثناء الاستجواب
ما يدلي به الخصم أثناء الاستجواب يُعد إقرارًا قضائيًا متى انصب على واقعة قانونية أو مادية تضر بمصلحته.وكرّست محكمة النقض هذا المبدأ في قولها: "إجابة الخصم أثناء الاستجواب تعتبر إقرارًا قضائيًا له قوته في الإثبات متى تعلّق بواقعة تضر بصاحبها." الطعن رقم 723 لسنة 46 ق – جلسة 7/12/1982 – المكتب الفني 33 – صـ 1220
خامسًا: الإخلال بحق الدفاع في حالة تجاهل طلب الاستجواب
إذا طلب أحد الخصوم استجواب خصمه بشأن واقعة جوهرية، وكان لهذا الطلب وجاهته القانونية، فإن تجاهل المحكمة له دون رد يُعد إخلالًا بحق الدفاع يعيب الحكم. وقد استقر قضاء النقض على: "إغفال المحكمة الرد على طلب جوهري بإجراء استجواب يُعد قصورًا في التسبيب وإخلالًا بحق الدفاع يبطل الحكم." الطعن رقم 1023 لسنة 43 ق – جلسة 23/6/1980 – المكتب الفني 31 – صـ 1683.
سادسًا: الفرق بين الاستجواب والإقرار والشهادة
الإقراريصدر طواعية من الخصم وهوإقرار ملزم له حجة قاطعة متى كان صريحًا، الاستجواب بطلب من الخصم قد يتحول لإقرار إن أضر بصاحبه يخضع لتقدير المحكمة،الشهادةمن الغير رواية الغير لا تُلزم المحكمة
خاتمة وتوصيات
يتضح من خلال ما سبق أن الاستجواب في القضاء المدني هو أداة قانونية هامة، لكنها خاضعة لضوابط وشروط دقيقة تحمي حسن استعمالها. وقد أحسنت محكمة النقض في توضيح حدودها وبيان معاييرها في أحكام متواترة تدل على فقه قضائي رصين.
التوصيات:
الالتزام بتقديم طلبات الاستجواب في الوقت المناسب وبطريقة قانونية دقيقة.،احترام السلطة التقديرية للمحكمة، مع الطعن عند تجاهل الطلب دون تسبيب. تدريب المحامين على استخدام الاستجواب في القضايا المدنية بطريقة استراتيجية. الحرص على إثبات وقائع الجلسات بدقة لإثبات مدى تجاوب المحكمة مع الطلبات الجوهرية.بعد استعراضنا لأحكام محكمة النقض المصرية المتعلقة بالاستجواب في المجال المدني، يتضح بجلاء أن هذه الوسيلة من وسائل الإثبات لم تنل في التطبيق العملي ما تستحقه من عناية، رغم ما لها من أهمية جوهرية في كشف الحقيقة القانونية وتحديد ملامح النزاع بدقة.
فالاستجواب ليس مجرد إجراء شكلي يُطلب بشكل روتيني، بل هو أداة فنية تستهدف دفع الخصم إلى مواجهة صريحة بوقائع النزاع، وقد يسفر عن نتائج إثباتية تعادل، وربما تفوق، غيره من الأدلة كالكتابة أو الشهادة، لا سيما إذا انطوى على إقرار قضائي صريح أو ضمني.
غير أن هذه الأداة تظل محكومة بتقدير المحكمة، التي لها – وفق ما استقر عليه قضاء النقض – سلطة قبوله أو رفضه دون إلزام، بشرط أن يكون رفضها مسببًا تسبيبًا كافيًا ومبنيًا على أسس منطقية، وإلا وقع حكمها في هاوية القصور في التسبيب، أو الإخلال بحق الدفاع، وهو ما يؤدي إلى بطلانه.
وقد كشفت الدراسة أن محكمة النقض المصرية قد أرست عبر عشرات الأحكام مبادئ محورية ترسم حدود هذه الوسيلة، وتؤكد على معايير العدالة الإجرائية في التعامل معها، وتمنع تسلط الخصوم أو تعسف المحكمة على حد سواء. إن الاستجواب يكاد يكون الوسيلة الوحيدة التي تجمع بين سمات الشفافية المباشرة والضغط المعنوي القضائي، مما يستدعي من المشتغلين بالقانون – قضاة ومحامين وباحثين – أن يعيدوا الاعتبار لهذا الإجراء، وأن يتعاملوا معه بوصفه سلاحًا مشروعًا يجب استخدامه عند الحاجة، وليس إجراءً هامشيًا يتم تجاهله في غمار سيل الأدلة.
وإن المتأمل في أحكام النقض ليجد أن القاضي المصري عندما يُعرض عليه طلب استجواب جاد، فإنه يوازن بين ضرورات العدالة وسلامة الإجراءات، ويزن الطلب بميزان دقيق، ولا يقبله إلا إذا استوفى شروطه القانونية. فإن قبله، كان ملزمًا بإجرائه، وإن رفضه، وجب عليه بيان سبب الرفض بوضوح لا لبس فيه، وإلا عُدّ إخلالًا بحق الدفاع وعيبًا في التسبيب.
وختامًا، فإن الدراسة تخلص إلى أن الاستجواب، وإن لم يكن من الوسائل الإلزامية، إلا أنه يُعد وسيلة فعّالة ذات بُعد استراتيجي في الإثبات المدني، يتوقف نجاحها على دقة التوظيف القانوني من قبل المحامي، وحُسن التقدير من جانب القاضي، ونزاهة الخصومة الإجرائية في ساحة القضاء.
التوصيات الختامية:
إدماج الاستجواب في الخطط التدريبية القضائية للمستشارين الجدد بما يعزز مهاراتهم في تقييم جديته وجدواه. نشر الوعي المهني بين المحامين بشأن ضوابط طلب الاستجواب وشروطه القانونية وأهميته التكتيكية في الدعوى. حث المحاكم على تسبيب قراراتها بشأن قبول أو رفض الاستجواب، لا سيما إذا كان جوهريًا. تفعيل دور القضاء العالي (النقض) في مراقبة مدى احترام المحاكم الابتدائية لطلبات الاستجواب، حماية لحق الدفاع. اقتراح تعديل تشريعي ينص صراحة على التزام المحكمة بتسبيب رفض الاستجواب، بما يقطع الجدل الفقهي حول سلطتها التقديرية المطلقة.
النصوص القانونية
نص القانون رقم 25 لسنة 1968 والخاص بإصدار قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية في الفصل الثاني منه على ضوابط استجواب الخصوم. ونصت المادة 105 على أنه للمحكمة أن تستجوب من يكون حاضراً من الخصوم ولكل منهم أن يطلب استجواب خصمه الحاضر. فيما نصت المادة 106 على أن للمحكمة كذلك أن تأمر بحضور الخصم لاستجوابه سواء من تلقاء نفسها أو بناء على طلب خصمه، وعلى من تقرر استجوابه أن يحضر بنفسه الجلسة التى حددها القرار.كما نصت المادة 107 على أنه إذا كان الخصم عديم الأهلية أو ناقصها جاز استجواب من ينوب عنه، وجاز للمحكمة مناقشته هو إن كان مميزاً في الأمور المأذون فيها. ويجوز بالنسبة إلى الأشخاص الاعتبارية توجيه الاستجواب إلى من يمثلها قانوناً. ويشترط في جميع الأحوال أن يكون المراد استجوابه أهلا للتصرف في الحق المتنازع فيه.ونصت المادة 108 على أنه إذا رأت المحكمة أن الدعوى ليست في حاجة إلى استجواب رفضت طلب الاستجواب. فيما نصت المادة 109 على أنه يوجه الرئيس الأسئلة التى يراها إلى الخصم، ويوجه إليه كذلك ما يطلب الخصم الآخر توجيهه منها وتكون الإجابة في الجلسة ذاتها إلا إذا رأت المحكمة إعطاء ميعاد للإجابة.كما نصت المادة 110 على أن تكون الإجابة في مواجهة من طلب الاستجواب، ولكن لا يتوقف الاستجواب على حضوره.ونصت المادة 111 على أن تدون الأسئلة والأجوبة بالتفصيل والدقة بمحضر الجلسة، وبعد تلاوتها يوقع عليها الرئيس والكاتب والمستجوب، وإذا امتنع المستجوب من الإجابة أو من التوقيع ذكر في المحضر امتناعه وسببه.كما نصت المادة 112 على أنه إذا كان للخصم عذر يمنعه عن الحضور للاستجواب، جاز للمحكمة أن تندب أحد قضاتها لاستجوابه على نحو ما ذكر. ونصت المادة 113 على أنه إذا تخلف الخصم عن الحضور للاستجواب بغير عذر مقبول أو امتنع من الإجابة بغير مبرر قانونى جاز للمحكمة أن تقبل الإثبات بشهادة الشهود والقرائن في الأحوال التى ما كان يجوز فيها ذلك.